بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

إيران: نهاية السلطة الدينية لولي الفقيه؟ (1 من 2)؛

شبكة البصرة

بقلم: ماجد مكي الجميل*

جمهورية إيران الإسلامية، جمهورية خاصة جداً قد لا يكون هناك مثيلٌ لنظامها السياسي بين دول العالم. ينفرد النظام في إيران بوجود رئيس جمهورية مُنتَخَب مِن الشعب. غير أن صلاحياته أدنى بكثير من صلاحيات المرشد الأعلى للثورة الإسلامية ولي الفقيه وهو غير مُنتَخب، بل أن الرئيس المنتخب يخضع تحت السلطة المُطلقة لـ ولي الفقيه، وهي ظاهرة دستورية غريبة تُلغي إرادة الشعب في إختيار ممثلة.

 

غير أن لهذا الوضع أسبابه المعقولة، كما يبدو. فإذا كان رئيس الجمهورية يستمد شرعيته من إرادة الشعب (حتى وإن كان ذلك شكلياً، مثلما سنرى بعد قليل) فإن ولي الفقيه يستمد شرعية دينية ودنيوية مِن قوة روحية خَفية في عالم الغيب آتية من تنزيلٍ سماوي.

 

تتمثل القوة الروحية في الإمام الثاني عشر المهدي المنتظر الذي ينحدر من سلالة الحسين بن علي بن أبي طالب (رضي الله عنهما) ولا يزال مختفياً في سرداب بمدينة سامراء (نحو 130 كم شمال غرب بغداد) خشية من ظُلم وسطوة شرطة الدولة العباسية، يُعرَف باسم المهدي المنتظر، المُنتَظر ظهوره العلني لكل الناس منذ أكثر من 1100 سنة.

 

إنتخاب رئيس الجمهورية، هو الآخر خاص جداً، إذ أن الترشيح لرئاسة البلاد لا يتم وفق المبدأ الديمقراطي الحر الذي تكفله الدساتير، أي الحق الطبيعي لأي مواطن إستوفى السن القانونية وشروط معينة بسيطة أخرى. في حالة إيران، يمر الترشيح لرئاسة البلاد على هيئة أمنية خاصة تابعة لوزارة الداخلية وأجهزة الأمن الداخلي أغلب أعضائها من الملالي، وجميعهم من عناصر النظام تتولى قبول هذا المرشح ورفض ذاك حتى وإن إستوفى شروط الترشيح.

 

تتمثل السمة الثانية لهذا النظام الخاص جداً بأنه يملُك رسالة سماوية كُلِّفَ بها مِن قِبل الله، ميدانها الأقطار العربية كافة والشعب العربي، في المقام الأول، ثم البلدان الإسلامية والمسلمين جميعاً مِمَن لا يتبعون ولي الفقيه، قبل أن ينشر رسالته في آخر المطاف في العالم كله.

 

لا نعرِف الكثير بأي وسيلة بعث الله تعالى رسالته السماوية لمؤسس نظام الجمهورية الإسلامية، سيد روح الله موسوي خميني ـ مثلما يُلفظ بالفارسية ـ، كما لا نعرِف مَن هو الرسول، ولا النص الحرفي للرسالة التي ستبقى طيّ الكتمان حتى إتمام نشرها، ولا حتى تاريخ إيصالها؟ غير أنه يُمكن التخمين عموماً أنها أرسِلَت بعد شباط/فبراير 1979تاريخ تولي خميني السلطة في إيران وتأسيس جمهورية إيران إلإسلامية.

 

قد يكون، مِن دونِ جزم، أن الإمام الغائب هو مَن أوصل الرسالة إلى خميني. ما يؤكد هذا الإفتراض أن خميني أعلن لأول مرة في التاريخ الشيعي، أنه أصبح نائب الإمام الغائب، وأن كافة أقواله وفتاواه مُستمدة من الغائب، وهي أوامر من الله. بعد وفاته، أورث خميني، إلى حد ما، تلك النيابة إلى المرشد الحالي للثورة الإسلامية، علي خامنئي، إلَّا أنه، لسبب غير معروف، يستخدم الخامنئي لقب ولي الفقيه، وليس نائب الإمام.

 

هذه الرسالة السماوية، أصبحت جزءً لا يتجزأ من النظام السياسي الراهن في إيران وما يتبع من سياسات عسكرية، وأمنية، وإقتصادية، وإجتماعية. ولأنها رسالة سماوية، أصبح من إولى واجبات النظام الإيراني نشرها، عبر شن الحروب، والتوسع، والإمتداد في طول الوطن العربي وعرضه، مثلما تنص عليه النصوص التاريخية التي تؤكد أن ظهور المهدي المنتظر يتطلب، أولاً، قتل تسعة أعشار العرب.

 

هذا الترابط الجدلي بين النظام ورسالته السماوية، تم التعبير عنه علناً وصراحةً في أكثر من مناسبة: على لسان خميني أولاً نائب الإمام الغائب، الذي أعلن أكثر من مرة عن إلتقاءه بالإمام. وهذا، ولي الفقيه، علي خامنئي، يعلن صراحةً أنه إجتمع مع الإمام الغائب وتلقى توجيهات منه. وهذا رئيس الجمهورية السابق، أحمدي نجادي (متهم حالياً بإختلاسات مالية مِن قِبل النظام نفسه) إعلن خلال فترة رئاسته (2005 ـ 2013) أنه سيتولى تبليط طريق رئيسي لهبوط طائرة الإمام الغائب عند ظهوره. وهذا ممثل ولي الفقيه في محافظة خراسان وإمام جمعة مدينة مشهد (مرقد ثامن الأئمة)، وعضو مجلس خبراء تشخيص مصلحة النظام، أحمد علم الهدى، أعلن في 9 شباط/فبراير 2018 أن القرآن ينص صراحة على أن المشاركة في مسيرات إحياء ذكرى إنتصار الثورة الإسلامية هي أعلى وأرقى أشكال عبادة الله. وهذا، علي كوراني، أحد كبار رجال الدين الموالين لإيران ينقل عن المرجع الشيعي الإعلى، على السيستاني بعد مقابلته له في النجف قوله أنه دائماً ما يُناجي فاطمة الزهراء ـ أصغر بنات الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) ـ لمساعدته في فتاواه. باختصار، كل ما يقوم به النظام سواء الحروب أو تبليط الشوارع مرتبط بالإمام الغائب وتوجيهاته.

 

ليس الهدف من هذه المقالة كشف الأسس الدينية والغيبية التي يستند عليها النظام الإيراني سواء في حروبه أو إمتداداته في الوطن العربي، وإنما لتمهيد الطريق أمام القارئ في معرفة ما الذي جرى في نهاية عام 2017 وبداية 2018، ولماذا إنتفض الإيرانيون ضد نظام قمعي يُنسِب كافة، حروبه، وخطواته، ونجاحاته، وإخفاقاته، إلى إرادة الله، أو الإمام الغائب. وعِبرَ ذلك يُمكن أن يصلَ القارئ إلى إستنتاج: هل لهذا النظام الغيبي مِن فرصة للديمومة والإستمرار، وهل ستكون هناك نهاية للسلطة الدينية في إيران؟

 

بلا شك، أن تظاهرات إيران في نهاية كانون الأول/ديسمبر 2017 ـ بداية كانون الثاني/يناير 2018 فرضت تحدياً قوياً لشرعية النظام ومؤسساته الدستورية، رغم إضفاءه الأسس الدينية لمشروعيته. وعكست، في الوقت نفسه، المأزق الذي آل إليه نموذجه السياسي ـ الديني في حكم البلاد، علاوة على الشلل الذي أصاب مؤسسات النظام على الصُعد السياسية والإقتصادية والإجتماعية، مما دفع الكثير من المراقبين إلى إعتبار هذه التظاهرات، مع قصر أمدها، الأكثر تهديداً لديمومة النظام.

 

تجلى شلل مؤسسات الدولة على الصعيدين السياسي والإقتصادي، وليس الإقتصادي وحده مثلما حاول النظام تسويقه، في: الفساد، الأجور غير المدفوعة، التضخم، سوء إدارة الثروة، مشاريع إقتصادية فاشلة، إلغاء الإعانات الشهرية المُقدَّمة لأكثر الناس فقراً (الحصة التموينية)، إفلاس مؤسسات مصرفية (إعترف رئيس الجمهورية، حسن روحاني، في خطاب مُتلفز في 22 كانون الثاني/يناير 2018 أن بين مليونين إلى ثلاث ملايين عائلة ـ أي بين 10 ملايين و 15 مليون شخص، كمعدل متوسط عام ـ يواجهون مشاكل تتعلق بدفع تكاليف معيشتهم). وقال أن 98 في المائة من هذه المشاكل تم تسويتها، دون أن يقدم أي تفاصيل، ولا توضيح حول كيفية تسوية مشاكل عمرها عدة عقود من السنين خلال أسبوعين فقط بعد إنتهاء التظاهرات.

 

تم التعبير العام عن عدم الرضى المتعاظم للنظام على شكل تظاهرات من 28 كانون الأول/ديسمبر 2017 إلى 5 كانون الثاني/يناير 2018، شملت 75 مدينة. من المُجدي أن نلاحظ هنا أنه بين 2013 و 2016، شهدت كافة هذه المُدن الـ 75 حركة إضرابات أو إحتجاجات قام بها عُمال، وموظفو مؤسسات حكومية. في عام 2015، على سبيل المثال، شملت تظاهرات المدرسين ما يقرب من 60 مدينة، طبقاً لما ذكره كل من، كيفان هاريس، وزيب كالب، في مقال مشترك في واشنطن بوست في 19 كانون الثاني/يناير 2017، أي قبل نحو عام من إندلاع التظاهرات الأخيرة.

 

خلال تظاهرات 2017 ـ 2018، أطلِقَت شعارات ضد طبقة رجال الدين، والمسؤولين الرسميين الدينيين في السلطة، إستهدفت بشكل واضح، المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، على خامنئي، ورئيس الجمهورية، حسن روحاني وحكومته. على الرغم من سلمية التظاهرات، وعدم لجوئها إلى السلاح، أسفرت الإحتجاجات عن مقتل 25 شخصاً والآلاف من الإعتقالات، حسب إعتراف النظام نفسه. قدَّرت الأرقام الرسمية عدد المتظاهرين بين 15 ألف (حسب الحرس الثوري) و 45 ألف (حسب وزارة الداخلية). لكن هذه الأرقام تم تقليصها عمداً، مثلما يبدو، خاصة إذا ما لاحظنا أنه لا يوجد تناسب رياضي معقول بين هذا العدد الضئيل ـ المزعوم ـ للمتظاهرين وآلاف الإعتقالات التي جرت بين صفوفهم.

 

للحد من غضب الطبقات الشعبية، وجزء من الطبقات المتوسطة، قامت السلطة بتعبئة زبائنها لتعزيز الأساس الشعبي للنظام من خلال تنظيم تظاهرات رسمية مُضادة دعماً لمؤسساتها. قدَّرَ النظام التظاهرات التأييدية بين 4 و 5 ملايين شخص. كانت شعارات التظاهرات المؤيِّدة تُركِّز بشكل خاص على تأييد شرعية النظام، وولي الفقيه، علي خامنئي، وحكومة روحاني، وهو ما يعكس إدراك النظام أن الأزمة تتعلق بشرعيته، وليست إقتصادية فحسب.

*عضو الأمانة العامة للمؤتمر الشعبي العربي

شبكة البصرة

الاحد 24 جماد الثاني 1439 / 11 آذار 2018

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط