بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

تحولات مفصلية نحو بلورة نظام دولي جديد (أي قطبية تصلح لهذا النظام؟) (ح-75)؛

شبكة البصرة

د. أبا الحكم

المقدمة:

- تريد الولايات المتحدة الأمريكية إقامة نظام دولي بزعامتها ولا تسمح ببروز (منافس) لها حتى من بين حلفائها!!

- النظام هذا ذو نزعة إمبريالية استعمارية تلغي من خلاله مصالح دول العالم وتكبح تطور دوله وتمنع أي محاولة لبلورة أي قطب كان.

- فمنذ نهاية عام 1989 وحتى نهاية عام 2011، كان نظامًا أحاديًا متفردًا جاء على أنقاض انهيار الاتحاد السوفياتي وتفكك حلف وارسو.. ولكن منذ نهاية عام 2011 - الانسحاب الأمريكي المهين من العراق - وحتى عام 2018 لم يكن نظامًا دوليًا جديدًا بمعنى النظام، إنما هو (وضع) يمثل فراغًا للقوة العالمية المتوازنة، برز مضطربًا ومشوشًا يخلو من أي معايير للتوازن الدولي والإقليمي، فيما عطل فيه مجلس الأمن الدولي وشلت المنظمة الدولية وجمد القانون الدولي، ووضعت العصي في آليات تنفيذ ميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن إصرار أمريكا على استبقاء فراغات (الأمن) و(السياسة) في أكثر من مكان وخاصة في المنطقة العربية على وجه التحديد، محاولة منها اللعب على مفصلين خطيرين:

الأول - التناقضات التي تعج بها المنطقة.

والثاني - التحالفات التي تتشبث بها بعض الأطراف لأغراض التوازن في القوى، نتيجة السياسة الأمريكية، التي أوجدت الفوضى العارمة وخلطت الأوراق بتغيير الأولويات دون أن تردع المعتدي، ودون أن تحسم أو تغلق ملفًا إقليميًا واحدًا!!

- النظام الدولي الجديد هو مجموعة أفكار وفرضيات تحاول أمريكا تطبيقها بالقوة المفرطة، وقد بدأتها بالعدوان على العراق واحتلاله، وفشلت في ذلك تمامًا.

- أمريكا واستراتيجيتها الراهنة تحاول الإبقاء على (الفوضى) لكي تضمن الاستمرار في صراعاتها الخارجية من جهة، ومن أجل التغطية على تناقضاتها الداخلية من جهة ثانية.

- أمريكا تعرقل وتمنع إقامة كل من فرنسا وألمانيا درعًا عسكريًا أوربيًا خاصًا.. وذلك لكي يبقى (الناتو) تحت زعامتها وسيطرتها.. كما تحاول منع الصين وروسيا الاتحادية وأوربا والبرازيل، وأي دولة كبرى ومناطق أخرى تتوفر على مقومات العناصر القطبية كالوطن العربي!!

 

- بقية.. التعددية القطبية.. رؤية "هنري كيسنجر":

- النظام الدولي الجديد.. رؤية أوربية:

 

1- بقية.. التعددية القطبية.. رؤية "هنري كيسنجر":

أكدت أفكار الثورة الفرنسية عام 1789 على ضرورة إعادة تركيب العالم، ليس على أساس (ديني)، إنما على أساس الـ(تغيير الواقعي).. والتغيير في الثورة الفرنسية يعتمد على (إرادة الشعب).. ولكن التغيير هذا، تفسيره عند "هنري كيسنجر"، الإرادة العامة الغامضة، وغموضها يكمن في (مكونات) القوى التي تحرك هذه الإرادة، متروك زمامها لمن يمتلك القوة والثروة كي يتحكم بهذه الإرادة بعيدًا عن (الديمقراطية) و(توازن السلطة)، حيث المحرك الأساس نحو التغيير الأمثل ولمصلحة الشعب. فالثورة الفرنسية أحدثت زلزالاً في القارة الأوربية، ومؤتمر فيينا 1815 أنجز تسويات وسلامًا نسبيًا، فيما نجح نظام توازن القوى في تثبيت السيادة والشرعية.. وفي هذا النظام العام باتت (النُظم الملكية المحافظة) أساسًا للشرعية!! ولكن هل أن هذه النُظم المنتصرة والخاسرة في الحروب الأوربية التي يحتويها نظام فيينا تمثل أساس الشرعية والسيادة، أم أنها تمثل مصالح العوائل الأرستقراطية والإقطاعية المحافظة، كما تمثل الرأسمالية الأوربية؟ أما الشعوب أو إرادة الشعوب، فلم يذكرها هنري كيسنجر!!

الحربان العالميتان الأولى والثانية كانتا تسعيان إلى الوصول إلى مرحلة توازن جديدة للقوى عام 1945.. ولكن هذه المرحلة تحتاج - حسب كيسنجر - إلى قوة أساسية لكي (تضبط التوازن) في أوربا - الولايات المتحدة - ومن هذا الباب جاءت أمريكا متأخرة لتشارك بقوة، ليس فقط في صناعة النظام وتشكيله، إنما لترميم أوربا بمشروع (مارشال) وفرض الوصاية الأمريكية عليها (المظلة النووية).. ومن هذه الزاوية فإن هنري كيسنجر يرى أن الولايات المتحدة تعيش تناقضًا واضحًا يجمع بين نزعة (مثالية) ترسم دورًا لسياستها الخارجية، وبين نزعة (واقعية) ترسم منهجية متناقضة ومتعارضة.

بيد أن أمريكا سرعان ما كشفت الأحداث عن متلازمة العمل المزدوج في سياستها الخارجية بين النزعتين المثالية والواقعية.. إعتقادًا منها بأن (مثاليتها الأخلاقية) ستنطلي على الشعوب.. الأمر الذي عرَاها تمامًا من مبادئ الأخلاق وأظهرها للعالم (إمبريالية متوحشة)، لا تعرف حليفًا ولا تعرف صديقًا ولا قريبًا، إنما تعرف فقط مصالحها الاستعمارية.. ومع ذلك تستمر سياساتها في تدمير التوازنات وبقواعد ترسمها استراتيجيتها العظمى كدولة إمبريالية لا تعر إهتمامًا لنزعتها المثالية ولا لمبادئ الإنسانية والأخلاق.. كما لا تعر إهتمامًا لتوازن القوى، بل للسياسة (الواقعية البراغماتية).. ولكن، كيف يتحقق الأمن في غياب توازن القوى.. فأمريكا مثلاً: ضربت العراق فحطمت توازن القوى الإقليمي في الشرق الأوسط كله وشلته، وهي الآن تتحدث عن محاربة الإرهاب لإحلال الأمن؟!

فكيف يتحقق الأمن العالمي والأمن الإقليمي؟

تقول أمريكا بشأن الأول: عن طريق الأمن الجماعي، وهي أول من خرق هذه القاعدة، حين انفردت بالحرب على العراق دون تخويل من مجلس الأمن الدولي وبالضد من القانون الدولي ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة.. فكيف يتم الوثوق بها وبتعهداتها ووعودها وبسلوكها؟.. وتقول أمريكا حول الثانية: عن طريق أنظمة الأمن الإقليمية، وهي من حطم نظام الأمن الإقليمي حين ضربت العراق واحتلته ومزقت كيانه السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعسكري الوطني، عندها فتكت بنظام الأمن القومي العربي وهتكت الأمن الخليجي ووضعته في خانة الاستنزاف!!

ولكن هل يمكن أن يتحقق (الاجماع) في المسائل التي يتهدد فيها الأمن والسلم الدوليين، كما تتهدد فيها أنظمة الأمن الإقليمية على حدٍ سواء؟!، أين تكمن الاشكالية المطروحة؟، خاصة وإن الدول بعضها ينظر إلى (الحدث والمشكلة) من خلال (أمنها) الداخلي، فقد تجد أن ذلك الحدث أو المشكلة لا تشكل (خرقًا) لأمنها عندئذٍ قد لا تستجيب لدواعي الردع الجماعي.. وهنا يتوجب إعادة صياغة المفاهيم وتشكيل الآليات لتأكيد (الالتزام) الجماعي الملزم بقرار الردع الجماعي.. والتوافق بشأن الأحداث، التي من شأنها أن تشكل تهديدًا جديًا للأمن والسلم الدوليين!!.

فماذا يمكن أن يفعل مجلس الأمن الدولي الراهن في مواجهة قوة توسعية (إيران) مزجت بين الحماس (الآيديولوجي المذهبي) والشهية (الجيو سياسية) للتوسع على حساب غيرها من دول المنطقة؟، ألم يكن السلوك السياسي الخارجي الإيراني هذا يهدد الأمن والسلم الدوليين؟ ألم يشعل حروبًا إقليمية في العراق وسوريا ولبنان واليمن ويهدد ساحات أخرى؟!

لو كان هناك نظامًا دوليًا صحيحًا قادرًا على تنفيذ مهماته السياسية والتنفيذية لفعل بما يكفل وضع حد للخرقات الإيرانية الفاضحة لأمن المنطقة ومصالح دولها.. وإلا ما معنى صمت مجلس الأمن وصمت المنظمة الدولية في تطبيق قوانينها ومعاهداتها؟!

حتى الحروب التي خاضتها أمريكا بدعاوى المحافظة على النظام الدولي قد فشلت فيها وتحولت إلى مشروعات سياسية مستحيلة، بل حولتها إلى كوارث في الصومال وأفعانستان والعراق، وما يسمى الحرب على الإرهاب.. فهل تستطيع أمريكا - في سبيل الأمن والسلم العالمي - أن تعيد ترميم كوارثها وتصحح (أخطائها) الاستراتيجية الكارثية، التي تسببت بها وباعترافاتها المعلنة؟!.

صعود القوى الدولية في أي نظام عالمي هو الأخطر، طالما يصاحب هذا الصعود (توتر) ومحاولات (إجهاض) من لدن قوى دولية كبرى، فضلاً عن نزوع قوى أخرى نحو مناطق (نفوذ) تتعارض مع التوجهات وتصطدم مع نزعات الصعود وعلى مختلف الصعد.. حينئذٍ، تسعى بعض القوى إلى الاستباق في القوة.. وكأن القوة هي أساس الصعود بينما القوة (الاقتصادية) تشكل القاعدة الأساسية للقوة (العسكرية).

فأذا كان التوازن الآسيوي (الصين - اليابان - الكوريتين - وباقي الدول الآسيوية المحيطة)، هو المشكلة في تشكيل نظام عالمي جديد، فإنه لم يكن المشكلة الوحيدة، لأن (الشرق الأوسط) وأوربا وأمريكا اللآتينية والقارة الأفريقية، تعج بالآيديولوجيات والصراعات في مشاريعها المتعارضة والمتناقضة مع واقع النظم الإقليمية للأمن.

يقول "هنري كيسنجر" (إن الشرق يعيش اليوم حالة شبيهة بالحروب الدينية، التي خاضتها أوربا قبل صلح وستفاليا).. وهذا ليس صحيحًا: ليست هنالك حروب دينية أو مذهبية حقيقية، إنما سياسات مغلفة بمسحة دينية ومذهبية وإثنية تقودها دولة (ثيوقراطية) بالتوافق مع الاحتلال الأمريكي- الإيراني للعراق.. مصممة هذه السياسات تجاه المنطقة برمتها والعالم أيضاً.. فإيران تغلف سياستها القومية العنصرية بمذهب (التشيع الفارسي) وتتوسع من أجل إرساء إمبراطورية فارس البائدة.. أما (إسرائيل) فهي كيان عدواني غريب يعمل من أجل إرساء دعائم (دولة يهودية) مستحيلة، يصعب هضمها في المنطقة.. فيما تكشف الحقائق الواقعية منذ عام 1979 وحتى عام 2018 أن لا مستقبل للنظام الثيوقراطي الفارسي في المنطقة العربية على الأطلاق!!

 

2- النظام الدولي الجديد.. رؤية أوربية:

تنظر أوربا (ألمانيا و فرنسا) إلى النظام العالمي الجديد من خلال رؤيتها الأوربية الموحدة، بمعنى: القطبية الأوربية تشترط أوربا موحدة، وقائمة على قاعدة نقدية الـ(يورو) متجانسة سياسيًا.. وتقبل أن تتنازل عن جزء من سيادة دولها لصالح الاتحاد الأوربي وهو يتبلور نحو القطبية.. كما أن أمام منطقة اليورو خياران، الأول: مواصلة اتباع الاستراتيجية الخاصة بتحسين بنود معاهدة (ماسترخت)، التي تهدف إلى ضمان الانضباط المالي المطلوب من دول مشاركاتها كثيرة في نظام عملة (اليورو)، والثاني: اتخاذ خطوات أكثر طموحًا لتعزيز الاتحاد الأوربي وبناء سياسته (الاستراتيجية الأوربية المستقلة).

إن من أكثر المشكلات، التي تواجه المفكرين السياسيين في المرحلة الحالية، هي معرفة طبيعة المسار البنيوي، الذي من الممكن إعتماده في تكوين البنية الأساسية المستقبلية للنظام الدولي الجديد.. وأي استقطاب ممكن يعتمد على قاعدة القانون الدولي العادل.. هذا الاختلال (البنيوي) لم يكن قد ظهر بانهيار أحد القطبين في الثنائية القطبية فحسب، إنما الخلل كان قائمًا، تراكمت عناصره بعد الحرب العالمية الثانية، التي استولدت الحرب الباردة والتنافس والوفاق الدولي وما يسمى بالتعايش السلمي تحت قبة الردع النووي الشامل المؤكد.. ولم يكن النظام الثنائي وحربه الباردة مبني على العدالة الدولية والمساواة ومراعاة حقوق الشعوب، إنما على أساس متطلبات القطبية الثنائية واقتسام مناطق النفوذ في العالم.

كما أن القطبية الثنائية وحربها الباردة لم تكن خالية من المنافسات العسكرية، إنما أخذت طابع الصراعات العسكرية بالوكالة الإقليمية، فأنتجت كوارث حلت بشعوب المنطقة، وخلفت خروقات وتجاوزات تراكمت في شكل هضم حقوق وتعديات واجتياحات وتمددات تحت ذرائع مختلفة غير مشروعة حتى بات العالم يعيش ألغامًا مهيئة للانفجار في أي وقت، وفي أماكن النزاعات ومناطق المصالح المتشابكة الإقليمية والدولية، فضلاً عن المجالات الحيوية التي تتحدث عنها الجيو - سياسة في تلك المناطق.

- بقية... النظام الدولي الجديد.. رؤية أوربية:

يتبع...

9/02/2018

شبكة البصرة

الاحد 26 جماد الاول 1439 / 11 شباط 2018

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط