بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

تصحيح.. للكاتب والوزير السابق صالح قلاب!!؛

شبكة البصرة

د. أبا الحكم

(وصلتني رسالة قبل أقل من أسبوع بعد كل هذه السنوات الطويلة 28 عامًا من صديق قريب من مصدر القرار في الحكومة الأردنية ).. هذا ما قاله الكاتب بعد مقدمة طويلة، ليكمل ما يريده في بيت القصيد.

نعم، وصلتك قبل أقل من أسبوع، ولكن لماذا خرجت الآن إلى السطح بعد ثلاثة عقود إلا سنتين؟ ما المقصود من ذلك؟ الدوافع معروفة تمامًا ولا حاجة للتحدث بشأنها.. دعونا من ذلك، ولكن أود التأكيد على أن الكاتب الوضوعي الذي يعرفه العالم يتوجب أن يكون شاهدًا عادلاً على حقبة زمنية عصيبة، وعليه أن يضع القضايا في نصابها الصحيح ولا يجتزأ الأمور أو يتناساها أو يغفلها أو يقزمها أو يضخمها، وهذا يعني ضعفًا في منطلقاته الفكرية والسياسية.. فمثلاً عليه أن يقول:

إن العراق قد قرر منذ الأسبوع الأول لدخوله أو اجتياحه الكويت الانسحاب منه وطلب رسميًا فترة زمنية يكون فيها قادرًا على سحب قواته العسكرية انسحابًا منظمًا.. ولكن الأمريكيون لم يعطوا العراق سوى أسبوع، وهذا بالعرف العسكري من الصعب أن يكون الانسحاب منظمًا إلا في وقت لا يقل عن ثلاثة أسابيع.. ومعلوم أنهم كانوا يريدونه انسحابًا غير منظمًا لغايات مريبة بالتوافق مع إيران، يعرفها العراق.

 

إن العراق وفي أروقة المنظمات الدولية والإقليمية قد حدد طبيعة وجوده العسكري في الكويت (لا ضم ولا هم يحزنون)، وخاصة أمام جامعة الدول العربية، في قمتها الطارئة.. ولكن الذي لم يقله الأستاذ (صالح القلاب)، أن حسني مبارك وآخرون من العرب قد أغلقوا بخبث مسار الانسحاب وأبواب التراجع أمام العراق ورجحوا (تدويل) القضية.. وهذه مسألة معروفة وليست سرية، لأن ما طرحته الدبلوماسية العراقية كان يؤكد على أن حل قضية اجتياح الكويت يتوجب من حيث المبدأ القومي أن يكون في البيت العربي وليس في خانة التدويل.. لأن تدويل القضية، وهو أمر يعرفه القادة العرب وغيرهم، هو في حقيقته فسح المجال وشرعن القضية دوليًا للتدخل الأجنبي في شؤون المنطقة.

 

إن محاصرة العراق وفتح الباب للأجنبي الأمريكي والبريطاني والإيراني كان بسبب (تدويل القضية وعدم احتوائها عربيًا) أيها السيد، والتدويل أحد أخطر الموضوعات التي عاثت بأمن المنطقة العربية حتى الآن.. والكاتب العربي قلاب يدرك هذا وتطرق إلى بعضه، ولكنه أغفل بعض جوانبه الخطيرة ووضع اللوم كله على العراق الوطني.

 

هنالك أبعد مما قاله القلاب في شأن (إسرائيل)، ولم يقل بأن الكيان الصهيوني كان قد خطط مع أمريكا (الجرافة الصهيونية) لوضع حد للحروب العربية - الإسرائيلية التي أنهكته، وهي حروب على علاتها، ورغم عدم حسميتها لها، وهي حروب ليست من أجل التحرير الجدي لفلسطين إنما تحاشيًا التصادم مباشرة مع الشعب العربي في كل مكان الذي كان يطالب بالتحرير الكامل والناجز، كما كان بعضها حروب (تحريك) موقف راكد كاد أن يتعفن.. ومن كل هذا أراد الكيان الصهيوني قلب المعادلة، فبدلاً من حروب عربية - إسرائيلية، يتم تحويلها إلى حروب عربية - عربية، دفعت أمريكا مصر (حسني مبارك) وغيره باتجاه (تدويل القضية) لكي تتسلل إليها المطامح والأطماع الأجنبية الأمريكية والبريطانية والإيرانية، وتحقق للكيان الصهيوني (الأمن) الذي يريده وينشد إليه كذبًا، ولكن الحقيقة الشاخصة، هي أن العراق كان قد حقق التوازن (الاستراتيجي) مع هذا الكيان.. هذا التوازن في القوى كان يشكل رعبًا للكيان الصهيوني.. وهذا كله لم يذكره الأستاذ القلاب، وهو الباحث في الشأن العربي، كان عليه أن لا يهمل هذا الأمر!!

 

إذن.. التدويل صنعه (حسني مبارك)وأيده بعض القادة العرب وشجعوا عليه بغباء.. والآن تحول السد إلى إنسياح فارسي دخل مضاجع القادة العرب جميعًا، لأن بعضهم بصموا على (التدويل) بإدخال الأجنبي وهدموا السد الذي يحميهم من الأجنبي الفارسي والأمريكي والبريطاني والصهيوني.. ومعروف هو موقف الرئيس الراحل معمر القذافي، رحمه الله، حين خرج من قمة العرب الطارئة في القاهرة التي ترأسها حسني مبارك غاضبًا لأن قرار (التدويل) قد اتخذه خائن الأمة العربية وغيره لدوافع معروفة للقاصي والداني.. ولولا التدويل يا أخي صالح قلاب ما حصل الذي حصل ويحصل الآن لأمة العرب، لأن العراق يظل من الناحية الاستراتيجية حصنًا حصينًا للأمن القومي العربي.

 

  وهل يعلم الكاتب صالح قلاب بأن ما ذكره جورج بوش الأب في مذكراته يقول بالحرف الواحد (حتى لو لم يقم صدام حسين بغزو الكويت لأسقطنا النظام في بغداد، لأنه من الثلاثي المارق -كوريا وإيران والعراق )؟! ولو كان الكاتب قد اطلع على حقائق وفضاءات واسعة في عالم السياسة الاستراتيجية لما كان قد (استعجل) الحديث في صب اللوم على الحكم الوطني في العراق آنذاك، ولوضع مسألتين مهمتين في ذهنه وهما، أولاً: إن الأمن الإسرائيلي كان يتصدر الاستراتيجية الأمريكية لعام 2002 قبل تعديلها في عام 2006، وأن يضع في حسبانه ذلك المخطط الذي يراد إخراجه وقلب معادلة الصراع، التي تحدثنا عنها في المقدمة من جهة، والاستحواذ على نفط المنطقة، الذي يعود تخطيطه إلى عام 1973 حين انعقد المؤتمر الدولي للطاقة بعد الحرب وقرار أمريكا السيطرة على منابع النفط بتشكيل قوات التدخل السريع الأمريكية (RDF) من جهة أخرى لحلب أخر برميل نفط من المنطقة.. التدويل هو الذي فعل هذا أيها السيد الكاتب.

 

لا يا أخي صالح قلاب، ما هكذا نرى الأمور وأنت الكاتب والوزير السابق وقريب من مصدر القرار.. فليس غباءًا إيداع عدو العرب اللدود الطائرات المدنية وبعضها عسكري إلى إيران، إنما هو القبول الإيراني المخادع بحمايتها بزعم أنهم يقاتلون الأمريكان ولا يسمحون بالوجود العسكري في منطقة الخليج العربي، حين جرت الاتصالات مع إيران، في حين أن إيران كانت تجري اتصالات مع أمريكا و(إسرائيل)تؤكد للأمريكان بأنها ستغض النظر في حالات تسمح للطيران الحربي الأمريكي باستخدام الأجواء الإيرانية حين تحين ساعة العدوان على العراق.. فهل يعلم الأستاذ القلاب هذه الحقائق قبل أن يتحدث عن رسالة وصلته قبل أقل من أسبوع، وهي رسالة قادة عرب، بعد مضي ثلاثة عقود من الزمن إلا سنتين.. ولم يسأل لماذا توقيتها الآن؟ كان يفترض أن يسمع الشعب العربي كله من هؤلاء القادة العرب وآخرون موقفًا واحدًا ثابتًا لمؤتمر قمة الجامعة العربية الطارئ الذي ترأسه خائن الأمة العربية "حسني مبارك" يمنع (تدويل) قضية عربية داخلية يمكن أن تحل في البيت العربي!!

صحيفة الشرق الأوسط - الخميس 17 محرم 1440 المصادف 27 سبتمبر 2018 العدد (14548)..

 

صالح قلاب: كاتب أردني ووزير إعلام ووزير ثقافة ووزير دولة سابق، وعضو مجلس أمناء المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق.

17/09/2018

شبكة البصرة

الجمعة 18 محرم 1440 / 28 أيلول 2018

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط