بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مهندسوا مشروع (القومية الشيعية) 1

شبكة البصرة

صلاح المختار

خطة انهاء الامة العربية بكافة اقطارها، بتقسيمها وتغيير هويتها القومية واقامة كيانات مجهرية مستلبة الارادة، تصل مرحلة اكثر تعقيدا بطرح مشروع تحويل الغطاء الطائفي العلني للغزوات الايرانية الى قومية (شيعية)! التبشير بتلك الخطوة جاء في مقال للكاتب اللبناني حازم صاغيّة الذي عرف بتقلباته السياسية والايديولوجية نشره في جريدة الحياة اللندنية يوم 29 سبتمبر/أيلول 2017 يقول فيه: (يقتحم مهنّد الحاج علي، بعمل بحثيّ - ميدانيّ، في أطروحته التي نشرتها كتاباً دار بلغريف ماكميلان بعنوان: القوميّة والرابطة العابرة للقوميّة والإسلام السياسيّ - هويّة حزب الله المؤسّسيّة، يرصد هويّة الحزب وحداثيّته، لكنّ أهمّ ما في هذا الكتاب المهمّ تركيزه على حزب الله من زاوية المشروع القوميّ الذي يرعاه لبناء هويّة شيعيّة جديدة للشيعة اللبنانيّين.) ويتطوع الكاتب بحماس واضح لتوفير سوابق لمشروع القومية (الشيعية) فيقول: (هكذا تغدو إعادة بناء التاريخ الشيعيّ اللبنانيّ على يد الحزب جهداً حديثاً يشبه جهود القوميّات الأوروبيّة في هذا المضمار، ومنظوراً إليه من زاوية الموقع العدديّ الشيعيّ في لبنان أو في العالم الإسلاميّ، إنّما يتيح الحديث عن قوميّة أقلّيّة وقوميّة طائفيّة.)

ويحدد الكاتب متطلبات المشروع والتي قام حزب الله بتوفيرها فيقول: (أمّا العمودان اللذان قامت عليهما الدعوة الإيديولوجيّة التي ترعاها المؤسّسات، واللذان أريد لهما أن يكونا لحمة الأمّة الموعودة، فهما المقاومة وولاية الفقيه والحزب مصرّاً على الثقافة بوصفها ما يصنع الهويّة، حيث أنّ المقاومة ليست الهدف، بل نتاج من نتاجات الثقافة.) يقول صاغيه متقدما خطوة للامام: (والحزب، يستخدم تغيير الطقوس التقليديّة الشيعيّة في خلقه للهويّة. وهذا يتجسّد أكثر ما يتجسّد في عاشوراء. فقبل 1982 كانت طقوس عاشوراء الشيعيّة ذات شكل مضبوط وغير سياسيّ. لكنّها مذّاك تغيّرت جذريّاً لتغدو أشدّ حدّةً ودراميّةً وسياسيّةً، وأحياناً استفزازيّة للطوائف الأخرى. ففي السبعينات، كان احتفال عاشوراء الرئيسيّ يُعقد في المدرسة العامليّة ببيروت، ولم يكن سياسيّاً بتاتاً. وكان الحضور بعد قراءة مصرع الحسين يؤوبون إلى بيوتهم، فيما كانت اللطميّة أقرب إلى اللمس غير الموجع للجسد.)

وبعد ان يعقد تلازما سببيا واضحا بين بروز حزب الله وممارسته للمقاومة وبين تحويل الطقوس الطائفية الى هوية يقول صاغيه: (على أنّه مع ثورة إيران وتنامي نفوذها في لبنان، خصوصاً بعد غزو 1982، تغيّرت تلك الطقوس نوعيّاً. فقد غدت المسيرة أو التظاهرة التي تلي المصرع استعراضيّة، تعيد إنتاج التظاهرات التي شهدتها إيران قبيل الثورة والتي أفضت إلى إطاحة الشاه. واليوم بات الحزانى الشيعة يتدفّقون على الشوارع بعد تلاوة المصرع، كما باتت التظاهرة سياسيّة تملأها الهتافات للمقاومة الإسلاميّة والتنديد بأميركا وإسرائيل اللتين تُحرق أعلامهما وتتم مماهاتهما مع قاتلي الحسين.كذلك لم تعد المسيرات محصورة بالنبطيّة وبيروت، بل باتت تحلّ حيث هناك تجمّع سكنيّ شيعيّ، حتّى لو كان التجمّع أقلّيّاً في منطقة أكثريّتها سنّة أو مسيحيّون.)

ويحدد صاغية الهدف فيقول: (بيد أنّ هذا التعارض بين مقدّمات دينيّة وتاريخيّة وبين استخدامات حديثة إنّما يُفهم، هو أيضاً، من ضمن المشروع القوميّ لهندسة الهويّة الشيعيّة. وهو مشروع متراصّ بقدر ما هو عسكريّ.) ويؤكد صاغية على اهمية الثقافة وتعبئة الناس عقائديا تحت مظلة العمل العسكري وفي افياء انجازاته فيقول: (ومع أنّ حزب الله أساساً قوّة عسكريّة وأمنيّة، فإنّه أيضاً الناشر اللبنانيّ الأكبر، وهو الاهتمام الذي ظهر في الثمانينات وتطوّر في التسعينات ليشتدّ بعد انسحاب 2000. فهو، مثلاً، ينشر مجلّة تطبع 30 ألف نسخة هي بقيّة الله التي لا تنافسها أيّة نشرة لبنانيّة أخرى، فإنّ بعضها كـكشّافة المهديّ يملك مجلاّت عدّة تستهدف فئات عمريّة مختلفة، وهناك المرشدة للكشّافات البنات. أمّا إحدى دور نشره، المعارف، فنشرت مئات الكتب والدراسات الإيديولوجيّة.)

 

ما الذي يبدو واضحا لنا من المقتطفات السابقة؟

1-لنبدأ بدار النشر التي تبنت نشر كتاب يبشر ب(القومية الشيعية) فهذه الدار هي Palgrave Macmillan)) وهي دار رفيعة المستوى واكاديمية امريكية - بريطانية تنشر الدراسات ذات المحتوى المهم والطبيعة الاكاديمية، وهنا نجد انفسنا امام قضيتين: القضية الاولى ان الدراسة التي اعدها الكتاب ليست اكاديمية ولا علمية وكما يبدو من عرض صاغية لانها تقوم على تأسيس قومية بقرار سياسي ارادي وليس بعوامل موضوعية حتمية لانبثاق قومية، وبفترة زمنية لاتسمح بتأسيس اكثر من شركة ناجحة والسبب هو ان القومية هي ثمرة تطور يستغرق قرونا، بل الاف السنين قدر تعلق الامر بالامم الشرقية العريقة، وليس عقودا كما هي حال حزب الله ومشروع ولاية الفقية الحديث وقصير العمر والمحدود الشعبية حتى في اسرائيل الشرقية، ناهيك عن اعتماد مشروع (القومية الشيعية) على الطائفية حصرا وتحديدا وهو عنصر غريب على اي مفهوم قومي عرفته البشرية، فالمشروع الصهيوني مثلا هو مشروع ديني وليس طائفي ومع ذلك فان دعوته لاعتبار اليهودية قومية مازالت ترفض وتحاصر وتنقد بشدة.

اما القضية الثانية فهي ان خصوصية دار النشر المتعالية على النشر العادي واكاديميتها المعروفة تسخر لترويج نظرية سطحية ومتخلفة المضمون والهدف ومتناقضة بشكل صارخ ومكشوف لايمكن ترويجها الا اذا اكتسبت غطاء اكاديميا محترما ومعترفا به دوليا ولهذا طبعته دار نشر بلغراف ماكميلان وليس اي دار نشر اخرى عادية، اذ يكفي اسمها لاثارة الفضول الاكاديمي وللعامة،ولكي تحظى بدعم الجهات التي تحترم تلك الدار وتعرف من وراءها، فالذي يكتشف ان الدار التي نشرت الدعوة لانشاء (قومية شيعية) هي هذه الدار بكل ما تحمله من تراث وصلات وهوية راقية وليس دار نشر عربية تمولها طهران او حزب الله مثلا يدرك فورا ان وراء مشروع اطلاق (القومية الشيعية) المؤسسات الصانعة للقرار النهائي في كل من بريطانيا وامريكا ودون ادنى شك فان المؤسسة الصهيونية هي الداعم الاكثر حماسا لهذا المشروع.

ولكي يكتمل الايحاء عربيا فان من قدم للكتاب وحاول تعزيزه هو كاتب لبناني اسمه حازم صاغية قدم اقامته في بريطانيا وصلاته العميقة بمؤسساتها تضفي على الكتاب والمشروع اتجاها معروفا هو نفس الاتجاه الذي بشر بوعد بلفور وسايكس بيكو، فالمشروع اذا هو ومن النظرة الاولى تطور وتصاعد لاتفاقية سايكس بيكو الثانية وخطوة على طريق (الربيع العربي) الذي ولدته من رحمها الطبيعي.

 

2- هنا اعتراف علني بان كل اعمال حزب الله ضد اسرائيل الغربية واحتكاره لتحرير جنوب لبنان كان مجرد عملية توفير غطاء وطني ومقاوم يحميه من الادانة ويبقي الدعم متواصلا له حتى وهو يقوم بتنفيذ خطوات اكبر واخطر عمليات تقسيم للاقطار العربية على اسس طائفية وعرقية مرسومة سلفا من قبل نفس من طبق سايكس بيكو الاولى في مطلع القرن العشرين ومن يطبق، وكتكملة لها، سايكس بيكو ثانية وهي التي نعيش في ظل كوارثها الان. من الضروري اذا تناول التمهيدات القديمة والحديثة لما يجري الان خصوصا طرح مشروع (القومية الشيعية) بصفته خطوة متطورة بنيت على ماتم انجازه حتى الان من اعداد طائفي متطرف. فبريطانيا عرف عنها انها الحاضنة الاساسية والاولى لمشروع الاسلام السياسي بشقية الشيعي والسني منذ بداية القرن الماضي وسجل التاريخ الحديث ان رجال الدين في اسرائيل الشرقية كانوا، ومازالوا، يحظون بدعم شامل من قبل بريطانيا خصوصا وان الاخيرة كانت تنمي كافة اشكال الانشقاقات في المستعمرات كالهند والدول العربية وفقا لمبدأ معروف وهو (فرق تسد) وهو مبدأ ارتبط ببريطانيا اكثر من غيرها.

 

3- هناك اطروحة مدسوسة ملفقة من قبل المخابرات البريطانية تحديدا روجتها عندما احتلت العراق بعد انهيار الدولة العثمانية وهي اطروحة (الاغلبية الشيعية والاقلية السنية) في العراق، وهذه من بين اول ما روجه الاستعمار البريطاني في العراق رغم انها اطروحة فاسدة لاسند لها لعدة اسباب اهمها ان اي احصاء على اساس طائفي لم يجرى في العراق اطلاقا خلال القرن الماضي والقرن الحالي لذلك فكل ما يقال عن اقلية واكثرية طائفية ليس سوى تلفيقات مخابراتية اجنبية هدفها اشعال الفتن الطائفية. وهنا لابد من التذكير باننا لايهمنا اطلاقا اي طائفة تشكل الاغلبية مادامت عربية الهوية فالقومية العربية ترفض التمييز الطائفي من الاساس ولاتعترف بالطائفية وتؤمن بمبدأ المواطنة المتساوية فقط، لكننا نرفض رفضا قاطعا طرح معلومات زائفة بهدف اشعال فتن بين العراقيين، وهذا هو التفسير الصحيح لظاهرة ان العراق لم يشهد تمييزا طائفيا خصوصا منذ بداية القرن العشرين وحتى غزو العراق وما حصل بعد الغزو كان من عمل الاحتلال واطرافه الاقليمية.

الاستعمار البريطاني روج اطروحة (الاغلبية الشيعية المحكومة من الاقلية السنية) كي يشعل الفتن الطائفية وكانت اسرائيل الشرقية في زمن الشاهين رضا بهلوي وابنه محمد رضا ورغم علمانيتهما الرسمية الا انهما تلقفا الاطروحة البريطانية لانها تعطيهما نفوذا في العراق لو روجت ونجحت. لكن ما قدمه الحكم في العراق طوال ثمانية عقود كان نظام حكم ليس فيه تمييز طائفي ولو تفحصنا اسماء من حكموا العراق لوجدنا انهم من كافة الاثنيات والطوائف الاسلامية والمسيحية وحتى اليهودية قبل احتلال فلسطين. المواطنة العرقية كانت هي المعيار وليس غيره لكن الاستعمار البريطاني زرع بذور الطائفية ونماها فاوجد اقلية تروج لها بسرية تامة لان الرأ ي العام العراقي كله كان ضدها.

 

4- وضعت لحزب الله ستراتيجية ايرانية مخابراتية تفصيلية كي يوصل للهدف المركزي للمرحلة الجديدة وهو كسب قلوب العرب، او بعضهم على الاقل، من اجل امرار وانجاح الغزو الايراني للاقطار العربية ودعمه من قبل عرب فكانت فلسطين هي العنوان الدعائي لخميني وتابعه وصنيعته حزب الله، ولكن الخطورة في خطة المخابرات الايرانية كانت السيناريو الذكي جدا وهو خوض حزب الله معارك حقيقية مع اسرائيل الغربية، تماما مثلما فعلت وتفعل كل من المخابرات الامريكية والاسرائيلية مثل قبول قتل السفير الامريكي في باكستان مع اغتيال ضياء الحق، او مهاجمة يهود العراق بالقنابل لضمان تهجيرهم الى فلسطين والتي قامت بها المنظمة الصهيونية العالمية، ففي عمل المخابرات يمكن التضحية بكثيرين من اجل تصفية طرف معين او تحقيق انجاز معين.

من دون حرب حقيقية مع اسرائيل الغربية لن يكتسب حزب الله سمعة جاذبة للجماهير العربية تجعلها تدعمه حتى لو جاهر بتبعيته لاسرائيل الشرقية وهي تحتل اقطار عربية، لان المطلوب كان تخليق مشاعر ولاء لاسرائيل الشرقية تتجاوز التعاطف الطائفي او العداء الطائفي فبعض الشيعة العرب يجب ان يرتقوا بدعمهم لاسرائيل الشرقية من مجرد التعاطف الطائفي الى حالة انتماء لهوية جديدة تتجاوز قوة التأثير الطائفي لمرحلة ماقبل خميني اضافة لكسب عرب من مختلف الاديان والطوائف وجعلهم انصارا لخميني وخامنئي ومهما فعلا بالعرب، لاجل البدء بخلق الظروف المناسبة لنشوء ما سمي الان ب(القومية الشيعية).

يتبع.

Almukhtar44@gmail.com

11- 10-2017

شبكة البصرة

الاربعاء 21 محرم 1439 / 11 تشرين الاول 2017

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط