بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الصراع بين روسيا والولايات المتحدة والسير على حافة الهاوية

التهور الذي يهدد بحرب عالمية ثالثة

شبكة البصرة

عمر نجيب

ما بين سنتي 2010 و2011 بلورت الولايات المتحدة الأمريكية رؤية مستقبلية لإمبراطوريتها العالمية في نطاق تصورها أن نظام القطب الواحد سيستمر وأنه يجب اتخاذ الإجراءات الكفيلة بحمايته على المدى الطويل خاصة من تهديد القوى المنافسة وفي مقدمتها روسيا والصين، وقد أطلق عليها وقتها استراتيجية الامتداد والاستدارة نحو آسيا، كانت تلك طبعة جديدة من استراتيجية المحافظين التي تبلورت عام 1997 على يد المحافظين الجدد.

بعد إنهيار الاتحاد السوفيتي وتولي بوريس يلتسين زمام السلطة في الكرملين ما بين 1991 و1999 قدر أغلب موجهي السياسة الأمريكية أن فدرالية روسيا ستتحلل كما وقع للإتحاد السوفيتي وتتحول إلى دويلات متصارعة يسهل للغرب وخاصة الولايات المتحدة السيطرة عليها وإستغلال ثرواتها وإستخدامها كأحد فكي كماشة لخنق الصين. وهكذا ركز المحافظون الجدد على حشد الجهد الأمريكي في منطقة شرق آسيا، ولكن عندما نهضت روسيا من كبوتها اضطربوا في التأقلم.

خلال شهر نوفمبر 2011 وأثناء زيارته لاستراليا إعلن الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، عن عزمه زيادة الوجود العسكري الأمريكي في جنوب شرق آسيا، وقد جاء هذا الاعلان في اعقاب مشاركته في قمة زعماء رابطة دول جنوب شرق آسيا "آسيان" في مدينة بالي الإندونيسية، بعد ذلك أصدر توجيها استراتيجيا جديدا لوزارة الدفاع الأمريكية في يناير 2012 بعنوان "الحفاظ علي القيادة العالمية.. أولويات الدفاع للقرن الحادي والعشرين"، يؤكد فيه حيوية الإقليم للمصالح الاقتصادية والأمنية الأمريكية، وضرورة تعزيز الشراكة الاستراتيجية مع حلفاء الولايات المتحدة هناك.

استدارة روسيا لإستعادة استقرارها وقوتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية بقيادة فلاديمير بوتين وعودتها التدريجية إلى لعب دور قيادي على الصعيد الدولي، خلط أوراق مخططي البيت الأبيض وجعل مشروعهم للإستدارة الكاملة بالجزء الأكبر من قواهم نحو المحيط الهادئ دون إهمال منطقة الشرق الأوسط يواجه تحديات خطيرة.

هذه الوضعية الجديدة تجسدت في مواصلة روسيا تحدي السياسة الأمريكية في العديد من مناطق العالم واستعادتها منطقة القرم من أوكرانيا وتثبيتها حقوق الأقليات الروسية التي وجدت داخل الدول التي تكونت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ثم توجهها لوقف تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد أو الكبير وذلك بدعم دمشق عسكريا منذ 30 سبتمبر 2015 في مواجهة الحرب شبه الدولية التي تشن عليها منذ منتصف شهر مارس 2011 وتوثيق علاقاتها مع مصر ودول عربية أخرى. زد على ذلك تناغمت سياسة بكين مع تلك المتبعة في موسكو لتعميق العلاقات مع دول افريقيا وأمريكا اللاتينية خاصة تلك التي دخلت في مواجهات مع واشنطن.

بدلا من المواجهة العسكرية المباشرة لجأت واشنطن وبعض حلفائها وتابعيها إلى أسلوب الضغوط الاقتصادية وما يسمى بالعقوبات في محاولة لإضعاف خصومها على أمل إجبارهم على الخضوع لجزء من الإملاءات الأمريكية. واشنطن استغلت لتطبيق هذه السياسة هيمنة مؤسساتها المالية وعملتها الدولار على جزء كبير من الاقتصاد العالمي.

يقول العديد من رجال الاقتصاد أن سياسة العقوبات والحصار الاقتصادي سلاح ذو حدين وأن الاقتصاد الأمريكي يواجه تحديات كبيرة خاصة منذ الأزمة الاقتصادية العالمية لسنة 2008 والتي لم يتعاف منها عمليا حتى الأن، كما أن سياسة العقوبات والتحديات الأخرى العسكرية خاصة ضد روسيا والصين سواء في بحر الصين الجنوبي أو في سوريا والشرق الأوسط يمكن أن تقود إلى تطورات غير محسوبة وتفجر حربا عالمية ثالثة.

 

تهور ترامب يساعد بوتين

يوم 22 سبتمبر 2018 اعتبرت وكالة بلومبرغ الأمريكية، أن عقوبات واشنطن تجبر رجال الأعمال الروس على تحويل أموالهم وأصولهم إلى البنوك الروسية، وهذا ما سعى له فلاديمير بوتين منذ 20 عاما لتعزيز الاقتصاد.

وقالت الوكالة نقلا عن مصادر مطلعة: من الملاحظ أن الانسحاب السريع للأموال باتجاه موطنها الأساسي، بدأ بعد أن خسرت شركات أوليغ ديريباسكا وفيكتور فكسلبرغ الروسيان المليارات في غضون ساعات، نتيجة للعقوبات الأمريكية. ويخشى رجال المال في وول ستريت، من أن هذا الاتجاه سيزداد.

وقال فياتشيسلاف سموليانوف الخبير الاستراتيجي لدى "بي سي اس غلوبال ماركتس" إن هذا الحدث "أظهر كيف يمكن تركيع الأعمال التجارية الدولية في لحظة. وهذا بالفعل فتح أعين الكثير من كبار رجال الأعمال" في العالم.

ووفقا لبلومبرغ، فإنه لا يزال من الصعب تقدير حجم عودة الأموال إلى روسيا، ولكن على سبيل المثال، ذكر مصرف سبيربنك الروسي مؤخرا، أن حجم ودائع الشركات في الفترة من يناير إلى أغسطس من هذا العام، ازداد بحجم 98 مليار دولار، مما يؤكد عودة رأس المال إلى روسيا.

بالإضافة إلى ذلك، لاحظت الوكالة، أن العقوبات الجديدة أدت إلى حقيقة أن العديد من رجال الأعمال الروس وغيرهم في دول أخرى باشروا في التخلي عن المدفوعات بالدولار ويحاولون التحول إلى العملات الأخرى في المعاملات المالية مع الشركاء الأجانب. ومع أن هؤلاء لا زالوا يحتفظون باحتياطيات كبيرة من الدولارات واليورو، إلا أنهم بدؤوا الآن يكنزون الروبل تحسبا لعقوبات جديدة متطرفة أو للدفع بالعملة الوطنية في المستقبل.

وهكذا، تؤكد وكالة بلومبرغ، أن إدارة دونالد ترامب تساعد فلاديمير بوتين، عن غير قصد، على تحقيق هدف استعادة رؤوس الأموال الروسية المهاجرة الذي لم يستطع تحقيقه رغم سعيه إليه منذ عشرين عاما.

 

خسائر الحرب التجارية

يوم 23 سبتمبر ذكرت وكالة فرانس برس في خبر لها من نيويورك: تخشى المرافئ الأمريكية أن تكون الخاسر الأكبر في الخلاف المتصاعد بين بكين وواشنطن الذي يتخذ منحى حرب بحرية تهدد حركة التجارية العالمية.

وقال رئيس الجمعية الأمريكية لسلطات المرافئ كورت ناغل يطاول مجموع الرسوم الجمركية المفروضة وتدابير الرد الدولية نسبة 10في المئة من مجمل المبادلات التي تمر عبر المرافئ الأمريكية ما يمثل عائدات بحوالى 160 مليار دولار.

ورأى رئيس هذه المجموعة المعنية بشؤون المرافئ الأمريكية المئة التي تمر عبرها البضائع المصدرة والمستوردة أن الوضع يدعو إلى القلق في ما يتعلق بمداخيل هذه المرافئ.

وتجني هذه المرافئ الموزعة على المحيطين الهادئ والأطلسي مرورا بخليج المكسيك ومنطقة البحيرات الكبرى، مواردها عن طريقين هما تأجير أرصفة لشركات خاصة وفرض رسوم على الحاويات التي تمر عبرها.

لكن مع اعتماد البيت الأبيض سياسة تجارية تقوم بشكل أساسي على فرض طلباتها بواسطة رسوم جمركية مشددة على البضائع المستوردة، فإن ما ينجم عن ذلك من تراجع في حجم البضائع المستوردة يؤثر مباشرة على حسابات المرافئ.

وهذا ما يظهر في جنوب الولايات المتحدة حيث سجل مرفأ نيو أورلينز بولاية لويزيانا تراجعا بمقدار 350 ألف طن في واردات الفولاذ، أبرز البضائع التي تمر عبر هذا المرفأ، خلال الأشهر الستة الأولى من السنة بالمقارنة مع العام 2017.

وقال نائب الرئيس روبرت لاندري هذا يمثل خسائر بمقدار 3 إلى 5 مليارات دولار، وهو مبلغ هائل بالنسبة لنا".

ومصادر الفولاذ الرئيسية هي تركيا والصين وكوريا الجنوبية، وقد فرضت إدارة الرئيس دونالد ترامب في الربيع رسوما جمركية بنسبة 25 في المئة على الفولاذ التركي والصيني.

كذلك سجل المرفأ تراجعا في واردات الألمنيوم الذي فرضت عليه رسوم جمركية بنسبة 10 في المئة، فيما أدت الرسوم الجمركية المقابلة التي فرضتها بكين إلى تراجع حركة تصدير الدواجن.

في مقابل هذا التراجع، حقق مرفأ لوس أنجليس على سواحل كاليفورنيا تسارعا في نشاطه وقال المتحدث باسم المرفأ فيليب سانفيلد إنه في مايو ويونيو ويوليو، سرعت شركات الشحن حركة السفن بدافع القلق".

وتعتبر المبادلات التجارية مع بكين استراتيجية في أكبر مرافئ الولايات المتحدة، وقد مثلت نصف القيمة الإجمالية للحركة فيه.

غير أن هذا التوجه سيكون قصير الأمد بعدما بلغ الحجم الإجمالي للبضائع الصينية المشمولة بالرسوم الجمركية المشددة 250 مليار دولار بعد آخر مجموعة من العقوبات الأمريكية، وفيما قررت بكين الرد عليها باستهداف 60 مليار دولار من المنتجات الأمريكية الإضافية.

ومن أصل المنتجات المشمولة بالرسوم الجديدة، تعتبر المواد البلاستيكية وقطع التبديل للسيارات واللوازم المعلوماتية من البضائع الخاضعة لرسوم مشددة الأكثر تبادلا في هذه المرافئ وتصل قيمتها الإجمالية إلى 3,7 مليار دولار.

 

غموض حيال المستقبل

وبسبب تراجع العائدات، تنتشر مخاوف أيضا على الصعيد الاجتماعي حيث أن هذا المرفأ ومرفأ لونغ بيتش المجاور له يمثلان وظيفة من أصل تسعة في جنوب كاليفورنيا. وعلى المستوى الوطني، يبلغ عدد العاملين في المرافئ ثلاثة ملايين شخص.

ولا تقتصر هذه المخاوف على مرافئ الغرب الأمريكي وقال سانفيلد إن لوس أنجليس ولونغ بيتش لم يعودا المرفأين الوحيدين اللذين يتعاملان مع الصين، ومرافئ نيويورك ونيوجرزي وجورجيا وفرجينيا وسواها ستتأثر بشكل كبير".

ويعتبر قطاع النقل البحري ايضا أنه في خطر وذكرت الجمعية الأمريكية لسلطات المرافئ بهذا الصدد بأن نشاطات الشحن البحري تمثل 4600 مليار دولار في السنة وتوظف 23 مليون شخص وتوفر عائدات سنوية بقيمة 230 مليار دولار من الضرائب.

لكن الغموض حيال المستقبل هو الذي يقلق بصورة خاصة قطاع المرافئ الذي يعتبر نفسه ضحية جانبية للحرب التجارية.

وقال لاندري "إنني متفائل، غير أنني لا أعرف كم من الوقت سيستغرق الأمر" وتابع "قد نبقى على هذه الحال ستة أشهر إضافية على الأرجح"، مضيفا أنه بعد ذلك سيصبح من الصعب جدا مواجهة الوضع".

 

حجم الادراك

تشير بعض مصادر الرصد أن سياسة العقوبات الأمريكية قد تتجمد بشكل جزئي تجاه روسيا والصين خلال أشهر إذا اقتنع جزء من طاقم الرئيس ترامب بأن النتائج سلبية وستهدد الاقتصاد الأمريكي وخاصة بقاء الدولار كأداة معاملات دولية، ولهذا تبقي الدبلوماسية الأمريكية قنوات التفاهم مفتوحة.

يوم الاحد 23 سبتمبر 2018 قال وزير الخارجية الأمريكية، مايك بومبيو، إنه لمن المؤسف للغاية تدهور العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا، لأن لدى الطرفين مصالح مشتركة في عديد القطاعات.

وأضاف بومبيو في حوار مع قناة "إن بي سي"، أنه تعامل شخصيا مع الروس عن كثب في مجال مكافحة الإرهاب، مشيرا إلى أن "لدى الولايات المتحدة وروسيا مصالح متطابقة في مناطق مختلفة، لكن قيمنا تختلف، روسيا تختلف عنا، عن بلادنا كثيرا".

وأشار إلى أنه لا يرى جدوى من تصرفات روسيا في سوريا وأوكرانيا، مشيرا إلى أن الرئيس دونالد ترامب حاول تطبيع العلاقات مع موسكو إلا أن ذلك لم يتكلل بالنجاح.

وتطرق وزير الخارجية الأمريكي إلى العقوبات التي فرضتها واشنطن مؤخرا ضد بكين، وذلك في إطار قانون "مكافحة خصوم أمريكا من خلال العقوبات"، مشيرا إلى أن العقوبات تم فرضها في محاولة للتصدي لروسيا.

يوم السبت 22 سبتمبر استدعت وزارة الخارجية الصينية السبت السفير الأمريكي في بكين وسلمته احتجاجا رسميا على العقوبات الأمريكية المفروضة على الصين لشرائها أسلحة روسية، على ما نقلت صحيفة الشعب الناطقة باسم الحزب الشيوعي الحاكم.

وقد نددت موسكو وبكين الجمعة بفرض واشنطن عقوبات جديدة استهدفت للمرة الأولى الصين بسبب شرائها أسلحة روسية وحذرتا الولايات المتحدة من أنها يمكن أن تواجه عواقب.

واتهم الكرملين واشنطن باستخدام العقوبات بهدف إخراج روسيا من سوق الأسلحة.

وصرح نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف إن الولايات المتحدة تلعب بالنار.

وتسعى الصين وروسيا، اللتان تتفقان في رفض الهيمنة الأمريكية العالمية، منذ السنوات القليلة الماضية لتعزيز العلاقات وقامتا هذا الشهر بمناورات عسكرية مشتركة استمرت أسبوعا، هي الأكبر لموسكو على الإطلاق.

والخميس تم استهداف الصين التي تخوض حربا تجارية أيضا مع واشنطن في حرب العقوبات ضد روسيا مع إعلان الولايات المتحدة مجموعة جديدة من التدابير لمعاقبة دول ثالثة تتعامل مع موسكو.

وقال الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف هذه منافسة غير عادلة، محاولة عبر وسائل تصل إلى حد مخالفة الأعراف ومبادئ التجارة الدولية لاخراج منافس للمنتجات الامريكية من السوق.

وفي تصعيد لضغوطها على موسكو بسبب ما تصفه واشنطن نشاطاتها الخبيثة أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية فرض عقوبات على إدارة تطوير المعدات في وزارة الدفاع الصينية وكبير إدارييها لشرائها مقاتلات روسية سوخوي سو-35 والمنظومة الصاروخية إس-400 أرض جو.

ودعت بكين الجمعة الولايات المتحدة لسحب العقوبات وإلا سيكون عليها تحمل العواقب.

وذكر المتحدث باسم الخارجية الصينية غينغ شوانغ خلال مؤتمر صحافي إن الأفعال الأمريكية انتهكت بشكل خطير المبادئ الأساسية للعلاقات الدولية وألحقت أضرارا جسيمة بالعلاقات بين البلدين والجيشين مضيفا أن بكين تقدمت باحتجاج رسمي لدى واشنطن.

وقال نحض الولايات المتحدة بشدة على تصحيح خطئها على الفور والتراجع عن العقوبات المزعومة وإلا سيكون عليها تحمل العواقب.

وأقر المسؤولون الأمريكيون إنها المرة الأولى التي يتم فيها استهداف بلد غير روسيا بعقوبات بموجب قانون كاتسا الذي تم وضعه في الأساس لمعاقبة موسكو على ضمها القرم، مما يشير إلى أن إدارة ترامب ستجازف بعلاقاتها مع دول أخرى في حملتها ضد موسكو.

وذكرت موسكو إن واشنطن تزعزع الاستقرار العالمي مضيفة بسخرية إن فرض عقوبات على روسيا أصبح تسلية لدى واشنطن.

وقال ريابكوف سيكون من الجيد أن يتذكروا وجود مبدأ مثل الاستقرار العالمي وهم يزعزعونه بشكل غير مسؤول بتأجيج التوتر في العلاقات الروسية الأمريكية.

وأضاف في البيان من الغباء اللعب بالنار لأنه يمكن أن يصبح خطيراً.

وأدرجت وزارة الخارجية الأميركية في الوقت نفسه أسماء 33 مسؤولاً وكياناً عسكرياً واستخباراتياً روسياً على قائمتها السوداء التابعة لذلك القانون.

وبين الشخصيات التي أُدرجت على اللائحة السوداء الامريكية ايغور كوروبوف مدير جهاز الاستخبارات العسكرية الروسية، والمنظمة شبه العسكرية فاغنر وممولها يفغيني بريغوجين وهو رجل أعمال مقرب من الرئيس فلاديمير بوتين.

وجميع المستهدفين كانوا على لوائح عقوبات امريكية سابقة. و28 منهم دينوا من المحقق الخاص روبرت مولر المكلف التحقيق في تدخل روسي في الانتخابات.

وقال مسؤولون أمريكيون إنهم سيدرسون احتمال اتخاذ خطوات مماثلة بحق دول أخرى تتسلم مقاتلات وصواريخ روسية.

وتجري تركيا مفاوضات لشراء منظومة الصواريخ إس 400 من روسيا، كما أن الهند تعاقدت على صفقات أسلحة روسية ضخمة زيادة على التعاون المشترك في التصنيع الحربي وأكدت نيودلهي أنها ترفض الضغوط الأمريكية.

وأكد ريابكوف أن أي جولة عقوبات لم تتمكن من إجبار روسيا على تغيير مسارها حتى الان.

ورأى ريابكوف أنه توجد في الولايات المتحدة تسلية وطنية في اتخاذ اجراءات مناهضة لروسيا معتبرا انها جولة العقوبات الستين ضد روسيا منذ 2011.

ورغم اللهجة الروسية المتفائلة على ما يبدو، يمكن أن تلحق الاجراءات الجديدة الأذى بالاقتصاد الذي يعاني من صعوبات.

فصادرات الأسلحة تعد مصدرا هاما للعائدات وقد باعت روسيا العام الماضي ما تتجاوز قيمته 14 مليار دولار من الأسلحة إلى الخارج.

وذكر مسؤول بارز في الإدارة الأمريكية اشترط عدم ذكر اسمه إن الهدف الأساسي للعقوبات هو روسيا.

وأضاف المسؤول إن عقوبات كاتسا في هذا السياق لا تهدف إلى تقويض القدرات الدفاعية لأي بلد معين.

وتم إقرار قانون كاتسا أو مواجهة أعداء أمريكا عبر العقوبات عام 2017 كوسيلة توفر لإدارة ترامب وسائل أكثر لمواجهة روسيا وايران وكوريا الشمالية بعقوبات اقتصادية وسياسية.

وأصبحت إدارة تطوير المعدات في وزارة الدفاع الصينية ومديرها لي شانغلو هدفان للقانون بعد تسلمهما السنة الماضية الطائرات والصواريخ من شركة روسوبورون-اكسبورت، المصدّر الرئيسي الروسي للأسلحة والموجودة على لوائح عقوبات كاتسا لدعمها الجيش العربي السوري.

وأفاد المسؤول الأمريكي إن واشنطن أمضت وقتا كبيرا جدا في محاولة ثني زبائن محتملين عن شراء أسلحة روسية.

والإثنين 17 سبتمبر، أعلن ترامب فرض رسوم على ورادات بلاده من سلع صينية بقيمة 200 مليار دولار، وردت بكين بفرض رسوم على سلع أمريكية بقيمة 60 مليار دولار.

وتعهد ترامب لاحقا بتكثيف الضغوط على الصين وهدد بفرض رسوم على واردات صينية أخرى بقيمة 257 مليار دولار.

 

نار حرب كبرى

نشرت صحيفة "إيزفستيا" يوم 20 سبتمبر 2018 مقالا بقلم بيتر تولستوي، نائب رئيس مجلس الدوما الروسي جاء فيه:

أن أي شرارة قد تشعل نار حرب كبيرة، ما دامت هناك حتى دولة واحدة ترغب بذلك. نحن نتعامل اليوم مع حرب هجينة منظمة ومنسقة ضد روسيا. تهدف هذه الحرب إلى خلق عدو مشترك، وتقويض اقتصاد روسيا من خلال عقوبات لا نهاية لها، وتشويه سمعتها وإضعافها من أجل العودة إلى عالم أحادي القطب.

الحديث لا يدور حول جولة ثانية من الحرب الباردة، بل عن استمرارها. لأن الغرب فقط خفف من ضغطه على روسيا في فترة ضعفها، بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، عندما كان دعاة الإصلاح على استعداد لتقديم روسيا ممزقة على طبق من فضة لأسيادهم، عندما دمرنا وقوضنا اقتصادنا وجيشنا بأيدينا. وهذا ما كان يريده الغرب. ولكن روسيا اليوم لا تتناسب وتصوراتهم عن النظام العالمي. أن الغرب لم يترك شيئا لم يستخدمه ضد روسيا مثل أكاذيب الهجمات الكيميائية وإسقاط الطائرة الماليزية وتسميم سكريبال وابنته وغيرها، وأخيرا بدأ يستخدم الدين في الضغط عليها. وهذا ما يتضح من محاولة بطريرك كنيسة القسطنطينية منح الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية حق الاستقلال عن الكنيسة الروسية.

انفصال الكنيسة الأوكرانية التي كانت قد توحدت مع الكنيسة الروسية في القرن السابع عشر، هو وسيلة جديدة للضغط على روسيا على حساب مصالح ومصائر الملايين من مواطني أوكرانيا. وإن تدخل ألاعيب السياسة القذرة في الأمور الكنسية أمر يثير الاشمئزاز ويشكل خطورة كبيرة. يبدو أن الأمر قد صدر بتدمير كل شيء، وإن شرارة صغيرة قد تفجر برميل بارود، الذي هو العالم.

ويضيف، قبل أيام عرضت وزارة الدفاع الروسية دلائل عن مصدر الصاروخ الذي أسقط طائرة البوينغ الماليزية. من المحتمل جدا أن يتجاهل منتقدونا هذه الأدلة وتصبح طي النسيان. لأن ليس هدفهم إثبات الحقيقة وانتصار العدالة، بل همهم تنظيم هجوم منهجي ضد روسيا وسيادتها.

من جانب آخر في الوقت الذي توصل فيه الرئيس بوتين ونظيره التركي أردوغان إلى اتفاق في سوتشي بشأن تجنب تفاقم الوضع في إدلب، رابطت أربع سفن حربية تابعة للناتو قبالة سواحل سوريا إلى جانب فرقاطة ألمانية وأخرى فرنسية، ومعها مدمرات صاروخية وبعض السفن الحربية الأمريكية مزودة بصواريخ مجنحة. جميع هذه السفن تبحث عن ذريعة لبدء عمليات عسكرية ضد سوريا ومهاجمة المواقع العسكرية الروسية هناك. وفي اليوم التالي بعد لقاء بوتين وأردوغان أسقطت طائرة الاستطلاع الروسية "إيل-20" ما أدى إلى مقتل 15 عسكريا روسيا.

التحالف الغربي يستفزنا ويخلق أوضاعا خطيرة في انتظار رد فعل مفاجئ غير مدروس من قبل روسيا. ولكن يجب أن يعلموا بأن "وخز دب نائم بالعصا أمر خطير جدا.

لذلك لتجاوز هذه الأوضاع، يجب قدر الإمكان التحلي بالصبر والهدوء وتقييم الأوضاع بعقلانية وواقعية والسير وفق ما تقتضي المصلحة الوطنية والأولويات. لأن هناك من يتربص لإشعال حرب كبيرة.

من ناحية أخرى، لا يمكن تحقيق الفوز في اللعبة، لأننا نلعب وفق قواعد غريبة. لذلك يجب وقف هذه اللعبة دون تبرير أو إثبات، لأنه لا معنى لها. أي كما يقال، إعمل ما يجب عمله وليكن ما يكن. التاريخ سيحدد من المحق ومن المذنب ويضع كل شيء في مكانه المناسب.

 

الخطوط الاساسية

يوم 10 يونيو 2012 كتب نبيل نايلي الباحث في الفكر الإستراتيجي، جامعة باريس تحليلا تحت عنوان "تثبيت دعائم "قرن أمريكا الباسيفيكي"، عكس فيه الخطوط الاساسية للسياسة الأمريكية، ورغم مرور ست سنوات على كتابته فإن قليلا من الأمور تبدلت، وقد جاء فيه:

"علينا أن نعي أننا نواجه تطورات معقّدة للغاية، وقد يقول المرء أحيانا إنها تطورات خطيرة للغاية، علينا أن نزيد من حذرنا يجب ألا نتعامل مع القرار الأمريكي ككارثة، كما يجب علينا ألاّ نتعامل معه بعدم اكتراث الفريق رين هايتشيوان، نائب رئيس الأكاديمية الصينية للعلوم العسكرية.

خلال القمة التي انعقدت بسنغافورة، بتنظيم من المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية، وعلى هامش جولة للمنطقة استمرت 7 أيام كاملة، وأمام زعماء سياسيين وقادة عسكريين من 30 دولة، تنادوا للتحاور بخصوص الأمن في شانغري لا، أعلن وزير الدفاع الأمريكي، ليون بانيتا، اعتزام الولايات المتحدة الأمريكية، إعادة نشر القسم الأكبر من قطع أسطولها البحري بمنطقة آسيا والمحيط الهادئ خلال السنوات الثماني المقبلة. بكل وضوح وثقة، ورغم ما قد ينجر على هذه الخطوة الاستفزازية من تبعات أو مضاعفات، صرح بانيتا قائلا: بحلول العام 2020، ستعيد البحرية الأمريكية نشر قواتها من نسبة حوالي 50 في المئة 50 في المئة حاليا بين المحيط الهادئ والمحيط الأطلسي إلى نسبة 60 في المئة 40 في المئة لصالح المحيط الهادئ، بما يشمل ست حاملات طائرات، إضافة إلى بقية سفننا وغواصاتنا".

تأتي هذه الخطوة تنفيذا لما ورد بالمقال التأسيسي لوزيرة الخارجية الأمريكية، هيلاري كلينتون، "عصر أمريكا الباسيفيكي، وعملا بتوصيات وثيقة الإستراتيجية الدفاعية الجديدة، التي جعلت من آسيا، وليس أوروبا، أولويتها الاستراتيجية إلى جانب الشرق الاوسط. الوثيقة التي حملت عنوانا غاية في الدلالة: استدامة قيادة الولايات المتحدة للعالم: أولويات دفاع القرن الواحد والعشرين، تؤسس بما لا يدع مجالا للشك رغبة الولايات المتّحدة فرض القرن الحالي كـقرن المحيط الهادي بالنسبة لأمريكا، تماما كما كان القرن الماضي قرن المحيط الأطلسي. وما هذه الرحلة التي قام بها وزير الدفاع الأمريكي إلاّ لتثبيت دعائم الاستراتيجية الدفاعية الجديدة، وإقامة تحالف مع الهند، الشريك الحيوي كما تشير الوثيقة المرجع، وتغير في بعض الموازين، وفرض لسياسة الأمر الواقع على دول مترددة وأخرى مستريبة وأخرى منتفضة، وإن كان ليون بانيتا يدّعي أنّ الغاية من الرحلة هي فقط شرح الإستراتيجية الجديدة ومبررات اضطلاع الولايات المتحدة بدور الشريك في تعزيز أمن ورفاهية المنطقة".

إنّ قرار نشر مزيد من السفن في المحيط الهادئ بالتوازي مع تعزيز الشراكات والأحلاف العسكرية في هذه المنطقة، كما يؤكّد وزير الدفاع الأمريكي، يندرج في سياق جهد متعمد يرمي إلى تفعيل الدور الأمريكي في منطقة غاية في الحيوية لمستقبل الولايات المتحدة، مضيفا أن تحقيق هذا الهدف سيحتاج الى سنوات عدة، وكما هو حال العديد من الاستثمارات التي نقوم بها، سنعمل على تطبيقه تطبيقا كاملا. بناء على توصيات هذه الخطة ستتولّى الولايات المتحدة الأمريكية نقل أغلب سفنها وغواصاتها إلى منطقة آسيا والمحيط الهادئ، محتفظة فقط بست حاملات طائرات. إعادة الإنتشار هذه، أو ما يسمّيها العسكريون، بترجيح كفة، يصاحبها أيضا تحديد لجملة من الأسلحة الخاصة التي تتلاءم ومسارح عمليات هذا المجال الحيوي الجديد، خصّ منها وزير الدفاع بالذكر، الجيل الخامس والمتطور من طائرات قتال الغارة المشتركة، الغواصات سريعة الهجوم صنف فرجينيا، والقادرة على الأداء في المياه غير العميقة وبالغة العمق، الأسلحة الإلكترونية المستحدثة، الإتصالات والمعلوماتية وأسلحة التصويب الدقيق. يضاف لها طائرة شحن جوي وقاذفة قنابل وطائرة مخصصة للتصدي لهجوم الغواصات وفرقة من قوات البحرية الخاصة. هذه النوعية من الأسلحة ستتيح لعسكريي الولايات المتحدة حرية المناورة والتأقلم والقتال في بيئة ومسرح عمليات عصي. أغلب التقارير العسكرية المطّلعة تفسر هذا التركيز على مثل هذه النوعية من الأسلحة دون غيرها يستهدف في العمق مجهودات الصين في تثبيت دعائم استراتيجيتها العسكرية المعروفة بحظر الدخول، حظر التحليق، والتي ينفّذها العسكريون الصينيون باستخدام غواصات هجومية ذات محرّك ديزل بالإضافة لمنظومة متكاملة من الأسلحة، وذلك لمنع الولايات المتحدة الأمريكية من الإقتراب من شواطئها ومجالها الحيوي.

حين نعلم أن القوات المسلّحة الأمريكية شاركت خلال عام 2011 فقط في حوالي 172 عملية تدريب ومناورات حربية ضمت 24 بلدا، وحين يصاحب التحول الإستراتيجي الذي نصت عليه وثيقة الإستراتيجية الدفاعية الجديدة، وأكّدت عليه توصيات رئاسية، تفعيل لما يسمى بعقيدة الحرب الجوية البحرية، وتزمع وزارة الدفاع الأمريكية استصلاح وإعادة تهيئة شاملة للمطارات التي كانت تُستخدم إبان الحرب العالمية الثانية الموجودة بمنطقة الباسيفيك، قصد توزيع وتفرقة أسراب طائراتها المقاتلة على أكثر من مكان، يكون ذلك استباقا وتحسّبا لنشوب نزاعات كامنة قادمة. هذا ما يوجزه الأميرال روبرت فيلارد، بقوله إنّ هدف الجيش الأمريكي هو أن تكون له شبكة من المواقع القريبة من الممرّات البحرية في منطقة جنوب شرق آسيا، حيث تتمكّن القوات الأميركية من القيام بدوريات بالتبادل وتفادي الاحتفاظ بقواعد ثابتة ومكلفة. البحرية الأمريكية التي بدأت تمرينات عملية لتنفيذ هذا المخطط، قامت خلال الشهر الماضي بتهيئة المهبط المسمّى بيكر، الموجود بالقاعدة الجوية التاريخية المهجورة: نورث فيلد، بجزيرة تينيان، وتينيان، هذه لمن خانته الذاكرة، هي الجزيرة التي انطلقت منها قاذفات البي 29-آس، لتقذف حمم قنابلها الذرية على هيروشيما وناغازاكي.

عبثا يحاول ليون بانيتا التخفيف من توجّس الصينيين وريبتهم، بإنكاره ونفيه الغايات الحقيقية للعسكرية الأمريكية بتركيزها المتنامي على منطقة آسيا المحيط الهادي دون غيرها، من خلال تصريحه ردّا على الرأي الذي رجّح استهداف الصين التي يتضخّم إنفاقها العسكري، وتصرّ على التسيّد في مناطق بحرية بأقاليم مُتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي، أرفض هذا الرأي تماما، جهودنا لتجديد وتكثيف وجودنا في آسيا تتماشى بشكل كامل مع التطوّر والنّمو في الصين. كما لا نظنّ صانع القرار الصيني ينطلي عليه قول وزير الدفاع الأمريكي وهو يعرب عن التزامه ببناء علاقات صحّية ومستقرّة وموثوق بها ومستمرّة بين القوات المسلّحة في البلدين، وعن أهمّية دعم بكين لنظام قائم على القوانين لتوضيح الحقوق في المنطقة والمساعدة في حلّ الخلافات سلميا. ما علق بالذاكرة الصينية ولا يزال صداه يرن في آذان الصينيين هو قول باراك أوباما يبشر ويتوعد: لدينا مصالح حيوية في هذه المنطقة تستلزم وجودنا الدائم، الولايات المتحدة هي قوة باسيفيكية، ونحن موجودون هنا لنبقى".

ما يخفيه استراتيجيو الولايات المتحدة الأمريكية هو محاولة خنق الصين ومحاصرة نفوذها المتنامي وذلك بالتغلغل داخل مجالها الحيوي، وتطويقها اقتصاديا وأمنيا بالأحلاف والمعاهدات وعسكريا بالقواعد في كلّ من اليابان وكوريا الجنوبية وأخرى بأستراليا. إذ بالإضافة إلى وجود 28 ألف جندي أمريكي في كوريا الجنوبية و 50 ألفا في اليابان، تعمد الولايات المتحدة الأمريكية، بموجب اتفاقية عسكرية جديدة موقّعة مع أستراليا، إلى إرسال المزيد من القوات إلى شمال أستراليا، ليبلغ العدد 2500 جندي أمريكي بحلول عام 2016.

وراء هذا التحوّل أو الانعطافة تقف جملة من الأسباب والعوامل نختصر بعضها في: حرص الولايات المتحدة على المحافظة على مصالحها الجيو-إستراتيجية بمنطقة الباسيفيك، خصوصا في ظلّ تنامي القوة العسكرية البحرية الصينية، ممّا قد يخلق فجوة واختلالا في موازين القوى، العوامل الجيو-اقتصادية، إذ بالتوازي مع الأزمة الخانقة التي تعيشها الولايات المتحدة، يشهد الاقتصاد الآسيوي دينامية كبيرة ونموا مطّردا واستقرارا نسبيا، مما قد يشكّل خطرا ويعمّق حالة الركود والأزمة الهيكلية التي تعصف بكلّ من أمريكا وأوروبا، كذلك الحضور الروسي والعودة إلى مسرح الفعل الدولي من خلال محاولة إنشاء جسر أورو-آسيوي، العمل على احتواء كوريا الشمالية ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل، الحفاظ على التوازنات القائمة درءا لأي حدث قد يخلط الأوراق في مسرح جيو-إستراتيجي شديد الحساسية، الحد من النفوذ الصيني وتقليل فرص المناورة لديه ممّا يضمن شروطا موضوعية ملائمة دائما لصانع القرار الأمريكي.

هذه حسابات الأمريكيين وطموحاتهم.

Omar_najib2003@yahoo.fr

شبكة البصرة

الاربعاء 16 محرم 1440 / 26 أيلول 2018

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط