بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المعارضة الموضوعية والمعارضة العدمية

شبكة البصرة

الدكتور غالب الفريجات

في السياسة ليس هناك معارضة دائمة، فالمعارضة تهدف لتغييرالواقع وتحسينه الى الأفضل، وفي النضال السياسي الذي يؤمن باسلوب التغيير السلمي الديمقراطي، بعيدا عن العنف والقتل والتدمير وتشريد المواطنين من بيوتهم، فان الخطوات السياسية يحكم عليها بالقدر الذي يخدم الهدف النضالي، فان كانت خطوات ايجابية لا يعيب المعارضة تأييدها وتشجيع الذين قاموا بها، لأنها واحدة من الخطوات التي لابد منها لخطوات ايجابية قادمة، فعلى سبيل المثال ما ورد في اتفاقية وادي عربة بين الأردن والكيان الصهيوني فيما يتعلق بالملاحق الخاصة بالأراضي الأردنية " الباقورة والغمر "، فاتخاذ قرار بالغاء الملاحق الخاصة بالأرض الأردنية، يجب أن ينظر اليه بالايجابية، لانه قد يكون الأردن قد وافق عليها لأسباب وظروف ليس باستطاعته في حينها رفض الموافقة والسير في اتفاقية وادي عربة، والاتفاقية قانون قد تم اتخاذه ضمن ظروفه، وقد جاء الوقت للخلاص من هذه الملاحق بسبب تغير الظروف التي حكمتنا في السابق، وما جاء في الملاحق محكوم بزمن حان الوقت أن يتم اتخاذ القرار بما يعيد الحق الى نصابه.

قرار المطالبة بالغاء الملاحق جاء استجابة لمطالب شعبية اعلن عنها في العديد من المهرجانات الجماهيرية، والمطالب الحزبية والنقابية والنيابية، وبالتالي فهو قرار قد انسجم مع الخط الوطني الذي تناضل في سبيله كل القوى في الساحة الوطنية، وقد اعلن العديد من هذه القوى تأييدها لهذا القرار واعتبرته خطوة ايجابية، وهو ما ينسجم ومفهوم المعارضة الموضوعية التي تثمن كل خطوة ايجابية.

اذا كنا قد قبلنا العمل فوق الارض وفي ضوء قانون الاحزاب السياسية، وأمنا بالديمقراطية والوصول بكامل حقوق الشعب عن طريق التغيير السلمي الديمقراطي، فان واجبنا أن نؤيد اي خطوة ايجابية، وان كانت لنا أراء غير ذلك وبمعنى عدم الاعتراف بها أو تأييدها، فان ذلك مؤشر على أننا لم ننتقل بعد الى مفهوم التغيير السلمي الديمقراطي.

من يرفض الاعتراف بايجابية الخطوة الايجابية بشكل أو أخر هو ما نطلق عليه المعارضة العدمية، وهو من يرفض اي تقدم في مسيرة الحكم باتجاه التقائه مع المطالب الشعبية، وهو من يتبنى القول المأثور يا كله يا اكسر مخه، وهو غير مقبول في النضال السلمي الديمقراطي الذي ارتضينا أن نعمل في سياقه.

 

البعض يعلن كما يلي:

" لننتظر أن يتبع ذلك الخروج نهائيا من اتفاقية العار وكل ما سبق من معاهدات واتفاقيات وتفاهمات سابقة مع أعداء الوطن والأمة العربية "، هذا البعض ممن نطلق عليه بالمعارضة العدمية، فهو يصر على رفض ايجابية الخطوة رغم أنه ينتسب لحزب سياسي يعمل ضمن القانون، ويمارس دوره السياسي والجماهيري على اعتبار أنه طلق العمل الحزبي الذي يؤمن بالتغيير الشامل، فقد تحول نضاله من المطالبة بالتغيير الشامل الى العمل الحزبي العلني في ظل الدستور والقانون، ولكنه لم يغير مفهومه وما زال يسكن مفاهيمه النضالية التي طلقها.

من يمارس دوره السياسي على الارض في ضوء الدستور والقانون عليه أن يناضل عن طريق الخطوة خطوة، في كل مرحلة يتمكن فيها من انتزاع الحقوق لصالح الجماهير، ومن خلال التراكمات النضالية يستطيع أن يحقق المطالب الجماهيرية المشروعة.

هناك بعض من الناس من لا يفهم دور المعارضة السلمية، فمن يطالب بالتغيير الشامل بعيد كل البعد عن فهم الواقع، خاصة وأنه قد فشل في تحقيق التغيير الشامل عندما مارس العمل تحت الارض، وبالتالي لجأت أحزابنا للعمل السياسي العلني يحكمها دستور وقانون، فهؤلاء ممن يعارضون لذات المعارضة، وهم ما يطلق عليهم بالمعارضة العدمية الذين لا يعترفون بأي خطوة ايجابية من الطرف الاخر.

المعارضة العدمية ليست سياسة، بل هي تتعارض مع العمل السياسي الذي يؤمن بالتغيير السلمي الديمقراطي، هذا النوع من الناس تجده في المهرجانات الجماهيرية يطالب بالغاء الملاحق الخاصة بالاراضي الاردنية المحتلة، وعندما يستجيب النظام لهذه المطالب الجماهيرية تجده يخاف من أن يعلن تاييده لهذه الخطوة والتي لابد منها حتى تصل تحقيق تجريد اتفاقية وادي عربة من محتواها بالكامل.

عالم اليوم لايستقيم ولا يقبل التغيير بالعنف، واصبح النضال الجماهيري الوسيلة العملية للتغيير، فهو لا يقوم على القتل والتدمير والتشريد كما حصل في دولنا العربية، العراق، سوريا، وليبيا، واليمن، فانظروا الفارق بين الواقع في تونس ومصر، وبين الواقع في هذه الدول، فقد خسرنا عن طريق العنف الدولة والمجتمع والثروة، وفي النضال السلمي حافظنا على الاوطان والمواطنين وثروات الشعوب، فبأي طريق نسير يا سادة، العنف فقط مع الاحتلال، ومن جاء على دبابة الاحتلال كما حصل في العراق، فمن يحتل ارضي لا سبيل امامي الا مقاومته بشتى الوسائل، ولكن في خلافاتنا في داخل اوطاننا وحتى مع السلطات القائمة لابد من ان نكون معارضة موضوعية، ولا نرفض اي خطوة على الطريق الصحيح.

ما أود التأكيد عليه أن البعض منا ما زال يعيش في تلابيب أبيه، فقد مارس العمل السياسي بطرق ووسائل ثبت فشلها، وحق طبيعي له أن يجدد نضاله باسلوب أفضل، ولكن أن يبقى يمارس دوره السياسي بوسيلتين ونهجين مختلفين فهو اما جهل في العمل السياسي، واما أنه ما زال محكوما بثقافته الحزبية التي لم تحقق الحد الادنى من الاهداف التي كان ومازال يناضل من أجلها.

شبكة البصرة

الاثنين 12 صفر 1440 / 22 تشرين الاول 2018

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط