بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

جامعة الدول العربية بين الواقع والمرتجى

شبكة البصرة

د. علي بيان

لمحة تاريخيّة

إنَّ جامعة الدول العربية هي المنظمة العربية الأشمل في الوطن العربي، حيث تضم في عضويتها جميع الدول العربية ال 22 التي تبلغ مساحتها مجتمعةً 14 مليون كم2، وبذلك تحتل المرتبة الثانية دولياً بعد روسيا الإتحادية، و عدد سكانها أكثر من 350 مليون نسمة محتلةً المرتبة الرابعة دولياً بعد الصين والهند والإتحاد الأوروبي. إذا ما أخذنا البعد التاريخي والموقع الجغرافي والثروات وخاصةً مصادر الطاقة والمعادن، والتنوع الثقافي والبيئي نستطيع الإستنتاج كيف سيكون دورها واي موقع عالمي ستتبوأه إذا تمكنت هذه الدول أن تحقق وحدتها والتعاون المنهجي بين مكوناتها بصرف النظر عن شكل الوحدة (مركزية، فيدرالية، كونفدراليّة)، ولماذا تستهدف بدءاً من الإحتلال الصهيوني الإستيطاني لفلسطين مدعوماً من المراكز الإستعمارية الدولية، وإخضاع الدول الأخرى للإستعمار والإنتداب بعد تقسيمها تطبيقاً لاتفاقية سايكس-بيكو، ومحاولة اعتبار التنوع الديني والإثني و غير ذلك من التنوع المجتمعي قاعدةً للإمعان في التجزئة حتى بين المكونات المجتمعية داخل كل قطر من أقطار الوطن العربي والذي تستغله القوى الإقليميّة والدوليّة لاستهداف العرب وتحقيق الهيمنة على مقدراتهم البشرية والإقتصادية وزعزعة الإستقرار مما ينعكس سلباً على التنمية والتطور الطبيعي البنّاء..

تأسست جامعة الدول العربية في العام 1945 واستند ميثاقها الذي يتكون من مقدمة و20 مادة وثلاثة ملاحق الى بروتوكول الإسكندرية (1944)، و ضمت حينذاك سبع دول هي مصر، والعراق، وسوريا، والأردن، ولبنان، والسعودية واليمن، بعدها توالى انضمام الدول الأخرى حتى بلغت 22 دولة إضافة إلى ثلاث دول أعضاء مراقبين هي أريتريا (2003)، وفنزويلا (2006)، و الهند (2007). وقد حدد الميثاق في المادة 2 الغرض من الجامعة بتوثيق الصلات بين الدول المشتركة فيها، وتنسيق خططها السياسية، تحقيقاً للتعاون بينها وصيانةً لإستقلالها وسيادتها، والنظر بصفة عامة في شؤون البلاد العربيّة ومصالحها. هذا وقد سبق بروتوكول الإسكندريّة وميثاق الجامعة العربيّّّة دعوات عديدة للوحدة.

 

إنجازات محدودة وتراجع متصاعد

رغم مرور 73 عاماً على نشأة جامعة الدول العربية فإنّها لم تحقق ما هو مأمول منها في المساهمة في تطوير العمل العربي المشترك في جميع المجالات الدفاعيّة، والأمنيّة، والإقتصاديّة، والإجتماعيّة والتربويّة وغيرها. وهذا الأمر يعود إلى عوامل هيكليّة في بنية الجامعة، وتنفيذيّة مثل عدم الإلتزام ببنود ميثاقها، وإجراء تطوير نوعي في أداء منظماتها المتخصصة والتي بلغ عددها 18 منظمة موزعة على الشكل التالي: خمس في مصر، ثلاث في كل من السودان والكويت، إثنتان في كل من تونس والمغرب، وواحدة في كل من سوريا والسعوديّة والإمارات العربية المتحدة، واستخدام الجامعة منصّةً لإدارة الخلافات والصراع بين الأنظمة العربيّة، وغطاءً لتشريع التدخل الأجنبي بدل أن تكون موقعاً لتنظيم الخلافات، وإيجاد الحلول الناجعة لها، والحؤول دون التدخل الأجنبي وتدويل الأزمات العربيّة داخل كل قطر، وكذلك بين الأقطار. في هذا السياق يمكن التوقف عند النقاط التالية:

1- لقد توالى على الأمانة العامّة للجامعة منذ تأسيسها وحتى الآن ثمانية أمناء عامّون، سبعة من مصر وواحد من تونس، الشاذلي القليبي الذي انتخب أميناً عامّاً للجامعة بعد انتقالها من القاهرة إلى تونس وذلك بعد تعليق عضوية مصر في الجامعة لتوقيعها إتفاقيّة كامب ديفيد مع العدو الصهيوني عام 1979. وقد تراوحت الفترة التي شغلها الأمناء العامّون من خمس سنوات (نبيل العربي) إلى 20 سنة (عبد الخالق حسّونة). وهنا يلاحظ مسألتان لا بد من التطرق إليهما وهما ألمدة الزمنيّة للأمين العامّ، وحصريّة الأمانة العامّة بدولة المقرّ (مصر). بناءّ على ذلك فإنّ تطوير الجامعة يفرض تحديد المدة الزمنيّة للأمين العامّ بدورة واحدة مدتها خمس سنوات كما هو معتمد حتى الآن دون تجديد وحتى خفض هذه المدّة، إضافة إلى المداورة في الأمانة العامّة بين الأقطار العربيّة، وأن يخضع اختيار المرشحين للأمانة العامّة الذين يتم لاحقاً اختيار أحدهم أميناً عامّّاً من قبل مجلس الجامعة إلى جلسة أو جلسات مساءلة وتقييم من قبل لجنة تضم في عضويتها ألأمناء العامّين السابقين ورؤساء المنظمات المتخصِصة التابعة للجامعة.

 

2- رغم اتخاذ مجلس الجامعة في عام 1950 قراراً بعدم جواز التفاوض أو عقد صلح منفرد أو أي اتفاق سياسي أو عسكري من قبل أي دولة من دول الجامعة مع الكيان الصهيوني دون الرجوع إلى الجامعة فقد تم خرق هذا القرار من قبل مصر (إتفاقية كامب ديفيد، 1979)، والأردن (إتفاقيّة وادي عربة، 1994)، ومنظمة التحرير الفلسطينيّة (أوسلو1 (1993) وأوسلو2 (1995)، إضافةً إلى العديد من الإتفاقيات بين عدد من الدول العربيّة والكيان الصهيوني، وتبادل الزيارات وغيرها من جوانب التطبيع المجّاني خارج مسار تحقيق حقوق الشعب العربي الفلسطيني، وتحرير أراضي الدول العربيّة الأخرى، ورغم الرفض الشعبي على مستوى الوطن العربي. وإذا ما تمّ ربط هذه المحطّات بالأوضاع العامّة في الوطن العربي، والصراعات بين الأنظمة العربيّة فإنّه يمكن التأكيد بأنّ هذا التراجع ما كان ليحدث لو استطاع العرب إحداث تطوير حقيقي لأنظمتهم، وخططهم الدفاعيّة، والسياسيّة، والإقتصاديّة، والإجتماعيّة، والتربويّة، وقيام الجامعة العربيّة بدور فعّال ومستقلّ ومسؤول في معالجة النزاعات بين بعض الأقطار العربيّة وحصرها تحت سقف المصالح القوميّة العليا، وتفعيل التكامل بين الأقطار العربيّة.

 

3- لقد تضمن البروتوكول الإضافي لمعاهدة الدفاع المشترك والتعاون الإقتصادي (1950) اعتبار أيّ عدوان على أيّة دولة عربيّة موقعة على البروتوكول عدواناً على باقي الدول، وتلتزم جميعها بمساعدة المعتدى عليه. في هذا السياق يظهر أنّ درجة الإلتزام بمعاهدة الدفاع المشترك وبصرف النظر عن النتائج العسكريّة والسيّاسيّة مرّت بثلاثة مسارات:

أ- تطبيق المعاهدة في حروب 1948، و1967، و1973

ب- عدم الإلتزام بها خاصّةً عدم التدخل الفعّال لمساعدة لبنان في مواجهة العدوان الصهيوني في 1978 و1982 و2006.

ج- ألإخلال بالتطبيق وحتى العمل عكس ما تنصً عليه بنود المعاهدة. لقد تجسّد ذلك في انفراد سوريا بالوقوف إلى جانب إيران خلال الحرب بينها وبين العراق (1980-1988) حيث غلّب النظام السوري الخلاف السياسي مع العراق على الإلتزام ببنود معاهدة الدفاع المشترك، وكذلك في حربي 1991 و2003 على العراق، حيث بدل أن تساند الدول العربيّة العراق في مواجهة العدوان، وقيام الجامعة العربيّة بالتحرك السياسي والدبلوماسي على الصعيد الدولي لمنع الحرب، وإيجاد حلول سياسيّة فإنّ بعض الدول العربيّة شارك مباشرة مع قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية أو قدمّت تسهيلات ماليّة ولوجستيّة دعماً للعدوان. وإذا برّر البعض مشاركته في حرب 1991 ضد العراق بإخراج القوات العراقيّة من الكويت فما هو مبرر مساندة الحرب عام 2003؟. لا يستطيع ليس فقط أيّ عربيّ بل أيّ طرف محايد أن يجد تبريراً لذلك. وخلال الأزمة الليبيّة التي بدأت في شباط 2011 بدل أن تبذل الجامعة العربيّة جهوداً حثيثةً وجادّةً لإيجاد حلّ سياسيّ رايناها تطالب في 12-3-2011 -استناداً إلى مطالبة مجلس التعاون الخليجي في 7-3-2011 بفرض حظر جوّي على ليبيا رغم أن الإتحاد الأوروبي كان قد فشل في التوصل إلى إجماع حول هذه المسألة مشدّداً على ضرورة موافقة جامعة الدول العربيّة على هذه الخطوة. لقد شكل قرار مجلس الجامعة العربيّة غطاءً عربيّاً رسمياً لمجلس الأمن ليتخذ قرار فرض الحظر الجويّ علي ليبيا في 17-3-2011 بذريعة حماية المدنيّين، ولكنه كان البداية لتسريع تدخلّ الحلف الأطلسي بقيادة الولايات المتحدة الأميركيّة عسكريّاً ما أوصل ليبيا إلى ما هي عليه الآن من تشرزم وصراعات ميليشياويّة وقبائليّة وتيارات سياسيّة داخليّة متناحرة ومدعومةً من قوى خارجيّة، وتدخّل خارجيّ عجز حتّى الآن عن إيجاد تسوية سياسيّة للأزمة وتردداتها على الصعد الوطنيّة والعربيّة والإفريقيّة والدوليّة. وتكرّر سيناريو فشل الجامعة العربيّة في احتواء الأزمات العربيّة في سوريا، واليمن، وداخل مجلس التعاون الخليجي، وبين مصر والسودان، وبين الجزائر والمغرب، والأزمات الثلاث الأخيرة تشكل قنابل موقوتة تنتظر القوى المعادية للأمة العربيّة الوقت المناسب لتفجيرها للإطباق نهائيّاً على الأمة ومرتكزات وجودها وديمومتها. كما أن الجامعة العربيّة فقدت دورها حتى كعضو مراقب في المؤتمرات الدوليّة التي تعقد بإشراف الأمم المتحدة والمتعلّقة بليبيا وسوريا واليمن وغيرها من الملفات ذات العلاقة بالوطن العربي.

 

4- أشارت المادة 8 من ميثاق الجامعة العربيّة على أن "تحترم كل دولة من الدول المشتركة في الجامعة نظام الحكم القائم في دول الجامعة الأخرى، وتعتبره حقّاً من حقوق تلك الدول، وتتعهّد بأن لا تقوم بعملٍ يرمي إلى تغيير ذلك النظام فيها". لكن ما حدث منذ استقلال الدول العربيّة وحتى الأن هو عكس ذلك ممّا أدّى إلى التحوّل من التعاون الثنائي والجَمَاعي بين الدول العربيّة إلى نزاعاتٍ مستمرّةٍ ومكلفةٍ للجميع، حتى أنّه في كثير من الأحيان تمّّ التحالف مع دول أجنبيّة بذرائعَ شتّى كانت نتائج ذلك تدميريّة ليس للنظام في قطر معيّن إنمّا للدولة كلِّها وانعكس ذلك سلبيّاً على جميع الدول العربيّة.

 

5- لقد شملت القضايا التي تناولتها جامعة الدول العربيّة جميع النواحي السياسيّة والأمنيّة والإقتصاديّّة والماليّة والإجتماعيّة والتربويّّة والإعلاميّة وغيرها، وتمثّل ذلك في المنظمات العربيّة المتخصِّصة الموزّعة مقرّاتها على عدد من الدول العربيّّة. حققت تلك المنظّمات عدداً من الإنجازات ولكنّ الخلل الإساسي في عملها تجلّى في تغليب النظرة القطريّّّة في نشاطاتها، إذ يتم استغلال دول المقرّ لتلك المنظّمات للترويج لسياسة نظام الدولة التي توجد فيها ممّا ادّى إلى عدم تحقيق جميع الأهداف المعلنة التي على إساسها أنشِئت كل منظّمة. كما أنّ الصراع بين الأنظمة حدَّ من فعاليّتها وتطويرها، إذ بدل الإستفادة من التباين بين الدول العربيّة من حيث مساحة كل دولة وعدد سكانها، وإمكانيّاتها الإقتصاديّة، وقدراتها البشريّة لتحقيق التكامل إيجابيّاً على الصعيدين القطري والقومي استخدمت هذه التباينات كمصدر قوة من قبل نظام كل قطر في مواجهة أنظمة أقطار أخرى، وانعكس ذلك سلبيّاً على المزاج الشعبي، والنظرة الإنسانيّة والقوميّة المتكافئة والمسؤولة.

 

ألخلاصة: إنّ تعثّر جامعة الدول العربيّة وعدم تحقيق ما جاء في ميثاقها، ومقرّرات مؤتمراتها على الأصعدة المختلفة منذ نشأتها حتّى الآن يعود لسببين اثنين: ألسّبب الأوّل هو أنّها انعكاس لمكوّناتها أي الدول العربيّة التي لم تصل أنظمتها إلى الدرجة المقبولة من تحقيق انبثاق السلطة عن إرادة الشعب، وغياب أو ضعف المؤسّسات التمثيليّة وسيادة الشخّصنة على المؤسّسات، والسّبب الثاني هو عدم قدرتها على الحفاظ على استقلاليّتها عن مراكز القوى المتمثّلة ببعض الأنظمة العربيّة والتي تتغيّر من فترة إلى أخرى، إضافةً إلى تأثير مراكز القرار الدولي على نشاطات منظّماتها وهيئاتها بما يتناقض في معظم الأحيان مع المصالح العربيّة العليا. هذا الواقع يستدعي أن يخصّص مجلس الجامعة العربيّة بقرار من مؤتمر القمة القادم دورةً خاصّةً لإجراء مراجعة شاملة لتحديد مكامن الخلَل والضعف، ووضع خطّة عمل جديدة هادفة للمرحلة المقبلة خاصّةً لمواجهة التخبّط والإضطراب والتدخل الأجنبي التي تمرّ بها بعض الأقطار العربيّة، وتعمُّق التباين والنزاعات بين بعضها البعض. كل ذلك لا يمكن أن يعطي نتائجَ إيجابيّةً إذا لم تتمكّن الجامعة من الحفاظ على استقلاليّتها، والدعوة إلى الإلتزام بميثاقها وتطويره وذلك لملاقات التحدّيات المصيريّة التي تواجهها الأمة العربيّة.

شبكة البصرة

الاحد 26 جماد الاول 1439 / 11 شباط 2018

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط