بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

أيام خالدة في التاريخ العربي المعاصر

شبكة البصرة

محمد صالح اليوسف - المغرب العربي

على الرغم من أن هناك أحداثا وملاحم جرت في بقعة معينة من الوطن العربي، لكن امتد اشعاؤها ليضيء لنا على امتداد الوطن الكبير، إما لأنها كانت دفاعا عن وجود ومصالح ومستقبل الأمة وبجهد مشترك، أو أدت في نتائجها وانعكاساتها إلى حماية المصلحة القومية وتعميق التلاحم العربي فصارت معالم وأياما مشرقة في تاريخنا العربي نستلهم منها القيم والدروس ونتزود من تفصيلات مجرياتها بشحنات من العزم وتجدد فينا روح الوفاء والإقدام والتضحيات في معاركنا الراهنة في مواجهتنا لأعداء الأمة من قوى الشر والعدوان حماية لمصالح الأمة وخياراتها ودورها الرسالي الإنساني.

برنامج أيام خالدة في التاريخ العربي المعاصر يسلط الضوء على هذه الأحداث ويتناول بعدها القومي وتأثيراتها ودورها في التلاحم النضالي بين أبناء العروبة. من هذه الأيام الخالدة في تاريخنا العربي المعاصر:

يوم العبور 6 اوكتوبر 1973

هي الحرب العربيّة الصهيونية الرابعة، وهي التي تلّقى فيها الصهاينة ضربة حاسمة وموجعة حطمت عنجهيتهم العسكرية ومرغت معنوياتهم في التراب، عندما تم تحرير قناة السويس وجزء كبير من سيناء واعادتها الى ارض العروبة، حيث تمَّ اختراق الخط الدفاعي العسكريّ الأساسي (خط بارليف) المكون من مجموعة من التحصينات التي أقامها الصهاينة على الضفة الشرقية لقناة السويس لمنع أي محاولة من الجيش المصري لعبور القناة الى شبه جزيرة سيناء، فحقق فيها الجيش العربي المصريّ نجاحاً عظيماً بعبوره القناة وتقدمه حتى مسافة 20 كيلومتر في الجهة الشرقيّة للقناة.

يذكر إن العرب خاضوا في العصر الحديث العديد من الحروب المهمة والتاريخية، تركزت في جزء أساسي منها حول الصراع العربي الصهيوني الناتج عن زرع الكيان الصهيوني في أرض فلسطين الواقعة في قلب الوطن العربي مما أثر على الدول العربية كافة وعلى وجه الخصوص تلك المجاورة لفلسطين المحتلة التي وضعها موقعها في قلب ميدان المعركة بل وقعت أجزاء من أراضيها تحت الاحتلال الصهيوني نتيجة حلقات الصراع ومعاركه المستمرة.

من أبرز تلك الحروب وأشهرها حرب أكتوبر التي جرت وقائعها في الجبهتين المصرية والسورية مع الكيان الصهيوني في النصف الأول من سبعينات القرن الماضي. تلك الحرب التي كان لها صدىً دولياً

كبيراً لما أحدثته نتائجها من فارق كبير وتطور هائل في مسار هذا الصراع. وقد اشترك العرب كلهم في هذه الحرب سواء كان ذلك بدخول المعركة مباشرة أو في الإعداد لها من خلال الإسهام في حرب الإستنزاف ودعم صمود دول المواجهة،أو بوضع الإمكانيات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية للدول العربية في خدمة المجهود الحربي أثناءها، وهكذا فقد دخل العرب كلهم الحرب بصورة أو أخرى سواء في تلك الاقطار التي تشترك في حدودها مع فلسطين المحتلة أو البعيدة عنها فكانت المعركة بحق معركة العرب ضد أعدائهم.

 

أسباب حرب أكتوبر

لقد نتج الصراع العربي مع الصهيونية والامبريالية وسلسلة الحروب التي تولدت عنه بما في ذلك الحرب العربيّة الصهيونية عام 1973م عن فشل المجتمع الدولي في حلّ النّزاعات الإقليميّة الناشئة عن :

1- المؤامرة الكبرى على الشعب العربي الفلسطيني المتمثلة باحتلال ارضه وتهجيره من خلال زرع الكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي وسكوت المجتمع الدولي وتجاهله وتأييده لهذه الجريمة التاريخية.

2- المخاطر الكبيرة التي شكلها زرع الكيان الصهيوني على وجود العرب وأمنهم وسلامتهم وتهديد حقهم المشروع في العيش بحرية والحيلولة دون وحدتهم وإعاقة طموحاتهم في التقدم والنهوض بدورهم الحضاري والإنساني في خدمة البشرية.

3- العجز عن حل النزاع المباشر الناتج عن حرب عام 1967م والفشل في تنفيذ قرارات الأمم المتحدة ومنها القرار رقم 242 الذي دعا الكيان الصهيوني إلى الانسحاب من الأراضي العربية التي احتلها في حزيران من عام 1967م.

وتأسيسا على هذه الأضرار وغيرها علاوة على الإخفاقات الدولية المتكررة بهذا الخصوص التي وفرت الأساس المنطقي والشرعي للمطالب والحق العربي. عزمت كل من مصر وسوريا ومعهما الاقطار العربية على العمل على استرداد أراضيهما المحتلة وتم التخطيط والإعداد لهذه المعركة التي وفرت لها قمة اللاءات في الخرطوم عام 1967م مناخاً جديداً لتحدي الإنكسار النفسي الذي خيم على الشعب العربي بعد نكسة حزيران (يونيو)عام 1967م واحتلال الكيان الصهيوني كلا من سيناء والجولان والضفة الغربية وقطاع غزة.

 

بعض ملامح حرب أكتوبر

وإحياء لذكرى النصر العربي في هذه الحرب باعتبارها إحدى أهم معاركنا الكبرى نشير الى بعض من ملامحها فنقول: بدأت الحرب في السادس من شهر أكتوبر من عام ألف وتسعمائة وثلاثة وسبعين ميلادية، وقد كان ذلك اليوم العاشر من شهر رمضان من عام ألف وثلاثمائة وثلاثة وتسعين من الهجرة. ومن هنا فإن هذه الحرب تعرف في مصر باسم حرب العاشر من رمضان إلى جانب تسميتها الشهيرة بحرب أكتوبر وفي سوريا تسمى بحرب تشرين أما الصهاينة فيطلقون عليها (حرب يوم الغفران) حيث فاجأهم الهجوم العربي وهم يحتفلون حينما شن الجيشان المصري والسوري هجوماً مفاجئاً على الكيان الصهيوني.

فقد بدأ الهجوم في وقت واحد على الجبهتين المصرية والسورية في اليوم العاشر من شهر رمضان المبارك. فعلى الجانب المصري انطلقت طائرات السلاح الجويّ المصريّ لقصف الأهداف الصهيونية المحددة داخل الأراضي المصريّة في سيناء وفي العمق وبعد ذلك انطلق أكثر من 2000 مدفع ميدانيّ لقصف التحصينات الصهيونية الواقعة في الضفة الشرقيّة من القناة وانطلقت المجموعة الأولى من الجنود المصريين وعددها 8000 جندي وتتالت المجموعات تباعا وليصل العدد خلال ساعات الليل إلى 60.000 مقاتل. وفي نفس الوقت تمكن سلاح المهندسين في الجيش العربي المصري من فتح ثغرات في الساتر الصهيوني باستخدام خراطيم مياه شديدة الدفع، فسقط هذا الخط الأسطورة الذي أشيع عنه أنه لا يقهر إلا باستخدام قنبلة ذرية، بعد 6 ساعات. من ناحية اخرى هاجمت القوات السورية قواعد القوات المعادية في هضبة الجولان وحققت تقدماً في مناطق جبل الشيخ، ومدينة القنيطرة، الأمر الذي أربك القوات الصهيونية للوهلة الأولى فشنوا هجوماً مضاداً في الأيام التالية ركزوا فيه على الجبهة السورية باتجاه دمشق نظراً لقربها الجغرافي وأهميتها الإستراتيجية. فدخل الجيش العراقي المعركة مباشرة وتمكن من التصدي للجيش الصهيوني وإحباط هجومه المضاد تماماً وحمى مدينة دمشق العربية. فيما اعتمدت القوات الصهيونية على الاختراق وإحداث الثغرات في الجانب المصري. ومن هنا فقد حقق الجيش العربي المصري انتصاراًكبيراً على المحتل وكانت

له اصداءه المدوية في كل انحاء العالم..

 

أهمّ نتائج حرب أكتوبر

يمكن حصر النتائج في النقاط الآتية:

1- تحرير قناة السويس و استعادة السيادة المصريّة الكاملة عليها، وتحرير اجزاء كبيرة من شبه جزيرة سيناء.

2- تحطّيم أسطورة (جيش إسرائيل) الذي لا يهزم.

3- عودة الملاحة إلى قناة السويس عام 1975م والانعكاسات الهائلة لذلك على الموارد الوطنية في مصر وعلى حركة النقل والتجارة العالميتين.

4- تعزيزالثقة بالنفس و انتعاش الروح المعنوية للشعب العربي من المحيط الى الخليج باعتبار الحرب كانت اول نصر عربي عسكري مؤزر على الكيان الصهيوني الغاصب منذ تأسيسه.

5- انتصار الوحدة العربية التي تجلت في أمجد صورها عندما تكلل التنسيق والتكامل العربي العسكري والمادي والمعنوي بهذا النصر العسكري الكبير.

6- لأول مرة يتم استخدام النفط كسلاح في المعركة، فقد توحد الموقف العربي حينما قرر العرب فرض الحظر على شحنات النّفط المتوجّهة إلى الولايات المتّحدة وغيرها من الدول المساندة للكيان الصهيوني، وذلك بسبب انحيازهم الكامل الى العدوان الصهيوني.

7- لقد أدت التغيرات الكبيرة التي أفرزتها حرب أكتوبر الى تمكين الدول المصدرة للنفط من امتلاك ناصية القرار في هذا المورد الاستراتيجي و رفع أسعاره مما حقق خطوات تنموية عملاقة في العديد منها.

 

واليوم تطل علينا ذكرى تحرير قناة السويس في حرب أكتوبر المجيدة وامتنا تعيش مرحلة خطيرة من التآمر الامبريالي الصهيوني عليها، فما أحوجنا اليوم الى توحيد نضالنا ضد أعدائنا. فليتخذ الجيل العربي الذي تعلق عليه الأمة آمالها من النصر في هذه المعركة الخالدة محطة يتزود فيها بمزيد الثقة و التماسك والتلاحم النضالي والعزم على تحقيق وحدة ترفع شأن الأمة وتحمي وجودها ومصالحها وتفتح آفاقا واسعة أمامها للتقدم والازدهار.

تحية لشهداء الأمة العربية في أكتوبر وكل معارك المصير الذين سموا دفاعاً عن حقها في الحياة.

مكتب الثقافة والاعلام القومي 6/اكتوبر/2018

شبكة البصرة

الاحد 27 محرم 1440 / 7 تشرين الاول 2018

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط