بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

إيران: نهاية السلطة الدينية لولي الفقيه؟ (2 من 2)؛

شبكة البصرة

بقلم: ماجد مكي الجميل*

إضعاف النظام

أياً كان، فإن منطق الأمور يؤكد أن النظام خرج ضعيفاً من هذه المواجهة الدموية مع التظاهرات العفوية للسكان، وأصبح اليوم أكثر إعتماداً على أجهزته الأمنية والقمعية في إبقاء ديمومته في السلطة، كما تقلص هامش مناورته في إقناع الناس أن أيادٍ أجنبية تقف وراء المتظاهرين. بعبارة أخرى، إذا كان النظام قد تمكن من إعادة سيطرته على الرأي العام، غير أن الرد الأمني لا يُبشِّر أن لديه قدرة على تقديم حل سياسي دائم للسخط الشعبي. وهذا بالضبط ما جرى مع النظام السوري.

 

الآن، لم يعد هناك متظاهرون في الشارع، هذه حقيقة، لكن غضب الناس لا يُمكن أن يتبخر في الطبيعة بمجرد إطلاق النظام شعارات ثورية تدعو السكان إلى التقشف والتضحية. بعد إخماده التظاهرات، لجأ النظام إلى اللعب على قاعدة إقتصادية بسيطة تؤكد أن الوضع الأمني المستقر هو مفتاح التقدم الإقتصادي. ولجأ أيضاً إلى تخويف المحتجين من الفوضى بتأكيده أن الرضى بالوضع الحالي أفضل بكثير من الفوضى. وكان الترهيب من رؤية إيران تتحول إلى سورية هو أصل المادة الإعلامية للنظام، وهو ما لخصه خامنئي بقوله أن السكان بحاجة إلى الأمن قبل كل شيء. هناك مفارقة، النظام يُخيف الناس من تحول إيران إلى سورية، والمتظاهرون أنفسهم أثاروا موضوع التدخل في سورية ولبنان واليمن كأحد أسباب مشاكل البلاد الإقتصادية.

 

تتضح أبعاد المأزق السياسي للنظام من دراسة رصينة وزعتها البعثة الأوربية في جنيف تعود لـ مجموعة الأبحاث الأوربية حول إيران The European Iran Research Group, 2018 في مدينة لند (السويد) كتبها، كيفان هاريس، ودانيال تافانا، تقول الدراسة: رغم كل شيء، الوضع الراهن في إيران لا يبدو خياراً معقولاً لجزء جوهري من الإيرانيين، حتى وإن لم يعثر أنصار التغيير بعد على البديل المُمكن للنظام القائم. تضيف: ما هو مؤكدٌ، أن القليل فالقليل من الإيرانيين أصبحوا مقتنعين الآن بنجاعة التناوب بين حكومات إيرانية من داخل النظام نفسه يسيطر عليها الإصلاحيون تارة، والمعتدلون تارة أخرى، قبل أن تذهب إلى المحافظين تارة ثالثة. تضيف أن 13 في المائة فقط من الإيرانيين يؤيدون بشكل طفيف واحدة من هذه الفئات الإسلامية في تنافسها على الحكم ضمن هرم السلطة الديني. وحددت الدراسة النسب كالتالي: (6 في المائة: إصلاحيين، 4.5 في المائة: مُحافظين، 1.1 في المائة: معتدلين، 1.1 في المائة: يؤيدون الفئات الأخرى).

 

وطبقاً لصادق زباكلام، البروفيسور في جامعة طهران، فإنه كلما أجرى الرئيس الإيراني مداخلة تلفزيونية، كلما فقد جزءً من قاعدته، ومثل هذا يجرى على نحو مستمر منذ إعادة إنتخابه في حزيران/يونيو 2017. في الوقت نفسه، لاحظ زباكلام أنَّ غياب الحلول من جانب الفئات المحافظة التي دأبت على نشر شعارات مضادة لروحاني مثل آسف، أو أعد لي صوتي، لم تتمكن من تقديم البديل الموثوق، لأنها، ببساطة، من داخل النظام ذاته، وهو أمر لم يعد مُقنعاً للناس.

 

كانت هناك أيضاً خيبة أمل من الإتفاق النووي الذي أبرم في 14 تموز/يوليو 2015. إذ لم يستجب هذا الإتفاق لآمال الإيرانيين في رؤية تحسن على حياتهم اليومية. ومع شعارات أخرى رفعها المتظاهرون ضد سياسات النظام الإقليمية، أكد المتظاهرون مرة أخرى سأمِهم من الأفكار الثورية للنظام عموماً، ومن الكلفة الإقتصادية لهذه السياسات بشكل خاص.

 

في مطالبهم وشعاراتهم، إستهدف المتظاهرون بشكل خاص موضوع توزيع النظام العوائد النفطية لزبائنه مثل حزب الله، وميليشيات معينة في العراق ذهبت للقتال في سوريا، وعناصر مأجورة من أفغانستان وباكستان تُقاتل في سوريا وحتى داخل العراق. طالب المتظاهرون إنفاق هذه الأموال داخل إيران.

 

نظام فاشل

بخلاف السخط وعدم الرضى، كشفت التظاهرات عن وجود أسباب هيكلية رئيسة ترتبط بتحديات إجتماعية، كالفساد وسوء الإدارة، خاصة إدارة الثروات، وسوء إعادة توزيع العوائد النفطية، وهيمنة أنصار النظام على موارد الثروة، وهي مشاكل بات النظام غير قادر على إيجاد علاج لها.

 

كما أظهرت شعارات الإحتجاجات أن النظام تحوَّلَ إلى طبقة تتمتع بكافة المزايا ـ يُسميها الإيرانيون خودي khodi، حسب التسمية الفارسية ـ وهو مصطلح يُشير إلى أن النظام أصبح طبقة تستفيد وحدها من العوائد ولا تعمل شيئاً لتنظيم إعادة توزيعها على الغرباء، أو غير خودي gheyr-e- khodi، أي باقي الإيرانيين غير المرتبطين بالنظام. هذا الأمر أدى، بلا شك، إلى ظهور مشاعر عميقة بالظلم.

 

أكثر من ذلك، رُفِعت، خلال التظاهرات، شعارات مؤيدة للملكية البهلوية (1925 ـ 1979)، خاصة في مدينتيّ قُمّ ومشهد، معقل طبقة رجال الدين والقوى المحافظة المؤيدة لها. ينبغي أولاً فهم هذا الحنين لفترة البهلوية إلى المأزق الإقتصادي للنظام الإيراني. الطبقات الشعبية الأكثر هشاشة، كانت الأكثر تضرراً بإنهيار العُملة الوطنية الريال منذ الثورة الإسلامية بشكل منتظم. لم تتمكن حكومات النظام المتعاقبة، حتى بعد توقيع الإتفاق النووي عام 2015، من وقف هذا السقوط. وهكذا فقدت العملة الوطنية خلال الأشهر الخمسة الأخيرة 20 في المائة من قيمتها، طبقاً لموقع Salt. الخاص بسوق الأوراق المالية (بورصة) السويسرية(1).

 

يُظهر المؤشر البياني للريال الإيراني في هذا الموقع: أن المواطن الإيراني كان يشتري الدولار الواحد في 9 آذار/مارس 2017 بقيمة 32 ألف و450 ريال (32450)، لكن في 10 آذار/مارس 2018، أصبح يشتري الدولار الواحد بـ 37467 ريال.

 

غير أن قيمة الريال في السوق الحرة لها أرقام أخرى، فهي تراوح ما بين 46000 و47000 ريال للدولار. في عطلة نهاية الأسبوع 19 كانون الثاني/يناير 2018 (بعد أسبوعين من إنتهاء التظاهرات)، وصل الريال إلى أدنى مستوى تاريخي له بنسبة تبادل أمام الدولار بقيمة 47508 ريال. في الأيام الأولى لأزمة المصارف في صرف الأموال لعملائها، ندد التجار الإيرانيون قبل إندلاع الإحتجاجات، بعدم مبالاة المسؤولين لهذا التدهور المستمر للعملة، وحذروا من النتائج الوخيمة للإنخفاض على إستيراداتهم، والحياة اليومية للأسر، وإستقرار السوق. باختصار، إخفاق النظام في إيجاد علاج لهذا الوضع الشاذ، هو رديف لـ النظام الفاشل.

 

يتضح فشل النظام أكثر ببسط الحرس الثوري سيطرته على كثير من القطاعات الإقتصادية المهمة في البلاد. أنقل لكم هناك إنتقادات وجهها روحاني للحرس الثوري في 30 نيسان/أبريل 2017، قبل ثلاثة أسابيع من الإنتخابات الرئاسية (19 أيار/مايو 2017)، قال فيها: الدور الرجعي الذي يقوم به الحرس الثوري على الإقتصاد، والإنتكاسات التي لحقت بالإقتصاد الوطني ناجمة عن بسط الحرس سيطرته على الكثير من القطاعات المهمة في البلاد. وقال أيضاً: رغم جهود الحكومة وأملها بتدفق الإستثمارات بعد رفع العقوبات، فإن سيطرة مؤسسة الحرس الثوري على معظم الشركات المالية والمصارف في إيران شكلت عائقاً كبيراً أمام تعامل المؤسسات والدول مع طهران.

 

والحرس الثوري الذي ظهر للوجود في 5 أيار/مايو 1979، هو، في الواقع، الجيش العقائدي والحرس الوفي للمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران، علي خامنئي، رغم أنه لا يُعد من الناحية التنظيمية جزءً من القوات المسلحة اٌلإيرانية بل يتمتع بقيادة مستقلة تتلقى أوامرها من خامنئي مباشرة.

 

أمام هذا المأزق المزدوج، السياسي والإقتصادي، ماذا بوسع النظام أن يفعل؟ هنا لا بد من الرجوع إلى قولٍ شهير لخميني أطلقه في وقته: الإقتصاد جيد للحمير. بمعنى أن الأسبقية ينبغي أن تُمنح لـ الثورة الإسلامية في نشر رسالتها.

 

وفعلاً شرع النظام بكل قوته في إنفاق مليارات الدولارات لنشر الرسالة السماوية. وهكذا، على الرغم من عدم وجود مخاطر تهدد كيانه قادمة من الشرق، أعاد تنظيم وتسليح العناصر المولية له من أصول فارسية، بادئاً من العراق، وكنا شهود عيان على تفجيراته وإغتيالاته، وأسَّسَ في كل بلد عربي خلايا سرية من التابعين له تم ربطها بتنظيم واحد. وهكذا ظهر حزب الله في البحرين، وحزب الله في نجد والحجاز، وحزب الله في لبنانالخ جمعيها مرتبطة بطهران. ولم ينس هذا النظام ربط خططه التوسعية بمبادئ مقدسة كقضية فلسطين مع مرونة عالية في إعادة تشكيل هذا الشعار، فشعار الثمانينات الطريق إلى القدس يمر بكربلاء، أصبح شعار الألفية الثالثة الطريق إلى القدس، يمر في الضاحية ـ جنوب لبنان ـ، ثم في السيدة زينب، ثم في صنعاء.

 

لم يكن قول الإقتصاد جيد للحمير مُقنعاً للناس بعد أن شاهدوا بأعينهم أن جلّ الإقتصاد ذهب إلى الحرس الثوري. كما وجد النظام نفسه في تناقض بيِّن بين طبقة أخوند المُمثلة بكبار الملالي من رجال الأعمال، وهيمنة عناصر الحرس الثوري على الإقتصاد من جهة، والصورة التي قدَّم النظام فيها نفسه عام 1979 بأنه المدافع عن المحرومين.

 

في الواقع، أن جزءً كبيراً من هؤلاء المحرومين قد نزلوا إلى الشارع لشجب الإستيلاء على ثروات البلاد مِن قِبل النخبة السياسية ـ الدينية، وتعبيرهم عن عدم قبولهم إستحواذ أركان النظام على أموال كانوا قد وعدوا بها لـ المحرومين.

 

للتحدي الجديد الذي اطلقه المتظاهرون صيغة أخرى، فإذا كانت إحتجاجات عام 2009 ـ 2010 قد صعدت إلى السطح بسبب تصدعات في داخل النظام، ففي هذه المرة جاءت الإحتجاجات في إيران من الأسفل، وهو تحدٍ حقيقي لبقاء النظام يؤكد أن أزمة شرعية النظام ما تزال مستمرة في البلاد.

(1) http://www.xe.com/fr/currencyconverter/convert/?Amount=1&From=USD&To=IRR

*عضو الأمانة العامة للمؤتمر الشعبي العربي

شبكة البصرة

الاثنين 25 جماد الثاني 1439 / 12 آذار 2018

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط