بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

"الهامور"؟!.. تاني؟! وقفة عابرة عند أكبر وأخطر قضايا العمل الوطني

شبكة البصرة

بقلم السيد زهره

"من دون هذا سيظل العمل الوطني في قبضة "الهوامير" والطائفيين ومن لا كفاءة لهم"

هذه وقائع جرت منذ سنين طويلة، كنت شاهدا عليها وطرفا فيها.

لم تغب هذه الوقائع عن ذهني يوما لأنها تتعلق بقضية خطيرة.. تتعلق في الحقيقة بأكبر وأهم وأخطر قضايا العمل الوطني في مصر، وهنا في البحرين، وفي كل الدول العربية.

***

 

حكاية "الهامور"

حدث هذا منذ سنوات طويلة.. منذ أكثر من عشرين عاما أو نحو ذلك.

كنت في مكتبي بالجريدة اقرأ خبرا بثته للتو احدى وكالات الانباء يتضمن قائمة بأسماء من فازوا في انتخابات مجلس الشورى المصري التي جرت في ذلك الوقت في مختلف المحافظات.

قرأت: وفاز في دائرة طوخ في محافظة القليوبية فلان الفلاني. قرأت هذا، واذا بي أصرخ لا اراديا: يانهار.... ال: "الهامور؟!"... تاني؟! ووراء صرختي هذه قصة تستحق ان تروى.

"فلان الفلاني" هذا اعرفه حق المعرفة. هو معروف في الدائرة وفي المحافظة، وانا احد ابنائها، وعلى نطاق اوسع من المحافظة بلقب "حوت القليوبية"، و هو مرادف حرفيا وبالضبط للقب " الهامور" عندما يتم اطلاقه في الخليج على شخص ما مرتبطا بأسوأ معانيه السلبية. أي عندما يكون هذا الشخص "الهامور" فاسدا فسادا مهولا بصور الفساد المتنوعة والمختلفة.

قبل هذه الواقعة، أي واقعة فوز"الهامور" في انتخابات مجلس الشورى المصري، بسنين، وفي احدى الدورات الانتخابية لمجلس الشعب المصري، كنت من ضمن الفريق المشارك في الحملة الانتخابية لخالد محيى الدين، رئيس حزب التجمع الوطني والزعيم الوطني المعروف. كان خالد محيي الدين مرشحا في الانتخابات في المحافظة وكان "الهامور" احد المرشحين المنافسين له. ولهذا اقول انني اعرف هذا "الهامور" معرفة جيدة جدا.

في ذلك الوقت، وفي خضم حملة انتخابات مجلس الشعب هذه كتب الكاتب الكبير الراحل احمد بهاء الدين مقالا في عموده الشهير في الاهرام قال فيه ما ملخصه، حسب ما أذكر، ان خالد محيي الدين بتاريخه الوطني الحافل وبدوره في ثورة يوليو كواحد من مفجريها وقادتها، وبوزنه السياسي ومكانته عموما، هو اكبر من الاحزاب ومن ان يدخل في منافسة كي يصبح نائبا في مجلس الشعب.

في ذلك الوقت، كنت اعمل في مكتب مركز دراسات الوحدة العربية في القاهرة. وكنا نعد لندوة كبرى عن "التراث والعصر" او "الاصالة والمعاصر". وكان الاستاذ بهاء مشاركا في الندوة ومن المخطط ان يرأس بعض جلساتها. ولهذا كان لى الشرف الكبير ان الاستاذ بهاء كان يتردد على المكتب احيانا.

في احدى المرات، وبعد نشر مقال الاستاذ بهاء الذي اشرت اليه، كان في زيارة للمكتب، ودار بيني وبينه الحوار الذي فحواه ما يلي، بالنص تقريبا:

سألته: كيف حالك يا أستاذ؟

قال: والله يا بني.. مش كويس.. لم اعد اعرف ماذا يجب ان اكتب او اقول؟

سألته: كيف تقول هذا يا استاذنا؟ ولماذا؟ ماذا حدث يا أستاذ؟

قال: هل قرأت العمود الذي كتبته عن خالد محيي الدين؟

قلت: طبعا يا أستاذ؟

قال: تصور.. منذ فترة كنت في زيارة لمسئول كبير (كان يقصد الرئيس حسني مبارك)، ففوجئت به يقول لي: "يعني شايفك مدلع خالد محي الدين على الآخر".. فرددت عليه تلقائيا وبلا تفكير" ويعني سيادتك عايزني ادلع مين؟ "الحوت"؟ ففوجئت بأن المسئول الكبير غضب مني ومما قلت.

***

 

ظاهرة عامة

الذي جعلني اروي حكاية "الهامور" هذه ليس مجرد سرد حكاية. وانما لسبب آخر هو الذي دفعني لروايتها.

انتخابات مجلس الشورى المصري تلك التي فاز فيها "الهامور"، كانت بحسب كل ما قرأته من تقارير آنئذ، وبحسب حتى شهادات المعارضة في ذلك الوقت، جرت بنزاهة ولم تشهد عمليات تزوير.

أي ان الشعب، وبكامل حريته وارادته انتخب هذا "الهامور" واختاره كي يكون ممثله في مجلس الشورى.

بالطبع، هذا أمر مفزع ويثير عشرات التساؤلات التي تبدو محيرة لأول وهلة. كيف يختار الشعب بارادته فاسدا كي يمثله؟

القضية ليست قضية فردية ولا تتعلق بحالات فردية.

القضية تتعلق بظاهرة عامة في الحياة السياسية والعمل الوطني ابعد وأخطر من هذا بكثير.

ظاهرة نعرفها هنا في البحرين، وتعرفها مصر، والعراق، ولبنان، وكل الدول العربية في الحقيقة.

نعني ظاهرة ان الذين يتم اختيارهم لتمثيل الشعب والدفاع عن مصالحه، يتم اختيارهم لعوامل وأسباب كثيرة، قد تكون هذه الاعتبارات طائفية، او قبلية، او عائلية، او شخصية.. وهكذا.

في ظل هذه الظاهرة، لا يصبح لاعتبارات الكفاءة والمقدرة والنزاهة، ولا حتى الوطنية بمعناها الصحيح معنى او دور او قيمة.

هذا يعتبر اعلى مراحل االفساد السياسي.

النتيجة الطبيعية لهذا ان النخبة السياسية التي تلعب الدور الرئيسي في العمل الوطني على مختلف الأصعدة تكون بالضرورة نخبة فاسدة، ليس بالضرورة بمعنى الفاسد المالي، ولكن بالمعنى الوطني العام.

***

 

هذا هو التفسير

السؤال البديهي الذي لا بد ان يثار هنا: كيف نفسر هذه الظاهرة؟ ماذا وراءها بالضبط ولماذا هي موجودة في كل الدول العربية؟

الجواب بسيط جدا. السبب هو غياب الثقافة المدنية الوطنية في المجتمع.

الثقافة المدنية الوطنية تعني باختصار وبشيء من التبسيط ان تكون المصلحة الوطنية العامة هي العنصر الحاكم للعمل الوطني، وفي يتفكير أبناء المجتمع واختياراتهم ومواقفهم.

الثقافة المدنية الوطنية تعني ان تأتي المصلحة الوطنية قبل أي مصلحة أخرى، سواء كانت مصلحة طائفية او دينية او قبلية او شخصية.. وهكذا.

الثقافة المدنية الوطنية تعني ان يكون الولاء الوطني، وما يحتمه من مواقف وتصرفات واختيارات، هو الولاء الأول والمطلق الذي لا يتقدمه أي ولاء آخر لكل أبناء المجتمع أيا كانت اختلافاتهم او دياناتهم او طوائفهم او قبائلهم.

حين تغيب هذه الثقافة، من الطبيعي ان يعتصم كل فرد بطائفته او قبيلته او عائلته او ابناء دينه.

حين تغيب هذه الثقافة، تغيب المصلحة الوطنية العامة عن الوعي المجتمعي.

***

 

نتائج خطيرة

غير ما ذكرناه، من المفهوم ان لهذه الظاهرة نتائج وتبعات خطيرة على كل المستويات.

ونستطيع ان نشير بشكل سريع عاب رالى بعض من اهم وأخطر هذه النتائج والتبعات.

أولا: في ظل وجود هذه الظاهرة وترسخها، لا يصبح للديمقراطية والحريات العامة أي معنى او قيمة. ليس هذا فحسب، بل ان الديمقراطية والحريات تصبح خطرا شديدا بمعاني محددة. وقد سبق لي ان ناقشت هذه الظاهرة في تحليلات سابقة.

الديمقراطية والحريات المتاحة تصبح في هذه الحالة العامة أداة لتكريس الفساد السياسي، ولتكريس الطائفية والقبلية، وكل ما ليست له علاقة بالدولة المدنية.

يحدث هذا لأن الديمقراطية والحريات يتم استغلالها من جانب القوى المختلفة ليس من اجل التوحيد الوطني، ولا من اجل الاسهام في بناء الدولة المدنية، وانما من اجل تكريس الطائفية والتستر على الفساد السياسي والاجتماعي.

ولعل تجربة البحرين هي التجربة العربية الأكثر تأكيدا لهذا. من دون تفاصيل كثيرة، نعلم جميعا ان المشروع الإصلاحي التاريخي لجلالة الملك بما اتاحه من حريات سياسية وإعلامية ومجتمعية، استغلته القوى السياسية المختلفة من اجل تكريس الطائفية والولاءات غير الوطنية، وكانت النتيجة ما شهدناه جميعا من تجربة مؤلمة بمحاولة الانقلاب الطائفي على الدولة والمجتمع في 2011.

بالطبع، ليس العيب هنا في الديمقراطية والحريات بحد ذاتها، وانما العيب في المناخ العام الذي تتم فيه ممارسة الديمقراطية، وفي الضوابط التي تيم وضعها على ممارسة الديمقراطية والحريات، وفي غياب الثقافة الوطنية العامة وعدم شيوعها في المجتمع، وبالتالي غياب او تدني الوعي الوطني السليم.

ثانيا : أنه في ظل مثل هذه الأوضاع، من الصعب ان يتقدم الوطن الى الأمام وان ينهض. وكيف يمكن ان يحدث هذا اذا كانت الكفاءات الوطنية الحقة يتم تهميشها، ولا تجد الفرصة كي تسهم في بناء الوطن لحساب الطائفيين او القبليين او الفاسدين.. الخ.

كيف يمكن ان يحدث هذا اذا كانت جهود بناء الدولة المدنية القوية لا تتقدم الى الأمام مهما كانت النوايا طيبة؟

ثالثا : أنه في ظل هذا الوضع، من الطبيعي ان يظل خطر الصراع الطائفي واشتعال الفتن المجتمعية، وخطر التفكك المجتمعي بكل ما يعنيه ذلك وما يترتب عليه، خطرا قائما.

سيظل هذا الخطر قائما لأن هذه الأوضاع العامة تقود الى هذا ببساطة، ولا تعين كثير او قليلا في تجنبه.

***

 

المهمة الكبرى

اروي وأقول كل هذا كي اصل الى النتيجة الأساسية، وهي التنبيه الى المهمة الكبرى الملقاة على عاتق الحكومات وكل قوى المجتمع بالدول العربية في الوقت الحاضر.

والمهمة الكبرى هي مهمة بناء وترسيخ الثقافة الوطنية بحيث نصل الى مرحلة تصبح فيها هذه الثقافة الوطنية هي الحاكمة للعمل الوطني.

وما المقصود بهذا؟ ما المقصود بان تصبح الثقافة الوطنية هي الحاكمة للعمل الوطني؟

المقصود هو ان نصل في دولنا العربية الى وقت تتحدد فيه المواقف والاختيارات السياسية والمجتمعية، سواء بالنسبة لقوى المجتمع المختلفة او بالنسبة للأفراد، بناء على ما تقتضيه المصلحة الوطنية العامة، لا أي مصلحة فرعية أخرى.

المقصود هو ان نصل الى وقت يختار فيه الشعب نوابه او ممثليه في أي جهة او مؤسسة، ويتم فيه اختيار المسئولين لتولي المواقع المختلفة، بناء على معايير الكفاءة، والقدرة، والنزاهة، والوطنية، بعيدا عن أي اعتبارات طائفية او اسرية او قبلية او طائفية او المصالح الشخصية.

المقصود باختصار هو ان يكون الولاء للوطن هو المحرك والدافع والحاكم للعمل الوطني على كل المستويات.

انجاز هذه المهمة وتحقيق هذا الهدف ليس بالأمر السهل ابدا.

بالعكس، هذا أمر صعب جدا.

لكن المهم هو ان نبدا.

وان نبدأ يعني قبل كل شيء ان تكون لدينا استراتيجية واضحة المعالم لتحقيق الهدف.. استراتيجية لترسيخ الثقافة الوطنية والولاء الوطني، وللقضاء على الطائفية والقبلية والأسرية بكل مظاهرها وتجلياتها.

استراتيجية مثل هذه يجب ان تكون بحكم التعريف بعيدة المدى وواضحة المعالم، ويجب ان تقوم بصياغة ملامحها وابعادها الدولة والمؤسسات الرسمية المعنية بالاشتراك مع قوى المجتمع المختلفة من كل الاتجاهات والانتماءات.

ومثل هذه الاستراتيجية يجب بداهة ان تكون شاملة. نعني ان تتضمن خططا وبرامج للوصول الى هذه الغاية على كل المستويات وفي كل المجالات.. على مستوى الأسرة، والمدرسة، والاعلام، ورجال الدين.. وهكذا.

ومثل هذه الاستراتيجية لا يمكن ان تنجح الا اذا تم توفير المناخ السياسي والاجتماعي لنجاحها.

اما عن المناخ السياسي، فالأمر هنا ببساطة انه لا يمكن ان تنجح أي استراتيجية لترسيخ الثقافة الوطنية والولاء الوطني ما لم يتم إعادة بناء الحياة السياسية على هذ الأساس.

بعبارة اوضح ن لا يمكن ان تنح هذه الاستراتيجية في ظل وجود أحزاب او جمعيات او قوى ومنظمات مجتمعية، دينية او طائفية.

وعن المناخ الاجتماعي، فلا بد بداهة من تلبية المطالب الاجتماعية لمختلف قوى المجتمع، وانهاء أي مظالم قد تشعر بها أي فئة من فئات المجتمع.

والمهم في كل الأحوال كما ذكرت هو ان نبدا في صياغة وتنفيذ هذه الاستراتيجية، فالطريق طول جدا وصعب جدا، وليس ابدا بالسهولة التي قد يتصورها البعض.

***

 

هذا الذي تحدثت عنه هي مجرد وقفة عابرة جدا عن أهم وأكبر وأخطر قضايا العمل الوطني في دولنا العربية. القضية يجب ان تكون موضعا لأحاديث ونقاشات واسهامات موسعة واكثر تفصيلا.

ولماذا تعتبر هذه القضية هي الأهم والأكبر والأخطر؟

الجواب ببساطة لأنه من دون ان ننجز هذه المهمة.. من دون ان نواجه الطائفية والقبلية والأسرية ونرسخ الثقافة الوطنية الجامعة.. من دون ان نرسخ الولاء الوطني.. من دون هذا، سيظل العمل الوطني في دولنا في قبضة " الهوامير" بالمعاني السلبية للكلمة، وفي قبضة الطائفيين، ومن لا كفاءة لهم، وستظل دولنا ومجتمعاتنا عرضة للإختراق الأجنبي والأجندات الأجنبية.

من دون هذا، ستظل أوطاننا العربية مهددة في امنها واستقرارها الاجتماعي، وستظل عاجزة عن تحقيق التقدم المنشود والنهضة التي نريدها.

ملحوظة: "هامور" او "حوت" القليوبية الذي تحدثت عنه، ابنه ورث عنه مقعد البرلمان المصري حتى يومنا هذا.

شبكة البصرة

الاثنين 29 شعبان 1439 / 14 آيار 2018

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط