بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

دخل ولم يخرج... وليته لم يدخل

شبكة البصرة

عبدالمنعم الملا

تصدعت رؤوسنا على مدى الاسبوعين الماضيين بقضية إختفاء الصحفي السعودي جمال خاشقي، والتي لا أعرف حقيقة لما كل هذه الضجة واللغط حولها. فجمال خاشقجي لم يكن بتلك الشخصية الدولية التي تسترعي اهتمام دولاً وحكومات بها ولم يكن الصحفي الاول ولن يكون الاخير، الذي يُقتل من قبل حكومته (إذا ما ثبت قتله).

ويبقى السؤال لماذا أُعطيت هذه القضية أكثر من غيرها من نفس القضايا بل وأهم منها، فقبله خصوصاً في لبنان والعراق وسوريا، قُتل صحفيين عرب واجانب أهم من الخاشقجي بكثير، قتلوا وتمت تصفيتهم نهاراً جهاراً، ولم يُنتبه اليهم بنسبة واحد بالمئة مم اهتم باختفاء خاشقجي.

ولم يتبق لقناة الجزيرة الفضائية "خاصة" الا ان تغير اسمها الى اسم (الجزيرة خاشقجي) لكثر ماطبلت وهلهلت ولاتزال وتزداد يوما بعد اخر، لهذه القضية بعد ان صورت الخاشقجي على انه ذاك البطل العربي الخارق الذي فتح بلاد الواقواق..! رغم انها فقدت قسما من كوادرها وقسما اخر لازال يرزخ في السجون ولم تقم بما قامت به من اجل جمال خاشقجي.

واذا ما أُخذ بنظر الاعتبار السنوات الطويلة التي قضاها الخاشقجي مقرباً من نظام الحكم في العربية السعودية ولابد من انه محملا بالكثير من الاسرار التي يعرفها عن ال سعود بحكم قربه منهم واعتماده من بين الإعلاميين المفضلين لدى الحكومة حتى اصبح مستشارا للسفير السعودي تركي الفيصل في لندن، فسنعرف سبب وسر هذا الاهتمام بخاشقجي.

اضف الى ذلك ان الخاشقجي كان احد اعمدة الاعلام العربي المسير اميريكيا في شيطنة النظام الوطني العراقي، تلك السياسية التي انتهجتها الادارة الامريكية قبل العدوان على العراق ابان حرب الخليج الثانية ولاحقا قبل احتلال العراق 2003.

 

وبمراجعة سريعة وبسيطة لكل تفاصيل القضية أو الجريمة الجنائية المعقدة (سواء كانت اختفاء قسري او قتل متعمد)، نجد أنها ترتكز على ثلاث سيناريوهات محتملة.

السيناريو الأول: ان لدى العربية السعودية سوابق في محاولة الوصول الى معارضيها عن طريق دبلوماسييها والمراكز الدبلوماسية، سفارات وقنصليات. ففي عام 2003 تم طرد الدبلوماسي السعودي علي الشمراني من قبل الحكومة البريطانية، والذي كان مسؤولا عن ملف التنسيق مع المعارصة العراقية انذاك، وبعد ثبوت تورطه برشوة شرطي بريطاني من اجل الحصول على بيانات معارضين سعوديين في لندن.

ومثلما سمعنا ان خاشقجي كان يراجع القنصلية السعودية في واشنطن لمدة ثلاث اشهر، ثم طلب منه مراجعة القنصلية السعودية في اسنطبول بذات التاريخ الذي فقد فيه 2/10/2018.

الامر الذي يرجح السيناريو المتداول اليوم وهو قتل الخاشقجي داخل القنصلية التركية. واذا ما صح هذا السيناريو فسيكون القرار السعودي بتصفية الخاشقجي داخل قنصليتها اغبى قرارا اتخذته حكومة على وجه الارض، مهما كانت الوعود والضمانات وراءه ومن اي دولة كانت، ان وجدت.!!

 

السيناريو الثاني: هو ان يكون اختفاء الخاشقجي بترتيب ودفع أمريكي لضرب عصفورين بحجر واحد، إحراج العربية السعودية من اجل ابتزازها ماليا، وتسليط ضغط على الحكومة التركية أكبر من الضغط الذي احدثته ازمة القس الجاسوس الإميركي وانخفاض العملة التركية الى اخفض مستوياتها منذ عقود، ولربما يدفع الحكومة التركية للمواجهة مع السعودية سياسيا واقتصاديا بشكل اكبر مما تشهده العلاقات السعودية التركية اساسا من تشنجات واضطرابات بسبب الازمة الخليجية.

ولربما الاختفاء (القسري) في هذا السيناريو كان مقتصرا فقط على خطف خاشقجي ولكن تطور الامر الى قتله بعد فشل محاولة تخديره وخطفه بالتالي.

 

السيناريو الثالث: ان لدى الحكومة التركية المتمرسة في التعامل مع الازمات السياسية الخارجية، ما يؤهلها لتوظيف هذه الجريمة من ان اجل تنازلات سعودية في ملف الازمة الخليجية ولربما تستخدمها كورقة ضغط في سياستها مع أميركا التي تحاول باي شكل كان الضغط على تركيا من اجل ابتزازها في قضية الجاسوس القس الإميركي والتاثير في الملف السوري.

واذا تذكرنا عملية اغتيال السفير الروسي واسقاط الطائرة الروسية وكلا الحادثتين حصلتا داخل الاجواء والاراضي التركية، ثم وبعد بضعة اشهر عادت العلاقات التركية الروسية اهدء واقوى من ذي قبل العمليتين.

وما يؤهل الحكومة التركية هنا هو امتلاكها لادلة او معلومات موثقة حول عملية اختفاء خاشقجي والذي سربت الحكومة التركية فلم دخوله الى القنصلية السعودية ولكنها لم تكشف فلم خروجه، إذا افترضنا صحة الرواية السعودية التي تنص على خروج خاشقجي بعد 20 دقيقة من القنصلية، فكان الاجدر بالحكومة التركية نشر فلم بوابة القنصلية، في الوقت الذي تتدعي القنصلية السعودية خروج خاشقجي منها، كي تسقط حجة السعودية وادعائها، هذا فيما اذا رجحنا الادعاء التركي بعدم خروج خاشقجي من القنصلية.

وبكل الاحوال فكل شيء في عالم السياسية والجريمة السياسية وارد وكما اسهبنا فجريمة الصحفي جمال خاشقجي هي جريمة جنائية سياسية مترامية الابعاد بامتياز اي كانت نتائج التحقيق المزعوم بها ومهما دارت حولها الشبهات والاتهامات تبقى امرا مخجلا ومفشلا لكلا الدولتين المسلمتين السعودية وتركيا والمستفيد الوحيد فيها من يحاول ولايزال دق اسفين الخلاف والتصادم بينهما وتعكير صفو مياه النبع الذي يجمعهما.

وبالتاكيد هو دليل قاطع على فشل الحكومة السعودية في التعامل سياسيا مع معارضيها، اذا افترضنا ان جمال خاشقجي من المعارضين السعوديين!!، بل ودليل اثبات على اجرامية الحكومة السعودية في حال ثبت قتل الخاشقجي داخل القنصلية السعودية في اسطنبول.

لندن تشرين الاول 2018

شبكة البصرة

الاثنين 5 صفر 1440 / 15 تشرين الاول 2018

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط