بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

من ارشيف شبكة البصرة نشر بتاريخ 09/11/2003 في الرابط التالي:

http://www.albasrah.net/maqalat_mukhtara/saarafnot3_09112003.htm

خص الكاتب باقر الصراف شبكة البصرة باعادة نشر هذا الكتيب الذي يدل على جهد لا يستهان به والمام بقضايا وطننا وما يحيط به من مخاطر. لقد وفق الكاتب بعرض كتيبه باسلوب محبوك وشامل.

واذ تنشر شبكة البصرة هذا الجهد المشكور للكاتب ترجو من قرائها الاعزاء ان يتمعنوا به ويقرأوا اجزائه الستة التي قسمت لسهولة القراءة. نتمنى الافادة من قراءته

شبكة البصرة

العولمـة الأمريكيـة ضـد الدولـة العراقيـة

دفاتر الأزمة السياسية العراقية والاِحتلال العسكري الأمريكي

الدفتر الثاني/ الجزء الثالث

شبكة البصرة

باقر الصراف

إذا كان كل ذلك صحيح كل الصحة، فإنَّ الأمرَ الأهم هو تبيان الحالة المعيشـية للمجتمع العـراقي الراهـنة.

الوضـع الأمني المنفلت من عقاله في العراق. الجانب الاِقتصادي. الدراسة لأبنائه التي كانت سنتهم الدراسية قد شارفت على الاِنتهاء. اِنقطاع الكهرباء الدائم، عدم تدفق المياه الصالحة للشرب للمواطنين، إعطاء المقاولات للشركات الأمريكية، وتبيان وقائع السياسة النفطية، جراء سياسة سلطة الاِحتلال وتخريبها. نعم معرفة وقائع الماضي مهمة للاِتعاظ بدروسه وليس للاِنتقام، وكشف خباياه ضروري لخدمة المســتقبل عبر تجنب تكرار أخطائه وجرائمه... ولكن -كذلك- الأهم هو معرفة الراهـن، والتدبُّر في ظروفه، والتفكير في النتائج الراهنة. قراءة لوحة التطورات الراهنة قراءةً علمية اِجتماعية مخلصة للوطن العراقي... مخلصة للمجتمع العـراقي... مخـلصـة للدولـة العـراقـيـة الواحدة وفق المفاهيم العلمية للدولة... وليس لخدمة المحتل الأجنبي. الممارسة هي التي تبرهن وتدلل، لا الأقوال. الأفعال الحقيقية هي التجلي للإخلاص، لا التصـريحات الصحفية والبيانات الأيديولوجية.

لنأخذ مثالاً من تاريخنا العراقي القريب كي نتدبر في الواقع الراهن وللاِستدلال بأحداث الماضي على مجريات الحاضر. إنه المثال الذي نستمده من تطورات الحرب العراقية ـ الإيرانية وموقف القوى السياسية منها. لقد اِندلعت الحرب العراقية ـ الإيرانية في العقد الثمانيني من القرن المنصرم وفق رؤيتين متناقضتين: إحداهما تحمِّل أسباب اِندلاعها للطرف الآخر، والأخرى ترى أسباب اِندلاعها تكمن في العنصر الذاتي. لقد توقفت تلك الحرب بتاريخ 8/8/1988 على ضوء قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة المرقم 598. في ذلك التاريخ وفي اليوم نفسه كانت الولايات المتحدة توجِّه سؤالاً محدداً للجنرال نورمان شوارتزكوف الذي سيصبح القائد العسكري العام للعدوان الأمريكي الغربي على العراق في 17/1 عام 1991 والمسمى بعاصفة الصحراء، عن الطرف الذي ينبغي مواجهته في المستقبل، كان جوابه الواضح بعد أنْ تمَ تزويده بوثائق السي آي أي؛ ووزارة الدفاع {البنتاغون}؛ والأمن القومي الأمريكي: كما يذكر هو ذلك، والذي توصل إليه في أواخر عام 1989: هو العراق، وجرى على ضوء ذلك: الإعداد لبرنامج العدوان المديد على الدولة العراقية من عدوان 1991 والحصار الشامل وغيره... التي اِنتهى بها المطاف الطويل العسـير منذ ذلك التاريخ إلى الاِحتلال العسـكري الأمريكي ــ البريطاني المباشـر في الربع الأول من عام 2003 أو بعيده بقليل.

اِندلعت الحرب العسكرية العراقية ـ الإيرانية، وشهدت تطوراتها الصـعبة مختلف المراحل، ما بين هزائم إيرانية واِنتصارات عراقية، أو العكس. حتى اِنتهت إلى تجرع الامام روح الله الخميني رحمه الله السم، وأوقفها مُرغماً، دون أنْ تسـتطيع إيران تحقيق أياً من أهدافها السياسية عن طريق الحرب العسكرية، التي تحددت حول إسقاط السلطة العراقية وإقامة نظام على الصورة الإيرانية. كان موقف القوى السياسية العراقية يتراوح بين تأييد هذا الطرف أو ذاك. ويقترح ذلك الحل أو هذا. اِلتحق البعض بالجانب الإيراني وفي خدمة رؤيته العسـكرية وجهده الحربي، من قِبل تنظيمات ذات رؤية طائفية، أو من قِبَل الطرف الكردي المسلَّح. كانت المواقف السياسية للقوى العراقية المختلفة تستخرج تحليلات ومواقف على ضوء تطورات الحرب طيلة تلك الفترة التي شهدت تأججاً مروعاً، وصعوداً وهبوطاً متنوعاً. ولكنْ مع توقف مدافعها عن الصراخ المسعور، خفَّ وإلى الأبد ذكرها التفصيلي، وإذا أوردها البعض فإنها تأتي من باب الدعاية السياسية أو الاِستذكار السياسي، وباتت وقائعها المكتوبة في مسـتودع الأرشـيف التاريخي، يقوم على معاينتها المؤرخون والمتابعون المدققون والسياسيون المهتَّموُّن.

 

لماذا كانت صورة الكتابة السـياسـية على هذه الشـاكلة؟!

لأنَّ صفحة هذه الحرب تحولت من الرؤية السياسية الظرفية الذي كان يقتضيها تحديد الموقف السياسي إلى الرؤية السياسية التاريخية بعناصرها المختلفة وخلفياتها المتنوعة: الجغرافية والتاريخية، زمانها ومكانها، وما تتطلبه رؤيـة هذا الطرف أو ذاك على ضوء المصالح القومية لبلده وأمنه الوطني. لذا رأينا الشــعارات السـياسـية عند أطراف المعارضة: الداخلية أو الخارجية، المستقلة عن الأجنبي أو المرتبطة التابعة له... رأينا هذه الشعارات تتغير حول أبعاد هذه الحرب، وتتطور أشكالها ومضامينها على ضوء اِحتدام المعارك ومعادلاتها السياسية، تنتقل تدريجياً من شعار إسقاط النظام وتوقف الحرب إلى شعار إيقاف إطلاق النار وإسقاط النظام، أو إجراء صلح ديموقراطي بين الطرفين المتحاربين، وكانت الحمِّيـَةُ عند أصحاب هذين الشعارين تتصاعد حيناً أو تخُّف، وتختفي ــ أو تتوارى ــ أحياناً أخر.

اليوم إذا نظرنا إلى هذه الحرب نظرة تاريخيـة موضوعية لطابع الصـراع بين الدولتين: الإيرانية والعراقيـة، العنيف أو غير العنيف، لرأينا إنَّ إيران ما زالت تحقق أهدافها السياسية الإستراتيجية على حساب العراق، منذ اِتفاقية أرضروم الأولى في عام 1823 واِتفاقية أرضروم الثانية عام 1847 ومروراً 1913 و1925 و1937 وأزمات 1961 و1967 ــ 1968، وصولاً لاِتفاقية 6/آذار عام 1975، وما تزال تتطلع للمزيد، وتبين للقاريء المنصف المدقق. إنَّ عنصر المبادأة السياسية كان بيد الإيرانيين دائماً، مباشرةً عبر الاِعتماد على القوة العسكرية الإيرانية، أو بشكل غير مباشر من خلال الاِستعانة بأصدقائـ((ـها)) في الداخل العراقي،[5].

اليوم يواجه العراق تحدياً مماثلاً. والاِنتقال من مرحلة الأزمة السياسية الداخلية العراقية إلى مرحلة الأزمة السياسية العامة المفروضة بقوة الاِحتلال العسكري الأجنبي، التي لها طابعها التحليلي ومقترحات حلها التي تختلف جذرياً عما سبقها. الأزمة السياسية العامة لا تقبل الحلول السياسية الوسط. ولكن على المستوى الكتابي: النظري والسياسـي ينبغي التوقف عند الوضع الراهن، العيني المرئي المحسوس الملموس، تحديد الموقف السـياسـي منه؛ وتقديم الرؤية التحليلية حـوله؛ الفرز واضح ما بين الموقف الوطني العراقي والموقف الأجنبي المسـتعمر والعسـكري، أولاً؛ القومي العربي بأبعاده الممتدة من المشرق العربي إلى المحيط الأطلسي والغربي الخارجي الذي اِستهدفه تاريخياً منذ القرن التاسع عشر وكلَّلهُ باِتفاقية سايكس ــ بيكو ووعد بلفور، ثانياً؛ الحضاري الشرقي المسلم والصليبي الصـهيوني المتحد ضـده مـن خلال مـبـدأ صــراع الحضــارات وفـق نظــرية صـامو ئيل هانتنتغتون، ونهاية التاريخ وفق فوكو ياما، والعولمة الأمريكية المنفردة، ثالثاً.[6].

الحاضر الذي يحياه العراقيون يتطلب وقفة صريحة واضحة بعيداً عن المخاتلات السياسـية والألاعيب الدعائية. لن يتغطى الموقف السياسي الحقيقي بالتذرع: إننا قلنا وحذرنا وتظاهرنا، وبغربال القمع السياسي الصدامي الذي لا يُخفى على أحد، إذ أنَّ الوطن العراقي يخضع للاِحتلال العسكري المباشر. والعولمة الأمريكية لها أجندتها على كل الصُعًد. فالتحليل السـياسـي المحسوس... الملموس، للموقف السياسي الملموس يقول: إنَّ القوات الأمريكية ــ البريطانية تجثم بكل بشاعاتها وأسلحتها المتطورة على الأرض العراقية. ومجتمعنا العراقي في قبضة الغول العسكري الأجنبي. ويستأسد بول بريمر بقراراته الجائرة حتى على السياسيين العراقيين الحاكمين. والأزمة الأمنية والاِقتصادية والخدمية واضحة. ويشير منحى تصاعدها إلى المستقبل المظلم للدولة العراقية بما فيها الأرض والمجتمع والمؤسسات الناظمة لعملهما.

لا تتطلب رؤيتنا السياسية وتحليلنا للأزمة أيةَ فذلكات كلامية للهروب من الحاضر بالتوقف عند الماضي. تحديد الموقف السـياسـي من الاِحتلال العسكري الأجنبي هو الشـرط الأول الذي يوضح معيار وطنية أي تنظيم وحقيقة الموقف السياسي، والممارسة العملية التي تقتضي الإعداد والبناء والتهيؤ لهذا الموقف السياسي، هي معايير الحكم ومقياس التقويم، فماذا نحن -كوطنيين عراقيين- فاعلون؟!

16/6/2003

يتبع...

------------------

المراجع والهوامش

1- راجع كتابنا المعنون: العراق بين الرؤية الغربية وممارسـات المعارضة العراقية {في ضـرورات وعي الوعي الغربي}. منشــورات نداء الوطن: جريدة التيار الوطني... منبر الرؤية الوطنية. الطبعة الثانية الموسعة. أوائل العام 2001. بعد أنْ صدرت طبعتها الأولى في أيلول عام 1992.

2- راجع العدد التوثيقي من جريدة ((نداء الوطن)) حول وقائع ذلك المؤتمر والمرقم بالسـادس. المؤرخ في شباط عام 2001.

3- راجع كتابنا المعنـون: العـراق: كيف ننظـر إليه؟ ماذا ننتظـر منه؟ منشــورات نـداء الوطن، منبر الرؤية الوطني، صوت التيار الوطني. الطبعة الثانية: المزيدة والموسعة. أواسط العام 2002.

4- راجع جريدة ((نداء الوطن)) التوثيقي، العدد المذكور أعلاه.

5- راجع الكتب التالية بصدد تلك الجوانب: تاريخ العراق الحديث من نهاية حكم داوود باشا إلى نهاية حكم مدحت باشا، تأليف د. الدكتور عبد العزيز سليمان نوار، إصدار دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، 1387 ــ 1968، ص 327 ــ347. العلاقات العراقية الإيرانية خلال خمسـة قرون، تأليف سـعد الأنصاري، إصدار دار الهدى ــ لبنان، 1987. خصوصــاً المراحل التاريخية فيه. راجع كتابنا المعنون الأمة العربية: ماضياً... حاضراً، المواقف السياسية على ضوء مستقبل أجزائها. منشورات جريدة ((نداء الوطن)) منبر الرؤية الوطنية... صوت التيار الوطني. الطبعة الثانية: مزيدة ومنقحة. أواسط شباط عام 2002. وغيرها من الكتب التي لها علاقة بالخلافات بين البلدين المتجاورين.

6- صـدام الحضـارات. تأليف عدد من الكتّاب، من بينهم صـاموئيل هانتنغتون، وجين كيركباترك، حسن الترابي، ومحجوب عمر. إصدار شؤون الأوسط، مركز الدراسات الاِستراتيجية والبحوث والتوثيق. بيروت ـ لبنان. عام 1995.

7- سـيلي دراستنا هذه التي تعَّد رداً على كلِّ المتطاولين باِسـم الكتابة السياسية والفكرية دون اِستيعاب دروس التجربة التاريخية... دروس تجربتنا الوطنية العراقية والقومية العربية وكل تجارب العالم غير الشمالي: الأوروبي الرأسمالي، دراسة خاصة حول تصرف بعض مسؤولي وزارة الخارجية الأمريكية الذي كشف عن مبلغ المساعدات المالية التي قدمتها أمريكا لبعض العراقيين، وقد كنا أنجزناها بالمناسبة تلك، ولم تتوفر المناسبة لنشرها آنذاك، بغية التعلم من تجربة البعض الذين اِرتأوا الاِعتماد على العنصر الأجنبي في التغيير.

ملاحظة: لقد اِعتمدنا هذه المقالة كمقدمة للكتيب الحالي الذي يوضح وجهة نظرنا الكاملة حول المستقبل العراقي في ظل الصراعات العالمية التي يرسم محددتها القطب العالمي الجديد: الولايات المتحدة الأمريكية على المستوى العالمي كله، وتتميز منطقتنا عن هذا العالم بوجود كيان الاِغتصاب الصهيوني الذي يعد الشريك الرئيس للرؤية الأيديولوجية في تحديد التوجهات السياسية المستقبلية للمنطقة العربية. ملاحظة اِقتضتها الضرورة. أما الإشارة لقضية الرشاوى الأمريكية التي نشرناها لاحقاً فلا تدخل في نطاق هذه المقدمة.

شبكة البصرة

الاثنين 5 صفر 1440 / 15 تشرين الاول 2018

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط