بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

عن المجتمع المدني والحزب والتنظيم، وما هي واجباتنا بعد السادس من أيار

شبكة البصرة

كتب نبيل الزعبي

بداية، وكي لا تلتبس الأمور على البعض أمام التعريفات السياسية المتداولة، يهمنا أن نقول وببساطة متناهية أن المجتمع المدني: هو في الواقع والتعريف، الشعب اللبناني بمختلف تشكيلاته المدنية من هيئات وجمعيات ونقابات وأحزاب، باستثناء العسكريين وبعض رجال الدين الذين لهم تموضعاتهم الخاصة التي لا تسمح لهم بالدخول في اللعبة السياسية وزواريبها، أو أن القوانين الداخلية لمؤسساتهم تحظر عليهم ذلك.

وبالتالي فإن أية محاولة تهدف إلى فصل المجتمع المدني عن التيارات السياسية والحزبية اللبنانية، إنما هي حركة مشبوهة في الصميم، ليس لأنها تسعى إلى فصل المجتمع المدني عن تنظيماته الحية والفاعلة فحسب وإنما لتقسيمه وشرذمته في آن، وتغليف ذلك بادعاءات فارغة تغيَّب عن الناس، كنه العلاقة الجدلية بين السياسة والحزب والتنظيم والمجتمع وما يجمع بينهم من اهتمامات أساسها الشأن العام.

ونقول "التنظيم" تحديداً، لأن عكس هذا التعبير إنما يعني الانفلاش والفوضى والتسيب، حيث لا يمكن لأي هدف أن يتحقق أن لم يكن وراءه أناسٌ منظمون يحملون فكراً سياسياً متكاملاً يشكل بوصلتهم الأساسية التي هي مصدر الهام وارشاد المريدين نحو تحقيق الأهداف النبيلة، فكيف إذا كانت تلك الأهداف هي من صميم ما تتطلبه مصالح الناس والارتقاء بهم إلى السعادة المنشودة والحال الأفضل وتحقق للبلاد إنماءها ورفعها عن خارطة التخلف للِّحاق بركاب التقدم والرفاهية التي ينعم بها الأخرون.

من هنا فإن الحزب هو أرقى حالات الانتماء السياسي لمن ينشدون التغيير الديمقراطي وتداول السلطة وتحقيق الفرص المتساوية أمام جميع المواطنين بغض النظر عن أي انتماء ديني أو طائفي ومذهبي ومناطقي باستثناء الانتماء للوطن الواحد وتطبيق صفة المواطنة على كل أفراد الشعب.

انطلاقاً مما تقدم، نتوصل إلى معرفة سر كل استقرار تنعم به مجتمعات العالم المتمدن الذي تقوده أحزاب سياسية لها برامجها واستراتيجياتها الآجلة والعاجلة، يختار الناخب فيما بينها لينظر أين تكمن مصلحته والفوائد التي يجنيها وراء هذا وذاك، وربما قد يتعجب أحدنا أن أحد الأحزاب السياسية العريقة في بريطانيا العظمى، وضع يوماً في صلب مشروعه الاقتصادي السياسي لمعركته الانتخابية المطالبة ببعض التخفيضات الملحوظة على سعر سلعة الشاي التي كانت في تصاعد مضطرد، بربط مدمني الشاي، وهم من الغالبية الساحقة للناخبين، بسياسته وربط مصداقيته أمامهم بتحقيق هذا الهدف.

يدفعنا ما تقدم إلى التطرق مباشرة إلى موضوعتي الانتخابات النيابية والمجتمع المدني اللبناني وما يتعرض له الأخير من محاولات لا تكل أو تمل بهدف شرذمته وتقسيمه وإضفاء صفة اللاستقلالية عليه، وتصويره بالقاصر والعاجز وناقص الأهلية في الاختيار بين هذا المرشح وذاك، الغاية منها مجتمعة، القبول بالأمر الواقع للقوى السلطوية الرابضة على حياة الناس والمتسببة لعقود من السنين في أفقارهم.

أما لماذا كل هذا "الاقتراء" الحاقد على المجتمع المدني، وهو كما أسلفنا يمثل الشعب اللبناني برمته أي أنه أنت وأنا، جارك وجاري، زميلي وزميلك في العمل والدراسة والنادي والمتجر والسوق، وووو.....

فلأن ما صار يخيف السلطة حقيقة ويقض مضاجع رموزها من سياسيين، معارضة وموالاه، هو الحراك الشعبي المنتفض على ممارسات كل هؤلاء الذين ينهشون في لحم الوطن ويقضمون خيراته ومقدراته ويصادرون المؤسسات العامة فيه باستمرار ما يزرعونه يومياً من تباينات طائفية ومذهبية بين اللبناني واللبناني ليسودوا على الاثنين معاً باسم الطائفة والمذهب.

وقد هال هؤلاء مجتمعين أن يتمادى الحراك الشعبي اللبناني ليعم المجتمع المدني بكافة تشكيلاته العابرة للمذاهب والطوائف والمناطق وهو ينشد التغيير لدى اللبنانيين بالأساليب السلمية الديمقراطية المشروعة ونشر الوعي الجمعي لديهم من خلال تكريس مواطنيتهم وانتمائهم لوطن هو رمز وحدتهم وإرادتهم الجامعة في مواجهة كل المتسببين بعذاباتهم وهمومهم، الممعنين في أفقارهم وتوسيع الفجوة الاقتصادية بينهم لصالح قلة قليلة تعتاش على نعيم استغلال الكثرة الساحقة الغارقة في جحيم التخلف والمرض والجهل والحرمان وصقيع الشتاء وحرارة الصيف ولهيب الحاجة المرة لرغيف الخبز وحبة الدواء والكتاب والسقف المنزلي الذين يستر ولا يفضح.

على اللبنانيين وقد انتهت جولة الانتخابات النيابية في السادس من شهر أيار الجاري، أن لا يفرِّطوا بالنتائج الواقعية التي أحرزها ممثلو المجتمع المدني اللبناني مؤخراً في صناديق الاقتراع، مهما كانت، وهم الذين خبرتهم ساحات النضال المطلبي في السنوات الأخيرة، وأن لا يضيعوا في محاولات التفريق بين المجتمع المدني والشعب اللبناني وحراكهما المتقدم نحو محاربة الفساد ومحاسبة الفاسدين، طالما أن مسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة.

أما نحن الشعب اللبناني المقهور، فيبقى لنا أن نكون جميعاً مع الحراك وممثلي الحراك، فعلى أيدي هؤلاء سينبلج فجر التغيير الحقيقي وستبدأ ملامحه تتظهر بعد السادس من أيار، وعبرهم، وبهم ستتواصل مسيرتنا التي لا راحة فيها إلا بالغاء هذا النظام الطائفي البغيض ومنع إنتاج أو إعادة تدوير أدواته إلى الأبد.

 

ما هي الإشكاليات التي رافقت تشكيل لوائح "كلنا وطني"

دائرتي الشمال الأولى والثانية

حول تحالف كلنا وطني الذي خاض الانتخابات النيابية الأخيرة تحت جناح المجتمع المدني اللبناني، تقتضي الموضوعية منا أن نشير إلى ما يلي:

1- بالرغم من وجود علاقات نضالية مشتركة كرستها ميدانية العمل المطلبي في الشارع اللبناني بين بعض مجموعات المجتمع المدني (بدنا نحاسب، طلعت ريحتكم وغيرها)، فإن الطريقة التي تم فيها تشكيل لوائح كلنا وطني لخوض الانتخابات النيابية، جاءت سريعة ومرتبكة حتى اللحظة الأخيرة من إعلان هذه اللوائح وتمثل ذلك بإخراج مرشحين واستبدالهم بآخرين وقضت العجلة في الأمور أن يتم اختيار المرشحين بشكل عشوائي استرضائي من جهة، ونزولاً عند تهافت بعض "المستنوبين" على قيادة التحالف لتسميتهم تحت شتى أساليب الاستعراض غير الواقعي للعضلات، مما أوقع التحالف في واقع غير مرغوب فيه ومفروض عليه في نفس الوقت وهذا ما ترك ذيولاً مادية وميدانية على الأرض تمثلت في انسحاب أكثر من مرشح من اللائحة الواحدة وفيهما من ينتمي إلى أكثر من قضاء، ما أفقد اللائحة إمكانية الاستفادة من الأصوات التي يمكن أن يحصلوا عليها فتضاف إلى الحاصل الانتخابي، هذا إذا كان لهم من قوة تجييرية تذكر (دائرة الشمال الثانية)

2- لقد غاب عن بال قيادة التحالف أن الإعلان عن لوائح جبهوية بين أطراف متعددة الانتماءات والمشارب، ينبغي أن لا يعتمد على الكلمة وشرف الكلمة وحسب، حيث أن بعضهم تخطى ذلك وانسحب في أكثر الأوقات حاجة إليه، ولو كانت هذه القيادة قد اشترطت مثلاً وضع غرامات مادية "طائلة وموجعة نوعاً ما" على كل من يخل بالالتزام، لأمكنها الحد من هذه الظاهرة وأخرجت نفسها من إحراج كبير تسبب فيه هؤلاء المنسحبون بعدم شعورهم بالمسؤولية أولاً، واستهتارهم بكل مبادئ الالتزام أمام الآخرين ثانياً.

3- وما يدعو للأسف أيضاً، أن بعض التحالفات لم تراع الخصوصيات الشعبية والاجتماعية في بعض الدوائر الانتخابية، فما يجد له التربة الصالحة للطرح في بيئة ما، لا يمكن أن يطرح في بيئة أخرى، بينما نفس الجهة التي تطرح ذلك اعتقدت أن الجمهور الذي يؤيدها هنا، يمكن أن يؤيدها هناك وهذا ما خلق ارتباكاً في أجواء محافظة استغلته قوى انتهازية منافسة لتوسع الفجوة بين أفكار المرشح والناس وتنال من إحراج المرشح في نفس الوقت الذي لجأ إلى التهرب من المواجهة في كثير من الأحيان.

4- لقد كان من شوائب القانون الانتخابي الجديد أن اللائحة الواحدة جمعت من التناقضات بين المرشحين ما لا يحصى، فدفع "الصالح" في اللائحة الثمن، مقابل تحالفه مع "الطالح" وتلك لعمري كانت من أكثر أسباب استنكاف الناس عن الاقتراع والتسبب في عدم وصول نسب الاقتراع إلى التوقع المنشود.

5- الالتباس الذي شهدته دائرة عكار بين بعض المرشحين المفروض تسميتهم من قبل تحالف كلنا وطني ثم عزف التحالف عن ذلك لاسباب لم يتمكن من معالجتها ليُتْرك المرشحون دون تغطية كما كان مؤملاً به.

 

أي قانون انتخابي يصلح للبنان بعد اليوم!

أما وأن الانتخابات النيابية اللبنانية قد حصلت وبحصولها تراجعت كل أصوات التشكيك بالتأجيل أو التمديد،

فإن النواب الجدد والمجددين لانفسهم، سواء بسواء، ستيكفلون خلال الأشهر القادمة، لا محالة، باقتراح التعديلات التشريعية على القانون الحالي للانتخابات نظراً لما عانوا من كل ما احتواه من سلبيات وشوائب، لم يتأثروا بها كمرشحين وحسب، وإنما شمل ذلك كل الذين خاضوا التجربة وتوصلوا إلى قناعة رفض هذا القانون بالمطلق أو تعديله في بعض المواد والبنود.

وعلى ذلك فإن الكتابة من جديد حول ما يمكن أن يطرح من مقترحات للتعديل أو للاتيان بقانون آخر أكثر عدالة ومساواة، سوف يحتاج إلى المجلدات من الأوراق المطلية بالأحبار الممزوجة بأعمال الفكر وسهر الليالي وتدبيج التوصيات والنظريات وغير ذلك مما يجنبنا قانوناً ملتبساً رفضه الناس سواء باستنكافهم عن الاقتراع، أو بالأوراق الملغاة التي ناهزت الأربعين ألفاً، أو ما يقابلها من أوراق بيضاء لم تقتنع بأحد من المرشحين.

وبدورنا، نجد أن أقصر الطرق بعد اليوم لإخراج لبنان من نفق استيلاد قوانين انتخابية جائرة، الواحدة تلو الأخرى، لن يكون سوى بتحقيق واحد من اثنين، لا ثالث لهما إذا أراد المشترع اللبناني ايصال اللعبة البرلمانية إلى بر الأمان الذي لا بد منه وأن طال الجد والكد والتعب والسهر:

1- الأول: اعتماد لبنان دائرة انتخابية واحدة يتحرر فيها اللبنانيون من التموضع الطائفي والمذهبي فيكون الاقتراع وطنياً ذا خطاب وطني وتوجه وطني واقتراع لأحزاب وقوى وطنية عابرة للطوائف والمذاهب والمناطق.

2- الثاني: إقرار قانون انتخاب الصوت الواحد للمرشح الواحد وبالتالي تتوسع الدوائر الانتخابية بعدد أعضاء المجلس النيابي لتصير 128 دائرة صغرى تحفظ الحيثية الشعبية لكل المرشحين فيها وخصوصياتهم وانتماءاتهم ومشاربهم، كما هو حاصل في أكثر الدول المتقدمة على هذا الصعيد ولاسيما المملكة المتحدة.

في 16/5/2018

شبكة البصرة

الاربعاء 1 رمضان 1439 / 16 آيار 2018

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط