بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

قراءة في خطاب بعض المدافعين عن النظام الإيراني

(المقالة الخامسة)

شبكة البصرة

إعداد محمد الحسيني

المشروع الإيراني مسار للتفتيت والهيمنة على الوطن العربي

من المضمون الأيديولوجي لنظام ولاية الفقيه في إيران نستطيع تحديد أهدافه السياسية وأبعادها. وبالتالي نعمل على مقاربتها من المصلحة القومية العربية. وإذ نقوم بهذه الخطوة فإنما لكي تصبح الصورة واضحة أمام المثقفين العرب الحريصين على عروبتهم، والصادقين ازاء مبادئهم القومية، والخائفين على مصير امتهم في وقت تعقَّدت فيه علاقات أقطار الوطن العربي مع الجوار الإقليمي من جهة، ومع دول العالم كافة من جهة أخرى. وبالتالي يفتشون عن ملاذ آمن لهذه الأمة تمسك بقرارها المستقل، وتقوم بتحديد مستقبلها بمعزل عن تسليم مقاليد الأمور فيها للدول الإقليمية ودول العالم الكبرى الطامعة في الاستيلاء على الوطن العربي.

وإذا كان لا بُدَّ من طلب مد يد العون من تلك الدول، فلا يجب ان يكون على حساب مصالح الامة العليا وامنها واستقلالها، ولا يجوز أن ينزل دون سقف المحافظة على قاعدة تكافؤ الفرص، والحرص المتبادل على المصالح المشتركة. والغرض الآخر لكي تشكل بوصلة تهتدي بها فصائل وأحزاب حركة التحرر العربي، التي تاهت الرؤية عند البعض منهم عن إدراك أهداف النظام الإيراني الحقيقية. تلك الأهداف التي تستفيد من تأييد شريحة من العرب تحت حجج من أهمها، حجتين، وهما:

- الأولى: قيام النظام الإيراني بمساعدة حركات المقاومة العربية، ويأتي في الأولوية منها التبني الكامل لحزب الله في لبنان، ومساعدة بعض فصائل المقاومة الفلسطينية.

- الثانية: عجز النظام الرسمي العربي، وعجز الحركات التحررية العربية، عن القيام بمهمة تحرير الأراضي العربية المحتلة.

 

ولكي نوضح تهافت تلك الذرائع، سنبدأ بتحديد المنهج الأيديولوجي لنظام ولاية الفقيه في إيران، وتحديد أهدافه السياسية التي يريد الحصول عليها من وراء تقديم ذلك الدعم.

1- هدف بناء حكومة عالمية تزعم الحكم " بالتشريعات الإسلامية ". وهي الأهداف ذاتها التي أعلنت عنها حركة الإخوان المسلمين. وإنه بمثل تلك الأهداف المتشابهة، نجد بمراجعة وسائل تحقيقها أنها تحمل متناقضات كبرى.

من أكثر النتائج خطورة في المشروعين المذكورين هي أنهما يؤسسان لقرون من صراعات التكفير بين المسلمين. وليس من الغريب أن تحتضن الدول الاستعمارية، وفي المقدمة منها الصهيونية وأميركا المشروعين معاً، كما هو حاصل في العراق. وهذا يجيز لنا أن نربط هذا الاحتضان بأهداف مشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي تقوم أسسه على تفتيت الوطن العربي إلى دويلات طائفية، تفصل بينها (حدود الدم).

 

2- ولأن التشريعات الإسلامية تختلف باختلاف القواعد الفقهية بين المذاهب الإسلامية، فقد حدَّد نظام ولاية الفقيه أنه سيقوم ببناء دولة الإمام المهدي المنتظر. وذلك من أجل استعادة حق آل بيت الرسول في الخلافة. وفي المقابل دعت حركة الإخوان المسلمين إلى إعادة بناء الدولة الإسلامية على قواعد وأسس دولة الخلافة الراشدة. ولأن المشروعين السياسيين متناقضان، ولا يلتقيان، فهما يفتحان البواية لصراع طويل ينطوي على تبادل في التكفير بين المشروعين معاً. وفيه ما فيه من تفتيت لوحدة الدول القائمة.

 

3- مشروع بناء دولة ولاية الفقيه يعني أن تضم المسلمين في كل أنحاء العالم، وهذا يتم بتصدير الثورة " الإسلامية " إلى كل مكان يكون للمسلمين فيه وجود. وهذا الأمر يعطيها الحق بالتدخل في الشؤون الداخلية للدول الحديثة التي تضم في تركيبتها شرائح واسعة من شتى الأديان والمذاهب، ضاربة بعرض الحائط، الاعتراف للدول الحديثة بحقها في تقرير المصير، يعني ذلك، إعلان العداء للقومية التي أصبحت مرتبطة بوجود أرض معترف بحدودها، وبوجود شعب له الحق بتقرير مصيره بعيداً عن تأثير الإثنيات الدينية. وقد جاهرت دولة الولي الفقيه بعدائها للقومية العربية، واعتبرتها من صنع الاستعمار، وأما السبب فلأنها تضع حدوداً وحواجز أمام تحقيق مشروعها التوسعي الاستعماري. وفي هذا الموقف ما فيه من خطورة على الوجود القومي العربي.

 

4- إشكاليات الانتماء هذه فيها ما فيها من إرغام شريحة من المسلمين على ارتكاب جريمة الخيانة العظمى بموجب ما نصت عليه دساتير الدول الحديثة، ومن ضمنها دساتير كل الدول العربية. ولعلَّ من أهم مخاطرها أن تبني، دولة ولاية الفقيه في إيران، لأنها لا تعترف بحدود لأقطار الوطن العربي، معتبرة اياها دويلات تابعة لها داخل الدولة الوطنية الأم. وهل يمكن أن يكون من نتائج ذلك غير تفتيت وحدة الدولة ووحدة المجتمع؟

نستنتج من وراء هذا العرض المكثَّف والسريع، أن النظام الإيراني يهدد وجود الوطن العربي، ويعمل على تفتيت الأقطار العربية إلى دويلات طائفية، التي إذا ما اختارت الأديان الأخرى، أو المذاهب الأخرى بعيدا عن وحدتها الوطنية، كم ستكون عليه تلك الأقطار من عوامل التفتيت والاقتتال الداخلي؟

 

ماذا نستنتج من دفاع البعض عن نظام يعمل على اجتثاث هويتهم القومية والوطنية؟

من وضوح معرفتنا لأهداف المشروع الإيراني الأيديولوجية التوسعية، يتَّضح أن ما يقدمه النظام من مساعدات إلى ما يُسميه البعض حركات المقاومة العربية، هي مساعدات مشروطة بتنفيذ أهداف النظام الإيراني بالتوسع والهيمنة. وإذا كانت المساعدات التي يقدمها النظام المذكور لحزب الله يظهر منها وجه تحرير الأرض اللبنانية، فإن الوجه الآخر، باعتبار الحزب مرتبطاً ارتباطاً عقائدياً بنظام ولاية الفقيه، وهو يعلن ذلك من دون تزويق أو تجميل، فهذا يعني أن اية مساعدة له هي حتماً مرتبطة بالمشروع الإيراني الأم. ولذلك، أعلن النظام صراحة أن بيروت هي إحدى العواصم الأربع التي أصبحت تابعة للإمبراطورية الفارسية، وسكتت قيادة حزب الله عن ذلك، وكان السكوت دليلاً على الموافقة.

وأما مساعدة بعض فصائل المقاومة الفلسطينية، فيتضمن إقصاء كل الفصائل الأخرى من ساحة المقاومة، خاصة تلك التي تعمل على أن يكون كل فلسطيني مقاوماً من دون النظر إلى هويته السياسية والدينية. وهذا ما حصل مع أحزاب الحركة الوطنية اللبنانية. وقد تكون تلك المساعدات مرتبطة بإسقاط أية دعوة تحتمل الإيمان بالعامل الوطني أو القومي.

وأما مساعدة الحوثيين في اليمن فله أبعاد خطيرة أيضاً على الامن القومي العربي من حيث العوامل السياسية أو العقيدية الدينية. وكان إعلان صنعاء عاصمة من عواصم الإمبراطورية الفارسية دليلاً صارخاً لا لبس فيه يعني أن مساعدة الحوثيين لم تكن من دون ثمن بل هي تصب في جوهر المشروع التوسعي الفارسي في الوطن العربي.

وكانت المساعدة الأكثر خطورة، لحزب الدعوة في العراق، والاحزاب والميليشيات المرتبطة بالأجهزة الأمنية الإيرانية، من أكثر الوقائع خطورة، بحيث يعمل النظام الإيراني على تغيير وجه العراق الوطني والعربي. وإذا كان الملف شائكاً ومعقداً، ولا تستوعبه مجلدات كبيرة، فإن ما يصدر من تصريحات من قبل عملاء النظام الإيراني في العراق بارتباطهم بنظام ولاية الفقيه، واعتبار بغداد العاصمة الأهم من بين العواصم الأربع التي أعلن النظام سيطرته عليها لهي خير دليل سافر يفصح عن نفسه من دون الحاجة الى شرح او تحليل. وهنا نقول بكل أسف وألم كيف يجيز المثقفون العرب لأنفسهم بالسكوت عن احتلال العراق، واعتبار النظام الإيراني صديقاً، و يعلنون تأييدهم له لسبب واحد أنه قام بمساعدة فصيل من المقاومة؟. وهنا نتساءل: وهل من يقدم المساعدة للمقاومة العربية مغفورة ذنوبه حتى ولو قام بذبح المقاومة العراقية؟ بل هل مغفورة ذنوبه حتى ولو احتل بلداً عربياً كالعراق وقام بافظع اشكال المجازر والحروب الاهلية فيه وتهجير الملايين من ابنائه وابادة مدن بالكامل عن بكرة ابيها وهدم الدور على رؤسس ساكنيها حيث ما تزال الجثث مطمورة تحت الانقاض؟!

لعله من دواعي السخرية المريرة الأكثر استغراباً هو أن أولئك الذين يعتبرون انفسهم "مثقفين" لا يفقهون ابسط مفاهيم الاحتلال، فهل ثمة احتلال صديق، واخر عدو؟

شبكة البصرة

الاربعاء 27 شوال 1439 / 11 تموز 2018

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط