بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

إيران أذعنت للتفاوض مع أمريكا دون شروط.. لماذا؟

شبكة البصرة

د. أبا الحكم

تمارس أمريكا سياسة مبنية على مفهوم (لوحْ بالعصى الغليظة وتحدث بصوت منخفض)، مع كوريا الشمالية، والآن مع إيران.. والأخيرة كانت ترفض بعجرفة سخيفة ينطبق عليها المثل الشعبي (مكدي وعليجته قديفه)، أي متسول وحقيبته من القديفه.. وحين بدأت حزمة العقوبات الاقتصادية تنهك الاقتصاد الإيراني وتدفع حشود الشعوب الإيرانية إلى الشوارع وتسحق صور علي خامنئي بالأحذية، كما حصل في العراق حين انتفض الشعب العراقي في البصرة ومحافظات الجنوب وأحرق القنصلية الإيرانية وأحرق مقرات أحزابها وميليشياتها ومزق صور خامنئي وخميني وداستها الجماهير بأقدامها.. استمرت الغطرسة الفارسية على ألسنة الصفويين (روحاني وظريف ولاريجاني وقاسمي وغيرهم من قادة الحرس والباسيج) تتبجح بثبات الموقف الذي تؤكد المؤشرات على أن النظام الصفوي مهدد بالسقوط تحت أقدام الشعوب الإيرانية قبل السقوط تحت وابل من قذائف الصواريخ عابرة للقارات إذا ما حصل احتكاك أو انسداد في مجرى النفط في الخليج وباب المندب وحتى البحار الدولية.

 

قبلت طهران بالتفاوض مع أمريكا بشرط واحد هو الاحترام المتبادل!! فيما تضع أمريكا حزمة من شروط تقع في مقدمتها:

أولاً- وقف تخصيب اليورانيوم النووي تحت رقابة دولية صارمة.

ثانيًا- وقف تطوير الصواريخ البالستية.

ثالثًا- وقف دعم الإرهاب والميليشيات المؤيدة لها في المنطقة.

رابعًا- الانسحاب من سوريا والعراق.

خامسًا- وقف دعم المتمردين الحوثيين في اليمن.

سادسًا- وقف سياسات التدخل التي تهدد جيرانها.

 

المرحلة الأولى من العقوبات الاقتصادية، التي وضعت إيران أمام العاصفة النقدية والمالية والشعبية، توشك على الانتهاء لتبدأ المرحلة الثانية الأكثر صرامة في 4/نوفمبر- تشرين الثاني من هذا العام، ولم يتبق منها سوى بضعة أيام، وهي مرحلة قطع شريان النفط الإيراني وقطع دابر التمويلات الخارجية والتحايل على القرار - مثلما حاولت حكومة حيدر العبادي العميلة الطلب من أمريكا إستثناء العراق من فرض العقوبات في تعاملها مع إيران، ورفض الطلب وطُلِبَ من الوفد مغادرة أمريكا.. فيما تحاول بنوك الأحزاب الإسلامية السياسية في السلطة ومصارفها الأهلية المنتشرة في كل محافظات العراق غسيل الأموال لصالح تهريب مليارات الدولارات إلى طهران تحت أنظار حكومة بغداد السابقة والحالية.. المرحلة القادمة قاسية جدًا ومهلكة للنظام الإيراني، لذلك فهو نظام مغامر يتبع سياسة (حافة الهاوية) أمام سياسة أمريكا (العصى الغليظة والحديث بصوت منخفض).. ولكن لماذا ترضخ القيادة الصفوية الآن وقبل موعد البدء بالمرحلة الثانية من العقوبات؟ وللإجابة على هذا التساؤل يمكن تكثيف الدوافع والمسببات وكالآتي:

- ما يدور في ذهن القيادة الصفوية المراوغة إدخال أمريكا في نفق مفاوضات مارثونية تنسحب شهورًا عديدة تستهلك المفاوض المتقابل وتحشره في المسائل الثانوية دون القضايا الرئيسية.

- إبعاد أمريكا عن تنفيذ قرارها الثابت في 4/نوفمبر- تشرين الثاني 2018، الخاص بمرحلة عقوبات النفط وتجفيف منابع تمويل الإرهاب الإيراني، وإجهاض الفرصة فرصة البدء بالعقوبات النفطية.

- إنعاش فرص بعض الشركات الأوربية التي صفت حساباتها مع طهران، ودعم البعض الآخر الذي ما زال يراوغ ويبني الآمال على الوقت وتحولات الأحداث.

- إخماد الشارع الإيراني ووقف زخم الانتفاضة الشعبية بآمال تبثها الدعاية الإعلامية الإيرانية إلى الداخل الإيراني.

- كسب الوقت، وهذا هو الأكثر أهمية من أي شيء آخر، من أجل التحضير والاستعداد لعمليات التخريب في الساحات الأمامية الأوربية والأمريكية واللاتينية، وفي الساحات المجاورة العراق وسوريا ولبنان واليمن وبلدان الخليج العربي.. والهدف إحراج المفاوض الأمريكي ودفعه إلى مواقف أقل صرامة والقبول بأنصاف الحلول على أساس التفاهم وتقاسم المسؤليات وتوافق التفاهمات لإبقاء ما يسمى بضمان المصالح المتبادلة.

هذا السيناريو الإيراني يقبع خلف رضوخ القيادة الصفوية للإدارة التفاوض الأمريكية.. وهي تعلم علم اليقين بأن أمريكا لا تملك من يحكم العراق في العملية السياسية المتهالكة سوى أزلام إيران وعملاؤها والمستفيدين منها ومفسديها ومرتزقتها وصعاليكها من الشيعة والسنة على حد سواء وغيرهما.. كما أنها على يقين بأن أمريكا تراقب وتتغلغل وعلى إطلاع لا شك فيه على برامج الوزارات والمؤسسات العاملة في الأجهزة الألكترونية، من وزارة الدفاع العراقية حيث إحصاءاتها الدقيقة إلى وزارة الداخلية ورقابة رجالات أمريكا على سير أعمالها، ووزارة النفط وأرقامها ومبيعاتها وتسويقها وسرقاتها والتهريب الذي يحصل في آبارها وتهريبها إلى كرمنشاه وغيرها، وعصابات ميليشياتها وتهريب النفط إلى إيران بهدف تمويل حشودها الإرهابية.. فأمريكا على يقين وبإحصاءات دقيقة تعلم ما يجري في وزارات المالية والخارجية والعدل على وجه الخصوص، وكذلك على علم بما جرة في الانتخابات وتوزيع الأسماء والحصص والمناصب وتحت إشرافها تتم المساومات والتسويات وتعقد الصفقات، فيما توزع إيران المناصب والحقائب على أساس المحاصصة الطائفية التي لا تستطيع الاستغناء عنها.. فإذا أرادت أمريكا التغيير فهل تأتي بالشرفاء من أبناء الشعب العراقي؟ العراقي الشريف لا يقبل بالعمل تحت قيادة أجنبية أمريكية أو إيرانية أو الاثنين معًا.. ولكن أمريكا وقد أنهكتها أوضاع العراق والتغول الإيراني وتمدده المتوحش، فهي عازمة على تقليم أظافرها في العراق ووضعها أمام خيار نزع سلاح الميليشيات الإيرانية والانسحاب من العراق أو وضع مصير النظام الإيراني أمام عواصف لا أحد يتكهن بنتائجها لكي يستقر العراق وتستقر المنطقة ويستقر العالم.

اللعبة الإيرانية وسيناريوهاتها مكشوفة تمامًا، والمفاوضات لن تكن مفتوحة السقف أو بدونه كما تتصور العقول الصفوية وهي تخاتل وتراوغ وتماطل.. ويبدو، أن دروس الإدارة الأمريكية السابقة ممثلة بإدارة (أوباما) هي ليست دروس الإدارة الأمريكية الراهنة ممثلة بإدارة (ترامب) الذي يميل إلى الجيوب الثقيلة وليس إلى المفلسين!!

27/10/2018

شبكة البصرة

السبت 17 صفر 1440 / 27 تشرين الاول 2018

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط