بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

من ارشيف شبكة البصرة نشر بتاريخ 09/11/2003 في الرابط التالي:

http://www.albasrah.net/maqalat_mukhtara/saarafnot6_09112003.htm

خص الكاتب باقر الصراف شبكة البصرة باعادة نشر هذا الكتيب الذي يدل على جهد لا يستهان به والمام بقضايا وطننا وما يحيط به من مخاطر. لقد وفق الكاتب بعرض كتيبه باسلوب محبوك وشامل.

واذ تنشر شبكة البصرة هذا الجهد المشكور للكاتب ترجو من قرائها الاعزاء ان يتمعنوا به ويقرأوا اجزائه الستة التي قسمت لسهولة القراءة. نتمنى الافادة من قراءته

شبكة البصرة

العولمـة الأمريكيـة ضـد الدولـة العراقيـة

دفاتر الأزمة السياسية العراقية والاِحتلال العسكري الأمريكي

الدفتر الثاني/ الجزء السادس والاخير

شبكة البصرة

باقر الصراف

عليك أنْ تواجه المعارضين لسياستنا -الحاليين والمحتملين- بسياسة رادعة. وهنا فعليك أنْ تتأكد أنَّ سوريا -تحت قيادة بشار الأسد- تدرك أنَّ تشجيعها لعمليات حزب الله سـوف تسـتثير ردود فعل ضرورية تعرض سـوريا لضربات إسرائيلية موجعة. وفي هذا المجال فإنَّ عليك أيضاً إفهام بغداد بأنَّ اِقترابها أو تدخلها في الصراع العربي - الإسرائيلي لا يمكن السماح به. وأَنَّ الولايات المتحـدة ترقب محاولات العراق لتخويف واِبتزاز الأردن، كما لا يستطيع العراق أنْ ينتهز فرصة زيادة التوتر في فلسطين ويجرب القيام بعمليات تعزيز سلطته في مناطق الأكراد.

ـ عليك إِيجاد توافق دولي إقليمي على منع اِنتشار أسلحة الدمار الشامل، وليكن ذلك عن طريق التفاوض والتفتيش وغير ذلك من الوسائل الضرورية لبناء الثقة.

ـ عليك أنْ تكون متأهباً للرد بقوة على أية مخالفة، ولا بد أنْ تكون مستعداً على سبيل المثال لاِستخدام قوة عسكرية طاغية ضد العراق إذا حاول إعادة بناء ترسانته العسكرية. من الأفضل أنْ ترتب لمثل هذا الاِحتمال عن طريق الأمم المتحدة - أو عن طريق تحالف حرب الخليج السابق، وإذا اِستحال ذلك فعليك أنْ تكون جاهزاً للعمل مع عدد قليل من الأصدقاء يدركون الخطر العراقي، ويتابعون خططه في مجالات الأسلحة الكيميائية والبيلوجية والنووية.

ـ عليك تشجيع فكرة إقامة نظام دفاعي صاروخي تقوم عليه الولايات المتحدة بالشراكة مع بعض الأطراف في المنطقة، ولتكن البداية بمجموعة دول المجلس التعاون الخليجي، وبعد ذلك تنضم الأردن ومصر وتركيا، وعندما تتهيأ الظروف تنضم إسرائيل، ولذلك فمن المهم تشجيع تركيا والأردن وغيرهما من الدول الصديقة في المنطقة على اِستعمال الصاروخ أرو (الذي تنتجه إسرائيل بالتعاون مع الولايات المتحدة).[8].

ـ عليك أنْ تكون مستعداً للقيام ((بإجراءات نهائية)) ضد القوى التي تهدد المصـالح الأمريكيـة في المنطقة، وأولــهــا العراق وإيران... وسائلك إلى ذلك على النحو التالي:

1ـ عليك تشجيع التغيير في إيران وفي العراق، وعليك أنْ تلاحظ أنَّ التغيير في إيران يمكن أن يتم بوسائل سياسية، وأما التغيير في العراق فلا يمكن أنْ يتم بوسائل سياسية، ومعنى ذلك أنَّ التغيير في إيران يتم من الداخل، وأما التغيير في العراق فيقتضي دعماً من الخارج لثورة بالعنف أو انقلاب من الداخل، ولتسهيل التغيير في العراق وتقليلاً لتكاليف العنف الملازم له يستحسن إِشغال صدام حسين وتشتيت اِنتباهه على أكثر من جبهة واحدة.

 

2 ـ عليك تقدير ردود فعللك العسكري مبكراً إزاء أي تطور يحدث في العراق:

أ ـ في حالة تعرض صدام حسين للكيانات ذات الاِستقلال المحلي في المناطق الكردية شمال العراق.

ب ـ في حالة رفض صدام حسين نهائياً محاولات إعادة الرقابة والتفتيش على برامج تسليح العراق. وفي كافة هذه الحالات ليس هناك ما يمنع من أنْ يكون صدام حسين على علم برد فعل الولايات المتحدة وتصرفها إزاء كل حالة، ويجري ذلك بالتوازي مع إعادة بناء إمكانية مالية وعسكرية وتكنولوجية لقوى المعارضة العراقية، على أنْ تكون هذه القوى على علم أكيد بحجم الدعم الذي يمكن أنْ تقدمه لها الولايات المتحدة في كل ما تقوم به من أجل نظام ديمقراطي في عراق ما بعد صدام حسين {كذا كانت تقول الدعاية السياسية الأمريكية، واليوم نرى النظام السياسي الديموقراطي في العراق وفق منظور الرؤية الأمريكية في وجهها الحقيقي}.[9].

ـ ((عليك)) أنْ تهتم بتقوية قواعد ووسائل عملك في الشرق الأوسط لمواجهة أية اِحتمالات تنشأ دون أنْ يفاجئك منها شيء... ووسائلك إلى ذلك على النحو التالي:

عليك أنْ تعرف أنَّ إسرائيل هي الركيزة الأولى لضمان الإقليم، والتحالف الأمريكي مع إسرائيل بالفعل وبالقول هو القاعدة المتينة لكل الخطط والسياسات، والحقيقة فإنَّ قوة الشراكة بين البلدين هي أداة الفعل الرئيسية في المنطقة، ولا بد أنْ تكون العلاقة بين الطرفين (الأمريكي والإسرائيلي) نظيفة من أي سبب للتوتر.

 

2ـ عليك للاِستفادة القصوى من هذه الحقيقة الإستراتيجية ــ أنْ تكفل لإسرائيل ((تفوقاً نوعياً)) متجدداً طول الوقت على كل الأطراف العربية، وهنا فعليك أنْ تقاوم وترفض بشدة كل محاولة من جانب أي طرف عربي يطلب أو يسعى للتساوي مع إسرائيل.

 

3ـ عليك أنْ تساعد مصر حتى تقوم بمسؤوليتها القيادية في إطار سياستك، لكن إذا ترددت مصر في القيام بهذه المسؤوليات بما في ذلك المبادرات الإِقليمية الاقتصادية التي تشمل إسرائيل، ثم تذرعت في ذلك بتعثر عملية السلام، فإنَّ عليك أنْ تتخذ ما تراه لازماً. وعليك أنْ تذكِّر كل مَنْ يعنيه الأمر إنَّ مصر وإسرائيل تحصلان على أكبر قدر من المساعدات الخارجية الأمريكية.

 

عليك أنْ تبذل جهدك لتأييد وتسريع عملية التطبيع بين الأردن وإسرائيل، وإقناع الأردن أنَّ ذلك أفضل ضمان له سياسياً واِقتصادياً، وحذر الأردن من غواية تصورها أنها تســتطيع مغازلة أو مهادنة صــدام حســين ــ ذلك سوف يضر بسلامة الأردن واِعتداله.

5ـ عليك أنْ تشجع تركيا على القيام بدور رئيسي في المنطقة مع إفهامها بطريقة واضحة أنها لا تســتطيع أنْ تمارس هذا الــدور، ولا أنْ تحقق نتائجه الســياســية والاقتصادية إلاّ بالتعاون مع إســرائيل.[10].

 

في ختام إيراده نصوص التعليمات الإستراتيجية الأمريكية للرئيس الأمريكي القادم للبيت الأبيض: جورج بوش، يعلق الأستاذ محمد حسنين هيكل على الواقع العربي الراهن ومأسـاة الضـعف والعجـز والتواكــل والتبعية للأمريكيين بالقول: أنَّ ذلك الدم الذي يسيل على أرض فلسطين فداءً وشهادة يحتاج وراءه إلى ما هو أعز وأكرم من عرقٍ يتصبب خجلاً نتيجة ضعف وعجز رآها جورج بوش ((عند القــادة العرب)) ثم قرر التصرف كما يشـاء دون اِنتظار ودون اِعتبار.[11].

ـ إن مفهوم الحرب غير المتوازنة أو ما ستسميه الإدارة العدوانية الجديدة بالحرب الوقائية يقتضي الاِستخدام الأقصى للقوة النيرانية على قوات الخصم، واِتباع كل الوسائل لإِبادته وإنهائه بأَية وسائل بغض النظر عن الطابع الأخلاقي لتلك الوسائل، وفي سياق رسم الخطط العسكرية وتصور الممهدات الممكنة لتنفيذها ((لا بد من تعزيز التجسس الإلكتروني بنشر الجواسيس من البشر على أوسع نطاق بحيث تكون معلوماتهم مباشرة من عين وأذن وإحساس، ولا تعتمد على نبضات إلكترونية منتظمة لكنها محايدة لا ترى ولا تسمع ولا تحس)) وكان يتميز هذا المنحى في عمل الولايات المتحدة الأمريكية ذات النزعة العسكرية بميزة ((الوفرة الأمريكية في كل شيء يؤدي إلى مناخ عالمي متوجس بالشك والتوتر)) وكان ما تطلبه أجهزتها في كل مسـتوياتها ((هو جهـد مخابرات ـ معلومات مخابرات ــ شـبكات مخابرات)). [12].

ولكن ماذا نستخلص من كل ذلك مما تطرقنا فيه لأسماء ((الزعماء الأمريكيين)) وإلى المعلومـات التوثيقية عن الرؤية الكونية العالمية لأمريكا، والطابع المادي لقيادتها ووسائلها المنتقاة:

الطابع الأيديولوجي لتفكير تكوينهم القيادي الذي ينطلق من الرؤية الفكرية والسياسية للدور الأمريكي القادم، الذي يشكل برنامج سياسيي وفكري لــ((المحافظون الجدد)): المحور الأساس لأُطروحات الإدارة الأمريكية الجديدة في مرحلة العولمة الأيديولوجية والسـياسـية تجاه العراق..

 

2ـ التركيب العسكري للقيادة الأمريكية في عهد إدارتها الجديد، وما يتضمنه ذلك من قيم مستمدة من أوامر الثكنة العسكرية: نفّذ ثم ناقش، بديلاً عن القيم الفائضة عن أسلوب التبادل بالحوار والإقناع تمهيداً للتغيير التي تقتضيه قيم الديموقراطية ونزعاتها السامية، كما هي معلنة لديهم سابقاً. وكذلك علاقاتهم الوطيدة بالشركات الكبري المنتجة للسلاح بكافة صوره والشركات المنتجة للبترول وغيرها من شركات عملاقة.

 

صلة القيادة الوطيدة بمالكي الشركات البترولية، وترابط رؤيتها الوطيد بممتلكات الشركات النفطية الاِحتكارية، ورؤيتها لأهمية الطاقة في العالم، ودورها في حسم الخلافات مع الدول المتطورة الأخرى، كاليابان وألمانيا وفرنسا. وحسم قضية التنافس في السوق العالمية في مجال البضاعة البترولية في مجال العلاقة مع روسيا وفرنسا.

 

4 ـ الطابع الصهيوني لتفكير القيادة النافذة فيها، وتطابق رؤية كيان الاِغتصاب الصهيوني في المرحلة الشارونية، مع رؤية الإدارة الأمريكية على كل الصُعد المفصلية التي تهّم رؤيتها حول المنقطة في إِطار نظرة شرق أوسـطية، وتسييده على الوطن العربي وجواره المشرقي برمته، إنْ لم تكن الرؤية الأمريكية في مرحلة إدارتها الجديدة أكثر تطرفاً من شارون الذي تعدُّه رجل السلام كما أطلق عليه {أو لُقِنْ لهُ} ذلك التوصيف الرئيس الأمريكي الجديد: جورج بوش الاِبن.

 

5ـ الطموحات السياسية المرتبطة برؤية برنامجية طويلة المدى تنتظم الفعل الأمريكي، رؤية إستراتيجية للسياسة على المستوى العالمي، وليس العراقي فقط، وليس العربي أو الإقليمي كذلك.

 

6ـ اِسـتثمار كل العناصر المتاحة لتنفيذ الإستراتيجية الأمريكية، سواء بالاِستعانة بأجهزة المنظمات السياسية ((المعارضة العراقية)) المكشوفة والمستورة، التاريخية أو تلك التي نمت على سماد عاصفة الصحراء، مباشرة أو بشكلٍ غير مباشر.عن طريق السي آي أي التي خصصت مائة مليون دولار ونيف لدعمها واِستقبلتها في أروقة مخابراتها المؤسسية أو عبر أجهزة وزارة خارجيتها المتخصصة في جمع المعلومات عن ((الدول المارقة)) وفق التوصيف الأمريكي، أو عن طريق السلطات الأمنية العربية التي كانت مفتوحة لـــ((لأصدقاء من المعارضين الجُدد)) من كل الأحجام الليبرالية الطائفية والأثنية الكردية، وبمنوعاتها العديدة، وهي ((تتبرع طائعة مُختارة)) بالمعلومات لإثبات حجمها والبرهنة على وجودها. وكان حجم ((الكارثة المروع)) بلغ حداً جعل من القادة الأمريكيين المشرفون على تجمعات المعارضة وكذلك يرعون مؤتمراتها، وتعرف عن كل صغيرة وكبيرة فيها، مباشرة عن طريق ((الجاسوس التقليدي: الإنسان)) أو عن طريق التجسس الإلكتروني عبر عقد مؤتمراتها في المواقع التي تقع تحت سطوتها مباشرة.

 

7ـ وكان من الملفت للنظر في نطاق التحضير للعدوان الأمريكي على الدولة العراقية، الدور الأساسي في ميدان الدعاية والإعلام -وكذلك المعلومات الأمنية- للفضائيات ((العربية))، إذ قدمت كل ((النكرات العراقية المعروفة الولاء)) التي تحبِّـذ الرؤية الفكرية الأمريكية، وتروج للأُطروحات السياسية الأمريكية حول مزاعم الحريات القادمة والديمقراطية الموعودة وحقوق الإنسان الذي تبينت ملامحه في أفغانستان والصومال، وتجسَّدت أفعاله في فلسطين وجنوب لبنان. أو كل الأغبياء ممن لا يفقهون أي شيء عن الرؤية الأمريكية، لكنهم يعرفون كل شيء عن القمع العراقي: من خلال كذب أغلبهم أو قراءتهم المطبوعات الدعائية حول الواقع العراقي المزعوم أو المؤكد، والتي توزع بالمجان.

 

كان التنسيق الميداني السري أو العملي بين السعودية وإيران هو التجلي الأوضح في تطبيق هذا الخط التحريضي ــ الدعائي. وفضائية A A N هي النموذج في هذا المجال فقد دأبت أسبوعياً على ضخ سموم ((النادي السياسي)) ـ مثلاً ـ الذي يعده أحد المرتشين ممن تنقلوا بين رؤية اليسار الطبقي والرؤية الطائفية ودولاراتها، وبرامج اللاذقاني واِستحضار الحاقدين على العراق للندوات والتعليقات على الأحداث والبرامج المخصصة لــ((شتم)) العراق، فضلاً عن فتح قناتها لكل مَنْ هب ودب لسب النظام العراقي دون أي تعليق. كانت تتعمد لاِسـتضافة لون أيديولوجي ـ سياسي واحد قوامه: الخصومة الدائمة للدولة العراقية.

بخصوص الرؤية السياسية الأمريكية على هذا الصعيد علينا التمعن في محتويات التقرير الرئاسي الأمريكي القائل، كما يذكر الأستاذ السيد محمد حسنين هيكل:

((1ـ إنّ هذه الفضائيات ربطت المشاهد العربي إلى حكايات الماضي فاِنشغل به لأنها وافقت نزعة الموروث الشعبي عنده إلى القصص والدعايات.

2ـ وإنّ هذه الفضائيات بتضارب القصص والحكايات اِستباحت بالأهواء ما وافق غرض كل قاصٍ وحاكٍ حتى فقد الرأي العام العربي على اِختلاف توجهاته اِحترامه لأي مرجعية تلهم، وأهم من ذلك تصوره لأي رؤية مستقبلية تجمع.

3 ـ وفي المحصلة النهائية، فإنّ هذا المناخ الذي اِختلط فيه كل شيء بكل شيء هيأ فرصة سانحة ولعلها مثالية لعملية هدر عقلي ونفسي تغرق الإرادة العربية دائخة في دواماتها، وذلك كان مطلباً عزيزاً لقوى دولية عديدة وقد نالته أخيراً سواء بذكائها أو بغفلة غيرها)).[13].

ولكن ماذا كان دور العامل الذاتي العراقي من خلال تفحص دوره في إدارة الأزمة السياسية مع الدول الأخرى، الذي كان أحد طرفي الأزمة العامة بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية... تلك الأزمة السياسية العامة التي كانت لا تقبل حلاً وسطا، وتتخذ طابعاً تصادمياً منذ البداية؟

لقد أرادت الدولة العراقية تجنب تصاعد الأزمة بالقدر الذي تستطيع وتتمكن، عبر المرونة المطلقة في التعامل السياسي مع الأطراف المناوئة للعراق. والموافقة على القرار الجائر لمجلس الأمن المرقم 1441. والقبول غير المشــروط بالتفتيش الدولــي. وتقديم محتويات البرنامج العلمي. وتدمير صـواريخ الصمود. وغير ذلك من خطوات التنازل عن الأرض لصالح السلطة الصباحية. والقبول العملي بمناطق الحظر رغم المقاومة الباســلة للجيش العراقي في الشــمال والجنوب. والتمدد الصهيوني والتركي في شمال العراق.. ولكن الرؤية الأمريكية والسياسة الأمريكية كانت واضحة: لابد من حسم المعركة على العراق تمهيداً للاِنتقال لسياسة السيطرة على الكل العربي: من ((المواقع)) إلى ((المناطق)).

لا شك أنَّ معالجة هذا الموضوع السياسي الشائك، والذي كان من بين أسباب اِحتلال العراق عسـكرياً من قبل أمريكـا، يتطلب معلومات دقيقة عن مجريات العمليات الحربية، نفتقر لها راهناً، ولكن لا بد من القول التالي:

1ـ إن المواجهة كانت مفروضة على العراق؛ إنَّ ركل القيادة الأمريكية لكل مقولات الشرعية الدولية حتى الشكلي منها على مستوى الإجراء العدواني، وعدم القدرة على اِستصدار قرار خاص من مجلس الأمن الدولي، يجيز للقوات الغازية بشن العدوان والاِحتلال العسكري يبين ذلك بشكل واضح. لذا كانت المواجهة العسكرية خياراً وحيداً أمام قيادة الدولة العراقية، فالدفاع عن العراق المستقل بوجه العدوان الأجنبي أحد المهام الأساسية للدولة، بغض النظر عن مَـنْ يقف على رأسها.

 

2ـ إنَّ كسب المعركة العسكرية أو خسارتها يتعلق بالقوة المتوفرة على مستوى العُدَّة والاِقتصاد القوي والجغرافية: لنلاحظ إنَّ أنظمة الجوار باِستثناء سوريا كانت مع العدوان والغزو بشـكلٍ مباشـر أو غير مباشر، والتفوق الجوي والتطور التقني، وغير ذلك من عوامل إسـتراتيجية في حسـم الحرب كان في صالح الأمريكيين بشـكلٍ مطلق... فكيف يمكننا إحراز الاِنتصار الحاسم بعد عشر سنوات ونيف من الحصار والحرب والتدمير، التي شارك فيه كل العالم بدوله القريبة والبعيدة: النصيرة للرؤية الأمريكية. أو المرتعبة منها، العربية وغير العربية، المسلمة السائرة في فلكها وغير المسلمة من تلك الدول التي تحبوا زاحفة نحو الشعاع الأمريكي؟

 

3ـ لذا كانت مطالبة السلطة المسيطرة على النظام في بغداد بتحقيق الاِنتصار العسكري تخلو من أي فهم بسيط لطابع الحرب، والفروقات الدقيقة ـ ولكنها الهائلة ـ بين ما تكتنـزه حوزة كل طرف من مقومات مادية. ولكن المطلب الأساس الذي أيدَ بموجبه الوطنيون العراقيون والعرب وكل العالم للقيادة العراقية، هو صمود الدولة العراقية لأطول فترة ممكنة، وتدفيع الغزاة الثمن الباهظ من أرواح العسكريين المعتدين الغزاة، وما يتطلبه ذلك من اِستخدام أمثل للقدرات العسكرية المتوفرة في العراق، على مستوى المعدات والأفراد الذين كانوا مستعدين للتضحية حتى بأرواحهم. وذلك يتطلب بالأساس القيادة الكفوءة من خلال وضع الشخص المناسب في المكان المناسب بدلاً من الاِعتماد على العلاقات الأسرية وتنصيب الأقارب على المراكز المهمة في تركيبة الجيش والحرس الجمهوري والقوات الخاصة والمناصب القيادية.

 

4ـ كان من المفترض إطلاق الاِسم المناسب على الهيأة التركيبية التنظيمية والتشكيلية العسكرية على الفدائيين الذين يبلغ عددهم مئات الألوف بدلاً من اِسم فدائيي صدام، لأنَّ إقران التضحية باسم شخص ـ حتى لو كان رمزاً ـ ينهي مبررات العمل الكفاحي مع نهاية ذلك الشخص الحياتي أو المعنوي، أما إقران تلك التضحية بأسـماء من قبيل: فدائيي الأمة، فدائيي الشعب، فدائيي الدين، فدائيي الوطن، فدائيي العراق ـ مثلاً ـ فإنه يبقي المهمة الكفاحية ضد كل مَـنْ يحاول التطاول على تلك المفاهيم ما بقي زمن التطاول.

ومما زاد الطين بلة إعطاء قيادتها إلى شخص لا يحظى بالإجماع الوطني عند غالبية الأفراد العراقيين، جراء تصرفاته الطائشة واللاأخلاقية التي أساءت حتى لوالده: رئيس الجمهورية العراقية، في الوقت الذي كان الجيش العراقي فيه مليئاً بالكفاءات العسكرية التي محصّتها ملاحم المواجهات الحربية الشرسة التي خاضها الجيش العراقي، ومحظتها الوقائع ببراهين القُدرة والكفاءة، مع ما يعنيه ذلك من تفاعل حي وحيوي بين القياديين والمنتسبـين.

 

5ـ إنَّ الذي يرسم خطة دفاعية عن الوطن بمواجهة الغزاة العدوانيين الذين يعلنون على رؤوس الملأ عزمهم على اِحتلال العراق وتدنيس ترابه الوطني المقدس، ونهب خيراته المتنوعة الوفيرة، ينبغي له كسب قلوب العراقيين بدلاً من السيطرة على أيديهم وألسنتهم؛ والوصول إلى القلوب ينبغي تلمس الطرق والأساليب المؤدية لها بنجاح ملموس وأكيد؛ ومن بينها اِختيار وسائل عملية تساعد بالمشاركة في القرار والتنفيذ، وليس التنفيذ فقط. تقبُل الأطروحات الفكرية والرؤى السياسية عن اِقتناع، وليس الوصول لها عبر التعليمات القسـرية فقط، ويتجلى ذلك باِرتياد مصالحة وطنية حقيقية: عامة وشاملة، ويتعالى عن الصغائر ما أمكنه السبيل إلى ذلك.

لقد قلنا سابقاً، وأعدنا القول لمــرات عديدة، بضرورة ((اِنتهاج طريق يعتمد على الذات دون أوهام، ويستند إلى صنّاع الصمود الحقيقيين، أبناء الوطن العراقي حيثما يبدعون في الاِعمار، وينتجون في المصانع، ويزرعون في الأرض، ويقفـون على أُهبة الاِســتعداد للدفاع ببسـالة عن الوطن...)) و((إنَّ اِنفتاحاً ديموقراطياً ومكاشفة الشعب بالحقائق، وإعطاء حيز ملموس لمنظمات المجتمع المدني لتلعب دورها في التوعية والتحريض وبناء الموقف السياسـي، والإقلاع عن المشاريع المظهرية، ورسم سياسة برنامجية طويلة النفس، يمكنها تجويد اِستخدام طاقات شعبنا ووطننا الكامنة وتحفيزها، ورسم علاقات نضالية عبر التضامن الفعلي، وإيجاد علاقة مميزة معهم أساسها الحوار عبر أحزابهم ومنظماتهم، وتشـجيع التبرعات المادية والدوائية... نقول: إنَّ كل ذلك سـيعطي حالة الصمود الوطني دفعةً قويةً، بل هائلة القوة، وسينقلها إلى مستوى جديد، كما أنَّ كل ذلك أصبح اِستحقاقاً وطنياً لا يقبل التأجيل والمناورة، لأنه الخيار الأشــد ضرورة لمجابهة الأخطار، ومقاومتها بأسلحة الشعب الجبارة والمجَّرَبة)).

((ولذلك فإنَّ أولى الأولويات في العراق اليوم هي تقــوية وتعزيز الصمود والمقاومة، وهذا لن يتم بشكل حاسم إلا عبر قيام السلطة بفتح أبواب الحوار البنَّاء مع كل الوطنيين في الداخل والخارج، لوضع برنامج وطني ديموقراطي يقوم على التعددية الحزبية وإلغـاء حالة التفرد، وإطلاق الحريات للشـعب وقواه الوطنية، فالاِنفتاح الديموقراطي والحــوار الوطني الجّاد والمســؤول، والتوظيف الأمثل للإمكانات المتاحة، وتعميق التضامنات الوطنية، والقضاء على مظاهر الترهل والفساد، وضرب المظاهر السلبية، وقطع دابر التجاوزات العشوائية اللامسؤولة على الناس، عبر تعزيز سيادة القانون، والمشاركة الجماهيرية، وإطلاق المبادرات الشـعبية الواعية... هي طريق التعبئة الوطنية العامة، والوحدة الوطنية الصُلبة، القادرة على مقاومة الهجوم الشرس لأعداء العراق، الذين تجمعوامن كل حدب وصوب، وكل ذلك ليس عسيراً ولا يحتاج إلى مقدمات، ففي الأفق يلوح زمن أمراء الطوائف والحروب الأهلية العمودية، وليس أمام شعبنا، شعب ثورة العشرين الوطنية التحررية، شعب اِنتفاضة مايس الوطنية القومية عام 1941، شعب ثورة 14 تـمـوز الوطنية القومية الجبارة سوى خيار المقاومة والتغيير)).[14].

وبهدف التوصـل إلى رؤية عربية مشــتركة... ومن أجل إلى التوصل العراقي المشترك: سلطة ومعارضة بادرت قيادة التحالف الوطني العراقي إلى زيارة بغداد والحوار مع بعض المسؤولين فيها، وأعدنا القول على ذلك الخيار في مؤتمر باريس الذي اِلتأم شمله في العاصمة الفرنسية بتاريخ 7 ـ 9/2/2003.

وبعد: هل كان عسـيراً علينا المطالبة باِســتمرار المقاومة الوطنية العراقية للغزاة الأجانب لكي يدفعوا ثمن اِحتلالهم من أرواح جنودهم؟!! وهل كان عصياً على الموقف الوطني العراقي تقديم لوحة الرمز المقاوم والشهيد بدلاً من الرمز المنتصر العسكري وفق نسبة القوى التي لا تؤيد إيجابياتها المعطيات الملموسة عند طرفي الصراع؟

 

التجربة الإدارية والســياسـية التي أفرزت دروساً تاريخية للمرة الألف تقول: لا بد من مفكرين اِستشاريين أحرار في التفكير والتبشير، لا يخشون من سطوة العقاب عند قول الحق والصدع بالصحيح، يسعون لتقليب الاِحتمالات لاختيار الأفضل أو الأنسب، ولا بد من مناقشتهم في إقناعهم أو الاِقتناع منهم، لا الاِعتماد على العناصر الاِمتثالية التي تسـتطيع بــ((نبوغ مشـهود)) ترديد الأقوال والاِستنتاجات، ويحسنون ترتيب الكذب ((المصفط)) على حسـاب الصـدق ((المخربط)) وما يشـكله ذلك من تضليل للحاكم ذاته... لا بد من أخذ الرأي السـياسـي الجماعي بنظر الاِعتبار. لماذا تجاهلت السلطة ـ مثلاً ـ رأي أعضاء المجلس الوطني الرافض للقرار الجائر المرقم 1441 الذي أصدره ما يسمى بمجلس الأمن وأعضائه بشكل جماعي؟!

 

العراق راهناً يعيش محنة حقيقية: البلد محتل. والخذلان أصاب كل الوطنيين والمخلصين العرب وغير العرب للقيم الإنسانية. الأمريكيون المحتلون يدوسون ببساطيلهم كل القيم الوطنية. أذيال العدو من مرتزقة أحمد جلبي وغيرهم يرددون نباح الغزاة المحتلين للوطن. إيران تطالب بتعويضات وهي يتراءى لها العراق ضعيف مدمر لا إرادة سياسية مستقلة له. شيوخ الخليج والجزيرة المخصيون في حضرة سيدهم الأمريكي يتنمرون على العراق العظيم، وبعد أنْ أعطى رموز ما يسمى بالمعارضة السياسية العراقية كل ما في أيديهم من أوراق تملكها على أمل تحقيق أطماعها الذاتية على حساب الرؤية الوطنية والقومية والدينية. تركيا تبحث عن إِستهدافاتها التاريخية باِنتظار نضوج الذرائع.

المحتلون يلَزِّمــُون شـركاتهم المقاولات لإعادة أَعمار العراق بعد أنْ قاموا بتدمير مرافقه منذ عدوانهم الأول في عام 1991. لقد أصلح العراقيون كل الآثار المدمِّرة الناجمة عن العدوان الأمريكي الواسع والمدمر في أوائل العقد التسعيني من القرن الفائت ـ {الذي كان للتخريب والتحطيم والتدمير وليس للاِحتلال} ـ أصلـحت كوادره الوطنية: العلمية وذات الخبرة، كلَ النواقص التي خلَّفها العدوان ذاك بالاِعتماد على النفس، في فترة حصار شديد وغير مسبوق في كل العالم على العراق، ولكن العدوانيين نراهم في هذه الأيام التي أعقبت غزوهم للعراق، والاِحتلال والتدمير الذي لحق بالعراق لا يُقارَن في هذا العدوان مع مفردات العدوان الأسبق. لقد كانت حرباً لتدمير العراق بذريعة تحرير الكويت... نراهم للشركات الأمريكية كـــ((بيكتل)) وغيرها لــ((بناء ما دمروه بوعي وقصد))يعطون رشاوى المقاولات.

ألا يبعث ذلك على التفكير عن دوافع العدوان على العراق، والاِستخلاص بأنَّ الهدف الأمريكي يستهدف العراق أولاً وأخيراً؟!

أمام كل الوطنيين العراقيين طـريـقــاً وحيدة الاِتجاه هو طــريق الوحدة والمقاومة... طريق إِجماع كل الشعب على المقاومة للغُزاة والتحرير للعراق والتحرر الوطني والوحـدة الوطنية العراقية ذات الخصائص الاِجتماعية الموحدة... والحياة المبنية على اِحترام المواطنين من شتى الاِنتماءات الفكرية والقومية... طريق الاِســـتقلال السياسي الكامل والسيادة الوطنية التامة للدولة العراقية... اِتباع نهج التسـامح وسـيادة عقلية العفو عند المقدرة والتكامل والإثراء والإغناء واِستكمال البناء ومساهمة المجموع الوطني في التقرير والتنفيذ وفق درجـات العمل في كل الميادين وتطبيق مفردات البرنامج السـياسـي الوطني.

فهل نرتقي إلى هذه المباديء العظيمة؟!

أُستكملتْ يوم السبت الموافق في 26/4/2003 باِعتبارها مقدمة لمواضيع الجزء الأول من كتاب الدفتر الأول لموضوع دفاتر الأزمة العراقية والاِحتلال العسكري الأمريكي.

وأُرسلت إلى موقع (كتابات) باِعتبارها جزءاً مكملاً لوجهة نظر الكاتب في محاولة الإِجابة على وجهة نظرها للمحور الجديد.

شبكة البصرة

الاربعاء 7 صفر 1440 / 17 تشرين الاول 2018

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط