بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

من له مصلحة في قتل خاشقجي؟

شبكة البصرة

د. أبا الحكم

جملة من الاتهامات والتحليلات تتدفق وما تزال، فضلاً عن سيناريوات تبنتها وسائل الاعلام وقنوات فضائية سارعت بتوظيف إمكاناتها الصحفية بدفع من دولها.. وكلها تتحدث عن مقتل خاشقجي وقبل بدء التحقيقات الرسمية المحترفة، وكأنها تريد مسبقًا أن توجه أصابع الاتهام السياسي للدولة السعودية تبعًا للاتهام الجنائي.. والمعطى في هذا يعكس في الجملة أهمية عدم الخلط بين العمل الجنائي وتحرياته الفنية وسياقاته العملية وقواعد عمله القائمة على الأدلة والقرائن والاعتراف سيد الأدلة، وبين العمل السياسي وسيناريواته الاعلامية، وأهدافه ودوافعه وأدواته :

- ثمة توريطٌ للصحافي السعودي مصدره جهات أمريكية جاء بصيغة نصوحة خبيثة تقضي بإنجاز ما يريده خاشقجي من تصديقات قنصلية في اسطنبول ما دامت خطيبته تركية بدلاً من القنصلية السعودية في واشنطن.. وإجراءات التصديق وسياقات العمل القنصلي، كما هو معروف، موحدة في كل القنصليات السعودية في العالم، فلماذا في اسطنبول؟

- إذن، هنالك هدف من اختيار اسطنبول التي تعاديها أمريكا وتفرض عليها حصارًا اقتصاديًا أدى إلى تدهور عملتها الوطنية إلى مستوايات غير مسبوقة.. كما أن الدولة التركية ليست على وفاق مع السعودية، والأخيرة ليست على وفاق مع قطر، والأخيرة على توافق مع إيران، والأخيرة في صراع حاد مع السعودية.. فيما تعمل أمريكا على منوالين إثنين، الأول: حلب السعودية وأخواتها دول الخليج، والثاني: إقتراب موعد 4/نوفمبر القادم لتطبيق قرار مقاطعة النفط الإيراني، واحتمال ما تفعله أمريكا هو خلط الأوراق، وتسريع الضغوط على السعودية لزيادة إنتاج النفط من أجل تخفيض الأسعار الذي رفضتها السعودية - حسبما جاء في مقالنا السابق والضحية الفاضحة في اللعبة هي الصحفي السعودي خاشقجي!!

- هو مواطن سعودي، صحفي ومقيم في واشنطن ولا يعتبر نفسه معارضًا وهو ليس من العائلة الحاكمة ولا يشكل خطرًا على الأمن السعودي، بحيث يعد له مثل هذا الكمين الضخم من الطائرات وطاقم القتل والتشريح والإخفاء والتمويه والكثافة الهائلة لكاميرات المراقبة التي تعمل والتي لا تعمل.. كل هذا من أجل رسم صورة سريعة (نيكتف) مأساوية لدولة (قتلت) مواطنها على أرض سيادية تركية يقبع في سجونها الجاسوس الأمريكي القس المارينز الذي سرق البنك المركزي العراقي هو وأحمد الجلبي في بداية الغزو الأمريكي - البريطاني للعراق وإسقاط نظامه الوطني.. الآن أطلقت تركيا سراح القس الجاسوس بعد أن أدركت أنقرة أن إثارة هذه القضية على الأراضي التركية لها آثارها وتبعاتها القانونية والسياسية، وأمريكا تمهد لفعل يرمي لوضع تركيا في دائرة الاحراج بأنها تفتقر إلى قواعد صيانة الأمن وحماية المواطنين القادمين إليها، كما أنها تتسم بهشاشة أمنها الداخلي لكي تزيد الضغوط عليها.

- والملفت في هذا الشأن القبيح.. إن ترامب أظهر إهتمامه بـ(مقتل) مواطن ليس أمريكيًا إنما أجنبيًا، في الوقت الذي لا يعر ترامب أي اهتمام لمقتل مئات الآلاف من الأطفال والشباب والنساء والشيوخ على يد النظام الدموي في سوريا والنظام الدموي الإرهابي في العراق وكذا في اليمن وفلسطين المحتلة على يد الغزاة الصهاينة.. لم يحرك ترامب ساكنًا أمام المجازر التي ترتكب يوميًا والبشر الذي يهجر قسريًا وما يزال تحت الخيام في العراق وسوريا واليمن وفلسطين المحتلة.. فأمريكا لا تملك دافعًا أخلاقيًا ولا إنسانيًا، إنما دوافها الخالصة هي المصالح، ومع هذا تدعي أمريكا بأنها بلد الحضارة!!

- أمريكا يشدها العزم على معاقبة (القاتل) الذي لم تثبت إدانته بعد، رغم التهريج الإعلامي الرخيص الذي بلغ الحضيض في استعراض فاضح للمشاهد وللنيات المسبقة.. فأمريكا يصح عليها المثل القائل أنها تتصيد في الماء العكر.. ولكنها تبدو تركض في الوحل ولا تدري أنها ستنزلق، فيما تبدي إيران الصمت ولا تريد أن تعلق على (القاتل) و(المقتول) الأجنبيين اللذين تكن لهما العداء حتى نخاع العظم.

- ربما لا تدري أمريكا أنها مكروهة من كل شعوب العالم ومعظم الحكومات.. والمجاملات قد لا تعني الحب والاحترام.. وهي مديونة على فرط شعر رأسها، ترليونات من الدولارات أنفقتها على حروبها الخارجية، من أفغانستان إلى العراق إلى ليبيا إلى استخداماتها لما يسمى بالقوة الناعمة الاستخباراتية لركوب الموجات الجماهيرية وإثارة النعرات وتكريس الانشقاقات على طريقة الانجليز ورسم السيناريوات التي من شأنها زعزعة الأمن والاستقرار في بعض مناطق العالم.

- وربما أيضًا أنها لا تدري أو لا تحسب ردات الفعل، بفعل استصغارها دول العالم، كما هي إيران التي سكتت عنها إدارة أوباما والراهنة وسكوتها على الإهانة الإيرانية التي ماتزال تعبث بأمن المنطقة وبمصالح أمريكا ومصالح الغرب.. فيما تريد أمريكا أن تفتح جبهة أخرى من حزمة عقوبات بسبب أساسي هو عدم استجابة السعودية لطلب تخفيض الأسعار بمعنى زيادة الأنتاج، لتأتي قضية خاشقجي لتشكل (فرصة) أمريكية غبية للابتزاز والتنصل ربما من التزاماتها المعلنة لوقف زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة نتيجة للتمدد الفارسي!!

- أحد سيناريوات ردود الأفعال سيعود إلى عقد السبعينيات 1973 من القرن المنصرم متمثل بهدف تحرير فلسطين باتباع ليس الحرب إنما الضغط بطريقة المقاطعة النفطية ما لم يضع العالم حدًا لاغتصاب الصهاينة لفلسطين.. ربما التاريخ سيعيد نفسه بصيغة أخرى.. وستتعطل مصانع الغرب وتتوقف عن الحركة حين ينفد خزين النفط الاستراتيجي لدى الغرب خلال ثلاثة أشهر، عندها سيكون الحديث عن معنى التعامل السياسي الصحيح، ومعنى التمسك بالوعود واحترام التعهدات وبالتالي احترام مبادئ الميثاق الذي تحترمه البشرية وتنتهكه الحكومات الاستعمارية والامبريالية والدول المارقة.

- إدراك السعودية متأخر في فهم حقيقة التحولات في مفاصل الاستراتيجية الأمريكية، وخاصة تغيير المفاهيم التي تؤسس وتنظر لهذه الأستراتيجية التي تم وضع لبنتها في عام 2006.. السعودية ما تزال تعتقد بأن قيم التعامل مع أمريكا هي ذاتها القيم التي تؤمن بها وخاصة الوفاء بالعهود وبصدقية التعاملات الثنائية.. أنظروا الحالة الفارقة بين ولاية (أوباما) وولاية (ترامب) فستجدون الفارق الكبير بين الولايتين ولكنهما ولايتان مترابطتان مرحليًا لتنفيذ الأهداف وبوسائل مغايرة.. وكان على السعودية ودول الخليج العربي أن لا يضعوا بيضهم كله في السلة الأمريكية أولاً، وكان عليهم أن يدركوا بعمق لماذا قدمت أمريكا العراق المحادد للخليج وللمشرق العربي لإيران وسكتت على توسعها ثانيًا، وكان عليها أن تستدرك موضوع تحرير العراق بكل الطرق الممكنة والمتاحة ثالثًا، وكان عليها أن تستبق الرأي بأن احتلال العراق وتوكيل إيران بإدارته خطوة خطرة لتهديد المنطقة بالاجتياح رابعًا.. كل هذا لم تستدركه السعودية وأخواتها لحد الآن!!

- خاشقجي لا أحد يعرف مصيره.. ربما مات وربما أختطف لأغراض الزوبعة السياسية ذات المدلول الاستراتيجي أن تنتشر وربما تكون هذه الزوبعه تمهيدًا لزعزعة أمن واستقرار منطقة الخليج العربي.. ولكن لمصلحة من؟ المشروع الأمريكي للشرق الأوسط الكبير، ولمشروع الدولة الفلسطينية في غزة؟، أم لمشروع إبقاء البعبع الإيراني مقصوص الجناحين ومخلوع الأظافر.. خاشقجي المسكين قد يكون ضحية لسيناريو واحد في ذهن أمريكا وفي عقل تل أبيب!

15/10/2018

شبكة البصرة

الاثنين 5 صفر 1440 / 15 تشرين الاول 2018

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط