بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

أهمية ودلالات الانتفاضة الشعبية في ايران

شبكة البصرة

د. سامي سعدون

أنتفاضة شعوب ايران التي تشهدتها طهران وغالبية المدن الإيرانية والمتواصلة منذ ما يقرب الأسبوعين..لم تكن مفاجئة ووليدة ظرفها الراهن وانما هي امتداد لم يتوقف لانتفاضات متباينة بين فترة واخرى ومنذ العام 2015، محركها الأساس معاناة شعوب ايران من الفاقة والافقار والتجويع والتخلف والقمع والاضطهاد القومي لما يقرب من 40 عاماً لحكم الملالي الدكتاتوري المتخلف لتصل اليوم وفي تحد كبير الى حالة الرفض لسياسات الملالي على الصعيدين الداخلي والخارجي!ورغم ان البعض يشبهها بتظاهرات عام 2009 التي دعا اليها الإصلاحيون، آنذاك، بعد تزوير الانتخابات الرئاسية لصالح ولاية أخرى للرئيس المحافظ احمدي نجاد، وتلك كانت مسيسة واكثر حضوراً وأقيمت في العاصمة فقط! الا ان الانتفاضة الحالية شعبية ولم تقف خلفها اية جهة سياسية عند اندلاعها، وكذلك لم تكن وراءها اية دولة او قوة بخلاف ما اعلنه الروس تأييداً لاتهامات نظام طهران للولايات المتحدة والسعودية، وذهاب(محسن رضائي) رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام الى ابعد اذ ادعى انها "عملية خارجية طبخت في أربيل بين الولايات المتحدة والسعودية ومسؤؤلين عن نظام صدام وممثلين عن مسعود البارزاني ومجاهدي خلق!" وقد حذر (غلام علي خوشو) مندوب ايران لدى الأمم المتحدة في جلسة مجلس الامن ليوم 7/كانون ثاني ـ يناير الجاري التي نوقش فيها ما يجري في ايران بقوله "اذا ما استمرت الانتفاضة سيعود صدام وصحبه؟!" ورغم ان بعض الجهات الإيرانية المعارضة حاولت بالتأييد والاعلان والقيام بالتظاهر في بعض العواصم الاوربية، كما فعل عناصر مجاهدين خلق خلال التظاهر مؤخراً برفع صورة كبيرة لـ مريم رجوي، محاولين الإيحاء بمشاركتهم وركوب الموجة الّا انه الى اليوم ثبت ان الانتفاضة عبارة عن سخط شعبي انفجر تلقائياً بعد طول صبر ومعاناة، فما زال الشباب الذين تتفشى بينهم البطالة والتي تفوق نسبتها الى 15% وكذلك المسحوقين الذين تصل نسبة من هم تحت خط الفقر 19%!والبعض من الطبقات المتوسطة وجميع من يعاني هم من يشكل غالبية المتظاهرين! فالانتفاضة اندلعت في مدن الجنوب في ارومة أذربيجان وتبريز وتشامهار لتعم المدن الأخرى وبالاخص كرمنشاه وسنندج وايلام وقوجان ورشت وقم ومشهد والاحواز وشاهين وسط البلاد لتصل الى ساحة الفردوس في مركز طهران لتصل اليوم 12 كانون ثاني ـ يناير الجاري مدن الشمال، محركها الرفض لقرارات زيادة أسعار الوقود والخبز والبيض والزيت واللحم وعموم المواد الضرورية، واتسعت بسرعة لتصبح شاملة في انتشار لهبها ولائحة مطالبها حيث اعلن المنتفضون رفضهم لنظام الجمهورية الإسلامية ولسياساته الداخلية التي يطلق عليها قادة الحرس الثوري بالقبضة الحديدية في القمع والتنكيل والاعتقالات والاعدامات مع افقار اجتماعي وقهر قومي من قبل الفرس للاعراق والقوميات الخمس الكبرى الأخرى وهم العرب في الاحواز والكرد في سنندج والاذريين والاتراك في كرمنشاه وتبريز إضافة الى البلوش والارمن والافغان وكذلك الرفض للسياسة الخارجية القائمة على التوسع والاحتلال وفرض النفوذ ودعم المنظمات الإرهابية وانشاء المليشيات والمبالغة في توظيف أموال ايران وبكلف باهضة وصرفها على البرنامج النووي والتسليح الباليستي وتخصيص موازنة مفتوحة للقوات المسلحة والحرس والباسيج والمخابرات (اطلاعات) اذ تصل نسبة التخصيصات للشأن العسكري والاستخباراتي والتجسسي الى النصف احياناً رغم سيطرة المؤسسات العسكرية والأمنية وبالذات الحرس على 40% من المؤسسات الإنتاجية إضافة الى الاستثمارات غير المشروعة والسيطرة على تجارة المخدرات! ووصل مقدار انشاء ودعم وتمويل المليشيات الطائفية لتحقيق إحلام الحكام باحياء امبراطورية فارس الكبرى واقامة ما يسمى بالهلال اوالبدر الشيعي ما بين عام 2012 و2016 الى المليار دولار سنوياً يصرف على المليشيات في سوريا ولبنان واليمن والعراق والخلايا النائمة في بلدان أخرى! اما حزب الله وحده، وهو ما اعترف به حسن نصر الله، اذ يصل الدعم الايراني الى 200 مليون دولار! وقد انعكس ذلك سلباً على الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والمعاشية لغالبية الإيرانيين، لتقول الشعوب الإيرانية، وبقوة، قولتها في سياسة التدخل في شؤون البلدان المجاورة اذ يتباهى المسؤولون من ان 4 عواصم عربية أضحت تابعة لإيران، وفي رفضها للسياسة الداخلية ولنظام الملالي بشكل عام! وهذا ما انفجرت من اجله انتفاضة شعوب ايران الجائعة ومطالبتها بالقصاص من المسؤولين من النخب السياسية؟! وما يعنينا هنا الوقوف على أهمية الانتفاضة الشعبية، وما الذي تعنيه بالنسبة لمستقبل نظام الملالي المتخلف والانظمة والجهات المرتبطة به والتي يمكن اجمالها بالنقاط التالية:

1ـ أن اندلاع الانتفاضة واستمرارها وما رفعه وردده المنتفضون من شعارات وهتافات وما قاموا به من تحد كبيريعتبر صدمة قوية وهزة زلزلت الأرض من تحت اقدام حكام ايران وكشفت ان قوتهم وما يخصص من كلف باهضة للجانب الأمني والاستخباراتي والعسكري غير قادر على حمايتهم ورد المخاطر التي تتهددهم، فلا الرصاص الحي ودهس المتظاهرين بالسيارات المدرعة مما أدى الى سقوط عشرات الضحايا وقيام الحرس بمنع المنتفضين من دفن قتلاهم!، واستخدام خراطيم المياه والغازات المسيلة للدموع، والمطاردات والاعتقالات وتهديد علي اكبر ولايتي المستشار السياسي لخامئني بقوله : "سنشوي هؤلاء مثل الكباب "! ولا محاولات خلط الأوراق والتشويش على الانتفاضة الشعبية باستخدام ميلشيا الحشد الشعبى(الحرس الثوري في العراق) ضد المعارضين في الاحواز وعمليات لعناصر حزب الله على الحدود اللبنانية ـ السورية، ولا التخويف من عودة صدام حسين الذي مازال يرعبهم رغم رحيله؟!؟!!..بقادرة عن ثني الجياع والمضطهدين والمظلومين من دك قلاع الحكام والخروج ضدهم في احتجاجات غاضبة والهجوم على الحرس والباسيج وتجريدهم من ملابسهم ومطاردتهم حتى مقراتهم واستسلام البعض وتمزيق هوياتهم وإعلان ألتحاقهم بالانتفاضة فضلاً عن مهاجمة الشرطة واحراق سياراتهم وتدمير بعض المقرات واقتحام المنتفضين احد المطارات العسكرية في جنوب شرق البلاد، وحدوث انشقاقات في قيادات الحرس القوة الضاربة والقبضة الحديدية التي يحتمي نظام الملالي في ظلها!.

 

2ـ سقوط هالة "ولاية الفقيه" بعد قيام المنتفضين وغالبيتهم، ممن لاصلة لهم وغير محسوبين ولا معنيين بولاية الفقيه، من الشباب والمعدمين والمضطهدين ممن ولدوا بعد مجيء نظام خميني عام 1979.. بحرق الحسينيات ومكاتب الحوزات العلمية وبالأخص في قم ومشهد وطهران، والمجاهرة بالهتافات بموت خامئني "مرك بر خامئني والموت للحرس الثوري القتلة والسراق!، ولا غزة ولا لبنان.. روحي فدا ايران!، واتركوا سوريا وفكروا فينا، ويا ملالي استحوا واتركوا الحكم، وروحاني كذاب" وردد عرب الاحواز مهددين المتقاعسين عن المشاركة في الانتفاضة، هوسة "الما ينهض طكة بجيلة" فضلاً عن القيام بتمزيق صور خميني وخامئني وروحاني والتي داسوها بالاقدام! ويأتي ذلك مكملاً لما حصل في بعض المحافظات العراقية وفي سوريا وبعض المدن اليمنية.

 

3ـ عدم اقتصار مطالب المنتفضين على الأوضاع الاقتصادية والمعاشية بل تعدت للمطالبة بمحاسبة المسؤولين المفسدين ورفض الجمهورية الإسلامية كنظام سياسي لأول مرة ورفض لكل نخبه السياسية من محافظين واصلاحيين، والتركيز على رفض سياسة التوسع على حساب دول الجوار، وبث ثقافة الموت والإرهاب والتخلف والتعصب والطائفية تحت غطاء الدين، وتجويع شعوب ايران المضطهدة بالاسراف في الصرف والبذخ بالمليارات على الشؤون العسكرية والأستخباراتية وانشاء ودعم المنظمات والميليشيات الارهابية مما زاد من معاناة جموع الجياع والعاطلين وزاد من التخلف والتأخر! والمطالبة بالتغيير الشامل والجذري لمجمل الأوضاع ورفض أية إجراءات إصلاحية.

 

4ـ كشفت الانتفاضة ضعف النظام داخلياً وفقدان سحره وتلاشي جماهيريته اذ عجز عن تحشيد أنصاره في مواجهة المنتفضين في طهران وفشل بعد حضور عدة مئات من مجموع ما يقرب الـ 17 مليون من سكان العاصمة، وهذا ما يؤشر ان نظام الملالي في طور التفكك والزوال، وان شعوب ايران ماعادت تهاب البعبع المرعب وصاحب القبضة الحديدية الحرس الثوري ولا الباسيج ولاتخشى النظام رغم وحشية الإجراءات الردعية.

 

5- ان الانتفاضة وهذا الحراك الشعبي التي جاءت في ظل ما يسمى بالنجاحات لسياسة الملالي في الهيمنة وفرض النفوذ والتدخل في شؤون اكثر من بلد وضم 4 بلدان، وبعد تخفيف حدة لهجة الخطاب الأمريكي لادارة ترمب ضده والتنازل عن التهديد بخروج واشنطن عن الاتفاق النووي.. قد اكدت، إضافة الى التحدي، عمق الهوة والفجوة بين شعوب ايران ونظام طهران، وان مشاكل النظام الداخلية اعمق من ان تغطى بسياسة التمادي والاستهانة بالشعوب الأخرى ورعاية الإرهاب، كما ان ماحصل رسالة واضحة الى العالم من ان المعارضة لنظام الملالي في تصاعد وانها ستتمكن، عندما تتهيأ لها الظروف، من إزالة النظام الدكتاتوري المتخلف والمنبوذ.

 

6 ـ ان ربط ومشاركة نظام الملالي بالمخطط الامبريالي ـ الصهيوني بقيادة الولايات المتحدة لتنفيذ مخطط الرسمة الجديد ة لخارطة المنطقة، ووفق حسابات المصالح والاستثمارات الدولية الكبيرة في ايران سيدفع اكثر من طرف، وليس روسيا ومعها الصين حلفاء نظام طهران حسب، وانما العالم الغربي وغيره ممن يوظف استثمارات كبرى في ايران، للتدخل في دعم وبقاء نظام الملالي او على الأقل ترك المعارضين تحت قبضة هذا النظام، وهذا يعني ان الانتفاضة ستقمع ولكن لن تتوقف نهائياً ولن تكف شعوب ايران عن معارضتها وستتجدد انتفاضاتها وثورتها وستتمكن من اسقاط النظام الدكتاتوري المتخلف.

 

7ـ ما حصل هزة عنيفة للنظام الإيراني ولمن يتبعه من أنظمة وقوى في المنطقة وخارجها والذي سيهدد وجودها بالتأكيد ونعني العراق وسوريا وحزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن، اذ اكدت الانتفاضة ان لا مستقبل لنظام الملالي بعد رفضه داخلياً ورفض سياسته الخارجية العدائية المكلفة، فرغم التعتيم الإعلامي المفروض ستتكشف عورات النظام وتطفو الصراعات بين قطبي الحكم، المحافظين بقيادة خامئني والحرس، والاصلاحيين الممثلين بالرئيس الحالي حسن روحاني ومن يدعمه من أسماء معروفة مثل مهدي كروبي والرئيس الأسبق خاتمي وغيرهم، وسيضحي الأقوى بكبش فداء تنفرط به حبات التوافق الحالية!كما ان ماحصل سيزيد من الحراك وستتصاعد معارضة أبناء القوميات المضطهدة كالعرب في الاحواز، والاذريين (الاتراك) في تبريز، والكرد في سنندج، والبلوش في سجستان وكرمان، واللور والتركمان وغيرهم من القوميات المهضومة الحقوق، فلا مستقبل للنظام رغم حرسه وصواريخه الباليستية وميليشياته ومنظماته الإرهابية، ورغم عمالته لواشنطن والغرب فقد باعوا قبله حليفه الشاه محمد رضا بهلوي بعد انتفاء الحاجة له.

شبكة البصرة

الاثنين 21 ربيع الثاني 1439 / 8 كانون الثاني 2018

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط