بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

قبسات من وحي الخطاب التاريخي للرفيق القائد شيخ المجاهدين عزة إبراهيم الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي والقائد الأعلى للجهاد والتحرير في الذكرى 71 لتأسيس البعث

(الجزء 3 و4)

شبكة البصرة

أنيس الهمامي

لقد شدد الرفيق القائد في خطابه التاريخي بمناسبة الذكرى 71 لتأسيس الحزب أن أحد أهم الأهداف الاستراتيجية لخلق داعش كان رأسا التشويش على المقاومة وإشغالها واستنزافها وخاصة تحييدها عن أهدافها الأساسية ومعركتها الرئيسية، وهي الأهداف والمعركة المعروفة المعلومة والمحصورة في مقاومة الاحتلال ودحر الاستعمار وصد المشروع الصفوي العامل على تقسيم العراق وإغراقه في صراعات طائفية ومذهبية وإثنية وعرقية، وبالتالي فإن مدى التناقض بين البعث وداعش لهو نفس مدى التناقض بينه وبين المحتلين الغزاة ومشاريعهم، بل وهو أبعد وأكبر، ذلك أنه وفر غطاء لمزيد من التحامل على الحزب وإيجاد فسحة من التىمر المرحلي الجديد عليه. فكيف يمكن بعد هذا أن يذهب الحقد بالبعض وخاصة من جماهير الأمة إلى الاعتقاد أو مجرد الظن أن البعث قد فكر أصلا في التحالف مع داعش؟ بل كيف يعقل أن يخمّن البعض في أن البعث قد حاد عن المقاومة خيارا استراتيجيا لا بالنسبة إليه فقط بل إلى الأمة برمتها؟

إن المقاومة وكما أسلفنا في ما تقدم، وكما جاء على لسان رأس البعث وأمينه العام الرفيق القائد المناضل عزة إبراهيم في خطابه التاريخي بمناسبة الذكرى 71 للتأسيس، هي الخيار الأول للحزب، وهي مرجعية الحزب الأهم ومثابته الأسمى والأولى.

فالبعث لم ينظر إلى ذاته ككيان سياسي إلا من خلال الدور الذي ارتضاه لنفسه وفرضها عليها، ومن خلال المهام التي عقد العزم منذ لحظة تأسيسه الأولى على تنفيذها وإنجازها مهما تطلبت من تضحيات واستغرقت من وقت. والبعث كما لا يخفى على أحد هو ذلك الحزب الذي جاء تلبية لضرورة تاريخية مفصلية في حياة الأمة، وجاء أيضا ردا على الأخطار الثلاثة الكبرى التي تتهددها وهي الاستعمار والتجزئة والاستغلال سواء الاستغلال المسلط من داخل الوطن العربي في أقطاره أو من المفروض من الخارج، وكون كل الآفات والمحن التي يرزح تحتها العرب إنما سببها الأول هو الاستعمار فإن الحل المنطقي والعلاج الطبيعي والتخلص منها لا يتم إلا باستئصال ذلك الاستعمار وطرده وهو ما يحيل مباشرة وبلا أدنى شك على المقاومة باعتبارها الطريق الوحيد المفضي لتلك الأهداف مجتمعة وأولها طرد الاستعمار وصد الغزاة وقبر أحلامهم.

لقد توارث البعثيون جيلا فجيلا مركزية المقاومة في فكرهم وفي فعلهم الميداني وفي عقيدتهم، واستمسك البعث بالمقاومة بلا حياد ولا تهاون، وأقبل في كل المعارك المصيرية للأمة مدبرا غير مدبر، بشجاعة وجسارة وثبات لا مجال لإنكاره أو التشكيك فيه إلا من طرف الأعداء وأذنابهم مهما حاولوا التذاكي في سعيهم الخائب بإنكار المقاومة بصمة بعثية صميمية لا تتزحزح ولا تمحوها غوائل الزمن.

وباعتبار تجدد الحملات الاستعمارية الجائرة والظالمة على أقطار الأمة، ونظرا لاستمرار اغتصاب فلسطين والأحواز العربية وعدد من الرقع العربية المجتزأة هنا وهناك، وبالنظر لعودة الغزاة واحتلالهم للعراق وليبيا وتدميرهم لسورية واليمن، فإن الطبيعي أن يتجند البعث ليتزعم حركة التحرير ومعاودة تفجير مقاومة مسلحة لا تنقطع إلا بدحر المستعمرين واستعادة الأرض.

وبناء عليه، فلقد فند الرفيق القائد عزة إبراهيم كل الادعاءات وسفّه الافتراءات المتقولة على البعث والتي تتهمه بأنه تخلى عن المقاومة في العراق، ولكنه لم يكتف بالتكذيب بل بين أسس ذلك واستعرض مؤيداته العلمية والعملية بمنتهى الوضوح والصراحة والصرامة أيضا، فشدد على أن البعث لم يحد عن المقاومة، بل إنه خير التوقف عن الأعمال القتالية بالنظر للظرفية الراهنة والتي تتعلق بتأسيس داعش والرهانات الجهنمية التي كان الأعداء وخصوصا الفرس والصهاينة والأمريكان يسابقون الزمن لتحقيقها، وهي التي أشرنا إليها مطولا في الأجزاء المتقدمة من هذه القبسات التي تغطي الخطاب تفاعلا ورصدا لأهم ما فيه.

فالمعلوم أن الأمريكان يعولون تعويلا بعيدا وواسعا على حسم الصراع الدائر في العراق، ويعلمون أكثر من غيرهم أن نجاحهم في تطويع العالم يتوقف على مآل مشروع الغزو، فمن يسيطر على العراق سيسطر على العالم، وهذه حقيقة يدركها الأمريكان جيدا ويناورون بشأنها ويعملون على إبقائها بعيدة عن تفطن النخب العربية لها وحتى غير العرب لأنها ستبقي لأكاذيبهم رواجا وتطيلها زمنيا ولو نسبيا، وبالتالي ستسمح لهم بضمان أكبر قدر من نجاح مشروعهم الكبير.. وفي المقابل، فإن المقاومة العراقية بما توفر لها من إمكانيات ورؤية استراتيجية عميقة وشاملة، منحتها لها قيادة الرفيق القائد عزة إبراهيم وتجربته الطويلة في عوالم السياسة والنضال والمقاومة، خلفا لرفيق دربه القائد شهيد الحج الأكبر صدام حسين، تدرك هي الأخرى أن لا سبيل لصد وقبر مشروع الغزو إلا بإدامة المقاومة وضمان أعلى درجات نجاحها، وعليه كان قرارها بإيقاف الأعمال القتالية مع طهور داعش عبقرية فريدة لم يتمكن المتابعون والمحللون من النفاد إلى جوهرها وإلى عظمتها كمنجز بديع على عكس ما توهموه وهيأته لهم فخاخ الأمريكان وحيلهم ومناوراتهم. وبالقدر ذاته أيضا، تدرك قيادة المقاومة العراقية الباسلة أن مصير العرب والعروبة برمته يتوقف بدوره على بقاء المقاومة العراقية ومديات نجاحها، وهو ما لم يدركه العرب الرسميون ونخبهم للأسف الشديد.

وكتدليل على أن المقاومة العراقية لم تنته، وإنما تم اتخاذ قارا إيقاف العمليات القتالية تكتيكيا ومرحليا لتفادي مخطط الإجهاز عليها وتبديد قدراتها وإذهاب ريحها، فإن الرفيق القائد عزة إبراهيم تعهد بأن المقاومة ستعود لميدان الجهاد والكفاح المسلح بأقوى من ذي قبل بعدما ارتدت حيل الغزاة لنحورهم، واستنزف بعضهم بعضا وأنهكتهم المعارك المعدة لإنهاك البعث أيما إنهاك.

وإنه لمن الضرورة بمكان أن نؤكد في هذا الغرض على أن عزة إبراهيم، وهو الرجل الذي دوخ أعتى الأجهزة الاستخباراتية العالمية وظل موجها مشرفا مخططا معدا للخطط القتالية بأشكالها كافة ووفق مقتضيات مراحل الصراع سواء حربيا أو سياسيا أو قانونيا أو ديبلوماسيا أو إعلاميا، وكما عهده العالم، ورفاقه، وجماهير أمته لا يتكلم من فراغ البتة، ولا يتحدث إلا بما يعلم أنه سيكون فعلا، ولقد سبق أن تحدث مثلا عن عدد قتلى وصرعى جيوش الغزاة وخاصة الأمريكان بدقة متناهية، كما سبق أن تحدث عن الخسائر الاقتصادية الفادحة التي تكبدتها أمريكا، ورغم المكابرة، تتالت المواقف والتصريحات والمؤلفات والدراسات الأمريكية التي تجمع كلها على دقة كلامه وسلامة رؤاه. وعليه، فإن تأكيده على استئناف المعارك القتالية ضد الغزاة وضد المحتل الفارسي وبيادقه من ميليشيات طائفية وحكومة عميلة، سيكون له ما يترجمه على الميدان قريبا جدا، بل لعله انطلق غداة خطابه التاريخي بمناسبة ذكرى تأسيس البعث 71.

وللبرهنة على ذلك، ولإثبات منتهى الجدية في هذا العزم، فلقد توسل الرفيق القائد المجاهد عزة إبراهيم بما لا يمكن بعده أن يجاز لأي كان من متابعي الخطاب والمتفاعلين معه تحليلا وتمعنا وتبصرا، وتعهد بمقاتلة الغزاة بدماء المائة وستين ألف شهيد بعثي، وبآلام مئات الآلف من المهجرين، وملايين المشردين والنازحين، وبعشرات الآلاف من الذين دمرت بيوتهم وهدمت مساكنهم ونهبت أرزاقهم وعبث الغزاة والميليشيات بممتلكاتهم، كما توعد بالمقاتلة بعذابات ودموع مئات آلاف الأرامل والثكالى والمغتصبات المستضعفات من حرائر العراق بعد أن جار عليهم الزمان وكاد لهم حثالات البشر فرسا وصهاينة وأمريكان، كما هدد بالمقاتلة بجراحات عشرات الآلاف من الأسرى القابعين في السجون والمعتقلات والزنازين السرية سواء الأمريكية أو الفارسية أو لدى حكومة العملاء والميليشيات الطائفية الإرهابية.

وإن هذا الوعد غير المعتاد من الرفيق القائد شيخ المجاهدين لا يمكن تفسيره إلا من زاويتين لا ثالث لهما، أولهما أن لا تساهل ولا مزاح في ما عزم عليه وخطط له ورفاقه في القيادة سواء قيادة الحزب أو قيادة فصائل وتشكيلات المقاومة العراقية الباسلة، وثانيهما أن الرجل وحزبه وجنوده في المقاومة العراقية البطلة إنما هم أشد التصاقا بهموم الجماهير وأكثر تحسسا لهواجسها ولمشاعرها ولمصائرها وأشد إدراكا لآلامها وأعظم تقديرا لمحنها ولتضحياتها منها ذاتها.

وتماهيا وتواؤما مع تأكيدات قائد البعث والمقاومة العراقية حول استئناف المقاومة في العراق، وتشديد الضربات ضد العدو الفارسي، جاء كلامه عن خطر المشروع الإيراني الفارسي والذي عده الرفيق القائد عزة إبراهيم الخطر الأول على العرب اليوم، ذلك أن الفرس باتوا يسيطرون على مفاصل القرار في سورية ولبنان واليمن، ويحتلون الأحواز العربية والعراق، ويوغلون في تقتيل العرب وتشريدهم وتهجيرهم ونفيهم، ويقومون بتنفيذ مشروعهم الخبيث المتمثل في التغيير الديموغرافي الفظيع أينما تنفذوا، ولا يتوقف خطرهم عند عتبات العراق والأحواز واليمن وسورية ولبنان، بل إنهم يرومون النفاذ والسيطرة على الخليج العربي ولا سيما العربية السعودية، كما يمنون النفس ببلوغ المتوسط وهو ما يعني الشطر الإفريقي للوطن العربي.

فالمشروع الفارسي كما وضح الرفيق القائد لا يقل خطرا على المشروع الصهيوني، ولا يتصادم معه، بل إنه رافد مهم وأساسي له، يكمله ويسنده ويحقق ما عجز عنه، مستغلا الاختلاف على عديد الصعد منها أنه أساسا جار طبيعي للعرب بينما الجسم الصهيوني جسم غريب وكيان طارئ وهجين غرس بالقوة في قلب الأمة، كما أنه يتغذى من الأحقاد والثارات، ويتعكز على ادعاء الاشتراك في الدين وهو الإسلام، بينما هو لا يهتم للإسلام إلا بالقدر الذي يضمن له التسرب في الجسد العربي وتمزيقه وتخريبه وإضعافه وتدميره وتفجيره من الداخل. فالمشروع الفارسي أهم محاميل تقسيم الوطن العربي وأخطر ما يهدد استقراره، حيث يذكي الإيرانيون الاقتتال بين العرب على أسس طائفية ومذهبية دخيلة على الإسلام وعلى العرب، كان المد الشعوبي منذ فجر الإسلام الأول، الضالع الأبرز والمتسبب الرئيسي فيه.

فإيران هي من قتلت وذبحت وهجرت الشعب العراقي، واغتالت قائد حزب البعث ورئيس العراق الشرعي شهيد الحج الأكبر صدام حسين كما قتلت أبرز قياداته القومية والقٌطرية وأهم مسؤولي الدولة وعلماء العراق وخيرة ضباطه وجنوده الفرسان، ودمرت ما تبقى من بنيانه بفعل الغزو، وتقوم بدور لا يختلف عن خسة دورها في سورية عنه في العراق، ولا تتورع عن خلخلة امن بقية الأقطار وضرب أي بارقة أمل في استقرار أبناء العروبة.

ولن يتمكن العرب من النهوض أو معاودة لملمة جراحهم ما لم يتصدوا ويهبوا هبة رجل واحد لصد هذا المشروع الإيراني التوسعي الاستيطاني الشعوبي المتخلف.

هذا، ولقد أفاض الرفيق القائد المقاوم عزة إبراهيم في تعداد سبل الخلاص العربي، حيث وبعد أن شدد الدعوة لضرورة رأب الصدع في كل العلاقات العربية البينية وخاصة تلك المستحدثة بين قطر والسعودية وبقية أقطار الخليج، نبه وحذر القادة العرب وحتى النخب من بطلان التعويل على الحلول الخارجية لتلافي الأخطار المحدقة، وركز في هذا الصدد على ضرورة التخلي عن فكرة الاحتماء بأمريكا أو غيرها، ولذلك تحدث عن الحلف الوثيق والاستراتيجي بين الصهيونية والصفوية، وتحدث على أن ترامب لن يقاتل إيران أبدا، وأن الرهان على ذلك مهما بلغ حجم الوعود للعرب، سيظل مضيعة للوقت وسيزيد من تبعية العرب وارتهانهم للأجنبي.

لقد ألح الرفيق القائد في هذا الغرض، على ضرورة الارتقاء للحظة المصيرية الكبرى، ودعا لوجوب مغادرة السلبية والتعويل على غير العرب في حل مشاكل العرب، فأصلا مصائب العرب العظمى إنما هو بسبب كيد أولئك الأصدقاء الكاذبين.

وهنا تحديدا، لم يقتصر في هذا التنويه على النظام الرسمي العربي، بل توسع وشمل استنهاضه الهمم العربية الجماهير وحضها على ضرورة التأهب للحرب الشعبية التحريرية الكبرى، ففيها وحدها سبيل النجاة.

وفي هذا السياق، خاطب الليبيين وبقية أقطار المغرب العربي حكاما وجماهير، ودعاهم لضرورة العمل على تذليل الصعاب وتجنب ما ينغص العيش عليهم، كما دعا المصريين وخصوصا الإخوان المسلمين إلى ضرورة نبذ الخلافات الطارئة والداخلية وتأجيلها، والانعكاف على مواجهة الخطر الكبير الداهم على مصر، ودعاهم إلى وجوب إسناد جيش مصر البطل وعدم إلهائه في مطبات جانبية لا تخدم مصر أبدا ولا تفيد أحدا إلا أعداءها خصوصا وهم يتحينون الفرصة لإسقاط مصر وبالتالي إسقاط الأمة لا سمح الله.

يتبع....

تونس في 14-05-2018

نبض العروبة المجاهدة

شبكة البصرة

الاربعاء 1 رمضان 1439 / 16 آيار 2018

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط