بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

هذا هو البعث (2)؛

شبكة البصرة

ابو مجاهد السلمي

عندما وضع البعث عقيدته في التصدي للواقع العربي المتخلف المقسم، المستولى على ثرواته من قبل الاجنبي عندما احتلت أقطاره في الحرب العالمية الاولى 1914 -1918، والحرب العالمية الثانية 1939 - 1945، ووضعت في حينها تحت الوصاية الاجنبية، ومن ثم قيام أنظمة وحكومات ارتبطت بعجلة الاجنبي ولم تخرج عن فضائه ودوائره السيئة الصيت، وهذا كان هو السبب في ولادة البعث في السابع من نيسان عام 1947، بعد ان استشرف الواقع العربي المفكك الهزيل والفاقد لأبسط مقومات ومعاني الدولة المستقلة، فبشر بنظريته التي لاقت ترحيبا من ابناء الامة في مختلف اقطارها، وجاء هذا الترحيب لصحة وعمق المبادئ التي طرحها البعث، وان سر هذه الصحة والقوة يكمن في ان النظرية القومية له هي غير النظريات التي طرحت في حقب تاريخية سبقت البعث والتي عبر فيها المفكرون القوميون عن معنى القومية المجرد الخالي من الجوانب الإنسانية التي تقر ان البشر جميعهم متساوون في الحقوق والواجبات، ولا يمكن لاي جنس او شعب او أمة ان تقع في اول سلم التصنيف البشري كي يأتي بعدها امم او شعوب في مراتب السلم القيمي، فيتقدم المتقدم ويؤخر المتأخر في ضوء مواصفات لا وجود لها تميز هذا الجنس عن ذاك، وإنما جاءت نتيجة النزعة لبعض الامم والشعوب في التسلط كي تتقدم على الأمم والشعوب الأخرى، والمثل الأقرب لهذا الوصف هو وضع الشعب الاري الألماني في قمة الهرم البشري ووضع العرب في مرتبة ما قبل القرود، فيا له من تمييز يضرب النفس البشرية في لبها ويحتقر آدمية الانسان الذي قال فيه ديننا الاسلامي الحنيف "يا أيها الناس انا خلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله اتقاكم" والناس سواسية كاسنان المشط ليس لابن البيضاء على ابن السوداء سلطانا الا بالحق، فالفكر القومي البعثي مستمد من هذه المفاهيم التي عززت الجانب الإنساني للأمة والذي كان سائدا وظاهرا في تصرفات أبنائها المفكرين والشعراء والفرسان والعوام، فتجد ان التاريخ الماضي قديمه وحديثه يزخر بالأفعال التي تدلل على سمو ورفعة النفس العربية والفخر بالمواقف الإنسانية، وهذا ما كانت تخلو منه سلوكيات أمم أخرى مع الاعتزاز العالي بمفكريها الذين نادوا بالعدالة والمساواة بين الامم والشعوب، ان قومية البعث المتحررة ببعدها الانساني يقودها الى البعد الاممي اي احترام امم المعمورة والإطلاع على تاريخها وثقافتها لغرض تمازج وتفاعل النتاجات الفكرية والاجتماعية التي تخدم مصلحة الامم وتقوض الأفكار والسلوكيات والطباع التي تنتقص من شأن أية أمة ورسم الطريق لإشاعة مبادئ العدل والمساواة والقضاء على القهر والاضطهاد ومحاولة مسخ الهوية القومية للامم الذي ينطلق منها الفكر القومي المتعصب والنظرة الدونية للأمم والشعوب الأخرى، وعلى هذا الأساس يمكن القول ان المبادىء البعثية ليست ملكا للأمة العربية بالرغم من انها رائدة بهذا المجال وإنما هي ملك لكل البشرية لان الفكر الإنساني الملتزم والذي يضع الانسان قيمة عليا في عالم الخليقة هو فكر أممي للجميع مع احتفاضه ببعض الخصوصيات التي تجدها في هذه الأمة لكنها لم تلد في منظومة القيم الأخلاقية والاجتماعية لامم أخرى، فالبعد الاممي للقومية العربية هو يلتقي في ذات المشتركات التي وضعتها الامم المعتدى عليها كهدف للخلاص من التبعية والاضطهاد والاحتقار وسلب الإرادة الوطنية والقومية، وهذا هو سر نجاح العقيدة القومية بمفهوم البعث والذي اطرها بالجانب الإنساني وابعد عنها الجانب العصبوي والشوفيني، وجعلها متاحة التبني من قبل امم أخرى كي تلتئم كل القوميات على هدف إنساني نبيل بوجه الجور والتسلط والاستيلاء على مقدرات الاخر، فيكون ذلك اساس ازدهار العالم وتطوره ورقيه وتحقيق الأمن والسلام الضامن لديمومة الحياة وتطورها، مع الاحتفاظ بالخصوصيات الطيبة والخصال الحميدة لكل شعب او أمة، ولهذا قال البعث بالطريق الخاص للاشتراكية، فالاشتراكية بمفهومها العام واحدة وهي تأمين سعادة الفرد والمجتمع وتحريرهما من القيود التي تكبل طاقاتهما وابداعاتهما لكن الطريق لها قد يختلف عند أمة عن أخرى، وفي زمن عن زمن آخر، وفي ضوء الإمكانيات المتاحة والقدرات الفكرية والمادية التي يتحلى بها شعب عن آخر، ولطبيعة وخواص كل مرحلة من مراحل الزمن، فالمبادئ الفومية البعثية لا تنتهي عندما تصل الامة الى تحقيق اهدافها كاملة لماذا؟ لان نهايات النظرية البعثية مفتوحة للتجدد والاضافة واستيعاب الواقع الجديد لكن المعطيات الجديدة يجب ان تؤطر بما ينسجم وقاعدة المبادىء القومية التي انطلقت منذ التاسيس كونها تشكل البوصلة في رسم السياسات التي تعبر عن النظرية القومية في مرحلتها الجديدة، وبهذا نبعد المبادئ عن شيخوتها ووقوفها عاجزة عن تلبية ما يستجد من وقائع ومعطيات جديدة، وهذا هو القياس في سمات نظريتنا القومية في جانبها العلمي. وللحديث صلة

12/6/2018

شبكة البصرة

الاربعاء 29 رمضان 1439 / 13 حزيران 2018

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط