بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

رسالة الفن ووحدة الاوطان مخلد المختار مثالاً

شبكة البصرة

تقوم وحدة الامم والشعوب على اسس متينة تأتي في مقدمتها وحدة الثقافة والقيم السائدة في مجتمعها. لذا فإن اول ما يخطط له اي عدو عند استهدافه لوطن ما او أمة، هو تحطيم هويتها عبر تشويه ثقافتها، وتفكيك عناصرها، وهدم القيم التي تقوم عليها.

ومن هنا تحرص الامم القوية على وحدة عناصر الثقافة فيها، باعتبارها البيئة الخصبة لنمو الهوية الواحدة للمجتمع، وتعزيز القيم الداعمة لها. وبذلك تساهم الثقافة بشكل اساسي في ضمان الوحدة السياسية للوطن والامة.

لم يكن مخلد المختار فناناً عاديّاً او مجرّداً، بل كان فناناً ساهم بشكل جدي في ترسيخ الوحدة الوطنية في العراق وتعميق الولاء للأمة العربية ولقيم وحدتها، من خلال مساهمته الفاعلة في ترسيخ الثقافة العربية والعراقية عبر رسالته الفنية الرائدة، فلقد جسد في لوحاته الكثيرة عراقيته وانتماءه العربي الأصيل وأحيا القيم ذات العلاقة بذلك.

وإذا كان بعض الفنانين العراقيين قد أذعنوا للظروف الجديدة، التي طرأت على وطنهم وشعبهم، فانقلب بعضهم على عقبيه تفادياً لدفع ثمن موقفه ونشداناً للراحة، فإن مخلد المختار لم يكن من هؤلاء. فعلى الرغم من انه دفع ثمن أصالته غربة وتشرداً في البلدان، الّا انه أصبح أصلب عوداً واشد انحيازاً لعروبتِه وعراقيتِه ليصبح مثابة للمترددين، ونموذجاً للفن المقاوم للاحتلال الاجنبي ولكل ما من شأنه تفكيك الوحدة الوطنية عبر النيل من الثقافة الأصيلة، فالتف حوله كثيرون.

 

كان المختار يؤمن بعمق أن الشعوب لا تنهزم أبداً طالما أنها متحدة، ومؤمنة بأن معركتها عادلة وشريفة، وأن المعركة لن تنتهي برحيل الاحتلال عن أرض العراق وجلاء آخر جندي غاز أجنبي عن أرضه الطاهرة، وباعادة ما نهبه جنود المارينز من لوحات فنية وكنوز ومنحوتات ونفائس وآثار تقدر بالمليارات من متاحف العراق ومؤسساته، بل تنتهي المعركة متى ما فشل الاستعمار من غزو بلادنا فكرياً ومادياً، وهذا لا يتم ألا اذا حافظ الشعب على وحدته وتماسكه الوطني عبر الحفاظ على موروثه الثقافي، وادامة زخمه ليبقى نابضاً ومتجدداً مع نبض الحياة التي لابد وان تستمر.

وإذا فهمنا إيمانه هذا، سيكون سهلاً علينا فهم الرموز التي تحتشد بها لوحاته والتي تشكل العناصر الاساسية للهوية الوطنية والعربية. فهي تتحدث عن كل ما في بلاد الرافدين من حضارة وتاريخ : نوافذ عباسية مليئة بالاقواس والقباب والأعمدة والتيجان، "والنوافذ العباسية التي يغلب عليها اللون الازرق، وهو لون الحرية. وتلك الخطوط المميزة لمخلد المختار التي تنقل رؤيته للحياة وجانب من الحياة العراقية"، وهي تجسد أيضاً حضارة العراق وتاريخه القديم من نبوخذ نصر وشلمنصر والوعل البابلي وأسد بابل وغيرها من الرموز الحضارية والزقورات وما تعكسه من قيم راسخة في الوجدان والهوية الوطنية المعاصرة، بالإضافة إلى انها تزخر بالخط العربي بأشكاله الجميلة المتناسقة.

كان المختار "يختزن في ذاكرته القريبة الصور ثم يعيد تشكيلها على القماش بالوانه السحرية، وارثاً عن الفنانين العراقيين الرواد رؤيتهم للتشكيل العراقي ذي الخصوصية والتميز عما عداه، فالفن العراقي مزيج من الزخرفة والخط والأشكال، التي تستحضر الماضي وتصله بالحاضر، فتكون حضارة بلاد ما بين النهرين هي الحاضر في اللوحة ببيئتها المميزة وبإنسانها وعمرانها وموجودات البيئية من نبات وحيوان. في معظم اللوحات تشاهد الثور المجنح والوعل والجاموس العراقي، والنخل العراقي دائم الحضور، القصور العباسية بأعمدتها وتيجانها وأبوابها وقبابها وشرفاتها ونوافذها واقواسها التي لا تنتهي".

وهكذا ساهم مخلد المختار بتعزيز الوعي بالعناصر الاساسية للثقافة وبالتالي بالهوية الوطنية والقومية لدى الاجيال المعاصرة، فساهم بذلك بترسيخ وحدتها الوطنية وتماسك نسيجها الاجتماعي عبر رسالته الفنية الراقية.

وإذا كان هناك من يتذرع بأنه لن يصل بفنه إلى العالمية إلا من خلال التغرب، فإن المختار وصل إلى العالمية من خلال تمسكه برموز وطنه وأمته العربية ونقلها إلى العالم بصفتها رموزاً حضارية انسانية.

ستبقى اعمال مخلد المختار الفنية منارة لأجيال الفنانين الصاعدين، وينبوع ملهم لكافة المثقفين لتسخير رسالتهم الثقافية في سبيل تعزيز الهوية الوطنية والقومية التي لا غنى عنها لضمان وحدة الوطن والامة.

مكتب الثقافة والاعلام القومي

7/10/2018

شبكة البصرة

الاحد 27 محرم 1440 / 7 تشرين الاول 2018

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط