بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الأهداف الحقيقية لمعركة واشنطن من اجل خفض أسعار النفط

هل يستمر صمود منظمة أوبك وحلفائها؟

شبكة البصرة

عمر نجيب

حض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال تدخله أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 الدول الأعضاء في منظمة أوبك على وقف ارتفاع أسعار النفط. وأضاف نحن ندافع عن العديد من هذه الدول مقابل لا شيء، وهي تستفيد من ذلك لفرض أسعار نفط مرتفعة، هذا أمر غير جيد، نريدها أن تتوقف عن رفع الأسعار والبدء في خفضها. وأضاف منظمة ودول الأوبك، كالعادة، ينهبون بقية دول العالم، وأنا لا يعجبني ذلك، "نريدهم أن يتوقفوا عن رفع الأسعار. نريدهم أن يبدأوا في خفض الأسعار، ويجب أن يسهموا بشكلٍ ملموس في الحماية العسكرية من الآن فصاعدا"

قبل ذلك بخمسة أيام ويوم الخميس 20 سبتمبر ربط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الدعم الأمريكي لدول في الشرق الأوسط بأسعار النفط، داعيا أوبك من جديد إلى خفض الأسعار.

وقال ترامب على تويتر "نحمي دول الشرق الأوسط، ومن غيرنا لن يكونوا آمنين، ومع ذلك يواصلون دفع أسعار النفط لأعلى، سنتذكر ذلك. على منظمة أوبك المحتكرة للسوق دفع الأسعار للانخفاض الآن".

ووجه دونالد ترامب سهام انتقاداته إلى منظمة البلدان المصدرة للبترول، على مدى الأشهر العديدة الماضية. وقد برر بعض السياسيين ذلك بعوامل داخلية منها أن ارتفاع أسعار البنزين الأمريكية مبعث قلق سياسي لترامب، قبل انتخابات الكونغرس، في نوفمبر 2018، إذ ربما يبطل أثر دعاوى الجمهوريين بأن التخفيضات الضريبية وتخفيف اللوائح الاتحادية ساعدا في تعزيز الاقتصاد الأمريكي.

ودعا ترامب السعودية، أكبر منتج في أوبك، لزيادة الإنتاج، قائلاً إن عليها مساعدة الولايات المتحدة في خفض أسعار الوقود، بما أن واشنطن تساعد الرياض في صراعها مع إيران.

وأبلغت مصادر في أوبك رويترز، الخميس 20 سبتمبر، أن من المستبعد أن تتفق المنظمة وحلفاؤها على زيادة رسمية في إنتاج النفط، وإن كان الضغط يتصاعد على كبار المنتجين، للحيلولة دون طفرة في أسعار الخام قبيل فرض عقوبات أمريكية جديدة على إيران.

وتدخل العقوبات الأمريكية الجديدة حيز التنفيذ، في نوفمبر، وهي نتيجة لقرار دونالد ترامب الانسحاب من اتفاق 2015، بشأن البرنامج النووي الإيراني.

وخلال زيارة إلى موسكو شهر سبتمبر، قال وزير الطاقة الأمريكي ريك بيري، إن بوسع السعودية والولايات المتحدة وروسيا زيادة الإنتاج العالمي، في الثمانية عشر شهرا القادمة، لتعويض تراجع إمدادات النفط من إيران.

وكانت أسعار النفط قد ارتفعت منذ أن قررت 14 دولة أعضاء في أوبك، بالإضافة إلى المنتجين الآخرين، بما في ذلك روسيا، الحد من الإنتاج عام 2017. وفي نوفمبر2017، وافقت هذه الدول على تمديد هذه التخفيضات حتى نهاية عام 2018.

 

محاولات التغليط

يقدر محللون أنه زيادة على الضغوط العلنية والسرية الموجهة لبعض دول الاوبك تستخدم واشنطن وبعض حلفائها اسلوب التغليط لدفع بعض كبار المنتجين إلى زيادة الأنتاج ودفع الأسعار نحو الإنخفاض بالادعاء أن ارتفاع مداخيلهم ليست مفيدة لإقتصادهم. وفي هذا نطاق هذه الدعاية حذر صندوق النقد الدولي، الجمعة 24 أغسطس 2018، السعودية من زيادة الإنفاق في أعقاب ارتفاع أسعار النفط، كما حض أكبر مصدر للنفط الخام في العالم، على الحد من تكلفة الرواتب.

وقال الصندوق في تقرير له، إن زيادة الإنفاق ستعرض ميزانية السعودية للانكشاف، في حال انخفاض أسعار النفط بشكل غير متوقع، حسب ما ذكرته وكالة الأنباء الفرنسية.

وشدد التقرير على "أهمية ضمان بقاء الإنفاق بمستوى مستدام في مختلف ظروف أسعار النفط"، وعلى ضرورة تجنب سياسة مالية من شأنها التسبب في اضطرابات بالنشاط الاقتصادي.

وارتفعت العائدات السعودية بنسبة 67 في المئة في الربع الثاني من 2018، وخصوصاً بسبب ارتفاع الإيرادات النفطية بشكل كبير.

وأبلغت السلطات السعودية صندوق النقد الدولي، أنه تجري مراجعة جهاز الخدمة المدنية بمساعدة البنك الدولي.

على خلاف بيانات صندوق النقد الدولي، يقدر محللون بأن السعودية، أكبر مصدر للنفط في العالم، تسعى إلى رفع أسعار النفط أكثر بكثير لتتمكن من تجاوز صعوباتها الاقتصادية ورفع قيمة شركة

"أرامكو" العملاقة للنفط قبل طرح خمسة بالمئة من أسهمها للاكتتاب العام الأولي كما يتوقع البعض.

وبعدما بلغ سعر البرميل 70 دولاراً، يعتقد أن السعودية "تهدف بشكل غير رسمي للوصول إلى سعر 80 دولاراً للبرميل حيث يشير البعض إلى أنها تفضل حتى العودة إلى سعر 100 دولار" لبرميل الخام، بحسب ما أفاد ستيفن برينوك من مجموعة "بي في إم".

وقال "إضافة إلى المساعدة على خفض بيان موازنة الحكومة السعودية، بالإمكان أن يشكل ارتفاع الأسعار بشكل إضافي هدية بالنسبة للاكتتاب العام الأولي الوشيك لأرامكو".

وأكدت مجموعة "كومرزبنك" أن "هذا هو السبب الذي يدفع السعودية إلى تعمد إبقاء إمدادات النفط محدودة".

 

أوبك ترفض الضغوط

يوم الأحد 23 سبتمبر 2018 ورغم ضغوط واشنطن وتهديداتها وبعد اجتماعات ومشاورات دامت ساعات عديدة بالعاصمة الجزائر، تجاهل كبار المنتجين للبترول تحذيرات الرئيس الأمريكي. وقال وزير النفط العماني محمد بن حمد الرمحي ونظيره الكويتي بخيت الرشيدي للصحفيين إن المنتجين اتفقوا على ضرورة التركيز على الوصول إلى نسبة الامتثال بنسبة 100 بالمئة لتخفيضات الإنتاج، والذي جرى الاتفاق عليه في اجتماع أوبك في يونيو.

وتوحي هذه التصريحات أنه تم فعليا تعويض انخفاض الإنتاج الإيراني.

كما استبعدت السعودية أكبر منتج في أوبك وروسيا أكبر المنتجين الحلفاء لها خارج المنظمة يوم الأحد 23 سبتمبر أي زيادة إضافية فورية في إنتاج الخام، في رفض فعلي لدعوات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى التحرك لتهدئة السوق.

وقال وزير الطاقة السعودي خالد الفالح للصحفيين لا أؤثر على الأسعار، وذلك في الوقت الذي عقد فيه وزراء الطاقة بالدول الأعضاء في أوبك ونظراؤهم في بعض المنتجين المستقلين اجتماعا في الجزائر. وانتهى الاجتماع دون توصية رسمية بأي زيادة إضافية في الإمدادات.

وبلغ خام القياس العالمي مزيج برنت 80 دولارا للبرميل شهر سبتمبر.

وذكرت منظمة البلدان المصدرة للبترول إن الارتفاع المطرد في إنتاج النفط الأمريكي سيكتسب زخما في السنوات الخمس المقبلة، متوقعة أن ينخفض الطلب على نفط المنظمة رغم تنامي الإقبال على الطاقة بدعم من النمو الاقتصادي العالمي.

وأضافت أوبك في تقرير آفاق النفط العالمية انخفاض الطلب على خام أوبك هو نتيجة لقوة المعروض خارج المنظمة في الفترة بين 2017 و2023، لاسيما النفط المحكم الأمريكي".

وأضافت "تظل الولايات المتحدة إلى حد كبير أهم مصدر لنمو المعروض في الأمد المتوسط، إذ تساهم... بثلثي الإمدادات الجديدة بدعم من ارتفاع إنتاج النفط المحكم".

وزادت الولايات المتحدة إنتاج النفط إلى مستويات قياسية في السنوات الأخيرة، بدعم من ثورة الإنتاج الصخري التي سمحت للتكنولوجيا الجديدة بالإفراج عن احتياطيات كانت تعتبر في السابق غير ذات جدوى اقتصادية.

وساهمت العقوبات الأمريكية على فنزويلا وإيران عضوي أوبك في دفع أسعار النفط لأعلى مستوياتها منذ عام 2014 عند نحو 80 دولارا للبرميل، وهو ما حفز المنتجين الأمريكيين أيضا على زيادة الإنتاج.

وقالت أوبك إنها عدلت تقديراتها لنمو إنتاج الخام والسوائل خارج المنظمة حتى عام 2023، وتتوقع الآن نموا يزيد أربعة ملايين برميل يوميا عن تقديراتها في تقرير عام 2017.

وذكرت أن المنتجين المستقلين سينتجون 66.1 مليون برميل يوميا من الخام والسوائل في 2023، ارتفاعا من 57.5 مليون برميل يوميا في 2017.

وأضافت أن الولايات المتحدة ستزيد إنتاج النفط المحكم إلى 13.4 مليون برميل يوميا في 2023 من 7.4 مليون برميل يوميا في 2017، على أن يصل إجمالي الإنتاج الأمريكي إلى 20 مليون برميل يوميا.

ومن شأن ذلك أن يحقق الاكتفاء الذاتي من النفط للولايات المتحدة، التي كانت ذات يوم أكبر مستورد للخام في العالم.

ونتيجة لهذه التغيرات المهمة، من المتوقع أن ينخفض الطلب على نفط أوبك إلى 31.6 مليون برميل يوميا في 2023 من 32.6 مليون في 2017.

وكانت المنظمة قد توقعت في تقريرها عام 2017 وصول الطلب على خامها إلى نحو 33 مليون برميل يوميا حتى منتصف عشرينيات القرن الحالي.

وذكرت أوبك الطلب على خام أوبك... لن يصل إلى المستويات الحالية من جديد إلا في أواخر عشرينيات القرن الحالي، حين يصل النفط المحكم الأمريكي إلى ذروته. ومن ثم، سيرتفع باطراد ليصل إلى نحو 40 مليون برميل يوميا بحلول 2040".

ومن المتوقع أن ينخفض الطلب على نفط أوبك في الأمد المتوسط رغم النمو المطرد في الطلب العالمي على الخام.

ورفعت أوبك توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط، إذ تتوقع الآن وصول حجم استهلاك الخام في 2020 إلى 101.9 مليون برميل يوميا، بزيادة 1.2 مليون برميل يوميا عن تقرير عام 2017.

وعلى المدى الأبعد، من المتوقع أن يزيد الطلب النفطي بمقدار 14.5 مليون برميل يوميا ليصل إلى 111.7 مليون برميل يوميا بحلول 2040، بزيادة طفيفة عن توقعات عام 2017.

وفي الأمد البعيد، لا تزال أوبك تأمل في الاحتفاظ بحصة مستقرة في معروض النفط العالمي بفضل وفرة الاحتياطيات وانخفاض تكلفة استخراجها.

وقالت إن الطلب على نفطها سيزيد بواقع 7.3 مليون برميل يوميا بحلول 2040، بينما سيرتفع الطلب على سوائلها بمقدار 10.5 مليون برميل يوميا.

وأضافت من المتوقع أن تزيد حصة خام أوبك في معروض النفط العالمي من 34 بالمئة في 2017 إلى 36 بالمئة بحلول 2040.

 

تحول التركيز إلى 2019

أكدت أوبك في تقرير عن آفاق الأمد المتوسط أصدرته إنها تتوقع أن يزيد المعروض خارج المنظمة من دول بقيادة الولايات المتحدة بمقدار 2.4 مليون برميل يوميا في 2019، بينما سينمو الطلب العالمي على النفط بواقع 1.5 مليون برميل يوميا فقط.

كما رفعت المنظمة كثيرا تقديراتها لنمو إنتاج النفط الأمريكي حتى عام 2023، متوقعة أن تخسر أوبك مزيدا من الحصة السوقية.

وقال الفالح اهتمامنا يتحول إلى 2019. اطلعنا على احتمال زيادة المخزونات في 2019 التي تنجم عن نمو كبير في المعروض من الدول غير الأعضاء".

وذكر وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك أنه لا توجد ضرورة لزيادة الإنتاج على الفور، رغم أنه أبدى اعتقاده بأن الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين والعقوبات الأمريكية على إيران توجدان تحديات جديدة لأسوق النفط.

وأضاف الطلب على النفط سينخفض في الربع الأخير من العام الحالي وفي الربع الأول من العام القادم. حتى الآن، قررنا الالتزام باتفاقاتنا في يونيو".

وسعيا لتغيير اتجاه أسعار النفط النزولي الذي بدأ في 2014 ودفعها للصعود، قررت أوبك وروسيا وحلفاء آخرون في أواخر 2016 خفض الإمدادات بواقع نحو 1.8 مليون برميل يوميا.

لكن في يونيو من العام الجاري، وبعد أشهر تجاوزت فيها التخفيضات المستوى المتفق عليه لأسباب على رأسها تراجع إنتاج فنزويلا ومنتجين آخرين لعوامل خارجة عن إرادتهم، اتفقت أوبك وحلفاؤها على تعزيز الإنتاج بالعودة لنسبة الامتثال 100 بالمئة.

ويعادل هذا زيادة قدرها نحو مليون برميل يوميا، لكن أحدث الأرقام تبين أنهم ما زالوا بعيدين عن تحقيق هذا الهدف.

 

إيران تخفف موقفها

في أغسطس 2018، خفضت أوبك والحلفاء الإنتاج بأكثر من المتفق عليه بمقدار 600 ألف برميل يوميا، وهو ما يرجع في الأساس إلى انخفاض إنتاج إيران نتيجة تقليص عملاء في أوروبا وآسيا لمشترياتهم قبل سريان العقوبات الأمريكية.

وقدرت أوبك إنتاج إيران الحالي عند 3.58 مليون برميل يوميا، بانخفاض نحو 300 ألف برميل يوميا عن بداية العام، وفقا لمصادر أوبك الثانوية التي تشمل باحثين ومتتبعين لحركة السفن.

وأكد حسين كاظم بور أردبيلي، محافظ إيران في أوبك، استقرار إنتاج بلاده عند 3.8 مليون برميل يوميا، لكن يبدو أنه خفف موقفه بخصوص الزيادات المحتملة في إنتاج المنظمة.

وأبلغ الصحفيين قائلا "إذا كان هناك انخفاض، ليس فقط من إيران بل أي منتج غيرها، فمن مسؤولية أوبك وغير الأعضاء بالمنظمة تحقيق التوازن في السوق".

وذكر وزير الطاقة السعودي أن العودة لمستوى امتثال بنسبة 100 بالمئة هو الهدف الرئيسي ويجب تحقيقه خلال الشهرين أو الثلاثة المقبلة.

ورغم امتناعه عن توضيح كيفية القيام بذلك، إلا أن السعودية هي المنتج الوحيد الذي يملك طاقة إنتاجية فائضة كبيرة.

وقال الفالح المشكلة الأكبر ليست في الدول المنتجة، بل في شركات التكرير، وفي الطلب. نحن في السعودية لم نر طلبا لأي برميل إضافي لم ننتجه".

ومن المقرر أن تعقد لجنة المراقبة الوزارية المشتركة بين أوبك والمنتجين غير الأعضاء اجتماعها القادم في 11 نوفمبر في أبوظبي، يعقبه اجتماع كامل لأوبك بمقرها الرئيسي في فيينا يومي السادس والسابع من ديسمبر.

من جهته قال الأمين العام لمنظمة أوبك محمد باركيندو فيما اعتبر ردا على الرئيس ترامب، إن أوبك ليست منظمة احتكار، وليست كارتل، بل أرضية شاملة مسؤولة تعمل من أجل الأسواق للمنتجين والمستهلكين".

وأضاف باركيندو أن معطيات أوبك أصبحت مرجعا للسياسيين والاقتصاديين ونحن نعمل في شفافية، نحن منظمة شفافة".

وذكر باركيندو، أن اجتماع الجزائر، درس التقرير السنوي الذي اعدته اللجنة التقنية الوزارية المشتركة بحضور 25 دولة التزموا كلهم بدعم استقرار سعر البترول. رغم بعض الشكوك التي تنتاب الاقتصاد الدولي.

وقال نعمل من أجل توازن واستقرار دائم للسوق البترولية، وهذا يخدم مصلحة المستهلكين والمنتجين، على اعتبار أن الهدف هو الوصول إلى توازن بين العرض والطلب.

وأشار إلى اتفاق الدول المشاركة في اجتماع الجزائر، على الوصول إلى مئة بالمئة من الاتفاق في يوليو 2019. وأضاف أن معدل المخزنات شهد تناقصا، وانه يتعين بذل الجهود في الأشهر المقبلة والعمل على مراقبة السوق وتقييم الالتزام بالاتفاق.

ويرى عبد المجيد عطار، المدير العام الأسبق لمجمع سونطراك النفطي في الجزائر، ونائب رئيس الجمعية الجزائرية لصناعة الغاز، أن القرار الذي اتخذه كبار المنتجين للبترول بالحفاظ على نفس مستوى الإنتاج قرار صائب ويصب في مصلحة المنتجين والمستهلكين.

وتوقع ملاحظون معطيات جديد قد تفرض زيادة الإنتاج في حالة ما إذا نفذت أمريكا عقوباتها على إيران ولم تنجح الأخيرة في تجاوز الحصار الأمريكي عن طريق أسواق دول سترفض تطبيق العقوبات الأمريكية.

وقد أوضحت الإدارة الأمريكية أن هدفها المقصود هو خفض الصادرات الايرانية إلى الصفر، ومعاقبة أولئك الذين لا يخفضون وارداتهم من إيران. ويتوقع سياسيون في البيت الأبيض أن يمتثل حلفاء الولايات المتحدة الرئيسيون تماما، إلا أنَّنا غير واثقين تماما من ردة فعل دول مثل الصين والهند وتركيا وغيرها خاصة الاوروبيون اذا توصلوا إلى صيغة تبادل تجاري مع طهران.

 

قلق تجار النفط

يوم السبت 29 سبتمبر أعلن في كل من الرياض وواشنطن عن أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اجرى اتصالا هاتفيا، مع العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز.

وأفادت قناة "العربية" السعودية، دون تقديم مزيد من التفاصيل، أن الجانبين ناقشا الجهود المبذولة للحفاظ على الإمدادات، لضمان استقرار سوق النفط ونمو الاقتصاد العالمي، بالإضافة إلى الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.

أما البيت الأبيض فاكتفى بالقول إن الرئيس ترامب والملك سلمان تناولا "القضايا ذات الاهتمام الإقليمي".

وكالة بلونبيرغ الأمريكية، ذكرت أن صناديق التحوط تراقب تأرجح الشد والجذب في علاقة ترامب مع السعودية، بحثا عن أي إشارات إلى إمكانية اتخاذ الولايات المتحدة إجراءات ضد السعودية أو أي عضو آخر في منظمة أوبك.

وارتفع سعر خام برنت، المعيار العالمي لتسعير النفط، يوم الجمعة 28 سبتمبر، إلى أعلى مستوى له في 4 سنوات، ليتجاوز حاجز 83 دولاراً للبرميل، وذلك في ظل استعداد السوق لتلقّي تأثير عقوبات الطاقة الأمريكية على إيران.

وتشهد أسعار وقود السيارات ارتفاعاً في الولايات المتحدة، الأمر الذي يضغط على المستهلكين قبل أسابيع من انتخابات التجديد النصفي الحاسمة للكونغريس. ووفقاً للرابطة الأمريكية للسيارات، بلغ متوسط السعر الوطني للبنزين الخالي من الرصاص 2.875 دولار للغالون يوم الجمعة 28 سبتمبر، وذلك بارتفاع قدره 1.4 في المئة عن شهر أغسطس و11.7% أعلى من عام 2017.

الغالون يحتوي على 4 لترات وربع.

وإذا نجح الديمقراطيون في السيطرة على مجلس النواب، أو مجلس الشيوخ، فقد يشل ذلك ترامب تماماً طوال السنتين المتبقيتين له في السلطة قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة.

وعلى الرغم من أنه ليس متوقعا أن تؤدي النتيجة إلى التأثير في أداء صناعة النفط والغاز الأمريكية التي حققت العديد من الأرقام القياسية مؤخرا، فإنها في الحالتين ستجعل من الصعب على ترامب التدخل في الشرق الأوسط، وتمنعه من تصعيد حربه التجارية مع الصين أكثر. إذ لا يؤدي فرض أكبر مستهلكين للنفط في العالم رسوماً متبادلة على التجارة إلى دعم الطلب العالمي على النفط، الذي من المتوقع أن يبلغ 100 مليون برميل يومياً في المتوسط هذا العام.

 

معطيات تحكم

صحيفة "ذي تلغراف" البريطانية ذكرت أن هناك عدة معطيات مهمة تتحكم في أمر أسعار النفط.

أول هذه المعطيات، هي أن أعضاء أوبك، وحلفاؤهم، بقيادة روسيا وافقوا في يونيو2018 على رفع إنتاجهم الجماعي بمقدار مليون برميل يوميا، لكنهم لم يحددوا بعد كيفية توزيع هذه البراميل الإضافية. ستوفر السعودية وروسيا معظم هذا الخام الإضافي، في ظل محدودية القدرة الإنتاجية الفائضة في الدول الأخرى.

هناك ما يسمى بأزمة "المنطقة المحايدة". إذ توقف الإنتاج في منطقة حقول النفط بين السعودية والكويت منذ عام 2014، لكن ربما تكون بيدها الآن القدرة على مد الأسواق بمخزون كاف من النفط بمجرد أن تحظر العقوبات المفروضة الشحنات الإيرانية. وتحتوي المنطقة على حقلين عملاقين قادرين على إنتاج نحو 500 ألف برميل يوميا. ويمكن أن تستأنف الدولتان الخليجيتان إنتاجهما في ديسمبر 2018، وذلك بعدما تمكنتا من تسوية خلافاتهما السياسية حول المنطقة في وقتٍ سابق من هذا العام. وإن كان سوق النفط يرغب في استيعاب صدمات نقص المعروض من النفط، التي ربما تنتج عن تعثر الإنتاج في الدول المنتجة المضطربة مثل ليبيا وفنزويلا، فإن الكثير من هذا الخام قد يأتي من المنطقة الحدودية التي أُنشئت عند إعادة رسم الخرائط في عام 1922.

 

لوائح جديدة

وبحسب الصحيفة البريطانية، هناك العامل المتمثل في إدخال لوائح جديدة صارمة على الوقود المستخدم في الشحن، والمعروفة باسم "لوائح المنظمة البحرية الدولية لعام 2020". يمكن أن توفر اللوائح الجديدة التي فرضتها المنظمة الواقع مقرها في لندن، والتي تهدف لخفض مستوى الكبريت في الوقود البحري إلى 0.5 في المئة، نحو تريليون دولار أمريكي على الاقتصاد العالمي على مدار السنوات الخمس المقبلة، فقد مثَل تزويد السفن بالوقود البحري نحو 6 في المئة من الطلب على النفط في عام 2017، وهذا أمر جدير بالملاحظة.

ووفقاً "لبلاتس انالستيك"، فإن شرط توفير وقود أنظف لأساطيل الشحن في العالم يمكن أن يضيف متوسط 7 دولارات للبرميل إلى تقديرات خط الأساس لسعر خام برنت بنهاية العقد المقبل. وتكافح شركات الشحن من أجل الاستعداد في الوقت المناسب، فيما بدأ تأثير هذا التغيير التنظيمي بالفعل في التبلور في زوايا معينة من سلسلة إمدادات النفط.

تمثل هذه العوامل تحديات أساسية يتعين على أسواق النفط استيعابها، على عكس تغريدات ترامب.

 

نظرية المؤامرة

إذا كانت لمعركة الرئيس ترامب من أجل خفض أسعار النفط اسبابها الداخلية، فإن أهدافها الخارجية أكبر وأكثر أهمية وهي تدخل ضمن نظرية المؤامرة. حيث أن خفض أسعار النفط سيضر بإقتصاديات دول خصم لها وفي مقدمتهم روسيا التي تصدر يوميا سبعة ملايين برميل من النفط إلى الأسواق الدولية بالإضافة أنه سيجبر الدول النفطية التي تستورد سلعا مدنية أو سلاحا أمريكيا على أن تقدم أكثر ماديا لقاء مشترياتها، فمثلا إذا كانت تشتري حاليا سلعة "س" مقابل 100 برميل نفط فإنها وبعد تدني الأسعار ستقدم 130 أو 150 برميل.

يوم الاثنين 29 ديسمبر 2014 اعترف الرئيس الأمريكي باراك اوباما في حديث لاذاعة ان بي آر ان انخفاض أسعار النفط بنسب هامة قرار سياسي جاء لفرض ضغوط على الاقتصاد الروسي وإضعافه، وليس له أي علاقة بمواجهة تصاعد الأنتاج من النفط الصخري.

وذكر اوباما ان قسما من تحليلنا كان يقوم على أن الشيء الوحيد الذي يبقى اقتصاد الروس طافيا هو سعر النفط وان فرض عقوبات سيجعل الاقتصاد الروسي هشا وغير قادر على مواجهة الصعوبات الضخمة التي ستنتج عن تقلب اسعار النفط.

الاقتصاد الروسي في ذلك التاريخ كان يعاني من ازمة حادة لأسباب عديدة من بينها انخفاض اسعار النفط لان هذا الانخفاض ادى الى خسارة تقدر بحوالي 100 مليار دولار وكانت مرشحة للتصاعد اذا ما استمرت اسعار النفط في التدهور، فالاقتصاد الروسي يعتمد بنسبة 50 بالمئة على العوائد النفطية.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تحدث عن مؤامرة امريكية تهدف الى تخفيض اسعار النفط لاخضاع روسيا وايران، ولكنه وعد بالتصدي إلى هذه المؤامرة في مؤتمر صحافي عقده يوم الاثنين 29 ديسمبر2014 بحضور الف صحافي، وتوقع ان يخرج الاقتصاد الروسي من أزمته في غضون عامين، وهذا ما حدث فعلا وبأسرع مما توقع قائد الكرملين.

 

السبب الرئيسي

شهر نوفمبر 2015 وخلال ندوة نظمها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات حول موضوع "تداعيات انخفاض أسعار النفط على الدول المصدرة". طرح ممدوح سلامة، خبير الطاقة الدولي واستشاري لدى البنك الدولي، فكرة المؤامرة كسبب رئيسي وراء تحركات أسعار النفط في الأسواق العالمية، حيث قال إن هناك تحالفا ضم أمريكا ودولا أحرى لخفض أسعار النفط بهدف ضرب كل من روسيا وايران اقتصاديا. وأكد أن هذا التحالف ليس وليد اليوم، بل تكرر مرات وفي سنوات سابقة، وضرب مثالاً بعام 1973 حين تم خلق تحالف البترودولار، وعام 1980 حين أغرقت الأسواق بالنفط.

واشار ممدوح سلامة إلى تداعيات الانخفاضات المتتالية في أسعار النفط منذ منتصف عام 2014 على الدول المصدرة التي تعتمد اقتصاديتها على الإيرادات النفطية، وانعكاس تراجع هذه الإيرادات على البرامج والخطط للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وشبكات الدعم الاجتماعي، ومدى قدرات هذه الدول على توفير الخدمات، ومدى تأثيرها في تحريض احتجاجات اجتماعية في بعض هذه الدول.

ممدوح سلامة، أكد بأن هناك أسبابا اقتصادية وراء تراجع أسعار النفط منذ منتصف عام 2014، منها تخمة المعروض وتباطؤ الاقتصاد العالمي، إلا أنها ليست الأساس فقد كانت هناك المؤامرة في تحركات أسعار النفط.

 

ركائز الأمن القومي الأمريكي

كتب المستشار في شؤون النفط والباحث الدكتور عبد الحي زلوم تحليلا عن صراعات سوق النفط جاء فيه:

جاء في دراسة لكلية الدراسات العليا للإدارة في جامعة هارفارد: "السيطرة على سعر النفط وكمية انتاجه هما من ركائز الأمن القومي الأمريكي. جاء في "دراسة "لوزارة الطاقة الأمريكية وجهته الى وزارة الخارجية في 24/10/1984 "سياستنا يجب أن تنحوا نحو هبوط أسعار النفط 30-40 بالمئة وذلك لمعافاة الاقتصاد الأمريكي.وفي برقية عاجلة من وزارة الخارجية الى سفارتها في لندن مشفّرَة سري جداً جاء فيها إن:وزير الخارجية مهتم جداً بدراسة سريعة عن تأثير هبوط كبير في اسعار البترول. كان ذلك في البرقية رقم 081715 المرسلة في شهر مارس 1985.

هبطت الاسعار من معدل 26 دولار للبرميل في شتاء 1985 الى اقل من (10) دولار للبرميل 1986. تماماً كاليوم كان هذا التخفيض لتحفيز الاقتصاد الأمريكي والي إنهاك الاتحاد السوفيتي الذي كان يحارب في أفغانستان.

من الرابح ومن الخاسر في هذه المعمعة؟

الرابح الأكبر هي الولايات المتحدة و الخاسر الأكبر هي الدول المنتجة للنفط خصوصاً الدول العربية في الخليج العربي.

النتائج السياسية والاقتصادية لزلزال الأسعار، هبوط الاسعار بهذا الشكل الزلزالي يهدف الى زلزلة اقتصاد أعداء الولايات المتحدة وهم روسيا وفنزويلا وايران، لكن الطرف المستهدف أساسا هو الاقتصاد الروسي وبالتالي ما ينتج عنه من زلزال سياسي.

الاقتصاد العالمي والأمريكي لم يشفى لتاريخه من الأزمة المالية لسنة 2008 ونتائجها، وهناك تباطئ اقتصادي في أوروبا وحتى في الصين، هبوط الأسعار يساعد على تحفيز تلك الاقتصادات والخاسر الأكبر هنا هم الدول المنتجة.

كانت نتيجة تدهور الأسعار أن خسر حزب شافيز الانتخابات في 6/12/2015 ووصل الى السلطة معارضوه والذين صرحوا بنيتهم شطب اصلاحات شافيز. كان التقدير إن يحدث زلزال السعر الشيء نفسه في روسيا.

تم اختيار سعر 50 دولار في البداية بإعتبار أن أكثر انواع الانتاج غير التقليدي "زيت صخري، زيت رملي، زيت ثقيل، اعالي البحار" يمكن له البقاء والاستمرار على ذلك السعر. المفاجئة كانت بصمود وتكييف الاقتصاد الروسي على ذلك الزلزال، بعد انهيار الروبل. ومما زاد الطين بله العقوبات المروضة على روسيا بعد ازمة اوكرانيا والتي اوقفت امكانية اللجوء المؤقت للشبكة المالية العالمية. تم اختيار توقيت ضربة عملة الروبل الروسية في ديسمبر 2014 حيث كان على روسيا دين خارجي ذلك الشهر 70 مليار دولار وحوالي 40 مليار دولار في الشهر الذي يليه. تصرف البنك المركزي الروسي بشكل استوعب الضربة التي كان يؤمل أن تكون الضربة القاضية، وتكيف الاقتصاد الروسي الى حد كبير وبأقل الخسائر الممكنة.

المحافظون الجدد الذين يحاولون إدارة العالم عبر اذرع الولايات المتحدة العسكرية والمخابراتية أصيبوا بصدمة صمود روسيا وكان عليهم استئناف حربهم تلك.

قامت المؤسسات الأمريكية الحكومية والخاصة بدراسة الخطوة اللازمة لتركيع روسيا. في دراسة أجرتها "مؤسسة بلوم بيرغ" كانت النتيجة أن 15 من أصل 27 تم سؤالهم عن سعر النفط الذي سيزلزل الاقتصاد الروسي فكانت إجابتهم أن سعر "الزلزال هو 30 دولار للبرميل وأن روسيا غير مستعدة ولا مؤهلة لاحتمال هذه الصدمة الثانية. اعتقد هؤلاء أن هذا السعر سوف يهز النظام المالي والبنكي وسوف يعرض الروبل الى هبوط حاد آخر. وهكذا قررت أمريكا هبوط الأسعار إلى 30 دولارا.

صرح وزير المالية الروسي في 25/11/2015 أن روسيا تأقلمت مع هبوط الأسعار وأن هبوط حتى 40 دولار لن يؤثر كثيرا على روسيا، البنك المركزي الروسي قام بدراسة نتائج سعر أقل من 40 دولار فخرج بنتيجة ان الاقتصاد الروسي سوف يتقلص بمقدار 3 في المئة وان أسعار السلع ستزيد حوالي 7 في المئة. كما تم تدمير الاتحاد السوفيتي بهبوط اسعار النفط الى اقل من 10 دولار وحرب ثقيلة في أفغانستان، كان أمل القابضين على السلطة في العالم الرأسمالي إعادة التاريخ مرة ثانية لسقوط نظام بوتين عن طريق ضرب الاقتصاد الروسي وحروب استنزاف أينما أمكن.

Omar_najib2003@yahoo.fr

شبكة البصرة

الجمعة 25 محرم 1440 / 5 تشرين الاول 2018

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط