بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

من ارشيف شبكة البصرة نشر بتاريخ 13/12/2003 في الرابط التالي:

http://www.albasrah.net/maqalat_mukhtara/kutob/sarafnot2_1_13122003.htm

خص الكاتب باقر الصراف شبكة البصرة باعادة نشر هذا الكتيب (الاول) والذي سننشره على اربعة اجزاء متتالية وقد سبق لنا وان نشرنا الكتيب الثاني وسوف يليه انشاء الله الكتيب الثالث.

العولمة الأمريكية ضـد الدولة العراقية...

دفاتر الأزمـة السياسية العراقية والاِحتلال العسكري الأمريكي

الكتيب الاول الجزء الثاني

شبكة البصرة

باقر الصراف

العدوان على العراق مناسبة هامة لتعميق الرؤية الحضارية العربية الإِسلامية

لا شك إنَّ الظروف السابقة التي اِستغرقت أغلبية سنوات القرن العشرين شهدت اِنقساماً موضوعياً ساد الصف القومي العربي المناضل ضد الغرب، فقد كانت القومية العربية الحديثة ـ وكان مظهرها الرئيس الحركة القومية العربية التي تقودها ثورة 23 تموز/يوليو المصرية بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر ـ تتكون من تيار علماني وتيار إسلامي، وحاولت سلطة المملكة العربية السعودية في مرحلة نشاطها لتأسيس الحلف الإسلامي مقاومة الحركة العربية الحديثة، وبالتالي تمكنت عبر أموال المساعدات المستحلبة من الإِيرادات البترولية، والاِنسجام مع الرؤية الغربية، من سحب قوى إسلامية من الصف القومي العربي الإسلامي، وتجيير عملها لصالح القوى الغربية المضادة لمصالح الأمـة العربية.

وكانت مشتركات الاِنسجام أو التكامل السياسي عوامل تسود بين الرؤية السعودية والرؤية الفارسية بقيادة الشاه الإيراني: محمد رضا بهلوي تجاه مجمل التطورات القومية العربية، كما بينته الوثائق والوقائع لفترة حكم الشاه الإيراني. ولكن الضغط الأمريكي اِسـتمر ناشطاً حتى بعد هزيمة الحركة القومية العربية الحديثة عسكرياً في عام 1967، وتحقيقها النصر السياسي من خلال اِسـتيعاب الرؤية الساداتية ونظام السادات. واِحتلال ثاني عاصمة عربية: بيروت من قبل الإسرائيليين الصهاينة. وعندما نقول الضغط الأمريكي فإننا نعني به ذلك الضغط: الجانب السياسي العملي المتماهي بالرؤية الصهيونية ومشاريعها السياسية المرسومة للمنطقة.

ولا ريب إنَّ الدور الأمريكي/الإسرائيلي في الحرب العراقية ـ الإيرانية واضح جداً، سواء من خلال صفقات السلاح أو القبض على ماكفارلين: مسـؤول الأمن القومي الأمريكي آنذاك في طهران، سوى مجرد مؤشِّـرين على ذلك الدور العدواني والعملي والاتجاه العام للأحداث وفق رؤية الطرف الصهيوني: الأمريكي والإسرائيلي. ولكن سنوات العقدين الماضيين من ذلك القرن العشرين، قد شهدتا تطورات سياسية وفكرية من شأنها تقليص التناقضات الرئيسة بين الأطراف المكونة للحركة القومية العربية الحديثة: العلماني والإسلامي، وقد كان للحركة الإسلامية في فلسطين وحزب الله اللبناني الدور الملموس في تطوير الموقف السياسي وتقارب الرؤية السياسية، كما كان لتعميق الرؤية القومية التي نمتّها نزعة الرجوع الأكثر اِتساعاً للتراث العربي الإسلامي والحملة الإيمانية في العراق ومؤتمرات الحوار القومي ــ الإسلامي وندوات مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، وغيرها... كان لها الدور الملموس في تقليص تلك التناقضات بين الطرفين، وتحويل المواقف السياسية لطرفيهما إلى رؤية سياسية مشتركة في العمل والسلوك، وجاء الموقف الأمريكي بعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001، والغزو الأمريكي لأفغانستان والتدخل في الشؤون التربوية للدول الإسلامية، ومحاربتها ـ كذلك ـ للرؤية الإسلامية في العالم، وغير ذلك الكثير، ليعطي مضمون هذا التحول عمقاً سياسياً وفيراً.

كانت الطبيعة التكوينية للقيادة الأمريكية: المحافظون الجُدد. المسيحيون المتصهيونون. العولميون المتسلطون. العسكريون اليمينيون المتطرفون من ذوي نزعة الاِستخدام الأقصى للعنف الهمجي، والتصرف الأسرع في اِستخدام السلاح على طريقة رعاة البقر المتحدرين من تكساس، وبالتالي زيادة الأموال المخصصة للميزانية العسكرية. وأصحاب الرؤية اليهودية في الإدارة الأمريكية التي تشـكِّل ((إيباك)) كمنظمة صهيونية: رؤية فكرية ومواقف سياسية، من ناحية، واِشتراكهم مع الرؤية الصهيونية في مرحلتها الشارونية: باِعتباره رجل السلام في المنطقة، كما يقول جورج بوش الاِبن، تجاه المنطقة العربية وإِصرارهما على الرؤية الشرق أوسطية وتصهيين فلسطين كلها عبر الاِستيطان اليهودي للأرض والإجلاء المبرمج للفلسطينيين عن بلدهم، قد أسهمت في تعميق الرؤية الأيديولوجية الأمريكية على صعيد المنطقة العربية وجوارها في المحيط الإسلامي... كانت الطبيعة التكوينية لهذه القيادة قد عمقت من نزعتها الأيديولوجية الشمولية ضد الطموحات الوطنية والقومية العربية الإسلامية.

وجاء العدوان الأمريكي على العراق ليدفع بهذا العمق العربي في الرؤية والموقف السـياسـي المشترك خطوات أخرى، لاسيما وأنَّ المراجع الإسـلامية كلها، بمن فيهم مَــنْ هم في الأزهر الشريف، والعلماء في الجزيرة العربية: بلاد الحرمين الشريفين، وفي بلدان الخليج العربي، والمراجع الثقاة في العراق لا سيما في النجف والكاظمية وكربلاء، وقبل هذا وذاك موقف الشعب العراقي الذي غالبيته ممن ينتمون إلى المسلمين، وينتمي بكليته إلى مفهوم الحضارة العربية الإسلامية، قد أكدوا على موقف العراقيين الذي ينسجم مع الرؤية الإسلامية في الدفاع عن حياض المسلمين ويستحق كل الدعم والمساندة من الأشقاء المسلمين الأقربين والأبعدين، في العالم كله: جواراً وأطراف مترامية. وكان الدعم الشعبي من الدول الأسيوية كلها، ناهيك عن كل الشعوب العربية، ما خلا العوائل العربية التي تسكن الساحة الكويتية التي لم تعبر بشكل علني عن مواقفها السياسي، التي رآها المشاهدون على الشاشات المرئية، تغني عن كل تعقيب وتعليق مستفيضين.

لقد كانت الحرب الدفاعية العراقية ضد الغزاة الأمريكيين ـ البريطانيين قد أعادت مقولات تراثية تدلَّ دلالة واضحة على الرؤية الحضارية العربية الإسلامية: لقد برز الكفر كله للشرك كله، وفق القول النبوي حول منازلة الإمام على بن أبي طالب كرم الله وجهه، مع الذي اِقتحم الخندق بفرسه محاولاً مهاجمة المسلمين في ديارهم وحياظهم: عمرو بن ود العامري. المثال التأكيدي على هذه الحقيقة، ولكن ما يعزز هذا المثال الواضح، هو تطور الموقف العربي الإسلامي من الموقف الفردي إلى الجماعي العراقي هو أبرز معالم هذه المرحلة، وإحدى مواقف الحق. والمواقف الدفاعية للعراقيين هو لحظة ضوء تاريخية أعادت للأذهان الجماعية الغزوة المغولية لكي يتكشف موقف جورج بوش الرئيس الأمريكي، هو موقف هولاكو الآخر الذي اِستهدف بغداد بالحرق والتدمير والتخريب. مثلما أعاد للذاكرة التاريخية المعاني الإسترقاقية للحروب الغربية الصليبية في العدوان على فلسطين العربية، والحروب الاِستعمارية ضد المشرق العربي في أعقاب الحرب العالمية الأولى، التي قال عنها الجنرال اللنبي: القائد العسكري البريطاني أمام قبر صلاح الدين الأيوبي الراقد في حضرة التاريخ العربي الإسلامي الزاهر بدمشق: ها قد عدنا يا صلاح الدين.

ولكن ما يلحظه المرء المتابع للحرب العدوانية على العراق، والمزهو بطابع المواجهة للمشروع الأمريكي الصهيوني للمنطقة، هو غياب مظاهر التضامن مع الموقف الوطني العراقي والعربي والإسلامي في عاصمتين اِثنتين وهما تل أبيب وطهران على وجه التحديد، ونحن في صبيحة اليوم الخامس للعدوان الغربي، وإذا كان الموقف في تل أبيب هو الأمر الطبيعي بسبب جوهري تكمن حيثياته إنَّ نتائج هذه الحرب العدوانية تصُّب في خدمة كيان الاِغتصاب الصهيوني من الألف إلى الياء، مما يجعل الحديث عنه نافلاً. ولكن ما يثير الاِندهاش هو الموقف السياسي للحكومة الإيرانية التي دأبت على تسيير المظاهرات المليونية ـ كما تقول ـ لأسباب أقل هولاً وكارثية بالنسبة للرؤية الإسلامية، فهل جاء ذلك عفوياً، أو بسبب الحقد القومي الفارسي على الرؤية العربية الإسلامية؟!

وهل لذلك علاقة بما ذكره قائد قِطَع الحربية التابعة لحاملة الطائرات {إبراهام لينكولن} والمتزاحمة في مياه الخليج العربي: الأدميرال كيلي في غرفة الحرب، الذي هو ليس مسؤولاً عن تلك ((القطعة العسكرية المتطورة في المعدات التقنية)) فقط، وإنما هو المسؤول أيضاً عن كل القوات البحرية الأمريكية والحليفة في الخليج العربي كله، الذي نقلته إحدى الصحف العربية التي تصدر في ((لندن ـ العاصمة البريطانية)) يوم 18/3/2003... يقول هذا الضابط رداً على سؤال يتمحور حول الموقف الإيراني: هل يعتبر إنَّ إيران التي وضعها الرئيس بوش مع العراق وكوريا الشمالية في ((محور الشر)) والتي تشرف على شواطيء الخليج كله، تشكِّل خطراً على قواته؟ أجاب: ((لا نعتبر أنَّ إيران تشكِّل تهديداً. إنها تملك شاطئاً طويلاً في شـمال الخليج ولها سفن تجارية وحربية في مياهه الدولية وفق القوانين الدولية. نلتقي [!؟] على نحو روتيني قوات إيرانية في البحر، وهذه اللقاءات في الغالب تجري في شكل جيد ونتوقع أنْ تظل هذه اللقاءات كذلك)) أي يجري تنسيق شامل بين الطرفين ((الغريمين)) بصدد الدولة العراقية، يذكّرنا بموقف إيران إبّان العدوان الأمريكي على أفغانستان. ومعلوم إنَّ جهاز الأمن القومي الإيراني هو الذي يحدد الموقف السياسي الإيراني تجاه العراق، وهو الذي يشرف على سياسة القوى السياسـية ((العراقية)) التي تؤيد الرؤية الفارسية الإيرانية بصدد سياستها على العراق، أما موقف المرجعية الخامنئية فهو مجرد إصدار بيانات تتسم بلغة الصراخ في تغطية على الموقف السياسي الإيراني الحقيقي، لا سيما وإنًّ هذه المرجعية تختص بالعمل خارج إيران، ولا تشمل رؤيتها كل علماء الداخل ومراجعها الإمامية.

من المعلوم إنَّ مراجع الرؤية الإمامية العظام، خاصة ممن يتمتعون بدرجة الأعلمية، وبالتالي يعَدُّ بعضهم المرجع الأعلى للطائفة في العالم كله: كالسيد على حسين السيستاني، وكذلك السيد محمد سعيد الحكيم، والسيد حسين الصدر، قد أصدروا فتاوى واضحة وحاسمة، دعوا من خلالها: ((المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إلى الجهاد وإلى مقاتلة الأمريكيين المعتدين)) وقد عدَّ السيد السيستاني، فوق ذلك، إنَّ الواجب الشرعي يقضي بـ((أَنَّ تقديم أي نوع من أنواع العون والمساعدة للمعتدين يعَّد من كبار الذنوب وعظائم المحرمات يتبعه الخزي والعار في الحياة الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة)). كما كان السيد محمد سعيد الحكيم أوضح في موقفه الشرعي ـ وهو من كبار الفقهاء الإماميين ــ حين دعا ((المسلمين جميعاً إلى جمع كلمتهم وتوحيد صفوفهم وأنْ يكونوا يداً واحدة بوجه هذا العدو الحاقد كي يكون الله سبحانه في عونهم ورد المعتدين إلى نحورهم مذمومين مدحورين، كما نحذر كل مَــنْ تسول نفسه التعاون مع أمريكا عدوة الشعوب من لعنة الله تعالى ونقمة الشعوب الإسلامية ولعنة التاريخ بما فيها من خسران الدنيا والآخرة)). أي إنه يتحدث عن دور الوحدة في الموقف التعبوي والإستراتيجي واجب ضروري في مثل هذه الظروف.

ولكن الموقف الإيراني السياسي الرسمي كان بعيداً عن هذه الرؤية السياسية الإسلامية المخلصة. نتبين ذلك من خلال منع أية مظاهرة شعبية إيرانية لرفد أشـقائهم العراقيين بالرؤية الإسلامية بالدعم المعنوي. وفوق ذلك ينطلق باقر الحكيم رئيس ما يسمى بالمجلس الأعلى في تصريح متلفز للمنار، ومن العاصمة الإيرانية: طهران في مساواته بين الموقف الغربي المعتدي الذي قدِم من على بعد آلاف الأميال للغزو والتوضع في المنطقة وتنصيب الحاكم الأمريكي على العراق العربي المسلم، وبين المدافع عن وطنه وشعبه والرابض، كالأسد، فوق أرضه للدفاع عن عرينه، إضافة لإقدامه على اِعتقال العشرات من الشباب العربي الأحوازي من العشرة آلاف من الذين تظاهروا نصرة لأشقائهم العراقيين، كما حدث بمدينة الأحواز العربية في يوم السبت الموافق 22/3/2003، ناهيك عن منع سلطاتها للمتطوعين الأحوازيين للدخول إلى العراق، واِعتقال مَـنْ يقبضون عليه وهو يحاول بدافع الجهاد ضد الغزاة التسلل إلى العراق.

ومما يؤسف له شديد الأسف إنَّ حزباً جهادياً مثل حزب الله اللبناني الذي يلتزم فقهياً بالمرجعية الخامنئية موجهاً مذهبياً لقادته، رفض دعوة القوة الوطنية اللبنانية للتظاهر ضد الغزو الأمريكي البريطاني، بذرائع متعددة وحجج مخاتلة ومختلفة، إنَّ الحزب هذا مدعو لتعميق الرؤية والموقف الحضاري العربي الإسلامي، من خلال المشاركة الفعلية في مناوئة الموقف الصليبي ـ الصهيوني الأمريكي ـ البريطاني، ولا ندعوه للمشاركة في الدروع البشرية لحماية مصالح المسلمين في العراق، أو إرسال العناصر الإِسـتشهادية إلى العراق وهو من بين أقل واجباته الجهادية ـ والاِنخراط العملي في تلك المعركة المشرِّفة التي دعا فيها العلماء الإماميون الواعون والأعلمون إلى الجهاد فيها ومقاتلة الغزاة الأمريكيين المعتدين.

إنَّ العدوان الغربي: الأمريكي ـ البريطاني على العراق هو حلقة في سلسلة العدوان الصليبي ـ الصهيوني على الأمة العربية الإسلامية، ومَـنْ لا يجاهد بالموقف السياسي العملي مع العراق: الشعب والرؤية والثبات على المباديء الحضارية العربية الإسلامية، سيحاسبهم التاريخ مهما كانت مراهناتهم السياسية ونتائجها المحتملة، بمحكمته العادلة مهما طال أمد التضليل والتشويه.

24/3/2003

شبكة البصرة

الاثنين 12 صفر 1440 / 22 تشرين الاول 2018

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط