بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

ضميرونيا (3) تعقيبات

شبكة البصرة

صلاح المختار

حاجتان اذا نامتا ستتعب في حياتك احداهما الضمير

برناردشو

بعد نشر ضميرونيا الجزء الثاني وردتني عدة تعليقات ومتابعات من اصدقاء واشخاص لااعرفهم وبالنظر لاهمية تلك التعقيبات سوف اكتب تعقيبي على التعقيبات تلك لاجل اضافة مكونات اخرى لصورة بني ادم وليس اكمالها لان اكمالها قدرة حصرية لله. في التعقيب الاول الذي استلمته جاءني من الدكتور ع. س ويقول فيه: (وهل تعتقد بان هناك ضمير بقي حيا حتى الان وبعد ان شاهدنا كل ماجرى وكل حادث منها يؤكد اجتثاث الضمير من البشر؟). اما التعقيب الاخر فهو سؤال من دكتور ه. س يقول فيه: (قرأت لك قبل سنوات مقال عن الرئيس الفرنسي جاك شيراك وصفته فيه ب(عاهر الضمير) وهو وصف دقيق طبقا لخبرتي بصفتي دبلوماسيا قديما ولكن ما هي الصلة والتناسب بين عهر الضمير وعهر الجسد؟).

اما احد خبراء الانترنيت، كما وصف نفسه ورفض حتى ذكر اسمه، فقد قال: (هل تعتقد بان الانترنيت ساعد على انتشار ظاهرة ضعف الضمير او زواله؟ فانا شخصيا اشعر الان ولا اقول واثق بانني فقدت الكثير من قوة ضميري بعد ان استخدمت الانترنيت وعرفت بانني استطيع فعل اشياء كنت اعجز حتى عن التفكير بها ولكنني الان اقوم بها بسهولة رغم انها تؤذي كثير من الناس وبعضهم من اصدقائي الذين احبهم صدقا لكن اغراء لايقاوم يتملكني منذ صرت خبيرا بان اتسلى بالتلاعب بمشاعرهم)! ساكتفي بهذه التعقيبات الان وربما اعود لغيرها لاحقا،في هذا التحليل ساتناول مسالتين فقط هما: هل تم اجتثاث الضمير حقا ودفن كما تدفن الجثة؟ وماهو دور الانترنيت في حملة تعهير الضمير المخططة عالميا؟

ربما يظن البعض بان من يرتكب جرائم او يمارس انحرافات بشعة ميت الضمير ولكن هذا الاعتقاد خاطئ فالضمير ليس من صنع الانسان وهو لذلك لايموت ابدا ولكن يمكن تخديره او اضعافه وهذا يعني نتيجة مأساوية: عاهر الضمير يبقى ضحية عهر ضميره اي يتعذب داخليا وينمو فيه سرطان معنوي اشد هولا من السرطان الجسدي، فالذي يعتدي على الناس او يرتكب جرائم بحقهم في كافة المجالات يواجه صراعا يوميا ان لم يكن كل ساعة بين الضمير وبين نقيضه اي الانا المتوحشة المتطرفة الانانية، وكلاهما كيانان افتراضيان لكنهما موجودان بنيويا في البشر. هل تساءلتم لم يتميز المجرم والمعتدي والغادر برفيقه او شقيقه والخائن لوطنه...الخ بانه يدمن السكر وربما المخدرات؟ وهل فسرتم لم يعلو صوته وينفجر غضبا مع من هو تحت سطوته بطريقة هستيرية؟ قبل ايام وردني تسجيل صوتي لعاهر ضمير يعتدي على الناس بتلفيق الاكاذيب ضدهم لابتزازهم ماليا يخاطب امراة يعرفها بطريقة جنونية فقد فيها سيطرته على نفسه وهو يخاطبها ويوجه لها اقسى التهديدات والشتائم، وكان بامكانه ان يتحدث معها بهدوء واحترام لو كان طبيعيا لكنه محترف تجاوز على الناس واحتيال عليهم وخرق المحرمات، لهذا فانه ادمن الخمر وصار لايتحمل اي خلاف مع اي شخص فينفجر وتتدفق من فمه حمم تحرقه اولا قبل حرق ضحيته!

هذه الحالة المتوترة جدا لمن اصيب بعهر الضمير هي نتاج تعاظم الصراع بين الضمير والانا فالضمير موجود لانه كيان فوق الانسان وليس عبدا له وعندما يرتكب الانسان عدوانا او عملا لا اخلاقيا فان الضمير يتصدى للمنحرف فيحدث الصراع الداخلي العنيف والذي يحاول اخماده بالسكر او المخدرات لانهما يفتحان ابواب عالم خيالي او يساعدانه على التوقف ولو للحظات عن تذكر جرائمه وعدواناته. فاذا رأيتم شخصا ما يتصرف بعصبية شديدة مقترنة بعدوانية لامبرر لها فالتفسير المرجح هو انه واقع تحت ضغوط صراع مرير بين الضمير والانا الشريرة. الضمير لم يخلقه الانسان كي يموت نتيجة انحرافاته بل هو كيان وجد بقوة متعالية على البشر هي قوة من خلق الكون ومنه الانسان، وواضح ان الله خق الضمير ليكون رقيبا وبوصلة تميز بين الشر والخير وترفض تعدد المعايير في تحديدهما تبعا للفلسفة البراغماتية الامريكية.

وبما ان الضمير لايموت فان عاهر الضمير هو الذي الذي يتجاوز على ضميره بارتكاب افعال يعرف سلفا او يعرف لاحقا انها شذوذ عن الحق والاخلاق والسراط المستقيم،والاخير مبدأ ثابت لايتغير يتجسد في مقولة (احب لغيرك ما تحبه لنفسك) وعكسها ومكملها وهو (اكره لغيرك ما تكرهه لنفسك) هذه القاعدة تمنع نشوء اكثر من معيار لتقييم الافعال وتحصرها في معيار واحد هو الضمير الناطق بتلك المقولة التي توصل اليها ليس السيد المسيح (ع) فقط بل كل المصلحين والانبياء والثوريين قبله وعبر الاف السنين.

نعم العصبية ليست سمة لها صلة بعهر الضمير لانها اصلا نتاج التناسب الكيميائي في الجسد فاذا زادت عناصر معينة صار الانسان عصبيا واذا زادت اكثر صار عصابيا او مريضا،والعكس صحيح اي اذا نقصت عناصر كيمائية معينة يصبح الانسان هادئا وبارد التصرفات، لكنه ليس عاهر ضمير في حالة العصبية فهي سمة ربما لاغلب البشر خصوصا عندما يواجهون المتاعب، ويصبح الانسان عاهر ضمير فقط حينما يعتدي على غيره سواء بقتله او سرقته او تلفيق تهم ضده او يخون وطنه ويجعل من نزواته حاكمه الاعلى وهنا نرى التزاوج الحتمي بين عهر الضمير والقسوة والعصبية والتي يحاول لجمها والسيطرة عليهما لاجل خداع الناس بمظهر هادئ ولطيف بتعاطي المخدرات او الادوية المهدئة للاعصاب،لكنه ما ان يواجه من يعتقد بانه لاينفذ ما يريد حتى يفقد القدرة على السيطرة على تلك المعركة الابدية داخله بين الضمير والعدوان على الاحرين.

اما الانترنيت فقد سبق وكتبت مرارا بان اكبر كوارث البشرية اطلاقا هي تلك التي صنعها ومازال يصنعها الانترنيت بعد ان تحول الى المربي الاول والاكثر تأثيرا على الناس خصوصا اجيال القرن الجديد، وربما يكون مصدر الخطر الاكبر للانترنيت هو انه اخذ يكشف الستار عن غموض التركيب الانساني فالانسان كما قلنا مخلوق فيه ابليس وفيه الرحمن وما يجعل الرحمن مسيطرا على الانسان هو التربية العائلية والقيم العليا والمدرسة الوطنية ووالمدرسة العلمية ففيها يتربى على قاعدة (احب لغيرك ما تحبه لنفسك)، اما الانترنيت فهو مملكة ابليس وكل شياطينه من بني ادم التي تحفر قبور الاثم والجريمة من خلال عبادة الانا وتشجيع تغليبها على الروادع والقيم العليا والتربية العائلية!وتلك هي اسس المجتمع الامريكي بالذات الذي يتربى الفرد فيه على الفردية المطلقة وهي منبع الانانية الاساس ومصدر كل الانحرافات اللاحقة لانها تقوم على نسف قاعدة (احب لغيرك ما تحبه لنفسك) وتفرض محلها قاعدة براغماتية تقول (كل ما يجعلني سعيدا فهو حق وخير وبغض النظر عن اثره على غيري)! هنا نرى ابليس وخلفه جيوشه الجرارة من الشياطين.

الانترنيت بتوفيره فرصة التخفي يطلق الشرور الكامنة في الانسان والتي قيدتها الاديان والاصلاحات والقوانين ويحول الانسان الذي كان طبيا ومؤدبا الى اخر عدواني واناني ومتطرف الاذي لغيره، فما دام الاخر الذي اتجاوز عليه لايعرفني فلافعل كل ما يسرني ويجعلني اضحك عليه او اهينه او اسرق حقوقه المادية والاعتبارية! ابليس الكامن في الانسان وهو يرى هذه الفرصة يسارع فورا لاغتنامها والتحول الى مقاتل شرس يخرق كافة الضوابط الاجتماعية والاخلاقية ويحاول تجنب خرق القواعد القانونية لانها تجره لمواجهة العقاب، ولهذا نرى التخفي اقوى محفز لاطلاق كل النزوات والرغبات المكبوتة في الانترنيت.

ولكن هناك افراد لا يتخفون عندما يتجاوزون على الاخرين ظلما وعدوانا والسبب واحد من اثنين: فاما ان يكون هذا الشخص مدعوما من جهات قوية تحميه من العقاب بل وتدفعه لفعل الجريمة او ان يكون مريضا نفسيا لايستطيع السيطرة على مرضه. ولعل احد ابرز ما يشجع هؤلاء هو ان الانترنيت تصعب السيطرة عليه من قبل دولة واحدة فالذي في امريكا مثلا يستطيع شتم الذي في العراق وفي هذه الحالة فان الشكوى عليه صعبة جدا واقصى عقاب هو غلق صفحته من قبل الانترنيت لكنه يقوم بفتح صفحة اخرى وباسم اخر او باسمه وهكذا يستمر في العدوان دون عقاب! ووصل تخريب الانترنيت حد ان هناك من يدعي انه الله في صفحته واخر من يدعو للشذوذ الجنسي واخر من يدعو لارتكاب زنى المحارم علنا!

 

ما المغزى العميق من اثارة هذه الافكار الان؟ تخيلوا جيلا جديدا ينشأ على قراءة هذه المواقع والصفحات كيف سيكون رد فعله تجاه ما يتعرض له من تدفق هائل للمعلومات والصور المغرية جدا باسلوبها وهو الذي لم تعد العائلة تسيطر على ما يتلقاه من معلومات وافكار وانطباعات ولا ان تمنع الاغراءات القوية له بممارسة سلوك يتناقض مع ما تربى عليه في البيت فيلجأ للسرية ويمارس كل ما يعجبه سرا! اول نتيجة هي هيمنة قيم ابليس محلها وابرزها (اعمل ماتشاء اذا كنت ترى فيه فائدة او لذة لك ولاتفكر بالاخرين).ربما الفائدة الرئيسة للانترنيت والتي لم تستخدم على نطاق واسع حتى الان هي ان علماء النفس والطب والمفكرين يمكنهم ان يتوصلوا الى اكتشاف ممكنات اخرى في الانسان لم تكن معروفة قبل الانترنيت او كانت قبله جنينية وتمارس بخجل وسرية تامة ولكن الانترنيت اطلقها وحولها الى حقوق فردية صدرت قوانين في الغرب بحماية من يمارسها ويعتقد بها كقوانين زواج المثليين والتسابق على كسبهم!

وهذا تأكيد حاسم على ان قوانين ابليس ترعاها مخابرات دول معينة تريد ترويج قيم مهيمنة تتناقض مع قيم الله اولا والتي تجسدت طوال الاف السنين في تعاليم الانبياء والرسل. الان يمكن لعالم نفس او طبيب ان يدخل الانترنيت ويدرس تلك الحالات النفسية والسلوكية بدقة مستعينا بالاف بل بملايين التعليقات والكتابات التي تشكل تعبيرات عن المكنون النفسي والذي اطلق وكان علماء النفس سابقا ينومون الفرد مغناطيسيا ليطلق ما يخفيه خجلا او خوفا! الانترنيت مخزن (مول) هائل الحجم تستطيع عند دخوله رؤية بضائع ابليس معروضة علنا وكتبت عليها كل مواصفاتها! فهل استخدم هؤلاء المعلومات المتوفرة للتعمق في فهم الانسان ومكنوناته الخفية التي تتوفر الان مجانا لاول مرة في التاريخ في الانترنيت؟

يبقى التناسب بين عهر الضمير وعهر الجسد فاقول عهر الجسد سببه الحاجة المادية للعاهرة فهو امر مفروض عليها وهو يؤذي مئات باصابتهم بالامراض الجنسية وهي اضرار محدودة جدا،اما عهر الضمير فانه كارثة البشرية الاعظم لانه يجرد الانسان من اي رادع ويجعل انانيته وفرديته هي الحاكم وهي المقرر لكل شيء ولهذا نرى عاهر الضمير عندما يكون سياسيا او حاكما فانه يهدد حياة المليارات من البشر ويقتل الملايين كما نشهد في حروب الغرب علينا في العراق وسوريا واليمن وليبيا وفلسطين. ولعل نموذج دونالد ترامب يقدم لنا صورة عن عهر الضمير في اوضح صوره النمطية: فشخصية ترامب مبنية على الاستحواذ على كل ما يعود لغيره ولايأبه لقانون او اخلاق او حقوق وهذا هو السبب الرئيس الذي جعل النخب المتحكمة في امريكا تختاره رئيسا في هذه المرحلة من تاريخ تدهور الامبراطورية الامريكية وهي اكبر خزانات الشر في التاريخ الانساني. فقط حللوا تصرفات ترامب سترون ابليس فوق رأسه وبين قدمية وخلف ظهره وامامه.

وصفت جاك شيراك بعاهر الضمير لانه هاجم القائد الشهيد صدام حسين رغم انه كان يتملقه وهو قائد للعراق! وما ان اسقط الاستعمار النظام الوطني حتى كان شيراك من بين من هاجمه! هل هذا السلوك شيء غير بيع الضمير؟ من يبيع صديقه بثمن صفقة او يغدر به للتخلص منه بتلفيق تهم ضده لانه يعتقد بانه عقبة تمنع تحقيق احلامه غير المشروعة ليس سوى عاهر ضمير كامل المواصفات. لو عاش برناردشو حتى عصر الانترنيت لاستبدل عبارة (ستتعب في حياتك) ب(ستستعبد لابليس في حياتك)، وابليس ليس الشخصية الميثولوجية بل هو (صديقك) الذي يخفي في عبه خنجر الفارسي حسن الصباح كي يطعنك به وانت غافل عنه!

Almukhtar44@gmail.com

13-10-2018

شبكة البصرة

السبت 3 صفر 1440 / 13 تشرين الاول 2018

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط