بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

من ارشيف شبكة البصرة نشر بتاريخ 09/11/2003 في الرابط التالي:

http://www.albasrah.net/maqalat_mukhtara/saarafnot4_09112003.htm

خص الكاتب باقر الصراف شبكة البصرة باعادة نشر هذا الكتيب الذي يدل على جهد لا يستهان به والمام بقضايا وطننا وما يحيط به من مخاطر. لقد وفق الكاتب بعرض كتيبه باسلوب محبوك وشامل.

واذ تنشر شبكة البصرة هذا الجهد المشكور للكاتب ترجو من قرائها الاعزاء ان يتمعنوا به ويقرأوا اجزائه الستة التي قسمت لسهولة القراءة. نتمنى الافادة من قراءته

شبكة البصرة

العولمـة الأمريكيـة ضـد الدولـة العراقيـة

دفاتر الأزمة السياسية العراقية والاِحتلال العسكري الأمريكي

الدفتر الثاني/ الجزء الرابع

شبكة البصرة

باقر الصراف

العراق المستقبلي في رؤية البعض العراقي

السادة في موقع (كتابات) المحترمون:

أشكركم على دعوتكم الرقيقة للمساهمة في إعطاء وجهة نظر سياسية محددة تجاه التطورات المحتملة في ((العراق المقبل)) التي وصـلني التكليف للكتابة عنها في إطـار ((محور كتابات الجديد)). وقد رأيتُ ـ فيما رأيت ـ إنَّ السادة المشرفين قد حددوا نمط المساهمة الفكرية على أساس ((عودة العراق إلى أهله)) وبالتالي بدء مرحلة ((جديدة)) من ((عهده)) المستقبلي الذي سيحقق له ((الحرية والرفاهية لأبنائه: [دون تحديد لمفهوم الرفاهية الذي يرتبط بالقاعدة الإِنتاجية كما أرى])) بالاِعتماد على ((طاقاته البشرية، وثرواته الطبيعية)). وهو ما لا أتفق وإياه.

أما كلام التقويم التاريخي الذي حملته الرسالة الموجهة لي، والذي تضمَّن مشاعر ((الفرح الغامر بالاِحتلال)) باِعتباره أعاد ((العراق إلى أهله)) والتعميم المساوي بين الموقفين الرسمي والشعبي العربيين تجاه الوضع في العراق، لا سيما حول المقابر الجماعية، وطوال أربعة عقود ((اِكتوى بنارها كله من أقصاه إلى أقصاه!!! وسـط صمت عالمي وعربي مريب، سـاهم في اِستمرار تلك المعاناة، والمأساة!))... أما تلك الرؤية التقويمية الخاصة فقد دفعتني للتساؤل الجاد والعميق عما إذا كان الذين صاغوا تلك العبارات وسجلوا تلك الإستنتاجات يدركون ما هو حاصل للعراق الحالي؟ أم لا، أي غابت عنهم النظرة التاريخية! من جهة أولى. وما هي المعاني التي تنطوي عليه مفاهيم الإِمبراطورية الأمريكية في عصر قطبيتها الواحدة، ودور رأسمال الشركات الخاص التي تهيمن عليها، والمحددات الربحية للجالسين أمام شاشات أجهزة الكومبيوتر لتكوين القرارات السـياسـية والعسكرية وبالتالي: إصدارها وتسويقها. من جهة أخرى.

عليَ القول قبل تناول الموضوع بشيء من الاِستفاضة، إنَّ هناك اِختلافاً كبيراً ساد في بعض المراحل بين الموقفين الشعبيين تجاه الحرب بين العراق وإيران والعدوان الأمريكي ضد العراق، فقد كان التضامن الشعبي العربي ـ مثلاً ـ مع المعارضة العراقية خلال السنوات الأولى من الحرب العراقية ـ الإيرانية واضحاً. ولم يتغير الموقف الشعبي العربي إلاّ بعد أنْ أسفرَ القادة الإيرانيون بعد تحريرهم لأرضهم الوطنية عن تصوراتهم السياسية لإقامة نظام مشابه لأيديولوجية سلطتهم الطائفية القائمة في إيران وفرضها على العراق، فاِبتعدَ الموقف الشعبي العربي عن النظرة الإيرانية التي عبرَّت عنها السلطة القائمة فيها، ولكنه لم يقترب من النظرة العراقية التي مثلها البعض العراقي: السـلطة السياسية. وكانت المعارضة العراقية في تلك الفترة تلقى الدعم العربي ـ المادي والمعنوي ـ من سوريا وليبيا وغالبية فصائل الثورة الفلسطينية، وشهدت كل أحزابهم ومنظماتهم الدعم غير المسـبوق من لدن الفصائل العربية كلها إلاّ ما ندر. كانت السلطة العراقية معزولةً عزلةً شعبيةً واضحةً في تلك الفترة.

ولكن الأمور التضامنية مع الحركة الوطنية العراقية المعارضة، على المستوى العربي، تغيرت تغييراً جذرياً مع دخول العامل الأمريكي العدواني على الوضع السياسي في العراق، هذا العامل الذي له شواهد مريرة في الذاكرة القومية العربية والحضارية الإِسـلامية، وأبدى المجموع القومي العربي ـ عبر منظماته وجماهيره ـ اِحتقاراً معلناً وواسعاً للذين يرتشون الدولارات من الإدارة الأمريكية وأجهزة الـ((C I A)) ويعملون على ضوء تعليماتها ويرددون أكاذيبها حول أسلحة الدمار الشامل، مثلاً. ولا أعتقد إنَّ إنسـاناً عراقياً صادقاً مع نفسه، مناضلاً حقّاً ومستقيماً جاداً، يطرح رؤية نظرية حقيقية: فكرية وسياسية لصالح شعبه، يحترم المرتشين ـ ناهيك عن الخونة لوطنهم وشـعبهم ـ أياً كانت صفاتهم ونعوت مواقعهم القيادية وتاريخهم الشخصي، مرتشون يتعاونون مع الجهات التي ألحقت ضرراً واسعاً بالشعب العراقي وألحقت الموت بأطفاله وشيوخه ونسائه، والدمار ببنيته التحتية كلها. أيَ أنْ يستسيغ مناضل مستقيم ضحى طوال حياته تقديم الاِحترام لـ((أحد العراقيين أو البعض منهم)) ممنْ يتاجر بالقيم التي ضحى من أجلها المكافحون الأحياء منهم أو الشهداء الأماجـد؟

كانت الجماهير العربية وقواها المناضلة ومفكروها المخلصون يدركون جيداً إنَّ السياسة هي تجسيد لعلاقات موضوعية بين الأطراف المتصارعة كلها ويستطيع الأقوى اِستثمارها كلِّياً لصالح توجهاته الإِسـتراتيجية. وعواطف الضحايا الأبرياء لن تحدد مواصفات الأقوى ورغباته الربحية وأهدافه السياسية، ومصالح مؤسساته وشركاته العملاقة. عليَ إبداء هذه الملاحظة قبل تناول ما هو مطلوب درءاً لكل تصور غير صحيح ـ وفق ما أرى ـ عن التساوي بين الموقفين الشعبي والرسمي العربيين تجاه ((مأساة العراق ومعاناته)).

من جهتي لا أتفق مع هذا التقييم المتفائل بالمستقبل العراقي، وأرى إنَّ الترويج حول ذلك ((المستقبل الحالم)) هو عملٌ ـ في أحسـن حالاته ـ من قبيل نشر الأوهام الضارة جداً، وللتشويش على بلورة وعي نقدي تاريخي مبادر، يصطفي الجوهري من الظواهر والأساسي من التطورات، ويحاول مخلصاً جادَّاً صادقاً تلمس آفاق المسـتقبل لصالح الشعب العراقي، بغض النظر عن آلام الماضي القاتم، منطلقاً في رسم تصوراته المستقبلية من ضمير وطني وقومي وإنساني.

فالاِحتلال الأجنبي هو اِحتلال في أي مكان وكل زمان، وووجِـه بالمقاومة المسلحة وغير المسلحة دائماً مهما طالت فترة المراوحة. فالأمريكيون الغزاة لم يأتـوا لغزو واِحتلال العراق إلاّ في سـبيل مصالحهم الإستراتيجية، ولخدمة حليفهم الأساسي في المنطقة العربية: كيان الاِغتصاب الصهيوني. لتلك الأسباب جيشّوا حركة العالم السياسية الرسمية ضد دولتنا العراقية. وحشـدُّوا الآلة العسكرية المتطورة ضد شعبنا. طالما اِسـتطاعوا الوصول إلى هدفهم السياسي، بغض النظر عن الوسائل المستخدمة: كاذبها وصادقها، مداهنها وعنيفها، عن طريق تقديم الرشاوى أو جرَّاء الولاء المقصود أو الموضوعي.

ولم ينطـوِ تحركهم السياسي ونشاطهم الدعائي وعملهم العسكري الذي تمحور على الإعداد للسطو والغزو والاِحتلال على أية نزعة إنسانية أسهمت في خلاصنا من الديكتاتورية السياسية لصالح شعب مظلوم، فتلك نظرة سياسية سـاذجة وفق ما أرى، تتصور إنَّ الجيش الأمريكي ـ البريطاني هو جيش للرحمة والرأفة وأداء القيم الإنسانية، بينما تقول وثائقهم بالذات إنَّ المهمة الأساسية له هو إبادة الخصم. فأول ما يتعلمه العسكري في الجيوش الغربية إنه اِمتهنَّ القتل، والتقنية العسكرية للإبادة الجَماعية هم الذي اِكتشفوها وهم الذين اِستخدموها أيضاً. وقنبلتا هيروشيما ونكازاكي النوويتان ـ مثلاً ـ تشهدان على ذلك في اليابان. والمثال الفيتنامي الذي قدَّم شعبها التضحية البالغة ثلاثة ملايين إنسان جراء القصف من الجو غالباً... مثال مضاف أيضاً على نزعة الشر الأمريكية.

أما الحديث عن المقابر الجماعية التي تكشف للعالم ((هول المأساة والمعاناة باِسم فضيحة القرن والجريمة المفزعة التي يندى لها جبين الإنسانية جمعاء)) ـ كما جاء في رسالة التكليف ـ والتي قال عنها غارنر إنَّ الرقم النهائي لأرقامها قد يبلغ عدده المليون إنسان، وتحدث السـيد هادي المدرسي ممثل ما يُسمى بمنظمة العمل الإسلامي عشية رحلته للعراق في قناة ((سحر)) الإِيرانية عن وصول عددها الأربعة ملايين ضحية، وغيرهما الكثير، فهي جزء من مأساة عامة شهدها وطننا العراقي طوال الخمسين عاماً الماضية، منذ ثورة 14 تموز 1958، ينبغي قراءتها على ضوء الحقائق التالية، إذا أردنا خدمة مسـتقبلنا العراقي، مجتمعنا العراقي، والنضال من أجل وحدتهما في إطار مؤسسة تخدم المجموع الوطني العراقي، وعلى ضوء الجواب الملموس على الأسئلة التالية:

1 ـ لماذا تفاقم القمع كلما صارت الأحزاب أكثر ((شـعبية)) على مسـتوى التنظيم، أي إنها اِكتنـزت عدداً هائلاً من الأفراد المهتَّمين بالشؤون العامة واِكتسبت فيضاً جماهيرياً واسعاً؟ ففي عام 1958 ـ 1959 اِنتشرت خلايا الحزب الشيوعي العراقي في أغلب الساحات العراقية، فسادَت عمليات الاِضطهاد والملاحقة والسجن والسحل والإِعدام. وعندما أنشأ حزب البعث العربي الاِشتراكي في عام 1963 الحرسَ القوميَ تعممت السجون والتعذيب والقمع والقتل. وعندما ضعفت السلطة في عهد الأخوين عبد السلام عارف وعبد الرحمن عارف اِنتشر التقاتل بين الأحزاب العراقية بعضها ضد البعض الآخر: عربييها وكردييها، من ناحية. وشهد بعض العشائر العراقية التقاتل والاِجتياحات، من ناحية أخرى. وبرزت ظاهرة الشقاوات والخاوّات والسـلب والنهب، من ناحية ثالثة. وتسيدَ منتسبو بعض المدن على كل المجتمع العراقي، من ناحية رابعة. وعندما جاء حزب البعث إلى السلطة، مرة ثانية، واِستمر في الحكم 35 عاماً وحزَّب الناس العراقيين كلهم، وعبر قسـر أغلبهم، وكذلك كلَ مَـنْ يقع تحت قبضة حكمهم المباشـر، اِنتشـر الموت إِعداماً وتعذيباً بحق أبناء المجتمع، خامساً وأخيراً؟

أنفتقد للوعي السـياسـي التاريخي حول ما هو مطلوب على المستويين الحياتي والسياسي للعراق في مسألة إدارة الوضع السياسي الداخلي؟!

2ـ مفهوم ((الحرب الأهلية)) ومدى تسـبُّبه في نشر الموت بين أبناء المجتمع والدمار للمنجز العراقي المادي وتعويقه للممكن على صعيد التنمية المادية والاِجتماعية، لقد تجسَّد ((المفهوم)) في الواقع العراقي عبر ((الثورة)) الكردية التي كانت تقيم بعض قياداتها علاقات سياسية في خدمة الأجنبي: الإيراني الشـاهنشاهي والإسرائيلي الصهيوني، خلال المرحلة المؤرخة بين 1961 ـ 1975. و((اِنتفاضة)) عام 1991 التي نشهد فصولاً مأساوية وكارثية على صعيد بعض نتائجها في الوقت الراهن: المقابر الجماعية. وإذا كانت بعض ((أحزاب المعارضة العراقية ومنظماتها)) رأت في الاِنتقام وسيلتها لاِسترداد ((حقها)) من كل العراقيين المضادين لـ((رؤيتها السياسية)). فإنَّ الواجب المناط بالمسـؤولين الحكوميين كان يقتضي التصرف وفق مسؤولية السلطة المادية والمعنوية المسيطرة على الدولة... كان على السلطة الرسمية إنشاء المحاكم القانونية النزيهة للمحاسبة، وإصدار الأحكام القانونية وفق التهم العينية الثابتة، لا الإعدام العشوائي والتستر على الجرائم.

مَنْ الذي نفَّذ أحكام الإعدام الجماعي؟ أليست المؤسسات الأمنية و((الأتباع)) الذين أُعطيت صلاحيات الإعدام لهم؟ أليس هؤلاء هم عراقيون أيضاً؟ فكم من الضحايا البريئة ذهبت جراء الصراعات السـياسـية غير الموضوعية، التي تصُّر على اِجتثاث ((أعدائها)) من الجذور؟ وكم من الضحايا ((نتطلع)) لبلوغ أرقامها؟ في حالة غياب الوعي الفكري والسياسي عن شروط الحياة وأهميتها وضروراتها لدى الحاكمين والمحكومين وبقاء الإِيمان الأيديولوجي وحده هو مَـنْ يحدد المواقف السياسية.

3ـ ما هو الحل لهذه المعضلة؟ أيكمن الحل بالاِنتقام ((من أُختها على يد أختها)) كما يذهب المثل العراقي إلى ذلك: والمتداول في المجتمع العراقي؟ أم يصـبِح القانون والمحاكم هما سـيدا الموقف؟ ومَنْ يطبق القانون ويعقد المحاكم؟ لا بد من توافقات وطنية حول الحل السـياسـي الذي يرضي المجموع ويرتضيه، وليس الذي يقرره الجميع بالتأكيد، فإرضاء الأخيرين غاية لا تدرك. وحتى المحتلون ـ الذين هم غير شرعيين أبداً وفق كل المعايير السياسية الموضوعية، ما عدا معايير مجلس الأمن الأمريكي التي تسوق إرادته الولايات المتحدة الأمريكية ـ وضعوا نُظم قانونية ملزِمة للمُحتَليِّن على مَـنْ يحرِض على العنف والمقاومة.

يتحمل الواعون من أبناء المجتمع: سواء أكانوا مجتهدين وعلماء منهم، أو مفكرين في الأحزاب العراقية، مهمة التصدي لتحمل أعباء الحل المُقترَح والتبشير بنهج معين قائم على الإدراك المعرفي والضرورة الوطنية بهدف اِجتياز وعورة هذه المرحلة الحرجة على مستوى الذات الاِجتماعية العراقية.

4 ـ لابد من سيادة عقلية التسامح والعفو عند المقدرة والتسامي على الأحزان والعض على الجُرح... عقلية ((الكاظمين الغيظ والعافِّين عن الناس))... عقلية اِذهبوا فأنتم الطلقاء المحمدية، الذي أُرسل {ص}رحمة للناس وهدى للكائنات. إنَّ نكء الجراح من قبل العراقيين المخلصين ـ لا الأمريكيين ومرتزقتهم الذين يلوكون الكلمات الدعائية للأمريكيين/البريطانيين ولا يتحدثون عن العراق الراهن ـ يزيد الأحقاد ويوجه العمل نحو الأنا التي يتألم الجميع منها ويرفضـها بالقول والكلام... وهذه القيم التي تنتظـم الحل المطلوب ـ من وجهة نظري ـ لمستقبل وطني عراقي في كل خطواتها العملية، تنسجم مع الحرص على المُثُل الحضارية التي اِنتظمت مسار تاريخ شعبنا منذ خمسة عشر قرناً.

هل يعني ذلك ترك المجرمين طلقاء ومن دون حساب أو عقاب؟ كلا، ولكن لا بد من المحاسبة القانونية، وإطلاق المحاكم رأيها تجاه البعض. ولا بد من إفساح المجال للمجموع ((المُتهَم)) لكي يدلوا برأيهم ويدافعوا عن أنفسهم. والاِغتيالات العشوائية ترفضها جميع القيم الحضارية الحديثة والدينية، ناهيك عن قوى مجتمعنا العراقي، من جهة، وحتى نميز المضطَهَدين عن المُضطَهِّدِين في الرؤية النظرية والممارسة والعمل، من جهة أخرى. لا بد من التعويضات العادلة التي تسُدُ أثمان بعض الحيف الذي لحق بالمواطنين.

 

العراق كيف نراه في الحاضر؟ ما الذي يتوافق عليه أبناؤه؟

والآن إلى المساهمة في المحور الذي طرحه موقع (كتابات) حول المستقبل العراقي المنشـود، وقبل باديء ذي بدء، يهمني القول: إني رأيت المهمة الراهنة والآنية، تنطوي على توصيف دقيق للواقع، قبل تحديد رؤية فكرية وسياسية موضوعية تواكب المرحلة وتلائمها، وقبل ـ كذلك ـ طرح أية حلول منشودة، حيث سجلنا في المسـاهمة المنشـورة بتاريخ 16/6/2003 إنَّ مرحلة جديدة يشهدها العراق {وهي التي أدرجناها في هذا الكتاب باِعتبارها المقدمة للكتاب}، فلابد من التحليل السـياسي الملموس للموقف السياسي الملموس... قبل كل ذلك قلنا التالي:

 ((اليوم يخضع العراق للاِحتلال العسكري الأمريكي ـ البريطاني، وباتت السلطة الكلية بيد القوة الأجنبية المسـيطرة على شؤون العراق كلها، ينتج الأمريكيون في مجالات الثروة المكتنَـزة في الأرض أو تلك في بقية المواقع: الكميةَ التي يريدون منها، ويعطلون العمل في ذلك الجانب الذي يهّم الشعب، يستجلبون ذلك ((الرمز السياسي أو الطائفي)) الذي يخدم توجههم، ويفسحون الطريق لذلك المعَمَّم أو الأفندي أو الذي اِرتدى العقال واليشـماغ لدخول العراق، ومحاورته حول الشأن العراقي مباشرة أو عبر طرف ذلك، دون معايير موضوعية إلا معايير خدمتهم. يطلقون يد الفوضى لتخريب المنجز التاريخي العراقي، بغية تحويل الذاكرة العراقية إلى صفحة بيضاء يكتب عليها ما يشاؤون وفق المنظور الصهيوني. ويقومون بصياغة البرامج التربوية والتدريسية [...] التي هي مجرد رأس الجليد الغاطس في الرؤية الأمريكية)) ((الموقف السياسي المحدد يقتضي التوصيف السياسي، أولاً وقبل أي شيء)) و ((معرفة الراهن، والتدبر في ظروفه، والتفكير في النتائج الراهنة. قراءة لوحة التطورات الراهنة قراءة علمية اِجتماعية مخلصة للوطن العراقي... مخلصة للمجتمع العراقي... مخلصة للدولة العراقية ـ كما حددتها المفاهيم العلمية للدولة ـ وليس لخدمة المحتل الأجنبي)) قراءة علمية اِجتماعية ملموسة، هي المهمة الأساسية أمام المفكرين المبادرين، وليس القراءة النابعة عن قراءة أيديولوجية مقطوعة الجذور عن البعدين الزماني والمكاني.

لتوصيف العراق الراهن ماذا يمكننا القول؟ لكي نعرف الحاضر الذي يعَّد حاضنة المستقبل، ونتساءل هنا: هل الحاضنة الموضوعية للمحتلين هي التي ستنجب ((دولة الرفاهية)) و((الاِستقرار)) لأبناء العراق؟

ـ العراق محتل بالقوة العسكرية الأمريكية ـ البريطانية، بعد حصارٍ دامٍ ومديد اِستمر 12 عاماً، على كل الصُعد: السياسية والاِقتصادية والاِجتماعية والعلمية والغذائية والدوائية، وتخللتها حروبٌ ثلاثةٌ بعضها حربٌ عُظمى غير مسبوقة في التاريخ أبداً. كانت الحرب الأولى في عام 1991 قد اِسـتخدم الأمريكيون فيها اليورانيوم المنضَّب، ودمروا كل البنية التحتية والخدمية للدولة العراقية، وألحقوا بالمجتمع العراقي أضراراً فادحة عصية على التصور. بلغت أعداد الضـحايا الناجمة عن حروب الحصار والقصف قرابة المليوني مواطن عراقي. والحرب الأخيرة اِستخدم الأمريكيون عشرات الألوف من القنابل المحرمة دولياً بما فيها الاِنفلاقية المخصصة لتقطيع أجساد البشر وإعطابها أو قتلها، [ أين الطفل العراقي الذي قُطِّعت ساعداه وأُحرق بطنه وصدره؟ ذلك الطفل ذو الاِثني عشر ربيعاً الذي غيبوه بذريعـة معالجته في الكويت باِعتباره شـاهداً حيّاً على بشـاعة الجريمة المُرتكبة بحق كل العراقيين؟!!] واِسـتخدام القنابل غير المسـتعملة سابقاً التي تحيل البشر إلى مجرد هياكل عظمية فقط داخل تحصيناتهم الآلية العسكرية، وإلحاق موت جماعي غير مميز بحق المدافعين عن أرضهم... الذائدين عن وطنهم، والمقاومين للعدوانيين الغزاة، فضلاً عن كونها ستنشر أمراضاً قد نشهدها لاحقاً.

إنَّ منع المواطنين العراقيين والصحفيين العرب والأجانب من الاِقتراب من المطار لمدة تزيد عن الشهر ينبئ عن ذلك الاِستخدام. إنَّ التغطية على هذه الجريمة البشعة هو إضفاء نزعة إنسانية على أكلة لحوم البشر من العسكريين الأمريكيين والبريطانيين المتوحشين.

ـ الاِعتراف الصريح من قبل الأمريكيين والبريطانيين بأنَّ وجود قواتهم الغازية للعراق هي قوات محتلة، يبين الكثير من طبيعة هذا العدوان والغزو والاِحتلال والسطو، والغاية التي من أجلها شُـنَّ العدوان العسكري المباشر على وطن الرافدين، وذلك في العشرين من آذار في هذا العام: 2003. وكان قرار 1483 الصادر عن مجلس الأمن جماعياً ((المسوغ الشرعي)) لهذا الاِحتلال. واِجتماع الأعرَاب في الرياض هو لقراء الفاتحة على العراق المستقل ـ كما قلنا سـابقاً ـ. وشكل رضى الأعرَاب عن تمثيل بول بريمر للعراق الشطب الكلي على السيادة السياسية للعراق، وإلغاء تمثيل أبنائه لهُ، بغض النظر عن مواصفاتهم الأيديولوجية ـ كما قلنا سابقاً أيضاً ـ.

ـ من ضرورات التضليل الإِعلامي ـ الدعائي الأمريكي كان كيل الوعود المخاتلة للعراقيين، وسـوَّقت بعض الأحزاب العراقية هذه الوعود المضللة. كان تأسـيس الحكومة العراقية كوعـد مطاط لقوات الاِحتلال في البدء، وتأسيس الحكومة ينطوي على أحد عناصر الدولة، والدولة العراقية ألغاها المحتلون الأمريكيون. ومن ثم تكررت وعود تأسـيس المجلس الاِستشاري العراقي ولكن من دون ترجمة عملية، وإقامة المجلس الحاكم العراقي من دون صلاحيات أو بصلاحيات مقننة، وفق المشيئة الأمريكية. وهكذا. وكان كل ذلك نظرياً وعلى أساس الوعود المخملية. فيما تمَّ تأسيس المجالس البلدية لإِدارة المحافظات، وهو أسـلوب مستمر في الممارسة وهو شكل الحكم القادم بالتأكيد. أما الحقائق الصادقة فتقول ـ وعلى لسان أرفع مسؤوليه ـ إنَّ الاِحتلال الأمريكي ـ البريطاني قد يستمر إلى عشر سنوات في حده الأقصى وسنتين في حده الأدنى، ومن دون تحديد زمني دقيق لبقاء القوات الاِستعمارية/العولمية المحتلة في العراق، إذا لم تنبثق إرادة قتالية جماعية عراقية تترجم شعار: العراق باقٍ والاِحتلال إلى زوال.

ـ أما على الصعيد العملي فقد أُلغيَ الجيش وهو نصل الدولة وعمادها، بدلاً من إصلاحه إذا كانوا صادقين في عملهم لرفاهية العراق. وتأسيس شرطة تحافظ على أمن القوات الغازية، ولكنها شرطة ((سيامية)) فيما يتعلق بأمن المواطنين العراقيين الحياتي. وذلك يذكِّـرِنا بالبرنامج الاِستعماري البريطاني الذي جرى تطبيقه بعيد الحرب العالمية الثانية وفي أعقاب الاِحتلال البريطاني للعراق عام 1941، عندما أُنزلت أعداد الجيش العراقي إلى الثلث فضلاً عن إلحاق الخلل بنوعيته ومُنعت عنه أية أسلحة وفق قياسات ذلك الزمن، وزيدت أعداد الشرطة الرسمية والسرية إلى ثلاثة أضعاف [تعرضنا إلى ذلك بالتفصيل في الجزء الثاني من كتابنا المعنون حوار على ضوء المباديء والتاريخ بين الرؤية الوطنية ومدَّعي الموقف الوطني، الذي بحث في ((نشوء الدولة والصراع ضد البريطانيين)) ص 135 ـ 188 والصادر في أوائل عام 2002]. وتم حل وزارة الإعلام ورمي منتسبيها في مستنقع البطالة، بدلاً من توجيهها الوجهة التي تخدم المجموع الوطني، كما زعموا في معزوفاتهم الدعائية التضليلية. أما منتسـبو وزارة الخارجية العراقية {ذلك التجسيد الوظيفي لمركز الدولة السياسي الذي يمثل العلاقات السياسية للدولة ـ أية دولة ـ لدى خارج العراق} فقد أصبح حضورهم في ترجمة القرار الوطني العراقي وتمثيل العراق سياسياً في خبر كان.

ـ ماذا تعني تلك الإِجراءات التي تطرقنا لها في الفقرة السابقة، إنَّ الجواب العلمي والعملي يقول إنها إجراءات غاشمة ظالمة اِستهدفت شـطب أربعة أخماس القرن العشرين: من إنجازات التطور السياسي العراقي على صعيد تأسيس الدولة العراقية التي أنشأ مداميكها الأساسية أبطال ثورة العشـرين الوطنية التحررية جراء تضحيات ألوف الشهداء والجرحى والمناضلين. واِستمرت التضحية الشعبية من أجل دولة عادلة تتسع لمجموع المواطنين وليس لإلغائها لصالح القوات الأجنبية المعتدية الغازية المحتلة.

ـ لا بد من فهم أعمق لمعنى ومضمون الحرب الذي حدده كلاوتز فيتز على أنها ((مجرد اِستمرار للسياسة بوسائل أخرى، فالحرب، إذن، ليس مجرد عمل سياسي، بل هي كذلك أداة سياسية حقيقية، هي اِستمرار للتعامل السياسي، هي تنفيذ للسياسة بوسائل أخرى)) وتطبيق ذلك المفهوم الذي تكررت دروسه التاريخية في عشرات المواقع والمناطق، وبرهنت على صحة تلك الدروس عشرات التجارب العيانية الملموسة، على الحرب الأمريكية ضد العراق. خصوصاً وإِنَّ الكاتب الألماني العالمي العالِـم قد أكد على الدرس الختامي لكل حرب، كهدف سياسي، هو ((العمل لإرغام الخصم على تحقيق رغبة)) المنتصر. وكذلك من الضروري جداً إدراك المفهوم العلمي السياسي للدولة ـ بغض النظر عن عواطفنا تجاه هذه الظاهرة السياسية القانونية التي لم يفرز التطور الاِجتماعي أفضل منها حتى الوقت الراهن ـ التي هي التجسيد الفعلي للسلطة الموحِدة في المجتمع الذي هو ((أسـاسـاً علاقات القوة المبنية على إصدار الأوامر والنواهي)) وجميع الدول لا بد أنْ تشمل العناصر التالية: ((أ ـ شبكة متمايزة من المؤسسات والكوادر كالحكومة {السلطة التنفيذية}. والبرلمان {السلطة التشريعية إنْ وجد}. القضاء {السلطة القضائية}. أجهزة الحكم المحلي. أدوات القهر والعنف {الجيش والشرطة}... إلخ. ب ـ مركز السلطة بحيث تشِّع العلاقات السياسية منه إلى خارجه. ج ـ منطقة محددة أو إقليم يمارس فيه هذا المركز سلطته. د ـ ويمارس كذلك اِحتكاراً على إِشتراع القوانين الملزمة وسـنَّها، ويستند إلى اِحتكار اِستعمال وسائل العنف المادي {مبدأ السـيادة})) [راجع الدولة التسلطية في المشـرق العربي، للكاتب الدكتور خلدون حسن النقيب، إصدار مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت/لبنان، أيار/مايو 1991، ص22]

ـ لم تقم السلطات المحتلَّة بأي عملٍ من شأنه خدمة العراق، ولصالح شعبه على وجه التحديد، وخدمة مستقبله، فالبريطانيون اِستقلوا بالجنوب وبدءوا بممارسة سلطتهم السياسية المطلقة. والأمريكيون مارسوا السلطة في الوسط بشكل منفرد وكلي. وتركوا أتباعهم يسيِّرُون الشمال العراقي بحكم نابع من طموحات ذوي الرأسين الذين غابت عن بالهم العملي وصراخهم المستمر حول مقولات الفيدرالية والتوحيد الكردستاني وحمل الهموم السياسية للأشقاء في تركيا وإيران وسوريا. ولم تصْلِح الدولةُ الأولى في العالم على صعيد التطور التقني الأجهزةَ الإِعلامية العراقية الموحِدة للوطن والمجتمع وفق أية أسـس كانت. كما لم تصْلِح أجهزة الاِتصالات الهاتفية في أي منطقة عراقية. ولكنها حرصت على تصدير البترول إلى الأسواق الأجنبية. والترويج لهاتف ((الثريا)) وأجوره المرتفعة الثمن. ومنحت ((الأسعار المجزية)) لشركات المقاولات الأمريكية خصوصاً. الحاكم الأمريكي بول برايمر بات يتدخل في كل شأنٍّ عراقي صغير أو كبير، فهو يتصرف بدءاً من الشؤون الرياضة وحتى أوضاع كردستان ويتباحث مع قادتها، ويزور محافظة النجف ويلتقي علمائها أو لا يلتقيهم... مثلما دنَّس صحن النجف الأشرف بأقدامه الصليبية الصهيونية وزاره بفكره المستوحى من عقلية ((المحافظون الجدد والمسيحيون المتصهيونون)) وهي أيديولوجية الإدارة الأمريكية الحالية. ويجتمع بقادة الأحزاب السياسية العراقية الرئيسة ويساهم في صياغة رؤيتهم السياسية الأساسية، ويفرض الرؤية الأمريكية عليهم، وهو ((الجنرال المتخصص بمكافحة ما يُسمى بالإرهاب)) الذي سيجلب ((الحرية والديموقراطية والرفاهية)) [!!] الموعودة للعراقيين على سبيل المخادعة والمخاتلة والرياء. ومع ذلك فهناك مَنْ ينتظر دولة الرفاهية والتطور. فهل كانت الحرب العدوانية والغزو لصالح العراق، فلندقق بطبيعة العدوان وقادته والاِستراتيجية الأمريكية: القوة العالمية المتفردة التي تريد فرض رؤيتها السياسية على كل العالم وليس في العراق فقط؟ [ننشر ضمن مساهمتنا الدراسة القادمة بعد رقم {2} التي كتبناها في الشهر الرابع من هذا العام، كمقدمة لكتاب يبحث في العدوان المفروض على العراق].

ـ أين هي الطاقة البشرية التي كانت تعمل في إصلاح ما تدمره آلة العدوان الأمريكي بين فترة وأخرى؟ أين هم العلماء العراقيون الذين صرفت الدولة العراقية عليهم مليارات الدولارات؟ أين هو البرنامج العلمي الذي سُلمت وثائقه للأمم المتحدة و((تسلبطت)) عليه الولايات المتحدة من دون أي اِعتبار للقوانين الدولية؟ [وكلاهما كلَّف الدولة قرابة التسعين مليار دولار]. أين هي الثروة البشرية الواعية التي تعد عماد أي تطور في أي دولة والتي بلغ عددها الألوف؟ فقد كان لدى العراق، مثلاً، وفي ميدان معهد البحوث النووية ((سبع دوائر للبحوث هي: المفاعل، الفيزياء، الكيمياء، الهندسة وعلم القياس بالآلات، علم الأحياء، الجيولوجيا، فيزياء الصحة، وذلك بالإِضافة إلى دائرتي إنتاج النظائر الأشعة والحاسب الألكتروني)) يعمل في أقسامها مئات العلماء العراقيين. وأين العاملون في مراكز البحوث الخاصـة: بالنفط؛ والبناء؛ والموارد الطبيعية؛ والنخيل والتمور؛ والبيلوجية؛ والزراعية؛ الذين بلغت أعدادهم الألوف. [راجع كتاب العلم والسياسة العلمية في الوطن العربي، اِنطوان زحلان، مركز دراسـات الوحـدة العربيـة، بيروت/لبنان 1979، ص 88 ـ 89]... أين هذه المواقع والمراكز في زمن الاِحتلال الأمريكي ـ البريطاني، لماذا حورب العلماء العاملون بها، ولماذا جرى تخريب أغلب أقسامها، بذريعة التخصص في إِنتاج أسلحة الدمار الشامل والعمل في أقسامها؟!

ـ الدولة العراقية التي سلبها الاِحتلال كان ينبغي أنْ تدخل في إِطـار خدمة المجموع العراقي، كما يقول الفقيد الفقيه القانوني السيد حسين جميل: ((الدولة مؤسسة تخـدم كل المواطنين على حَدٍّ سواء، لا يدخل في حساب تأدية الخدمات النظر إلى أي اِختلاف بين المواطنين وفئاتهم من أيِّ نوعٍ كان الاِختلاف)) ولكن ما لا يُدرك كله على الوجه الأمثل، هل يُتجاهـل الذي تحقق منـه جراء صـيرورته المظهر الرئيس في العمل الاِجتماعي العراقي؟! هل فكَّـرَ السادة الذين يراهنون على الثروة البشرية: في الدراسة المجانية للمراحل الاِبتدائية وحتى المراحل الجامعية وأقسامها العُليا؛ وبعثات الدراسة الأجنبية؛ والتي ستتحول الجامعة ـ مثلاً ـ على يد المحتلين إلى اِتجاه خصخصة الدراسة حتماً. وهل فكَّرَ السـادة في إيصال المياه الصالحة للشـرب والطاقة الكهربائية لأغلبية القرى العراقية، ناهيك عن كل المدن؟ هل فكَّـرَ السادة في مشاريع المياه الاِروائية والنهر الثالث لغسل التربة المالحة والسدود الكثيرة ومنشآت ((إباء)) الزراعية، وحظائر التربية الحيوانية، وغير ذلك الكثير؟ هل فكَّـرَ السادة في تبليط الشوارع الدولية العريضة التي تضاهي أوتسترادات اليابان ونيويورك، كما لاحظ أحد الصحفيين اللبنانيين؟ هل فكَّـرَ السادة في الأجور المنخفضة للكهرباء والماء والمواصلات، وزهْد أسـعار الكتب والمطبوعات؟ هل فكَّر السادة في المنظومة الصحية المجّانية أو شبه المجّانية التي كانت تُقدَّم للشعب العراقي التي توسعت في سـبعينيات القرن الماضي بشـكلٍ لافت؟ أليست الدولة العراقية كانت دولة خدمات ـ بهذه الدرجة أو تلك ـ. فهل سيعيد الاِحتلال الأمريكي ـ البريطاني إنتـاج المثيل الأفضل عنها من تلك الخدمات، وإذا كانت الإِجابة عن ذلك التساؤل بالإيجاب علينا الاِستفسار: فماذا سـيربح ((السادة المحتلون)) إذن؟

وإذا كان ذلك منافياً ـ بناءً على ما تقدم من توصيف ـ للواقع المعاش فإنَّ كل ((الأحلام السياسية: أو أضغاث الأحلام في حقيقتها ـ التي سطَّرها السائلون في موقع ((كتابات)) حول ((مستقبل دولة الرفاهية)) ستكون من قبيل نشر الأوهام الضَّـارة، كما قلنا. علماً إنَّ مفهوم الرفاهية يختلف من مكان إلى آخر، فالرفاهية في الدول الغربية المتطورة، تستند إلى قاعدة إنتاجية متينة ومتكاملة على كل الصُعد، فيما يعني مفهوم الرفاهية لدى أنظمة الخليج العربي النمط الاِستهلاكي البحت السـائد لدى مجتمعاتها: الأكل والذهاب إلى التفريغ... أي تحويل البشر الخليجيين المرفهين ذوي الأعداد القليلة إلى مجرد أجهزة هضمية. ويقتصر اِهتمام قادتها السياسيين على ((الطموح الفكري)) المتمركز حول تلبية رغبات ما بين فخذيهم، من ناحية، واِسترضاء الأسياد في واشنطن بدلاً من شقاء عقولهم في الهموم الوطنية والقومية، من ناحية أخرى.

قد يتساءل أحدٌ عن النفط وإنتاجه في الخليج، فعلاوة على القول بأنَّ تلك الأنظمة والساسة المسيطرين عليها مجرد ((حرَّاس)) معتمَدون للآبار النفطية، فإنَّ كل الإنتاج هو إنتاج ريعي فقط، ولا يترك أي أثر ملموس على الفرد الخليجي المنتج، إذا كان هناك أفرادٌ منتجين. بينما العراق يمتلك قاعدة إنتاجية على صعيدي الصناعة والزراعة والإِنتاج وغيرها، بما فيها المعرفة التي هي قوَّة كما تعَـرَّف. وما نفتقده ـ كنا وما نزال ـ الديموقراطية السياسية والمشاركة في القرار السياسي، على مستوى الفرد والشـعب، وهي مناط الهدف الكفاحي للمجموع الوطني العراقي المخلص في الماضي والحاضر والمستقبل.

12/7/2003

 

الملاحظات الضرورية

ملاحظة رقم واحد: نشرنا الدراسة التالية والمعنونة: ((الغزو والعدوان سمة أساسية للسياسة الأمريكية في مرحلة عولمتها المتفردة بالوضع العالمي)) ضمن تلك المساهمة الراهنة التي اِنطوت على الإِجابة على سؤال موقع ((كتابات)) المحترم، ومن المعلوم إنَّ تلك الدراسة كنا قد كتبناها في شهر نيسان من هذا العام.

ملاحظة رقم اِثنين: المساهمة في تقديم وجهة النظر ينطلق من اِعتبار أنَّ العراق غير مخير راهناً في ظل الوضع الجديد، لذا فإنَّ المفاضلة بين نظام مبني على الاِنتماء للجامعـة العربية أو النظام الخليجي هو مجرد وهم وقع فيه البعض عن حسـن نية، ناجم بالأساس عن اِجتهاد اِنبَت معلوماته على الدعاية السياسية الغربية: الأمريكية على وجه التحديد. وأظن إنَّ النظام الشرق الأوسطي هو الإِمكانية المفتوحة أمام العراق، ذلك النظام الذي يتسيده كيان الاِغتصاب الصهيوني، راجع مساهمتنا التي نشرناها تالياً؛ في هذا الكتاب؛ لاِستكمال هذا الجواب على محور كتابات والمعنونة: بين الموضوعية والذاتية: السياسة تكمن في التشخيص والاِستنتاج... الرؤية العالمية في التحليل هي المنطلق.

ملاحظة رقم ثلاثة: نُشرت هذه المساهمة في موقع ((كتابات)) يوم 15/7/2003

يتبع...

شبكة البصرة

الاثنين 5 صفر 1440 / 15 تشرين الاول 2018

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط