بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

بديع الزمان يستيقظ على أصداء نشرة جديدة من رسائله

(استعراض لنشرة الدكتور إحسان الثامري)

شبكة البصرة

صدر حديثاً في عاصمة الثقافة العربية القاهرة كتاب (رسائل بديع الزمان الهمذاني) لأبي الفضل أحمد بن الحسين بن يحيى (المتوفى سنة 398هـ)، التي جمعها وصنفها عبد الرحمن بن محمد بن دوست النيسابوري (المتوفى سنة 431هـ)، وحققها وضبطها وعلق عليها الدكتور إحسان ذنون الثامري.

يوصف بَديع الزّمان بأنه معجزة هَمَذان، ونادرة الفلك، وبِكْر عُطارد، وفَرْد الدَّهْر، وغُرّة العَصْر، ومَنْ لم يُدرَك قَرينُه في ظَرْف النَّثْر ومُلَحهِ، وغُررِ النَّظْم ونُكَتِه، ولم يُرَ ولم يُرْوَ أنّ أحداً بلغ مبلغَه من لُبِّ الأدب وسِرِّه، وجاء بمثل إعْجازه وسِحْرِه، فإنّه كان صاحبَ عجائبَ وبدائع وغرائب، فمنها أنّه كان يُنشَدُ القصيدةَ التي لم يَسْمَعْها قطّ، وهي أكثرُ من خمسين بيتاً، فيحفظُها كلَّها ويؤدّيها من أوّلها إلى آخرها، لا يَخرُمُ حَرْفاً، ولا يخلّ بمَعْنى. وينظر في الأربعِ والخمسِ أوراق، من كتابٍ لم يعرفْهُ ولم يَرَه، نظرةً واحدةً خفيفةً. وكان يُقترح عليه عملُ قصيدةٍ أو إنشاءُ رسالةٍ في معنىً بَديع، وبابٍ غريب، فَيفرُغُ منها في الوقت والسّاعة. وكان ربّما يكتبُ الكتابَ المقترحَ عليه، فيبتدىء بآخر سطرٍ منه، ثم هَلُمّ جرّاً، إلى الأول، ويُخرجُه كأحسنِ شيءٍ وأمْلحِه. وكان يُترجِم ما يُقترَح عليه من الأبيات الفارسيّة المشتملة على المعاني الغريبة بالأبيات العربية، فيجمعُ فيها بين الإبداع والإسْراع، إلى عجائبَ كثيرة لا تُحصى، ولطائفَ يطولُ أنْ تُستقصى. وكان يستطيع أنْ يكتبَ كتاباً يُقرأ جوابُه منه، وينظمَ في وَقْته قصيدةً في مَعْنىً مُقتَرح، أو يكتبَ كتاباً ليس فيه حرفٌ منفصل، أو خالياً من حرف معيَّن، وغيرَ ذلك ممّا يَصعُب على غيره من الكُتّاب.

بَديعُ الزّمان هَمَذانيُّ الموْلِد والموْطِن، لكنه عربيُّ الأَرُومة والأصل، وقد صرّح بهذا في إحدى رَسائله قائلاً: اسمي أحمد، وهَمَذان المولد، وتَغْلِب المورد، ومُضَـر المحتد.

فارَق الهمَذاني مَوْطنَه هَمَذان سنة 380هـ وهو في مُقتبل العمر، وجال في بُلدان المشـرق الإسلامي: جُرْجان، والرَّيّ، وأصْفَهان، ونَيْسابور، وبِيكَنْد ببلاد ما وراء النَّهْر. ولم يبقَ من بلاد خُراسان وسِجِسْتان وغَزْنة بلدةٌ إلّا دَخلها. ثم استقرّ به المقام في هَراة، وصاهَرَ إحدى أهمّ أسرها (الخُشْنامي). وقد ظلّ بها إلى أنْ لاقى ربَّه سنة 398هـ وقد أدرك أربعين سنة.

وتَردُ في مَوْته المبكِّر روايتان -كما قال المحقق- الأولى: أوْرَدها الحاكم ابن دُوسْت، وأخذها عنه كلُّ مَن تَرْجَم للهَمَذانيِّ بعده، وتقول: إنّه مات بالسَّكْتة وعُجِّل في دَفْنه، فأفاق في قَبْره وسُمع صوتُه باللَّيْل، فلما نُبِش عنه، وَجَدوه قد قَبض على لحيته، ومات من هَوْل القَبْر. والرّواية الأخرى تقول: إنّه مات مَسْموماً. وربّما كان يَتوقّع مَوْتَه المبكِّر هذا ؛ فكَتَب وَصيّته وأوْدعها ما أراد إيصاله لأهله ومحبّيه، وفيها ما يدلّ على إيمانه الحسن، وتبرُّئه من الأهواء والبِدَع، وأوْصى بتشييعٍ ودَفْنٍ غير مُبالَغ فيهما، وأنْ لا تُعقد عليه مَناحةٌ، ولا يُظهر الحزن والأسى.

 

يقول الدكتور الثامري: طارت شُهْرةُ الهمَذاني إلى الآفاق، وملأت الأجواءَ الثقافية في العراق والمشـرق الإسلامي. وممّا ساهم في شُهْرته وذيوع صِيته مُساجلاتُه مع أبي بكر الخوارِزْميّ الأديب الكبير، المتوفّى سنة 383هـ، حيث شَجَر بينَهما ما أوْجَد مكاتباتٍ ومُباهاةً ومُناظراتٍ ومُناضلات ؛ فارتفع قدرُه وعلا أمرُه، وأدْناه الملوكُ والرّؤساء. واستشهد بقول الثعالبي: لم يكن في الحسبان والحساب أنّ أحداً من الأدباء والكُتّاب والشعراء ينبري لمباراته، ويجترىء على مجاراته. فلما تصدّى له الهمَذاني، طار ذكرُ الهمَذاني.

أمّا لقبُه (بَديع الزّمان) فقد اكتسبه أبو الفَضْل في نَيْسابُور، إذ أُعجب به أهلُها لما وَرَدها سنةَ 382هـ؛ وتعصّبوا له، فأعْجبه ذلك وأُعْجب بنفسه.

عاش الهمَذاني حقبةً من تاريخ المشرق الإسلامي، احتدم فيها الصِّراعُ بين القُوى السياسية الطامحة للنفوذ، والطامعة بالثروة، والمؤثرة في سَيْر الأحداث في تاريخ المنطقة، فقد كان الصِّراع السياسي والعسكري هو الذي يحكم علاقاتِ كلٍّ من: البُوَيْهيين والسّامانيين والزِّياريين والغَزْنويين بعضهم ببعض. ومع انشغالهم في ذلك الصِّراع، زاحَموا الخلافة العباسية، متعدّين على نُفوذها وسُلطانها وحقوقها وصَلاحياتها وإجراءاتها وولاياتها، وحتّى في بغداد نفسها. وقد خيّم ذلك الصِّراع على مَفاصل الحياة كلِّها تقريباً.

ولم يكن بَديعُ الزّمان بمعزلٍ عن ذلك الصِّـراع، فكان -بسبب علاقته ببعض رجال الدَّوْلة- يعبّر عن آرائه السياسيّة التي يعتنقها -إيماناً أو نفاقاً- كغيره من المتّصلين برجال السياسة والحكم؛ فقد كان على علاقةٍ بكثيرٍ من أُمراء عَصْـره، وبعض الوُزراء والكُبراء والرُّؤساء والقادة، كالأمير شمس المعالي قابوس بن وَشْمكير الزِّياري (ت403هـ) أمير جُرْجان، والأمير أبي الحارث مُحمّد بن فريغون أمير الجوزجان، حيث كان الهمَذاني يُوَلِّفُ التَّواليف ويجعلها باسْمه، ونال عندَه بذلك فوق ما أمل. وكذلك بعض أمراء الأسرة الصَّفّارية كأبي أحمد خَلَف بن أحمد أمير سِجِسْتان، والمعدَّل بن أحمد، وبعض أُمراء الأسرة الـمِيكالية رُؤساء نَيْسابُور. كما كان على علاقةٍ حَميمةٍ مع الصّاحب بن عَبّاد وزير البُوَيْهيين الذي كان يُحبّ الأدب والأدباء. وكذلك رُؤساء: هَراة والرَّيّ ونَسا وبَلْخ وبُسْت، وغيرهم.

 

أوضح المحقق الدكتور إحسان الثامري أنّ تُراث بَديع الزّمان الهَمَذاني يُفصح عن ثقافةٍ واسعة، ومخزونٍ لُغوي وأدبي، أتاحا له استخدام اللّغة بيُسْرٍ وإبْداع، واستطاع -ببراعة- التحكّم بالمفردات، فراح يُطوّعها لخدمة النصّ والمعنى المقصود. ومن قراءة ما خلّفه من مَنْثورٍ ومَنْظوم نُدرك أبعاد ثقافته، التي تبدأ بالقرآن الكريم، مُروراً بالحديث الشريف، وكلام العرب والمولَّدين، وأمثالهم وأشعارهم، إلى ما يمكن تسميتُه بالمعجم الحضاري، المشتمل على المعارف الدِّينية والمذهبية والأخلاقية والاقتصادية وما يتّصل بالحياة اليومية للمجتمع.

وبالإضافة إلى مجموع رَسائله هذا، تَرك الهمَذاني ديوانَ شعرٍ، ومجموعةَ مَقامات، هي أبرز ما خلّفه، وهي التي أعطته لقبَ (بَديع الزّمان)، وأطارت شُهْرتَه في الآفاق على مرّ الزمن، حيث إنّ مَوْهبته القَصصيّة جعلته يبتدعُ هذا الفنّ الجديد، المسمّى فنَّ المقامة. وقد كان رائدَ هذا الفنّ، وأُنموذجاً احتذى به القاسمُ بن عليّ الحريريّ (ت516هـ) صاحبُ المقامات المشهورة، وغيره ممّن أغرم بهذا الفنّ الأدبي، مع وُجود رأي بأسْبقيّة ابن دُريد البَصْريّ (ت321هـ) إلى هذا الفنّ.

رَسائلُ بديع الزمان الهمذاني رَسائلُ إخوانية، تتناول مَضامينُها: المدح، والثناء، والاعتذار، والاستعطاف، والعتاب، والشكوى، والهجاء، والعزاء، والرّثاء، والشكر، والودّ، والصّداقة، والوَصْف، والنُّصْح، والحِكْمة، وفيها كثيرٌ من النَّقْد الاجتماعي. ومنها رَسائل مُوجّهةٌ إلى الأمراء والرُّؤساء والكُبراء، ومنها ما هو مُوجّهٌ إلى بعض أدباء عَصْره وأقرانه. وهي تزيد على مائتين وسبعٍ وثلاثين رسالة، وأغلبُ الظنّ أنها كانت أكثر من ذلك.

وبالإضافة إلى الأهمية اللُّغوية والأدبية والثقافية لرَسائل الهمَذاني، فإنّ جانباً آخر من الأهمية تحظى به هذه الرَّسائل، وهو الجانب التاريخي والحضاري، حيث إنّ الهمَذاني كتب بعض الرَّسائل إلى أشخاصٍ أسهموا في صُنْع الأحداث السياسية، وفي بعض الرَّسائل ما يعبّر عن توجّهاته السياسية، وفي بعضها ما يقدّم معلومةً تاريخية. كما أنه يوثّق بعض الأحداث الكبيرة التي عصفت بالمشرق الإسلامي.

وفي رَسائله كثيرٌ من المصطلحات والمفاهيم الحضاريّة المفيدة في كتابة تاريخ الحضارة العربية الإسلامية. وإضافةً إلى ذلك، فيُمكن للباحث الحصيف أنْ يرى الهمَذاني يرصدُ كثيراً من المظاهر والظواهر والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في المشرق الإسلامي خلال القرن الرابع الهجري، كما نجده ينفذ إلى خَوافي علاقات الناس بالوُلاة وأصحاب السُّلْطة. وبذلك يمكن أنْ يُعدّ مصدراً من مصادر كتابة التاريخ، تُوظَّف مادّتُه لدراسة تاريخ المجتمع الإسلامي. وفي رسائله أيضاً كثيرٌ من شعره المفقود، ومن الشعر النادر الذي لم يذكره غيره.

 

وقد تنبه الدكتور الثامري إلى أن من أهمّ ما يُلاحَظ على أدبه اهتمامَه بكلام العامّة وما يدورُ على ألسنتهم في حياتهم اليوميّة، من مفرداتٍ وتراكيبَ وأمثالٍ يُمكن أنْ تؤرّخ لجانبٍ من جوانب تاريخ المجتمع، ومثالُ ذلك قوله: أو لم تكنْ خمرٌ فخَلّ، أو لم يُصِبْ وابلٌ فطَلّ، وبَذلُ الموجود، غاية الجُود، وبعضُ الحميّة آخِرُ المجهود، وماشْ خيرٌ من لاش؛ فهو أديبٌ اجتماعي بكلّ المعايير والمقاييس.

وقد أوْضح زكي مبارك -وهو أحد كبار مؤرخي الأدب العربي- بعضَ سِمات كتابة بَديع الزّمان، بعد أنْ أرْخى عليها مِسْحةً نفسيّة - ورجّح أنّها هي التي تحكّمت في انفعالاته وأحاسيسه؛ فظهرت في أغراضه ألوانُ النفوس الإنسانية، كما يقول، مع فَهْمٍ للحياة وأحزانها ونكدها ونكباتها، وحَسَد أهلها وتنافُسهم، واضطراب العلاقات بين الأقران، ومحاولة كلِّ واحدٍ إظهارَ مظلوميّته من الدَّهْر والناس، وأنّ مَواهبه أكبر من مَواهب أقرانه.

لكنّ هذه الفلسفة والسَّماحة النفسيّة لم تكن سمةً غالبةً على أدب بَديع الزّمان، كما يستدرك زكي مبارك، وإنّما هو في كثيرٍ من الأحيان يتّصف بالمكر واللُّؤم والحقد وما يُشابه ذلك. وقد كان مُحقّاً في حُكْمه، فهذا واضحٌ في رَسائله. ولعلّ ذلك يَعود لغِلَظ الطِّباع التي كان يتّصف بها أهلُ هَمَذان، كما كان يُشاع في تلك الأيام.وقد وَصَف نفسَه بلسانِه، فقال: ناريّ المزاج، حادّ الطَّبْع. كما قال في موضع آخر: اثنتان قلّما تجتمعان: الخراسانية والإنسانية، وأنا وإنْ لم أكنْ خُراسانيّ الطِّينة، فإنّي خُراسانيُّ المدينة، والمرءُ حيثُ يُوجَدُ، لا من حيث يُولَد، فإذا انضافَ إلى خُراسان، وِلادة هَمَذان؛ ارتفعَ القلمُ وسقَط التكليف.

لكنّ شوقي ضيف أستاذ الأدب العربي يرى هذه الرَّسائل بمنظارٍ آخر، فهو يصفُها -بعد أنْ بيّن سِماتها القائمة على السَّجْع وقِصَر العبارات والمحسّنات البلاغية- بأنّها خفيفةٌ رشيقة، بل لعلّها أخفّ وأرْشق رَسائل وَصَلتنا عن عَصْره، وبعد عَصْره.

 

ويخلص الدكتور الثامري إلى أنّ كتابته صورةٌ لأدب القرن الرابع الهجري، تُظهر ما به من خصائصَ فنية ولُغوية.

جَمَع رَسائلَ الهَمَذاني الحاكمُ ابن دُوسْت، وهو أديبٌ نَحْوي لُغوي من أهل خُراسان، قال عنه السمعاني (ت562هـ): من مفاخر خُراسان. وكان عالماً بالعربيّة، أخذ اللُّغة عن اللُّغويّ الكبير إسماعيل بن حمّاد الجوهري (ت393هـ) صاحب (تاج اللُّغة وصحاح العربيّة).

لقد نشـرت هذه الرسائل قديماً، حيث طبعت في مطبعة الجوانب بإسطنبول سنة 1298هـ/1880م لكن تلك النشرة والنشرات الأخرى شابتها بعض الشوائب، وعليها بعض المآخذ كما أوضح المحقق في مقدمته. التي قال فيها إنه اعتمد في تحقيقه ثلاث نسخ بيّنها وبيّن أرقامها وأوصافها. وقد ربط المحقق الدكتور إحسان الثامري كل رسالة بالحدث التاريخي المعاصر لها.

هذه أولُ نشرةٍ علمية لرسائل بديع الزّمان الهَمَذاني؛ فنرجوا أنْ تحقّق الهدف من نشرها، وأنْ تأخذ ما تستحقّ من مكانةٍ في المكتبة العربية، وبين أوْساط المؤرّخين والمهتمّين والمثقّفين، وأنْ يجدوا فيها ما يفيدهم في البحث وكتابة تاريخ الأمّة.

 

يذكر أن الدكتور الثامري مهتم بنشر رسائل كُتّاب القرون الهجرية الأولى، وتوفيرها للباحثين والمهتمين بنشرات جيدة لاقت استحساناً وقبولاً كبيرين. فقد سبق وأن نشر:

1. الدرر والغرر، وهي رسائل أبي الحسين الأهوازي (توفي بعد 436هـ/1044م).

2. منية الراضي برسائل القاضي، وهي رسائل منصور بن محمد الأزدي الهروي (ت440هـ/1048م).

3. رسائل الشيرازي، وهي رسائل عبد العزيز بن يوسف (ت388هـ/998م).

4. رسائل العَميدي وهي رسائل أبي سعد محمد بن أحمد بن محمد الكاتب (ت 433هـ/1041م).

5. المختار من رسائل الصاحب ابن عباد (ت385هـ/995م).

6. ديوان رسائل الصابي وهي رسائل أبي إسحاق إبراهيم بن هِلِّيل (ت384هـ/994م).

شبكة البصرة

الاحد 4 صفر 1440 / 14 تشرين الاول 2018

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط