بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

تحولات مفصلية نحو بلورة نظام دولي جديد

(أي قطبية تصلح لهذا النظام،؟) (ح-65)؛

شبكة البصرة

د. أبا الحكم

المقدمة:

المنطقة مرشحة لتوترات خطرة.. فهل يشعلها سباق التسلح.. وإذا ما اشتعلت فمن يستطيع إخماد نيرانها التي تحيطها براميل بارود؟!

- توازن القوى وتوازن المصالح.. هل يتحقق هذان التوازنان؟:

- معضلة الأمن (Security Dilemma)، المشرق والخليج العربي:

- منطقة الشرق الاوسط.. تناقضات وسياسات نحو التصادم:

- سياسة سباق التسلح في المنطقة.. لماذا وكيف؟:

 

1- توازن القوى وتوازن المصالح هل يتحقق هذان التوازنان؟:

يمكن فهم توازن القوى، أن دولة ما قد ارتقت في قدراتها نحو تجميع عناصر القوة.. بحيث باتت تشعر بالتفوق.. وهو الأمر الذي يدفع دولة أخرى إلى الدفاع عن نفسها في الحصول على القوة أو الدخول في تحالفات قوى لكي تحقق التوازن.. هذا المفهوم المبسط يعطي معنى لحركة الدولة حين تستشعر الخطر أو التحدي الناجم عن تراكم القوة لدى جارتها خاصة التي تضمر لها العداء وإن تاريخ علاقاتهما يشهد على النيات المبيتة - مثلما يحصل الآن ومنذ عام 1979 والدولة الأيرانية ما انفكت تبني قوتها على حساب دول المنطقة وأمنها واستقرارها، الأمر الذي دفع بهذه الدول إلى التحالف والتوجه صوب التسلح لبناء القوة من أجل التوازن وردع العدو ومنعه من العدوان -.

- في خضم الصراعات التي تجري على مسرح السياسي (الأقليمي)، ليس هنالك (توازن قوى) بالمعنى المتعارف عليه، لأن (فراغات الأمن) والصراعات لا تبقي مثل هذا التوازن.. كما لا يبقي (توازن المصالح)، هو الآخر بسبب اتساع (فراغات الأمن) والصراع المحتدم والمستمر بـ(الوكالة)، وإذا ما وجد شيئًا من (توازن القوى) فهو نسبي ويتأرجح تبعًا لمعايير القوة ودفاعاتها وترساناتها ومستوى التسلح لديها.

إذن.. هنالك (صراع قوى) و(صراع مصالح) يتداخل فيه الأقليمي والدولي في صيغة غريبة تعكس (تحالفات) براغماتية مؤقتة ومشروطة، تغيب عنها قواعد الصراع الاستراتيجية، حتى وإن ظهرت في صيغة إستراتيجية.

ومثل هذا الصراع يختلف عن كل الصراعات التقليدية السابقة، التي كانت محكومة بقوانين دولية وصراعات جيوشها النظامية.. بيد ان الصراعات الراهنة تتم في خارج أطر القانون الدولي وخارج مضامين مبادئ ميثاق المنظمة الدولية المشلولة أصلاً، والتي تحمل صيغة حروب المليشيات المسلحة المؤدلجة.. والمشكل إن الجيوش النظامية، وهي تعمل خارج القانون الدولي المغيب أصلاً، ترتبط مع هذه المليشيات بروابط رسمية في التنسيق والتعبئة والتسليح، وهو الأمر الذي يجعل هذا النوع من الصراعات لا يستهدف إنتصارات سياسية محددة، إنما يستهدف التدمير الشامل والكامل للواقع الجيو- سياسي لواقع الدول وفرض سياسة الأمر الواقع عن طريق القوة المفرطة وبتغيرات جذرية.. هذا النمط من الصراعات، التي تحدث في العراق وسوريا واليمن على وجه التحديد، يعد من اخطر الصراعات في العالم واشرسها، لأنه لا تحكمها ضوابط أو قواعد الصراع المكفولة بقواعد قوانين الحرب.

التوازن الممكن في مسألة الصراع المتبقي هو (توازن القوى النووية)، حيث تختفي خلف توازن الرعب، صراعات (تقليدية) ترمي الى تغيرات جيو- سياسية تشمل الجغرافيا وخرائطها السياسية في آن واحد لفرض أو الأستحواذ على مناطق النفوذ وإيجاد مواضع قدم إستراتيجية.

الأشكالية الراهنة:

هي ان القوة التي يتوجب ان تضبط شؤون العالم في اطار المنظمة الاممية باتت منفلتة في خارجها.. والخطورة تكمن في مرحلة تراجعها منذ العام 2011 بسبب تآكل اقتصادها.. والمعنى أمريكا.

والصراع القائم بالوكالة.. هو صراع من اجل فرض (التأثير) ليس بمعايير التوازن.. هنالك (إختلال) كبير قي ميزان تعادل القوى الدولي، رغم ان امريكا في حالة تراجع.. إنما هنالك (إختلالات) في التوازنات الاقليمية انتجها الأحتلال.. والحديث عن توازن قوى اقليمية بعد أن أنتهاك نظام الأمن الأقليمي وجوهره نظام (الأمن القومي العربي)، هو توازن (نسبي) متصاعد ويكتسب شكل سباق للتسلح.. وهذا ايضًا لا يكفي للتوازن، لأن التوازن في القوى لا يقتصر على السلاح والتسلح، إنما على جملة من عناصر القوة، التي تدفع بالقوى الى صدارة التوازن الحقيقي الذي يحفظ (توازن المصالح).. وما دام اختلال التوازن في القوى قائمًا فأن الحديث عن توازن المصالح ضربًا من الخيال في ظل غياب احكام القانون الدولي وأحكام المنظمة الدولية.

- فـ(توازن القوى) ممكن أن يتشكل حين يستقر محور الميزان من التذبذب بعد أن تأخذ مصر ككتلة جيو سياسية كبيره مكانتها الطبيعية في التوازن، والعراق بعد أن يتحرر من الأحتلالين الأمريكي والفارسي ليعود جناح الأمة الشرقي في إستراتيجية الأمن القومي العربي، وسوريا بعد أن يتخلص من الهيمنة الأيرانية والروسية والنظام الدموي.. عندئذٍ، سيتحقق توازن قوى الأمة مع القوى الأقليمية ككتل جيو- سياسية كبيرة ومؤثرة هما تركيا وإيران.. أما (توازن المصالح) فمن الصعب الأعتقاد بوجود مؤشر يؤكد هذا التوازن لصعوبة وضع مناهج السياسات الخارجية موضع تطلعات القيادات السياسية للدول الأقليمية!!

 

2- معضلة الأمن (Security Dilemma)، المشرق والخليج العربي:

لم تأتِ الشكوك من الخيال في عالم السياسة.. ولم تكن المخاوف انعكاس للاوهام التي تضخم رؤية المخاط، والحديث هنا عن السياسة.. فان مخاوف الامن تنطلق من حقائق واقعية ملموسة كأن تعلن دولة ما عن نيتها غير الطبيعية في التعبئة وتجميع عناصر قوتها وتتسلح بطريقة واسعة وغير مبررة.. فالتسلح يقود الى سباق للتسلح الذي يعزز معضلة الأمن (Security Dilemma)، وقد يرافق سباق التسلح تحالفات ومحاور إقليمية تدعو الى الشك والريبة بشأن مسائل الأمن والأستقرار:

دعونا نرى من هي الدولة التي تكرس معضلة الأمن في المنطقة وتزعزع الأمن والأستقرار فيها:

- التسلح الأيراني (التقليدي) الذي يتسع كثيرًا، والأصرار على خط الأنتاج السري (غير التقليدي)، وتزيد وحدات الطرد المركزي الحديثة في تخصيب اليورانيوم، الذي تتمسك به طهران، وتمارس تجاربها الصاروخية الباليستية، يدفع بصورة طبيعية، معظم دول المنطقة إلى التسلح من أجل، إما التوازن في القوة أو تعزيز الوضع الدفاعي أو الردع المقابل.. وهذا يعتمد على حشد القوة من جهة، وطبيعة التسلح النوعي من جهة أخرى.

- هنالك طرف منتج للسلاح، يراقب ويقوم بعرض امدادات التسلح لجني الأموال وإبقاء حالة التصعيد ولا يكترث بأنهيار الأمن الأجتماعي ويدفع نحو سباق التسلح والأحتقان والتصادم.

- هذا الوضع، الذي تتجسد فيه معضلة الأمن لا يُسَهِلْ لأن ينشأ أي نظام للأمن الأقليمي، إنما يفكك نظام الأمن القومي العربي ويقوض بالتالي مصالح جميع الفرقاء الذين يتعاملون مع اطراف التصعيد.

- هنالك قوى اقليمية كبرى في المنطقة (السعودية وتركيا ومصر) تعيش توترات بسبب السلوك الايراني التوسعي، فيما تعيش باقي الدول قلقًا متعاظمًا جراء هذا السلوك، على الرغم من أن تركيا تتوجس خطواتها بحذر شديد على أساس معطيات الدفاع عن أمنها القومي.. فيما يظهر السلوك الأيراني عدائيًا ولا يستثني أحدًا من دول المنطقة.. وهو الأمر الذي يدخل في دائرة القانون الدولي ومعالجة هذا السلوك بروادع عملية مضمونة ومؤكدة.

 

3- منطقة (الشرق الاوسط).. تناقضات وسياسات نحو التصادم:

هناك اضطراب كبير في منطقة (الشرق الأوسط).. وهذا الأضطراب قد زعزع سياسات الدول وأربك إستراتيجياتها غير المركزية، نتيجة للأحداث المتسارعة، في شكل أفعال عسكرية متلاحقة وتحركات سياسية سريعة ومكوكية، بحيث لم يعد الأحتكام لأسس العمل السياسي الذي يؤكد على مبدأ التحليل القائم على الترابط الموضوعي في ضوء عناصر التحليل المعروفة مجديًا.. واحيانًا كثيرة يخرج عليها حتى أن تطبيق مبادئ الأستراتيجية قد اختفى تقريبًا وحل محله الأستنتاج القائم على (ردة الفعل).. فما هو، الثابت والمتحرك على ساحة (الشرق الأوسط)؟:

أولاً- لم يعد الأحتكام الكلي لمبدأ الأستراتيجية.

ثانيًا- ظهور مبدأ رد الفعل غير المنضبط على مستويات مختلفة، والأستباق في الفعل، وعدم الأحتكام لمنهج التصعيد المتدرج.

ثالثًا- تجنب التصادم المباشر بين القوى الأقليمية بعضها ببعض.

رابعًا- إعتماد مبدأ التوكيل أو التصادم أو الصراع بـ(الوكالة).

خامسًا- عدم ثبات التحالفات.. بعضها مؤقت وشكلي وبعضها توافقي- براغماتي.. لم ترتق الى مستوى التحالفات الأستراتيجية عدا التحالف الأستراتيجي القائم بين امريكا و (إسرائيل) حسب اتفاقية مشتركة وقعت في عام 1985.

سادسًا- أشباه جيوش تتصادم وليس جيوشًا نظامية، باتت تأخذ صيغ الأنفلات وعدم الرضوخ لقواعد الحروب وقوانينها وسياقات عملها وإلتزاماتها والأتفاقيات والمعاهدات التي تحكم مساراتها ونتائجها.

سابعًا- ظهور نزعات تفكك وإنسلاخ داخل الوحدات السياسية للدولة القومية في إثر نزعات التصادمات الطائفية والأثنية بفعل سياسات إثارة مبيتة.

ثامنًا- تعامل الدول والحكومات مع (مليشيات) طائفية مسلحة على مستوى تنسيق السياسة والأمن.

تاسعًا- الدول الكبرى والعظمى وحدها قادرة على ان تتعامل تقريبًا مع معطيات هذا الواقع المتحرك، ليس على أساس الثابت القوي، لأن المخاطر باتت تجتاح كل شيء حتى الثابت، وذلك بالأعتماد على ما يسمونه:

1- تعزيز التوجهات التي يمكن الاعتماد عليها.

2- عدم قطع (شعرة معاوية) في العمل السياسي والدبلوماسي.

3- تنمية القدرات للتعامل مع (المنعطفات الحادة) بطريقة الجاهزية على المواجهة، والعمل (الأستباقي).

4- تنمية القدرة على الحوارات مع مختلف الفرقاء في ضوء محصلة الثابت ومحصلة المتحرك في آن واحد!!

تاسعًا- قدرة الدول والحكومات في اللعب سياسيًا وتعبويًا على (التناقضات) والتعامل (المزدوج) المعايير مع الأضداد!!

- سياسة سباق التسلح في منطقة (الشرق الأوسط).. لماذا، وكيف؟:

يتبع...

11/10/2017

شبكة البصرة

الاربعاء 21 محرم 1439 / 11 تشرين الاول 2017

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط