بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

من ارشيف شبكة البصرة نشر بتاريخ 16/12/2003 في الرابط التالي:

http://www.albasrah.net/maqalat_mukhtara/kutob/sarafnot3_1_16122003.htm

خص الكاتب باقر الصراف شبكة البصرة باعادة نشر هذا الكتيب (الاول) والذي سننشره على اربعة اجزاء متتالية وقد سبق لنا وان نشرنا الكتيب الثاني وسوف يليه انشاء الله الكتيب الثالث.

العولمة الأمريكية ضـد الدولة العراقية...

دفاتر الأزمـة السياسية العراقية والاِحتلال العسكري الأمريكي

الكتيب الاول الجزء الثالث

شبكة البصرة

باقر الصراف

السلطة المطلقة مفسدة مطلقة

يحاول البعض السـياسـي/التاجر تسـويق مواقف الأنظمة العربية البترولية والمرتدة، على صعيد الموقف من الحرب تحت مقولات مخاتلة براقة مخادعة، ولكنها بالتأكيد زائفة وكاذبة، وعين القائلين بها على الرواتب الدولارية الشهرية التي تتدفق على جيوبهم، إنَّ ألسنتهم تتلمظ على مناظر النقود البرَّاقة مثلما تسيل لعابهم على المنافع المادية. إنها المهمة المركزية في نطاق العدوان على العراق، من حيث الدعاية والإعلان الأمريكيين في إطار إعدادها السياسي والفكري لذلك العدوان، وتبين سلسلة الاِحتجاجات الأمريكية على قنوات أبو ظبي والجزيرة وسورية الفضائية والمنار اللبنانية مدى الخشية الاِستثنائية التي تنتظم جهودهم من تصوير الحقيقة كما هي، سواء عبر عرض مفردات الجرائم الأمريكية البشعة التي تسبب فيها عمليات القصف العشوائي بحق الأطفال والنساء وكل الأفراد العراقيين ممن لم ينخرطوا بالقتال بصورة فعالة، أو نقل صور الأسرى من القوى المعتدية وخسائر المعتدين على صعيد المعدات. إنها المصداق العملي للاِستخلاص الذي نطق به الجنرال عندما اِعتبر كل الشعب العراقي كله مذنب في عام..

إذا أخذنا الواقع السياسي القائم بنظر الاِعتبار، على المستويات المحلية والعربية والإقليمية والعالمية، من حيث القوى المتصارعة على الأرض التي تجري فوق ميادينها الحرب الكلية، رأينا بشكل واضح إنَّ الطرفين المتحاربين هما الدولة العراقية المدافعة عن الأرض والمجتمع والمؤسسات الحكومية، من ناحية، ودولة الولايات المتحدة الأمريكية في مرحلة تفردها في العالم بقوتها وجبروتها وتقدمها التقني، من ناحية أخرى. وعلى جانبي هذين الطرفين المتصارعين المتحاربين: العراقي والأمريكي، يتخذ البعض العربي والإقليمي والعالمي مواقفه السياسية الواضحة أو المخاتلة، فمنهم مَنْ قاتل تحت الراية الأمريكية وفي سبيل أهدافها السـياسـية والاقتصادية: كبريطانيا وأستراليا وسلطة آل صباح، ومنهم مَـنْ ساندها بالموقف العملي والكلمة الدعائية كأغلب أجهزة الدعاية الغربية بشكلٍ عام، وسلطات آل سعود ومبارك والملك عبد الله وخليفة وغيرهم. إنَّ عدم التطرق للموقف السياسي الخاص بكيان الاِغتصاب، والصراخ السياسي الدعائي التي تجري ألفاظها على ألسنة الشخوص المحسوبة على الجنسية العراقية. دون أنْ يتمكنوا وبشكل مطلق: التطرق للتحليل الفكري والسياسي الملموس للموقف السياسي الملموس.

كانت محاولة الطرف المعتدي لإعادة إنتاج تجربة عدوان عام 1991 قد فشلت تماماً منذ اللحظات الأولى، عندما حاول المعتدي تصوير الأمر على إنَّ القوى العدوانية العسكرية الأمريكية ــ البريطانية ستذهب إلى اِحتلال الدولة العراقية هي مجرد نزهة، يتم على ضوئها اِستقبال الشعب العراقي للغزاة بالهلاهل والزغاريد والموسيقى الصدَّاحة والورود، ولكن تبين بمجرد تحقيق الصمود الوطني العراقي في أم قصر، الذي هو ـ وفق كل المقاييس ـ أولى خطوات تحقيق النصر الحاسم على الأطراف المعتدية، وكانت عرض صور الأسرى والقتلى من الجنود الغزاة النسغ الذي بعث روح الحياة في الشعور القومي العربي بعد أنْ كتم اليأس والهزائم العربية أمام الجبروت الأمريكي ـ الصهيوني، أنفاس المناضلين العرب ودفع الشعب العربي، وعموم المخلصين، إلى الزهو والفخار بالفعل الثوري العراقي والعربي.

لكن التجربة الأمريكية التي جاءت ثمار نتائجها باهرة في عدوان 1991 لم تستطع تكرار عملها مجدداً، بسبب القوة العراقية المجابهة للعدوان على أرضية النهج القتالي المقاوم الواضح، ومن المعلوم ـ كما يشـير المتابعون والموثقون ـ إنَّ الخطط الأمريكية كانت ((شاملة للعمليات المعنوية والنفسية والدعاية المضادة وأساليب التنسيق)) القيادة العسكرية للعدوان، مثلما تضمنت اللوائح ((والإجراءات المتعلقة باِعتماد المراسلين العسكريين ووجودهم في ميدان العمليات وخطوات الرقابة على التغطية على الدعاية للعمليات)) وإنشاء المراكز الإعلامية/الدعائية: المرئية والمسموعة والمقروءة، للدرجة التي كان المجموع منهم مشاركين في كل الأزمة العالمية، من جهة، ووقف الجميع على جانبي العراق الوطني المدافع: كدولة، وعلى الجانب الأمريكي المعتدى عليه، من جهة أخرى.

إذا كان إفشال العراق للخطط الأمريكية في الدعاية والإعلان، قد جعل جميع العرب المتابعين المخلصين يتأكد من كذب ودجل تلك الدعاية، ويتحصن ذاتياً عبر الخبر الصادق المدعَّم بالصورة الحية، فإنَّ بعض الفضائيات ((العربية)) أصرت على تمرير السم بالدسم، من خلال مقابلات شخصية مع أناس أعطوا أنفسهم صفات العلمية والنزاهة والموضوعية، وهم أبعد عنها بيداً دونها بيدُ، كما يقول المتنبي العظيم، أولاً، واِستحضار بعض المرتزقة إلى غرف التصوير بعد أنْ يجري تصويرهم بأنهم معارضة عراقية، ولا ندري أية معارضة تلك التي ترقص طرباً لخراب العراق ومقتل شعبه، ثانياً، علاوةً على كونهم يدافعون عن الذرائع الفكرية والأكاذيب السياسية الغربية.

من بين تلك المقولات البائسة التي يجري التوسل بها، تمريراً للسم وسط الدسم، مقولة ((السلطة المطلقة مفسدة مطلقة)) وترويجها بعد إقرانها بالسياسة الوطنية العراقية من أجل حبك التضليل بشكل أكثر. ومن أجل ترويج وجهة النظر الأساسية لليانكي الأمريكي تستضيف بعض القنوات التلفزيونية العربية المؤيدة للعدوان، إضافة لقنوات أخرى دأبت على ضخ الدعاية السياسية والفكرية المضادة للعراق، من خلال برامج تسـمي نفسها نوائي سياسية يشرف عليها مرضى الشعور بمركب النقص تجاه مقولات غربية، ترطن بمسألتي الديمقراطية وبضاعة حقوق سياسية للإِنسان... من أجل الترويج لكل ذلك تستضيف ((نكرات وأسماء)) اِعتادت على تكرار التبشير بما أسماه السيد رجا غارودي ((الاِنحطاط الأمريكي: التأمرك، ومع التأمرك رطانته ومفرداته السائدة: التفرج، التسوق، التسوح، يرافقها اِستهلاك الجاهز الموضب من الثقافة بصرياً ومالياً، بدءاً بماكدونولز واِنتهاءً بالكوكاكولا))، واِستبدلت بضاعتها التجارية الكاسدة ببضاعة سياسية لا تمانع من الولوغ بالدم العراقي، بغية إغناء الجيوب، بعد أمتعها منظر شيكات المائة مليون دولار التي نثرتها عليهم المخابرات المركزية الأمريكية.

((السلطة المطلقة مفسدة مطلقة)) نعم هي حقيقة عيانية ملموسـة، نلحظ مفرداتها يومياً من على الشاشات المرئية، بالمظاهرات الجماهيرية التي تطالب بوقف العدوان الأمريكي ــ البريطاني على العراق، ومن خلال القرف اللانهائي الذي يبديه الأشخاص المهمون، الثقاة، المفكرون تجاه الجرائم البشعة التي يرتكبها المعتدون على الأطفال والنساء والمستشفيات بوساطة طائراتهم المتطورة.

فمن هي السلطة العالمية المطلقة القائمة على كل الكون التي تتصرف على ضوء مصالحها الإستراتيجية؟ وعلى ضوء رؤيتها الفكرية والسياسية التي تقتضي أنْ يكون العالم من غـيـر حدود، والأسـواق مفتوحة إنتاجها، وميادين الإعلام والدعاية متاحة أمامها، وعملاتهم متدفقة على البلدان الأخرى ومن دون رقابة إلا رقابتهم على الآخرين. لقد اِتخذ قرار العدوان بالحرب الشاملة على الدولة العراقية المستقلة ذات السيادة وإحدى الدول المؤسسة لمنظمة الأمم المتحدة، ومن دون الرجوع إلى المؤسسات الدولية التي نظرَّت لشرعيتها عندما لاءمت مصلحتها السياسية، وضربت بعرض الحائط كل الأصوات الدولية الفاعلة في كل العالم التي عارضت قرار الحرب، مَنْ تجاهل سابقاً ـ مثلما يتجاهل اليوم ـ كل القرارات الدولية بخصوص الكيان الصهيوني، وقرارات المفتشين الدوليين عن السلاح التدمير الشامل وتضمينهم التقارير الصادرة عنهم بخلو العراق منه؟!

مَـن يستخدم اليوم الأسلحة الشاملة المدمرة المحرمة دولياً كالقنابل العنقودية على الأبرياء من البشر العراقيين؟ مَن يعبث بالسلم والأمن الدوليين في سبيل بقاء أمريكا متفرد في العالم؟ من يتجاهل رغبات الملايين... الملايين من سكان الأرض الذي أبدوا إِداناتهم المتتالية المتوالية ضد قرارات الرئيس الأمريكي وتابعه البريطاني طوني بلير بشن الحرب الاِنفرادية ضد العراقيين كلهم؟

إنَّ الجواب على ذلك واضحاً لمن كان يمتلك الضمير الإنساني النزيه: إنه صاحب السلطة المطلقة في هذا العالم، الذين يحاول أبطال الندوات الأمريكية رؤية ومواقف، والراطنون بكلمات عربية، ممن يحضرون للفضائيات المؤيدة للعدوان، والسلطات المساندة: قولاً وفعلاً للغزو... التضليل عليه والتمويه على الأهداف الحقيقية للحرب.

مَنْ هي السلطة المطلقة: أهي التي تركل كل الرأي العام العالمي بأقدامها، وتعلن قراراتها السياسية، أم المدافعون عن وطنهم؟ هذا ما لا يجيب عنه المتحدثون أبداً، في إذعان كامل لسلطة المال الخليجي، الذي يدفع لمروجي الرؤية السياسية الأمريكية، التي تستهدف تحقيق مصالحها أولاً وأخيراً: السيطرة على النفط. ترسيخ فعل الكيان الصهيوني وفرض النظام الشرق الأوسطي. الحضور العسكري الأمريكي في المنطقة. تخليف العراق على كل الصعد وإِرجاعه إلى سنوات التقهقر والتصحر. إنَّ السلطة العالمية المطلقة تفسد الواقع العالمي بشكل مطلق، فما من مؤسسة دولية يمكنها العمل بشكل مستقل، ومن دون أنْ تكون فاعلة في عملها دون أنْ تخدم الرؤية الأمريكية عالمياً، وفي حال إصرارها على إتباع نهج مستقل، فإِنها ستكون مهمشة، أو ملغاة من أي فعل ملموس.

3/4/2003

 

خدمة الرؤية الصهيونية أحد أهداف العدوان على العراق

التلازم بين القضية الفلسطينية والقضية العراقية مسألة بديهية بحكم الكثير من الظواهر السياسية الموضوعية، ليس من أبرزها السياسة الأمريكية ــ كممارسة ــ تجاه المنطقة العربية منذ نصف قرن ونيف من السنوات فقط، وإنما التدخل المباشر في شمال العراق والقصف الصهيوني للمفاعل العراقي أيضاً، علاوة على تصريحات جورج بوش الأب الذي قطع بأنَّ عدوان 1991 هو في خدمة الكيان الصهيوني، وكذلك يعفيها من دفع أيَّ ثمن في سبيل تنفيذ تلك المهمة التي تخدم غرضها السياسي، ناهيك عن العلاقات القانونية التي تربط الأجزاء بالكل: العراق وفلسطين بالأمة العربية، وزيادة في الإيضاح حول النشاط الأمريكي في سبيل خدمة الأهداف الصهيونية، علينا ذكر ما أورده الملك المغربي السابق المرحوم الحسن الثاني حول ذلك التلازم: ((إنَّ العراقيين طلبوا منه التوسط لدى الولايات المتحدة لرفع الحصار. وردَّ عليه الأمريكيون بالشروط التي يطلبونها لرفع الحصار عن العراق وكانت ثلاثة:

1- أنْ يتعهد العراقيون بعدم اِعتراض مسيرة السلام لا مع الفلسطينيين ولا مع الأردنيين ولا مع السوريين.

2 ـ أَنْ يبدأ العراق بإجراء اِتصال مع إسرائيل في السر أو في العلن ــ لا يهم.

3 ـ وأنْ تكون بغداد جاهزة بدورها للسلام مع إسرائيل.

وكان تعليق الملك أمام سامعيه ــ كما ينقل السيد محمد حسنين هيكل كل ذلك في جــ 3 من ملف المفاوضات بين العرب وإسرائيل ــ: لم يكن في كل هذه الشروط شرط أمريكي واحد، وإنما كانت كلها كما ترون شروطاً لإسرائيل)). إذن الرؤية الفكرية والسياسية ــ إذا ما أخذنا معنى الحرب بالصورة العلمية التي حدد مفهومها كلاوزفيتز ــ واضحة في توجهها ومضمونها.

ولكن ماذا يستهدف الأمريكيون من جرّاء عملهم السياسي الإستراتيجي في المنطقة العربية، إذا أخذنا واقع الممارسات الأمريكية منذ قيام كيان الاِغتصاب الصهيوني للآن، فضلاً عن التصريحات السياسية التي أدلى بها المسؤولون الأمريكيون ــ التي اِزدادت وتيرة وضوحها بعد عدوان حزيران عام 1967 على مصر جمال عبد الناصر الخالد ــ نستخلص الاِستنتاجات التالية: ضمان أمن مصالحها. فرض الخط الاِستسلامي على العرب لصالح الكيان. ضمان التفوق الصهيوني المطلق على كلِّ العرب. تفكيك الروابط المشـتركة بين أقطار الأمة العربية، من خلال تعميق التجزئة، وتجزئة التجزئة، وتفتيت الوحدات المجتمعية القطرية، إلى فئات متقاتلة تبحث عن ما يشبع بطنها ومنعها من التفكير في الطموحات السياسية بصدد وطنهم وأمتهم العربية لا حاضراً ولا في المستقبل، وكذلك تمهيداً لجعل العرب يدورون بفلك القوة القادرة: الكيان الصهيوني. القضاء على أية قوة عربية فاعلة لصالح ذاتها القومية، من خلال تصفية قوتها العلمية البشرية ومنجزها الذي تحقق.

لقد كان خط السياسة الشرق أوسطية هو الخط الدبلوماسي والعسكري الذي اِختطته الولايات المتحدة بشــكل واضح منذ سقوط غريمها أو منافسها الاِتحاد السوفييتي، وشنَّها الحرب الشاملة على الدولة العراقية في عام 1991، ولم يكن شمعون بيريز يهرف بما لا يعرف حول النظام الشرق الأوسطي القادم، لذلك اِنطوى عنوان كتابه على تهديد مبطن موحٍ بما فيه الكفاية لكل المخلصين لأمتهم العربية، إذ أكد على كونه: نظام لا يطيق المتخلفين عنه ولا يغفر لمن لا يريد طاعته أبداً. ذلك هو المعنى الحقيقي لعنوان كتابه. كان بيريز يستشف الأهداف السياسية الحقيقية التي رسمها الصهاينة اليهود الحاكمون للبيت الأبيض والمسـيطرون على القرار السياسي لأمريكا، إذن فرض الشرق الأوسطية هو الذي يستلزم القضاء على طموحات الدولة العراقية: فكرياً وسياسياً، عبر الحرب التدميرية الشاملة، بغية تحويل أمثولة الاِتفاقات الإسرائيلية ــ مع سلطة السادات وحكومة الملك حسين في كامب ديفيد ووادي عربية والسلطة العرفاتية في أسلو وغيرها، إلى نوعٍ من ((الظفر السياسي والاِزدهار الاِقتصادي)) كما يرتئي بيريز وتحوله في المدى البعيد إلى نهج سياسي يؤدي إلى ((إزالة الحواجز وتوسيع الطرق من أجل توفير الحرية لاِنتقال البضائع والضيوف في جميع الأماكن المقدسة والأماكن الأخرى)).

ولكي نخطو خطوة أخرى نحو المستقبل المُتصوَر في الفكر الصهيوني، مع ما تقدم من اِستخلاصات سياسية واِستنتاجات فكرية، ينبغي لنا قراءة ما كتبه الإِستراتيجيون الصهاينة حول الأفق الذي يتطلع إليه سادة الكيان الصهيوني على المستوى الاِقتصادي، إذ يقول الاِقتصادي العربي السيد محمود عبد الفضيل: ((يقوم النظام الاِقتصادي الشـرق أوسطي الجديد على ربط شرايين الحياة الاِقتصادية العربية: المياه ــ النفط ــ السياحة ــ التقانة بالاِقتصاد الإسرائيلي. وينهض المنطق الإستراتيجي الإسرائيلي بهذا الصدد على مقولة هامة مؤداها أنَّ تنمية شبكة واسعة ومتنامية من التشابكات الاِقتصادية بين الاِقتصاد الإسرائيلي والاِقتصادات العربية

، من شأنه أنْ يجعل كلفة الاِنفصال عالية جداً بالنسبة إلى الأطراف العربية التي تود الاِنسحاب أو الفكاك من إسار الترتيبات الإقليمية)) ولا شــك إنَّ ما نشــاهده على مســتوى مصر وقطر، وموقف سلطتيهما راهناً من العــدوان الأمـريـكـي - البـريطاني على العراق، مجــرد أمثلة على ذلك الاِتجاه الصهيوني...

أمثلة عملية تصلح للتعميم مستقبلاً.

إنَّ القناعة السياسية التي تتردد على لسان العدوانيين في الكيان الصهيوني وأمريكا، طوال السنوات الفائتة لدى مسؤوليهما، ومؤداها إنَّ طريق السلام المطلوب أمريكياً وصهيونياً يمر في بغداد... إنَّ هذه القناعة ليست نبتاً شيطانياً برز بشكل مفاجيء وعلى حين غِرة. إنه شعور سياسي وفكري تناميا جراء اِيمانات أيديولوجية في تفكير وعقلية الصف القيادي المخطط للإدارة الأمريكية: إنهما يؤمنان بأنَّ الكيان الصهيوني وهدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل هو المقدمة الإجبارية لنهاية العالم الذي يؤسس فيه السيد المسيح وحوارييه حكمهم على الأرض، على أسس التزاوج الفكري بين العهد القديم والعهد الجديد وتلقيحه بنزعة التفوق العسكري المطلقة، وتطبيق مفردات هذه الرؤية البرنامجية حرفياً في المنطقة العربية: من خلال مواجهة ((البرابرة العرب)) وأولئك ((الهمج المتخلفين)) عسكرياً للقضاء عليهم، وحذفهم من صفحة الفعل التاريخي المخلص للذات الوطنية والقومية العربيتين. إنَّ ما يجري في فلسطين والعراق من إِبادة نوعية للبشـر والشـجر والحجر من الجو والبر يبرهن على ذلك البرنامج السـياسـي بصورة ملموسة.

إنَّ وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد وريتشارد بيرل وبول وول فتز وهم ــ وغيرهم أيضاً من اليهود المتمركزين في الإدارة الأمريكية ــ معروفٌ دورهم في رسم خطة العدوان على العراق، وتوفير خطوات تبرير تلك الحرب من الناحية السياسية والدعائية، تحت خلق وتضخيم ذرائع خطر أسلحة الدمار الشـامل على المدنية المتحضرة، وتهديدها للحياة الأمريكية، ومتابعة أكذوبة خطر القوة العراقية التي تتحدى السياسة الأمريكية العالمية، بما يوازي فكرة تدحرج كرة الثلج التي تكبر بمضي الوقت، بغية تحقيق الهدف الأمريكي القاضي بفرض السـيطرة على كل العالم، من خلال تقوية كيان الاِغتصاب الصهيوني والسيطرة على النفط العراقي: المؤثر في ميداني الاِحتياط والإنتاج ودعم منظمة أوبك.

وما تأييد وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد لسياسـة بناء المستوطنات اليهودية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، التي هي وفقاً لمنطق القانون الدولي، ممنوعة ويجب عدم تغيير معالم الأرض المحتلة وطابعها، وتصريحه الذي يؤكد على وصفها بأنها أراضٍ يهودية كــونها ((نتيجة شــرعية لاِنتصـار إسرائيل العسكري)) سوى مؤشر على اِتجاه ذلك التوجه. وحض بعض إداريي الحكم الأمريكي إلى ضـرورة ((التأييد لســياســة التطهير العرقي فيما يخص الفلسـطينيين - الترانسفير -)) للأردن، للاِستقرار فيه أو الرحيل من هناك إلى العراق. ودعوة ريتشارد بيرل وأحد موظفي وزارة الدفاع الأمريكية حكَّام تل أبيب إلى التخلي عن ما يسمى بعملية السلام التي أنتجتها مباحثات ــ واِتفاقات ــ أوسلو، واِنتهاج سبيل الاِضطهاد والقصف والقمع والقتل والاِغتيال طريقاً وحيـداً للقضاء على ((التخريب الفلســطيني)) وهم يقصدون بذلك محاولة إنهاء الملحمة الكفاحية الفلسطينية: الاِنتفاضة الشعبية الهادفة إلى إنجاز مهمة حق تقرير المصير... إنَّ كل ذلك ما هي إلاّ أمثلة على أنَّ النصر الشامل والساحق على الدولة العراقية ــ كما يتمنى الأمريكيون والصهاينة ــ يقوض الروح المعنوية عند الفلسطينيين الباحثين عن حل لقضيتهم عبر الكفاح السياسي والقتالي والاِستشهادي اليومي.

إنَّ الجغرافية الفلســطينية الضيقة على مساحة الطموحات الصهيونية، تقتضي حكماً ـ وفقاً للمنظور الصهيوني ـ تفريغ أهلها الشرعيين من موطنهم وترحيلهم إلى الخارج، بعيداً عن فلسطين: وطنهم التاريخي، والقاريء الموضوعي النزيه للتطورات الديموغرافية على المستوى الفلسطيني، يتبين حتماً: إنً الأرقام وفقاً لنسب التطور الرقمية على صعيدي المهاجرين المستوطنين اليهود، والفلسطينيين العرب: المسلمين والمسيحيين، وولاداتهم الكثيرة وتنامي أعدادهم، سيجعل من الخمسةَ عشرةَ عاماً القادمة طريقاً وحيدة الاِتجاه: نفي أحد الطرفين، إذ لن تسع المساحة الفلسطينية لمجموع التكوينين: المجتمع العربي الفلسطيني الذي سيبلغ الثمانية ملايين، والمتدفقين الغزاة الصهاينة الاِجلائيين للفلسطينيين والاِحلاليين للصهاينة الذين يحاولون تجميع أغلب يهود العالم في فلسطين وبلوغهم الرقم سبعة ملايين. إذن ما هو الحل من وجهة نظر العدوانيين الصهاينة والأمريكيين؟!

يكمن الحــل وفق المنظور الصهيوني الذي بشّرت به الحركة الصهيونية منذ عشرات السنين ـ ربما كان ذلك في بدايات القرن العشرين ـ ترحيل السكان الفلسطينيين إلى العراق القليل من الكثافة السكانية؟! أو القادر على اِستيعاب المزيد من السكان، أما الطريقة المُثلى فهي نشر الحروب العبثية في الوطن العراقي بعد تعميق الشروخ داخل المجتمع: الطائفية والأثنية، لترحيل فلاحي الجنوب! القاطنين في بغداد إلى ((دولتهم الطائفية في الجنوب)) المنتظر تطبيق مخططاتها المودعة في ملفاتها القابعة في أدراج الخارجية والبنتاغون الأمريكيتين، التي بدأت مع قرارات الحظر الجوي الأمريكية... ترحيل الفلسطينيين كونهم من العرب السنة الفلسطينيين الذين يتواءمون في القومية والاِعتقاد مع العرب السنة العراقيين إلى الوسط البغدادي، من ناحية، وتعميق الخلافـات بين مكونات المجتمع العراقي لبلوغ درجة الاِقتتال الداخلي: العربي والكردي والتركماني وصولاً إلى إيجاد منطقة عازلة ومسكونة، بين العرب والآخرين في المنطقة المجاورة لمنطقة الموصل، من ناحية أخرى.

عند ذاك يجد كيان الاِغتصاب الصهيوني نفسـه ((الدولة اليهودية النقية)) الخالية من ((شوائب الدماء غير اليهودية، غير النقية)) في ترسيخ للرؤية العنصرية الصهيونية لفلسطين العربية وأرضها الخالية من البشر، لتوريد شذاذ الآفاق اليهود الصهاينة من كل العالم إليها، بغية الاِستيطان فيها وترجمة الوعد التوراتي القاضي بمنح الأرض الفلسطينية لليهود: لنسلك يا داوود أعطي هذه الأرض.

تأتي هذه المفـردات العدوانية الأمريكية ـ البريطانية: التي منحـت الـوعد البلفوري لليهود، ورعت تأسيس كيانهم بالهجرة والنمو والصيرورة، تمهيداً لإنجاز الهدف السياسي على المستوى الذي يخدم الكيان الصهيوني. إنَّ الوعي بهذه السياسية التي ينفذها الأمريكيون بصورة عنيفة عبر الحرب والغزو والعدوان يصعِّد عمل المقاومة العراقية الوطنية التي يمكن رفدها بالعمق الشعبي العربي المقاوم، ويساندها ملايين المسلمين في العالم، وينمِّيها حتماً أيضاً، فليس أمام شعبنا غير اِنتهاج طريق المقاومة الذي يخدمه في ذلك التوجه الكفاحي: تراث عربي إسلامي مقاوم، يرى في الموت أمنية تثبت مصداقية المرء المؤمن دائماً وأبداً: ((قل إنَّ الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعلمون)) لذا نؤكد على القول القرآني: ((فتمنوا الموت إنْ كنتم صادقين)).

إنَّ التصريحات الأمريكية حول الاِعتراف بالكيان الصهيوني باِعتبارها إحدى المهمات المناطة بالحكومة الجديدة القادمة، وإقامة العلاقات السـياسـية الشـرعية معه، وإيصال الأنبـوب النفطي العراقي المغلق منذ العام 1948 ـ عام تأسيس كيان الاِغتصاب الصهيوني ــ إلى حيفا في الكيان الصهيوني، وفق الرغبة الصهيونية المعلَنة بلسان أحد مسؤوليها، وغير ذلك الكثير الوفير، يكشف عن قمة الرأس الجليد الغاطس وسط مياه المخططات المشتركة عند الطرفين، ليس إلاّ، وليس أمام الجميع من العراقيين والعرب المخلصين إلاّ المقاومة فقط، والاِستمرار في اِنتهاج طريق المقاومة الشاق والطويل.

5/4/2003

 

السيطرة على منابع النفط والاِستحواذ على الثروات

وتصفية أوبك من بين أهداف الغزو للعراق

النفط والثروة النفطية كانت ــ وماتزال ــ مثار الحديث الأثير على قلوب المتابعين، ليس لكونها المادة الحيوية التي تزود الآلة الصناعية العالمية في كل الدول الغربية بطاقة اِستمرارها، فهي كانت ــ وأيضاً الآن ــ ذلك النسغ الصاعد الذي يديم الحياة في تلك الصناعة. وليس السبب الحيوي الكامن في دور منظمة ((أوبك)) الذي يحدُّ من سيطرة الدول المستهلكة على تحديد الأسعار في السوق الدولية على أهمية ذلك السبب. وإنما بسبب الطابع التكويني للإدارة الأمريكية الحاكمة أيضاً، وصلتها بالشركات النفطية الاِحتكارية، التي تتربع على عرش السلطة الحاكمة في تلك الإدارة، ورموزها الأساسيين، من الذين ينتمون إلى الحزب الجمهوري الذي فاز بالاِنتخابات وفق قرار المحكمة الخاصة وبأغلبية ضئيلة من الأصوات.

فمن المعروف جيداً إنَّ الرئيس الأمريكي جورج W بوش هو سليل عائلة نفطية مشهورة، تسيل الكثير من اللعاب لمنظر تدفق أرباحها الوفيرة. وتبوأ المركز الأول في السلطة، يجعل من إمكانية تحقيق الحلم الأمريكي بالاِستحواذ على هذه الثروات البترولية الطائلة إمكانية متوفرة، أو بالأحرى تحقيق الأرباح للذات البوشية بذريعة تحقيق المصالح الأمريكية. وديك تشيني هو أحد أعمدة الحزب الجمهوري ووزير الدفاع الأسبق: إبَّان عدوان عام 1991 على الدولة العراقية، نائب الرئيس الأمريكي الحالي وأحد الرموز النفطية المالكة لهذه الثروة الحيوية، ويكفي للتدليل على ذلك ما ذكرته أحد التقارير إنَّ: [الجهات الأمريكية أَعدَّت دراسات حول عملية اِعمار العراق والاِحتياجات، ووقعَّت في الأسبوع الماضي {أي في اليوم الأول للعدوان} على عقد مع شركة (ستيفدورينغ سيرفيسزأوف أمريكا) لإدارة ميناء أم قصر، كما أعطى الجيش الأمريكي عقداً لشركة ((هاليبيرتون)) ذات العلاقة مع نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني لإطفاء حرائق النفط المشتعلة]. ومسؤولة الأمن القومي الأمريكي كوندا ليزا رايس العضو السابق ــ قبل اِنتقالها للعمل في إدارة جورج بوش ــ في مجلس إدارة شركة شفيرون ــ تكساس، إحدى أكبر الشركات العالمية المتحكمة بصناعة النفط.

كان التخطيط السياسي لأوضاع المنطقة يؤكد على بعدين أساسيين في طابعهما الإستراتيجي، الأول هو ضرورة فصل الثروة البترولية عن شؤون السياسية الهامة الأخرى، ويتم ذلك عبر فصل المواقع التي تحتويها مثل هذه الثروة الحيوية عن المناطق الإسلامية المقدسة: الكعبة وقبر الرسول والمسجد النبوي الكبير، من خلال تجزئة سلطتيهما، ويمكن تحقيق ذلك عبر فصل المنطقة الشرقية ذات الأغلبية ((الشيعية)) عن السلطة ((الوهابية)) في نجد، وما يقتضيه أو ما يعنيه من ضرورة التفتيت المرتقب للمجتمع العربي في الجزيرة العربية، وفي هذا النطاق يمكن العودة بالأسرة الهاشمية لحكم المناطق المقدسة تمهيدأ لتأسيس الدولة الفلسطينية في الأردن اِستجابة للرؤية الشارونية، من ناحية، وتصعيد رؤية أولوية الخطر العراقي الماثل على الجوار العربي، لا سيما على مستوى أنظمة الخليج العربية وفي الجزيرة العربية، قبالة تنزيل مبدأ أولوية الخطر الذي يشكله الخطر الصهيوني على الأمة العربية، من خلال فرض مفهوم الشـرق أوسطية، والاِستيطان، والتوسع الصهيوني.

وليس خافياً على أي متابع موضوعي في هذا المجال القول: على أنَّ الدولة العراقية تتوفر على الاِحتياطي الأول عالمياً في الثروة النفطية، بعد المحاولة المشوشة المبذولة بهدف التستر على الأرقام الحقيقية لهذا الاِحتياطي، التي كانت تقول سابقاً إنها 112 مليار برميل وتمتلك الموقع الثاني بعد المملكة العربية السعودية التي يبلغ اِحتياطها حوالي 212 مليار برميل، في حين يعلن جيمس بول العضو في مجلة ((السياسة الدولية)) التي تصدر من نيويورك، بُعَيَدَ وقوع العدوان على العراق بأنَّ الأخير يحوز على ما يزيد عن 400 مليار من البراميل النفطية من الاِحتياطي المؤكد، علاوة على أنَّ كلفة اِستخراج البرميل الواحد تساوي دولاراً واحدا في الوقت الذي يكلِّف اِِستخراجه في غير العراق ما لا يقل عن الخمسة دولارات، نظراً لقرب المخزون البترولي من سطح الأرض ورخص أجور اليد العاملة في العراق.

لقد أكد تقرير حول سياسة الإدارة الأمريكية ــ أية إدارة ــ في الشرق الأوسط ينبغي أن تكون المصالح الأمريكية هي المحور الأساس في ممارساتها من ((دون قيود)) وهي وحدها صاحبة الحق في توصيف هذه المصالح، من دون أنْ تلقي بالاً لأية ضغوط أجنبية. وإنَّ ممارسة مهماتها في الأمم المتحدة أو خارجها ينبغي أنْ تخضع لرؤيتها المصلحية في المقام الأول، وفي هذا السياق يمكن تبين المهمة الفعلية لبليكس التفتيشية. وفيما يتعلق بالعراق ينبغي أنْ يحدث التغيير فيه عبر ((الدعم من الخارج بالعنف)) من أجل تشجيع عملي للمفاهيم السياسية الأمريكية، وللتعريف بالقيم العولمية، والديموقراطية السياسية المزعومة، والممارسات الأمريكية التي تروجها الدعاية الواسعة، الأمر يفسر سبب تسمية العدوان والغزو للعراق باِسم ((حرية العراق)) تلك الحرية التي تعني قتل النساء والأطفال وهدم الدور على رؤوس ساكنيها عبر القصف الجوي الهمجي، من جهة، والدعاية الفكرية والسياسية التي بذلتها سابقاً القوى الدائرة في فلكها من سلطات عربية وأتباعهم، من جهة أخرى.

ولكن هل هـدف الاِستيلاء على العراق وثرواته النفطية، الكنز الذي يقصده بوش؟ كلا أبداً، لأنَّ قوتها العسكرية تتعامل مع ((مناطق)) وليس ((مواقع)) مع ما يعنيه ذلك من رفض لقوة إقليمية عربية تحاول خدمة ذاتها القومية العربية، فضلاً عن إنها تحاول ــ أو تقرر ــ اِمتلاك ((رؤية الأفق كاملاً وسلطة الحركة عليه بمفردها)) كما ينقل محمد حسنين هيكل ذلك.

ولكن ما هي مقدمات العدوان على العراق، والغزو لأراضيه: تنصح الرؤية الأمريكية المرصوفة في ذلك التقرير الإدارة البوشية باِتباع الخطوات التالية:

منع ما يسمى بأسلحة الدمار الشامل، وإيجاد توافق دولي عربي أو إقليمي على تأييد مهمة تفتيش عالمي لدولة متهمة باِمتلاك الأسلحة المزعومة، وفي حالة الرفض، ينبغي اِمتلاك القوة القادرة على فرض التفتيش تمهيداً لتنفيذ مهمة إستراتيجية سياسية تهم المصالح الأمريكية.

وعلى الإدارة أنْ تكون متأهبة لاِستخدام الطاقة العسكرية القصوى ــ طاغية ــ ضد العراق في حال عدم اِستجابته لتعليمات الإدارة الأمريكية ــ عبر الأمم المتحدة إنْ أمكن ــ أو عن طريق تحالف دولي شبيه بتحالف عام 1991، وفي حال عدم القدرة على تنفيذ ذلك التصور، ينبغي أنْ تكون ((الإدارة جاهزة للعمل مع عدد قليل من الأصدقاء يدركون الخطر العراقي، ويتابعون خططه في مجالات الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والنووية)) المزعومة، وهو ما تجسد واضحاً في تعاون المملكة البريطانية مع الولايات المتحدة الأمريكية وطابعها التبعي في هذا الغزو المشين.

ولكن التطلع للاستحواذ الكلي على الثروات النفطية، علاوة على الإِغراءات التي قدمها العديد من العملاء والمرتزقة والأدلاء الأذلاء الذين ينتمون للعراق اِسماً وللعرب مظهراً وسمةً، تناست تعهداتها حول: ضرورة ((اِستعمال القوة يجب أنْ يكون في أعقاب اِستنفاد كافة الوسائل الأخرى إذا كانت النتائج ستخلق اِضطراباً اقتصادياً)) أو توقعاً لإنقاذ الاِقتصاد الأمريكي من أزمته الحادة، قد سـرَّع في عملية الغزو واِرتـكـاب العدوان العسكري الفظيع الوضيع. يساعدها في ذلك أصحاب قارون ممن يمتلكون الثروات النفطية، محولين هذا السلاح من اليد العربية المسلمة إلى يد الأعداء الكفار، نتبين ذلك بصورة جلية من مسارعة سلطة آل سعود لزيادة إنتاجها في تعويض السوق العالمية لما فقدته جراء توقف تصدير النفط العراقي، من ناحية، والتعويض عن النفط العراقي المصدَّر لصالح الشعب الأردني، بناء على توافق أمريكي سعودي بغية فتح الساحة الأردنية لعشرة آلاف ضابط وفني أمريكي على أمل القيام بمهمات تخدم حماية كيان الاِغتصاب الصهيوني من اِحتمال تكرار تجربة القصف العراقي للكيان والتصدي لها، عبر التسلل إلى الصحراء الغربية العراقية والمراقبة والرصد، من ناحية أخرى.

وفوق ذلك، إنَّ تلك السلطة قد أسهمت إسهاماً كبيراً في إغراق السوق العالمي بالنفط، حتى ــ وفقاً لقول البعض ــ فاض عن الحاجة، خدمة للرؤية الأمريكية، ومساهمة منها في منع تأثير النقص الحاصل في هذه الطاقة على الحياة المرفهة للفرد الغربي، ناهيك عن وضع قاعدة الأمير سلطان لخدمة الخطط الأمريكية التي أرسلت إليها أكثر من خمسة آلاف فني وعسكري يرفدون القوة الجوية الأمريكيـة بالتعليمات الخاصة لقصـفها المتتابع للأطفال والنسـاء العراقيات، ولا شك إنَّ الجهد السعودي هذا لا ينفصل أبداً عن توفير آل صباح المكان والأموال لهذا الغزو، ومن توضع عسكري لاِنطلاق العدوان العسكري الأمريكي على الدولة العراقية، بعد أنْ ملئوا الدنيا عويلاً وصراخاً حول فقدان سلطتهم جراء الدخول العراقي للأرض الكويتية في الثاني من آب عام 1990.

ولنا الإستخلاصات التالية بصدد نتائج الغزو للعراق:

1- إنَّ العدوان على العراق والغزو الأمريكي ـ البريطاني على العراق بغية الاِستحواذ على نفطه والسـيطرة على ثرواته لن يكون بمعزل عن تفريغ قوة أوبك التفاوضية بشأن الأسعار وتحديدها لصالح المنتجين، بالرغم من تضعضها بسبب تبعية بعض المنتجين لها. وذلك أحد الأهداف الجانبية الذي سيفرزها الاِحتلال للعراق إذا تم بصورة تامة.

2- سينجم عن الغزو الأمريكي ـ البريطاني [في حال نجاحه] إلغاء كل الاِتفاقيات النفطية التي عقدتها الشركات الروسية والفرنسية مع العراق بذرائع مختلفة، من بينها قد يكون الإحراق المتعمد لبعض الآبار النفطية، إذ أنَّ ذلك سيعطي المبرر القانوني لعملية الإلغاء لتلك الاِتفاقيات.

3- ستتحكم الولايات المتحدة الأمريكية فيما إذا تمكنت من إنجاز أهدافها العسكرية والسياسية بالمنتوج النفطي العالمي، وتحديد سعره، وهو ما سيشكل في حـال تحققــه، الطــوق الخانــق الذي يلتف حول العنق الألماني والياباني عند اِِستهلاك الطاقة لمؤسـســاتهما الصناعية. وكذلك إحكام الخنق المتدرج حــول الرقبة التسعيرية للنفط الروسي بما يقل عن كلفة الإنتاج التي لن تتجاوز الثلاثة عشر دولاراً كحدٍ أدنى.

6/4/2003

 

بيان التحالف الوطني العراقي

بغداد مُحاصرة والغزاة يدكون عنوان الحضارة العربية الإسلامية

يا جماهير شعبنا العراقي...

يا أبناء الأمة العربية المجيدة

منذ هذا اليوم فجر السابع من نيسان من عام 2003 يحاول الغُزاة العدوانيون تطويق بغداد، العاصمة العراقية البطلة، بغداد الحضارة العربية الإسلامية وعنوان شموخها وأنفتها وعزتها، بغداد أبو جعفر المنصور وهارون الرشيد ودار الحكمة المأمونية ومدارس الفقه وعلم الكلام والشعر واللغة العربية... بغداد عروس العروبة وألق الأمة وروعة التاريخ وجذوتها المتقدة، بغداد الحركة الجياشة ضد المستعمرين الإنكليز المجرمين طوال أعوام العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، ومركز تأسـيس الدولة العراقية ونقطة الجذب المركزية لكل العراقيين في بناء حاضرهم ومستقبلهم، عاصمة ثورة العام 1941 التحررية الوطنية ضد الاِحتلال البريطاني الثاني بقيادة المجاهد الكبير العقيد الشهيد صلاح الدين الصبّاغ والشهيد الفقيد يونس السبعاوي، بغداد ثورة 14 تموز 1958 بقيادة الضباط الأحرار الذين تمكنوا من طرد الاِستعماريين البريطانيين وكنس عملائهم، والقضاء على نفوذهم، وتصفية مرتكزاتهم السياسية والاِقتصادية والفكرية.

إن أبناء بغداد المضيئة بالعلم والحضارة العربية الإسلامية يدافعون عن كل مقدساتها، بغداد المُسيجة بالسواعد الفولاذية المدافعة عن حياض الوطن، والساعية للدفاع عن كل ذرَّة من التراب الوطني، المجاهدة عن الورقة الزاهرة من شجرة نمونا الباسقة، والمقاتلة عن الفكرة المشِّعة من إبداعات شعبنا الباسل، والمقاومة من أجل الاِلمحات اللامعة من شعرائنا وكتَّابنا، والبواسل الذابِّين عن فنانينا ورسامينا، والمدافعين عن كل مبدعينا الذين وعوا اللحظة التاريخية الراهنة، الذين تمثلوا كل كلمة حلوة قيلت في ديوان شعر ومحفل ذكر ومجلس فقه... إنَّ أبناء بغداد من كل الفئات العمرية وكل الاِنتماءات الاِجتماعية... يفدون القيم العراقية بمهجات أرواحهم، إنهم يدافعون بإِرادتهم الحرَّة الواعية عن الملاذ الأخير للتحرر العربي المستقل، والمكان الذي يشكل سنام الأمة الحضاري والمعرفي والعلمي، موئل الجامعات والمعاهد والعلوم، والبيت الذي اِستقبل كل العرب الساعين للعلم والمال والنور الفعلي، لصالح ذات الأمة وفي سبيل رفعتها وسموها ونصرة دينها المقاوم، لا الموظَف لصالح الأجنبي الأمريكي البريطاني الذي يقدّمه التافهون المستخذون من الأعراب الحاكمين المتحكمين برقاب شعوب الأمة العربية. المُستعبدون عنــد الأجنبي من أمريكيين مســيحيين متصهينين، ويهود صــهاينة، وبريطانيين غزاة صليبيين.

 

يا أبناء أمتنا العربية المجيدة...

يا أنصار الحضارة العربية الإسلامية

بغداد يحرقها الغزاة بطائراتهم الهمجية المتطورة، ويحاصرها التتار الجدد بأسلحتهم، بعد أنْ رسـمت عصابة اليهود الصهاينة في واشـنطن خططها لحرق بغداد، وكلَّفوا إدارة بوش بتنفيذ مفردات هذه الجريمة الوحشـية البشعة بحق أبناء شعبنا العراقي، وخاصة القاطنين في عروس العواصم وأم العلم والعالم: بغداد، وما كان للغزاة أَنْ ينجزوا كل هذا الجهد العدواني لولا تواطؤ الحكّام الأعراب الأنذال في بلدان الساحل الخليجي العربي، من الرموز القبلية التي نصبَّها المستعمرون البريطانيون حكَّاماً على بلدانهم والمتحكمون في أمــوالهم، وتوظــيفهم الأمــوال البترولية في خزائن العدوان الأمريكي ـ البريطاني على العراق... وما كان لهذا العدوان والغزو يأخذ كل أبعاده الإجرامية الهمجية من غير توظيف الأرض المجاورة لخدمة الأعداء وتحركاتهم العسكرية، ومشاركة طواقمهم العسكرية والإدارية في مطاراتهم في بذل الجهود لتسهيل عمليات القصف والإبادة والإنزال الذي ينفذه الغزاة المعتدون... لقد شـاركت قناة السويس التي يتحكم بعملها نظام كامب ديفيد المصري في هذا العدوان البشع، وعلى الضد من رغبة الشعب المصري الذي ملأ الساحات المصرية بالأصوات المدوية والتلويحات التي تؤشِّر قبضاتها بإدانة السلطة الحاكمة المدعومة بالرؤية الأمريكية ــ الصهيونية التي يقودها حسني البارك أمام الصهاينة. مثلما شارك بهذا التدنيس القذر لبغداد المجد، الرغاليون في الشمال، والعلقميون الملتزمون بالغدر الفارسي، والعملاء الصغار.

 

يا جماهير شعبنا العظيم...

يا أبناء أمتنا العربية

إنَّ الغزاة يهدفون تدنيس ثالث عاصمة عربية، بعد القدس وبيروت، ويشملون بغداد بالعدوان العسكري الواسع الشامل، المتعدد الإجرام والوسائل الخسيسة، تمهيداً إلى اِستكمال اِحتلال وطننا العراقي الباسل المجيد الزاهر دوماً وأبداً، واِنتهاك كل مقدساتنا التراثية والحالية، وتنصيب حكومة عميلة للغزاة الأمريكيين ـ البريطانيين، حكومة متصهينة في المضمون بالرغم من ((عراقية)) وجوهها، تبصم على الخطط الأمريكية التي تتطلع للسيطرة على النفط وخدمة الكيان الصهيوني وإرجاع العراق القهقرى، والتواجد العسـكري المديد فوق الأرض العراقية المقدَسـة... فإلى إلى المقاومة الشعبية الباسلة، وإلى التصدي للغزاة. لقد أعلنها الأعداء حرب إبادة للبشـر والحجر العراقيين، فلنكــن كــلنا... شيباً وشباباً... أطفالاً وشيوخاً... رجالاً ونساءً... يافعين ويافعات جديرين بالموقف البطولي الذي سيسجله التاريخ الناصع بحروفه الذهبية المضيئة الخالدة...

التحالف الوطني العراقي

7/4/2003

 

بيان التحالف الوطني العراقي

التطورات الأخيرة في العراق: اِنتصارات عسكرية أشد عاراً من الهزائم

يا جماهير شعبنا البطل... يا أبناء أمتنا البواسل

منذ هذا اليوم الأربعاء الموافق 9 نيسان عام 2003 دنس الغزاة بغداد، ليجتاح التحالف الصليبي الصهيوني ثالث عاصمة عربية: بعد القدس وبيروت، في أعقاب حرب همجية ظالمة بشعة وإجرامية قلَّ نظيرها، اِستخدم الأمريكيون العدوانيون فيها كافة أنواع الأسلحة المحرَّمة وغير المحرَّمة، من الجو والبر والبحر، الصواريخ العابرة لـ((الحدود العربية!!)) والطائرات المتطورة والهليوكوبترات المتقدمة ودبابات إبرامز والقذائف المتنوعة ذات القدرات التفجيرية الهائلة. ولا نسـتبعد أبداً شنّ الغزاة الأمريكيون عدوانهم بالغازات السـامة أو المشِّـلة على المراكز القيادية للجيوش ـ أو قصفهم الماحق ـ المدافعة عن العاصمة العباسية الخالدة، لفصل الرأس المفكر عن الجسد المقاتل، وإلا بماذا نفسِّر صمت المقاومة العسكرية معقد رجاء العراقيين وأملهم؟ وسكوت المدافع حتى من إطلاق النيران ضد القوات الغازية التي دنسـت الجو والبر؟ ولماذا جرى ضرب المراكز الصحفية والإعلامية العربية القريبة من مواقع المجابهة؟ ولأي سبب جرى إِسكات أي صوت ينقل حقيقة الأحداث الجارية فوق أرض المعركة؟

لقد دنسَّ الغزاة بغداد وكشف فيها العسكر الأمريكيون نياتهم الحقيقية لمفهومهم الفعلي ((للحرية)): الفوضى العارمة... فوضى النهب والمصادرة وتخريب المنجز الحضاري العراقي على كل الصُعُد، يشجعون اِنتشار العبث الأمني وتفشي الخراب الاِقتصادي الجاري تنفيذه بيد العناصر المتخلفة التي كانت تصفق لكل مَـنْ هب في عالم السياسة ودب في سوق التأييد غير القائم على الوعي التاريخي المبادر، وتدفق على العراق السياسيون اللصوص المرتشون من أجهزة المخابرات الأجنبية وحكام الخليج والسعودية، العملاء الواعون لمهمتهم التي لِقنوا بها طويلاً، يجرون في أذيالهـم النجسَّــة المجندِّين بمرتبات الدولار الأمريكي المتدربين في معســـكراتها... يسحبون وراءهم المتخلفين فكرياً ومعرفياً ممن لا يدركون قوانين التاريخ التي تحكمت بمفردات الصراع بين أمتنا العربية الإسلامية، من ناحية، والغرب الســياســي الأساسي وفق نوعية القوى المسيطرة على إداراته العسكرية المتعددة، من ناحية أخرى.

لقد بينت غزوتهم العسكرية التدميرية المعنى الحقيقي لمفاهيم المحافظين الجدد والصليبيون المتصهينون ورموز الإيباك من المفكرين والعسكريين العتاة المسيطرين على الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية. مثلما تبينَ على ضوء هذا العدوان الهمجي الدور الحقيقي لتشابك المصالح عند تجار النفط والجنرالات العسكريين المتنفذين الحاكمين في الإدارة الحاكمة: جورج W بوش العسكري الطيار، والجنرال ديك تشيني وزير الدفاع الأمريكي الأسبق، وكولن باول رئيس هيأة الأركان في الجيش العدوان الأمريكي، وزير الدفاع رونالد رامسفيلد، يرفدهم فكرياً بول وول فيتز، وريتشارد بيرل من قادة المحافظين الجدد الذين تشربت ذهنيتهم الحقد اليهودي الصهيوني حتى الثمالة. إنهم الجوقة العسكرية أساساً التي تدَّعي الحرص على المفاهيم الحضارية الإنسانية، ولكن غزوهم للعراق قد كشف عنصرية رؤيتهم ودجلهم الفكري وخطوط رؤيتهم السياسية.

 

يا جماهير شعبنا العراقي... يا أبناء الأمة العربية

يستطيع الغًزاة العولميون إِدعاء النصر العسكري الكلي على الجيش العراقي الباسل. ويتمكن السلاطين السِفْاحيون الصباحيون الحديث حول النجاح في تأليب الأمريكيين ـ البريطانيين لشَّنِ العدوان الظالم على العراق. مثلما يتمكن أشقاؤهم الأعراب الحاكمون في قطر والبحرين والجزيرة العربية، وعبد الله القزم الملك الأردني الفرح سراً وجهراً بذلك الاِنتصار الصليبي الصهيوني على أبناء الحضارة العربية الإسلامية. كما يمكنها المعارضة الذليلة السائرة خلف أذيال المنتصرين الأمريكان الإدعاء بتحقيقها الاِنتصار من خلال ركوبها في العجلات الأمريكية كمجيد الخوئي وأحمد الجلبي ومَنْ لف لفهم... ولكن الأيام القادمة ستبرهن لهم ولغيرهم على إنَّ هذه الاِنتصارات العسكرية ستكون أشد عاراً من الهزائم البشعة، وهي اِنتصارات مكللة بأشلاء الضحايا ودماء الأبرياء وأرواح الأطفال: ملائكة الله على الأرض، وودائع الرحمن في هذه الدنيا، وسجلات الشهداء المدافعين عن الأرض والعِرض والوطن والدين.

إن هذا الانتصار العسكري للأعداء لن يكون نهاية المطاف في الصراع ضد الغزاة، وستثبت الأيام للمعتدين أنَّ مصيرَهم لن يكون بأحسن من مصير الغزاة الصهاينة في لبنان الجبهة الوطنية الموحدة للمقاومة اللبنانية الباسلة، والمقاومة الإسلامية المضيئة العادلة... فإلى جماهير شعبنا العراقي المقاوم.. إلى مَـنْ نشأوا متربين على قيم الفداء الحسيني، واِنتهلوا من معين التراث الثوري للجهاد في الشعيبة البصرية واِمتصوا رحيق المواجهة من أمثولات ثورة العشرين الوطنية التحررية، وتشبعّوا بفروســية شــهداء ثـورة 1941 ضـد الغُـزاة البريطانيين في اِحتلالهم الثاني للعراق... إليهم جميعاً نقول: ثوروا لقيمكم الوطنية والقومية وحضارتكم الإسلامية... اِثأروا لشرفكم الوطني وكرامتكم الدينية المهدورة... إلى التنظيم والمقاومة بكل الوسائل والسبل لطرد الغزاة... لا تدعوهم يهنؤون بفعلتهم الإجرامية للحظة واحدة... معاً يداً بيدٍ ليقاوم كل أبناء شعبنا جميعَ الغزاة في كافة أرجاء الوطن.

التحالف الوطني العراقي

9/3/2003

 

ماذا حدث قبل يومي 8 ـ 9/4/2003 في بغداد

((إنَّ نشر الأوهام عملٌ ضار))

أستميحكم عذراً أيها السادة والسيدات الحضور لتغيير عنوان الموضوع الذي نتناوله عبر الحديث التحليلي والتاريخي المعنون: الأكراد والدور المطلوب في ظل العدوان على العراق... تغييره إلى تناول موضوع الغزو والعدوان على العراق، وما تسبب في هزيمة موقفه المقاوم على حين غرة، بحيث فاجأ كل المخلصين للعراق من العراقيين والعرب والمسلمين وذوي النزعة الدينية والإنسانية، وعقدَ ألسنتهم التضامنية مع الموقف المساند لروحية التصدي عند العراقيين.

وكي لا نفقد الحلقة المركزية في الرؤية السياسية الراهنة ينبغي لنا ضرورة اِنتزاع أنفسنا من أسر اللحظة الراهنة وضغط التفصيلات المأساوية، التي تأخذ بالعقل الإنساني المفكِّر بعيداً عن الموضوع الجوهري الذي شهدته الساحة العربية في مفتتح الألفية الثالثة بعد الميلاد، وذلك يتطلب النظرة الشاملة للمشكلة السياسية من زاوية تاريخية، أولاً، ومن ناحية المفاهيم الفكرية المستخدمة، على ضوء المصــلحة الوطنية العراقية والقومية العربية والحضــارية الدينية والنزعة الإنسانية، ثانياً.

أما من الناحية التاريخية فيجب القول باِختصار وتركيز شديدين: إنَّ هذا العدوان حلقة في سـلسلة الحروب التي شنَّها الغرب على الشعب العربي في مختلف مواقعه الجغرافية، منذ صعوده الرأسمالي وحروبه الصليبية والاِستيلاء على الأندلس. وشيوع النزعة الاِســتعمارية التي بدأت صفحته في غزو منطقة شمال أفريقيا والمشــرق العربـي، وما تـزال، وكان لـكـل حلقة من هذه الغزوات ذرائعها الخاصة... تلك الذرائع التي تعني التوســل بما هو مصـلحة، كما تبدو للبعض، لتحقيق منفعة للطرف المتحكم بالحرب. وكان لهذا العدوان ذرائع الحرية. الديموقراطية. الدكتاتورية. شن الحروب. أسلحة الدمار الشامل وغير ذلك من مفردات تسويق العدوان، الذي تبينت معها في الممارسة العملية الأمريكية والتطبيق العسكري الأمريكي ـ البريطاني: المفردات الحقيقية لمضمون الغزو الأمريكي ـ البريطاني للعراق من اِستخدام للقصف الهمجي الواسع الذي اِستهدف كل الشـعب، بالقنابل العنقودية، والأســلحة المتطورة تقنياً، والحصــار الغذائي والدوائي... وإلى ما ذلك من وسائل وأدوات لتحقيق هدف سـياسـي كان الأمريكيون يسـعون لتحقيقه بشـكلٍ مباشـر منذ توقف الحرب العراقية ـ الإيرانية في 8/8/1988، كما يقول ذلك القائد العسكري لقوات التحالف الجنرال نورمان شوارزتكوف في كتابه: الأمر لا يحتاج إلى بطل.

وإذا ذهبنا إلى المفاهيم الفكرية لركزنا على دلالات مفهوم الحرب، كما حددته الكتابات التاريخية والذي يُعَدُّ تعريف كلاوتز فيتز لمعناها الفعلي، القاسـم المشـترك لمجموع المتابعـيـن الحـصـيفين ممن تناولوا موضوع الحرب... ذلك التعريف القائل: الحرب ((هي مجرد اِستمرار للسياسة بوسائل أخرى، فالحرب إذن، ليست مجرد عمل سياسي، بل هي كذلك أداة سياسية، هي اِستمرار للتعامل للسياسي، هي تنفيذ للسياسة بوسائل أخرى)) وأرضية السـياسـة ولحظة عنفها العسكري كما هو معروف المكان الجغرافي، والعراق هو الأرض الراهنة، وخلفيتها الفكرية هي الوقائع التاريخية التي تطرقنا إلى منظومتها القانونية السائدة: الصراع الذي كان الغرب فيه هو المبتديء دائماً وأبداً، أعني به الطرف السياسي الغربي المتطور، وإذا شئنا التحديد الدقيق في هذا المجال، يجب القول إنَّ ((بريطانيا العظمى التي كانت لا تغيب عنها الشمس)) هي التي شنَّت العدوان العسكري خلال النصف الأول من القرن العشرين بمعية حليفاتها: فرنسا وإيطاليا وأسبانيا، والإمبراطورية الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية التي تصاعد فعلها من الاِستحواذ المطلق على بلدان القارة الأمريكية الجنوبية ومن ثم وراثة الإمبريالية القديمة في جنوب شرقي آسيا وصولاً إلى تحقيق اِنتصارها المبرم على غريمها: نقيضها أو منافسها أو مساومها: الاِتحاد السوفييتي السابق، في الحرب الباردة وتحقيقها نظام عولمتها المتفرد، الذي يعني المزاوجة بين الإمبريالية: السيطرة السياسية والاِقتصادية، والاِستعمارية: الاِحتلال العسكري المباشر. وعالماً مفتوحاً أمامها من غير حدود جغرافية تعيق حركتها، أو سدود اِقتصادية تقفل الأسواق بوجه منتجاتها. أو قيود ثقافية تمنع تدفق مفرداتها المختلفة. من أجل خدمة مصالحها أولاً وأخيراً، واِعتبار إنجاز أهداف تلك العولمة هي معيار التفكير والتحديد والتقرير.

وعودة للتفكير بتجليات ذلك المفهوم حول الحرب على المستوى الأهداف الأمريكية وعولمتها المتفردة التي خالفت بفعلها العنيف كل قواعد ما يسمى بالشرعية الدولية، التي عجزت الولايات المتحدة بكل جبروتها العالمي وسلطتها الدولية معها عن اِستصدار قرار من مجلس الأمن الدولي يجيز لها شنِّ العدوان، وسحبت العسكرية البريطانية من خطم أنفها ـ بالرغم من ردود الفعل السياسية والجماهيرية البريطانية ـ بغية اِشتراك قيادتها في عملية غزو العراق. ومن ثمَ علينا التطرق للأهداف الاِستراتيجية التي رمت إلى تحقيقها من هذا العدوان الذي اِبتدأ في العشرين من آذار من عام 2003 بالقصف الجوى ليتواصل بالاِجتياح حتى توقف عملياته الأرضية رسمياً في التاسع من نيسان من نفس العام، والتي يمكن إِجمالها بالنقاط المركزية التالية:

السيطرة على الثروات النفطية الكامنة في أرض العراق، لاِستكمال سيطرتها على هذه الثروة الحيوية للطاقة والاِستهلاك في العالم، بما يتيح لها العناصر اللازمة لتحديد السيطرة على بلدان أوروبا المتقدمة، واليابان، وحسم قضية المنافسة مع روسيا في السوق العالمية، أولاً. تنزيل البند الفلسطيني من قائمة الأولويات القومية العربية وتصعيد البند العراقي إلى واجهة الأحداث التي ينبغي حسمها، بغية فرض النظام الشرق أوسطي في المنطقة، بما يعنيه ذلك من توفير الفرصة الملائمة والمناسبة للكيان الاِغتصاب الصهيوني للعب دوره القيادي على كل الصُعد، ثانيا. وتخليف العراق وتصحيره وإفراغه من مبدعيه العلماء في كل المجالات بغية إرجاع العراق القهقرى، كما قال ذلك جيمس بيكر، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، ومعلوم إنَّ الإستراتيجية السياسية لا تتغير بالتقادم ـ كما يستشهد بذلك أحد المفكرين العرب، والصادقين مع أنفسهم ومع غيرهم كذلك ـ وفقاً لمفاهيم القيادة الأمريكية، ثالثاً. والتوضع العسكري في عموم البلدان العربية عبر إيجاد قواعد عسـكرية وإيجاد مخازن لأسلحة ومعدات مختلفة في بعضها، والاِتفاقات الثنائية السرية أو العلنية مع السلطات المتحكمة برقاب شــعوبها مجرد فاتحة، لما ينبغي أنْ تؤول إليه أوضاع كل المنطقة، كما ترتئي الســلطة العالمية المطلقة، رابعاً وأخيراً.

إنَّ الرؤية السياسية الأمريكية واضحة لمن يريد أنْ يتابع ويتدبر ويتفحص، ليس في العراق وحسب وإنما في كل العالم، إذ هي تتعامل مع مناطق وليس مواقع... منطقة الشرق الأوسط في حالتنا، وليس موقع العراق فقط، وإنَّ مَـنْ يحدد أفق التحرك في هذا الموقع أو ذاك لحسم قضية المناطق، هو من اِختصاص القائمين على صياغة الرؤية الإستراتيجية الأمريكية، ومسألة قراءة الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش للتوجيه السياسي الذي ينبغي الاِلتزام ببنوده، كما كشفت الوثائق عنه، والذي نشره الأستاذ محمد حسنين هيكل في كتابه المعنون: الزمن الأمريكي من نيويورك إلى كابول، يغني عن كل اِستطراد في هذا المجال، ويمكن لمن يريد الإطلاع عليه، [نرجو مراجعة محتويات التقرير المشـار إليه المنشور قي ذلك الكتاب على الصفحة 63 ــ 101] الذي جاء تحت عنوان ذي دلالة واضحة: تقرير رئاسي أمريكي ـ خريف خطر، مع مقدمة مختصرة اِحتوت مبررات تضمين ذلك التقرير في كتابه، وضرورة التركيز على ((التفاعل بين عين تقرأ وذاكرة تسترجع))... ومسألة قراءته مجردَ اِستدلالٍ على الاِتجاه السياسي الأمريكي القادم الذي بدأ الحديث الأمريكي، بعد إتمام المهمة العســكرية في العراق: الغزو والعدوان، يتناول سوريا وإيران والمناهج التعليمية في المملكة العربية يأخذ منحى التصاعد بوتيرة لافتة للنظر.

هـذا هــو الإطار السـياســي للعدوان عـلـى العـراق التي أسـهـم البعض العراقي ـ للأسف الشديد إنْ كان المتورطون فيه مخلصين للعراق ـ في تقديم الخدمة الدعائية للمجهود الأمريكي التي أعلنت إنها زودت البعض التنظيمي العراقي بمائة مليون دولار عن طريق السي آي أي، فيما قالت وزارة الخارجية الأمريكية ـ وفق ما ذكره رمزها الإلكتروني في الكومبيوتر ـ إنها أنفقت 11،6 مليون دولار على بعض الجهات الفكرية والمؤسسات الإعلامية/الدعائية لخدمة المصالح الأمريكية، علاوة على تلقي البعض الدعم المالي ((المتبرَع)) به من قبل السلطات الأمنية في المملكة العربية السعودية وسلطة آل صباح في الكويت، وقام بإِِصدار صحفه الخاصة، وشيدَ مكاتبه الإعلامية/الدعائية ومؤسساته التي تخدم ((المدى)) الذي يتحدث عنه أبطال هذا الأفق المطلوب أمريكياً.

وعودةٌ على بدء الموضوع الذي يتطلع فيه المجموع لمعرفة عما حدث في معركة العراق، والاِنكسار الشديد الذي شمل قلوب المخلصين للعراق: الوطن والمجتمع والتاريخ، وهو جوهـر الموقف الوطني المتعاطف مع قضية العراق، في المواجهة مع مفردات الغزو والعدوان، ينبغي التعليق على ما حـدث هناك على ضوء المعلومات الحقيقية، التي لا نملك الوقائع الفعلية الصادقة بصددها، بعد كيل الوعود الكثيرة حول التدمير المحقق للغزاة، وتمريغ رؤوس المعتدين في الوحل، وحرقهم على أسوار بغداد، وتحقيق هزيمتهم العسكرية، وجعلهم ينتحرون على أسوارها، في كناية واضحة عن مصيرهم المحتوم، والتي من أجلها شدَّ الرحال إلى هناك المتعاطفون مع الموقف الوطني العراقي من العرب والمسلمين وغير المسلمين، ومن ضمنهم آلاف الاِستشهاديين الذين تُركوا في بغداد تائهين لا يدرون ماذا يفعلون من دون حتى مواجهة مع العدو، إنَّ كل ذلك لا يعفينا من اِستخدام مَلكة العقل والبصيرة للتفكير على ضوء اِفتراضات عديدة واِحتمالات متعددة:

- الاِفتراض الأول... فصل الرأس المفكر عن الجسد المقاتل

 

ولنلاحظ المؤشرات التالية التي تؤكد صحة ذلك الاِفتراض:

أ- تصريح الرئيس العراقي والقائد العام للقوات المسلحة حول تخييره لبعض المسؤولين والقياديين في حركة المقاومة العراقية حول البقاء في صف المقاومين للغزاة حتى النفس الأخير، أو الرحيل عن بغداد الذي سبق جولته في بغداد، ينبيء عن وقوع اِختلاف في وجهات النظر عند القيادة المتصدية للعدوان والغزاة. إنَّ رسالته إلى مسؤول تنظيم الكوت في حزب البعث العربي الاِشتراكي التي تدعوه للقتال والمقاومة التي أذيعت من التلفزيون العراقي لا تنسجم مع تطورات الأحداث اللاحقة أبداً، من تردد ووهن وحيرة عند الرئيس العراقي، كما يدعِّي البعض.

ب- قيام الطائرات العسكرية الأمريكية المتطورة بقصف مركز القيادة العراقية التي قررت التصدي للعدوان كليا: سياسياً وعسكرياً. واِعتبرت شكل هذه الحرب بين الغزاة من جهة، والمدافعين عن وطنهم، من جهة أخرى، شكلاً تصادمياً لا يقبل الحلول الوسط. ويشكل ذلك الخيار الأساسي لقوى الغزو الأمريكي ـ البريطاني الذي اِفتتح به العدوان على العراق يوم 20/3/2003 الذي يستلزم ـ من وجهة القيادة المتحكمة بوسيلة الغزو ـ القضاء عليها جسدياً وبما تمثله فكرياً وسياسياً فوراً، وذلك بناءً على معلومات دقيقة وموثقة، قدمها بعض المشاركين من العسكريين ((الثقاة)) في تلك المعركة الدفاعية لقاء سلامتهم الشخصية وتمتعهم بحياة مترفة في كنف الأعداء حتى لو كانت على حساب الوطن والمباديء والتاريخ، وهذا الاِفتراض نرجحه بشكل كبير. ـ أو عبر التصنت التكنولوجي ـ الإلكتروني المتطور على مكالمات القائد والمنفذين ـ.

ج- إنه بعد القصف الأمريكي الكبير الذي جرى لإحدى المناطق السكنية في مدينة المنصور والتي اُستخدمت فيه قنبلة غير عادية، ومن طراز قد يكون حديثاً وغير معروف، أو كمية هائلة من المتفجرات، للدرجة التي أزالت من الوجود سـتة دور وبمَـنْ يسكنها أو يقيم فيها دفعة واحدة وبضربة جوية واحدة، وتركت حفرة عميقة بواقع ثمانية أمتار، وجرى التستر عليها من قبل مختلف الوسائل الإعلامية التي تسيطر عليها الإدارة الأمريكية، فيما تم إحضـار جرافات بشـكلٍ سـريع لمحو معالم هذه الجريمة المغرقة في بشاعتها. نقدِّر إنَّ ذلك القصف كان يستهدف تحقيق فصل الرأس المفكر عن الجسد المقاتل وفق التسمية الأمريكية إبّان تجربة العدوان المباشر الأولى على العراق في 17/1/1991.

د- بمجرد حدوث ذلك القصف توقفت العمليات الحربية الرئيسة، الأمر الذي يدل على صدور أوامر من الجهات العسكرية المسؤولة عن الدفاع عن بغداد، لا سيما من قبل الحرس الجمهوري والقوات الخاصة وجهاز الأمن الخاص، بإيقاف عمل الدفاع المقاوم عن بغداد، وهي قوات كان المعول عليها في اِستمرار المقاومة للغزوة الأمريكية ـ البريطانية.

هـ- ومع توقف التصدي العسـكري المقاوم توقف القصف الجوي الأمريكي، لا شك إنه كانت هناك عمليات عسكرية هنا وهناك، وتكمن أسباب تلك العمليات العسكري بالميل الموضوعي للعنف والتصدي عند الجماهير للغزو الأجنبي، أو لكون المجموعات المقاتلة لا تعرف بما حصل، أو من تلك العمليات التي تخدم التضليل الإعلامي ونثر الأغطية المخاتلة على حقيقة وقائع صفقة ما، عقدها القادة العسـكريون مع الأعداء الغُزاة.

و- كان منظر تهادي دبابتين على جسر السِنك وقرب المجمَّع الرئاسـي ـ ومن دون التصدي لها ـ أمراً مثيراً للكثير للأسئلة عما حدث، ولأي سبب لا تجري أية عملية للتصدي، مثلما توقفنا كثيراً أمام منظر عدم التصدي للأرتال الطويلة من الدبابات التي اِحتلت المطار الدولي من دون إطلاق صواريخ أرض أرض عليها، أو حتى مقاومتها بالمدافع.

زـ من تلك الملاحظات اللافتة للنظر التصريح الإعلامي للوزير محمد سعيد الصحاف في معرض إجابته على سؤال لأحد الصحفيين عما ستفعله القوات العسكرية لمدنسي تربة بغداد بقوله: إنهم سيُردون على أعقابهم بواسطة القوات الحزبية وجيش القدس وفدائيي صدام، دون أنْ يتطرق للقوات العسكرية من حرس جمهوري وقوات الحماية والحرس الخاص وغير ذلك من تشكيلات عسكرية تقع بأمرة المسؤول العسكري عن المنطقة الوسطى: قصي صدام حسين؟

ح- تصريح شـهير لظافر العاني الأستاذ الجامعي، والبعثي المعروف، والمحلل السياسـي المشهور عراقياً، وتأكيده على طابع المعركة التي تستهدف العراق ـ وغمزه من قناة علي حسن المجيد مسؤول المنطقة الجنوبية وصدام حسين رئيس الجمهورية والقائد العام للقوات المسلَّحة الذي عين هذا المسؤول ـ في الوقت الذي يعرف القاصي والداني، إنَّ أحداً ما لا يجرؤ تناول الرئيس العراقي بأية إشارة تنتقص من ((قدسيته)) التي رسخَتَّها الدعاية المداحة لصدام في كل ثانية ودقيقة وسـاعـة. هل كان يمتلك معلومات تفصـيلية عن وقائع تلك الصفقة، وبالتالي أراد الإعراب عن حقيقة الموقـف الوطني العراقي، بأنَّ الغـزو يسـتهدف الدولة العراقية أولاً وأخيراً؟!

ط- سيادة الهدوء في ساحات المعارك داخل بغداد لمدة 48 ساعة تقريباً قبل الاِنهيار السريع وغير المتوقع للقوى المدافعة عن الوطن العراقي وعاصمته الباسلة.

ي- إذا صحتْ تلك الاِفتراضات، فيعني ذلك إنَّ القيادة العراقية الأساسية ورمز المعركة في نهج التصدي قد قضيَ نحبهم بمعية نجليه، وعموم القيادة السياسـية/العسكرية للمعركة الدفاعية عن بغداد، في غارة المنصور المشار إليها في الفقرة ب، وإنَّ ما يتحمله الرمز في تلك المواجهة ناجم عن المركزية الشديدة في قرارات التعيين، وتفضيل الولاء والأقارب في تبوء المناصب الهامة الحيوية في بناء السلطة السياسية على الكفاءة المقرونة بالإخلاص للوطن والشعب الدين وتاريخ الأمـة.

 

الاِفتراض الثاني: العودة لخطة الحزب الدفاعية

أ- بإمكاننا العودة للخطة الإستراتيجية الدفاعية التي كان أقطاب النظام العراقي يبشِّرون بها حول اِستدراجهم لقوات الغزو في المناطق المحتلة تمهيداً لشن حرب شعبية عليهم، التي أثبتت فاعليتها في العديد من المناطق العربية والعالمية، لكي يتم التغلب على العدوانيين الغزاة عبر ما هو متوفر من حيث الكم الجماهيري المسلح والمدرب على التفوق النوعي: التقني الأمريكي ـ البريطاني، يساعدهم في ذلك العوامل الجغرافية والمناخية والتراثية، وتأكد القيادة من ورود شبح العدوان القادم على العراق.

ب- وإذا صح هذا الاِفتراض، وهو اِحتمال قائم ووارد خاصة على يد الحزبيين المبادرين والقادة في هذا الحزب التعرضي طوال تاريخه، فإنَّ المستقبل ينطوي على مواجهات قد تتوسع لاحقاً بما قد يؤدي إلى إلحاق هزيمة بالغزاة، وتعاد على ضوئها مضامين الوحدة الوطنية العراقية التي تتطلع إلى التحرر من الغزاة المستعمرين الذين اِستعملوا القوة العسكرية للسطو المسلح على بلد واسع كالعراق، والسيطرة على خيراته، وستلعب الذكريات والولاءات والتعصب التنظيمي والتراث المجاهد وسنوات المقاومة المسلحة، الدور المؤثر في تحفيز ذلك الفعل المقاوم. في هذا السياق علينا اِستذكار أحداث الغزو الصهيوني للبنان، ألم يستقبل أبناء الجنوب اللبناني قوات الاِحتلال الصهيوني بالرز والهلاهل، فأيـن هُــم الآن بعـد كل تلك المجازر وجيش لبنان الجنوبي المرتزق؟ إنَّ مقاتلي العراق لم يستقبلوا الغزاة إلاّ بالرصاص والقذائف وجعلوا وصوله إلى بغداد عصياً، وفرضوا على الأعداء ترك المدن واِرتياد الطرق السريعة الخالية من عناصر المقاومة.

ج- إنَّ سيد الموقف في حسم هذا الاِفتراض هو العنصر الزمني الذي يشاغل القوات القادمة من وراء البحار لتنفيذ مفردات أهداف قيادتهم السـياسـية، ويعدّل ميزان القوى لصالح أبناء الوطن في دفاعهم عن ترابهم المقدس وقيمهم الوطنية وموروثهم الديني الذي سيستفز عناصر حركته الداخلية مجموع الممارسات الحمقاء للغزاة المغرورين، وعجزهم عن حل المشكلات الأمنية والاِقتصادية لأبناء البلد العراقي، ونزعتهم التقسيمية التفتيتية واِحتلالهم العسكري المباشر، فضلاً عن حكمهم البغيض الذي سيقوم ويتوسع حتماً، قياساً لوثائقهم المكتوبة المُعَّدة سلفاً.

د ـ وتصفية عملاء الغزاة ممن قدموا مع قوات الغزو وفي وسائله النقلية سيلعب دوراً ملموساً في توسيع وتعميق هذا الخيار الوطني، الذي يعتبر الوعي السياسي والفكري عاملاً حيوياً في نسجه اليومي، وخوض التجربة العملية السـابقة في ميدان الكفاح المسلح للدفاع عن الوطن خلال العقدين الماضيين من عوامل محفزاتها، ولكن كل ذلك يتطلب الصـبر والتمهل والرصد والمعلومات وعدم التهور، مثلما يتطلب ضرورة توفر الطليعة الواعية المقاتلة المكافحة، إنَّ كتم أنفاس العملاء سريعاً يعني ـ فيما يعنيه ـ سد قنوات المعلومات الأمنية التي تتدفق على الغزاة، وحماية المناضلين في سبيل وطنهم وشعبهم، ذلك الوطن والشـعب الذي يستأهل كل التضحيات من قبل جميع أبناء الشعب، والتاريخ المجيد المضيء لكل الوطنيين العراقيين سـيشـهد لهم وحدانية هذا الخيار وضرورات هذا الاِختيار.

 

المستقبل المطلوب عراقياً:

إنَّ ما هو مطلوب سريعاً هو تحفيز فعل المقاومة للغزاة فكرياً، صياغة برنامج وطني عام يركز على اِسـتعادة وحدة الوطن، وحماية المجتمع من التفتيت، وتوفير الأمن والغذاء والدواء، وطرد الأعداء من التمتع بفوائد غزوتهم، العيش بكرامة تظللها رايات القانون الذي يساوي بين الجميع الوطني المخلص للعراق الموحد والديموقراطي.

إنًّ التركيز الإعلامي الأمريكي على الظواهر السلبية المتخلفة التي أبرزت النهب والسلب والمصادرة والإحراق المتعمد لمنجزات الدولة ما عدا المؤسسات النفطية، والتصفيق لرمز الغزاة: جورج وبوش والعلم الأمريكي هو عملٌ مقصود لذاته، ولا نسـتبعد أنه خُططَ مسبقاً كي يبينوا تفاهة الصمود الوطني وتســفيه فكرة المقاومة وعبثية التضحية، إنهم يعيدون إنتاج مجازر صبرا وشاتيلا اللبنانية بصورة أخرى، فلنفوت الفرصة على العدوانيين بوعي أهداف الغزاة السياسة تمهيداً لمقاومتها دائماً وأبداً.

الجمعة 11/4/2003

 

ملاحظة: قدِّمت هذه الورقة على شكل محاضرة في فايك سنتروم بأمستردام: wijkcentrum وأمام مجموع مسؤولي منظمات مغربية، وشخصيات مفكِّرة حضرها مواطنون مغاربة وعراقيون، بمعية السادة المحاضرين: على الهروشي: كاتب روائي ومراسل صحفي؛ مجيد الإبراهيمي مُعتقل سياسي مغربي سابق، مازن محمد لاجيء سياسي عراقي وذلك يوم الجمعة الموافق 11/4/2003، وقد اِنعقدت تلك ندوة تلك الأمسية تحت شعار: ليتوقف العدوان الإمبريالي على العراق فوراً، بمبادرة مجموعة من الغيورين الرافضين لهذا العدوان الشنيع.

وضمن المداخلات المستفيضة اِقترح الأخ باقر الصراف ضرورة إِصدار نشرة بعنوان: الإصرار، تبين موقف الجماهير العريضة التي رفضت العدوان، ودوافع الغزو، وما تتطلبه عملية الإِصرار من اِختيار ويب سايد مناسـبة: صفحة على الكومبيوتر تكون متاحة أمام جميع وجهات النظر الوطنية والقومية والدينية العادلة.

كما وجه نقداً لبعض مديري الجلسة على المرض الذي يسود تفكيرنا، بعدم مراعاة الأولويات عند المناقشة، وبالتالي تسييح الألوان وعدم مناقشة الموضوع المحدد، الذي فرضته اللحظة التاريخية الراهن.

 

الحركة الكردية المسلحة في خدمة الرؤية الأمريكية مباشرة

شكلت القضية الكردية في العراق جزءاً من تطور القضية الديموقراطية في العراق، وعنواناً نضالياً لمجموع القوى السياسية العراقية، وإذا أفرزت التجربة الكردية المسلحة سابقاً ما كتبناه حول وقوع ((القبج الكردي)) في أسر ((قفص الموفاك)): أي الموساد والسافاك وهزيمة الحركة المسلحة الكردية في معركتها حول نيل حقوقها السياسية الديموقراطية، بقيادة الملا مصطفى البرزاني رئيس الحزب الديموقراطي الكردستاني في أواسط العقد السبعيني من القرن الماضي، إثر تحقيق إيران أهدافها السياسية القومية، بالاِستحواذ على نصف شط العرب وآلاف الدونمات من الأرض العراقية، في صفقة 6 آذار 1975 التي اِستبدلت الحفاظ على السلطة القائمة لقاء التضحية بأراضي الوطن، وحرمان الحركة الكردية المسلحة من الدعم اللوجستي الإيراني، وبالضرورة حرمان الحركة الكردية المسلحة من الدعم الصهيوني والموساد الذي كان يتخذ من إيران مقراً لممارساته السياسية، وممراً إجبارياً لتحركاته العسكرية.

كان الإشراف السياسي الأمريكي على الحكومة الإيرانية بقيادة شاه إيران يجعل قرارها السياسي غير مستقل إطلاقاً. على كل الصُعُد. للدرجة الذي سيفقد ((إمبراطورها)) لاحقاً ((تاجه)) الذي ورثه عن أبيه: عرش طاووسي على إيران على الرغم من خدماته للأمريكيين. أما كيان الاِغتصاب الصهيوني الذي له حسابات تاريخية ضد العراق منذ عهد آشور ونبوخذ نصَّر، علاوة على أنَّ محاولة تأسيس الإمبراطورية الصهيونية فوق الأرض العربية من النيل إلى الفرات لأسباب أيديولوجية وذات علاقة بالرؤية الإمبريالية الغربية، يقتضي ــ من بين ما يقتضي ــ تدمير العراق من الداخل إنْ أمكـنْ، والخارج أيضاً، لذا كانت الحركة الكردية المسلحة التي تسيطر على كردستان، بمثابة ((المكان)) لتنفيذ مفردات المخططات الصهيونية/الإسرائيلية ضد الدولة العراقية، إضافةً لعلاقته المتميزة مع واشنطن في كل المجالات الفكرية والسياسية... العلاقة الغنية عن أي توصيف في سياق هذه الندوة السريعة.

مع العدوان الإمبريالي الأمريكي ـ البريطاني على العراق العسكري الهمجي المباشر وتدنيس أراضيه في الجنوب والوسط والعاصمة العراقية المجيدة: بغداد الذي اِنطلق يوم 20/3/2003، كان للجغرافية الشمالية التي تسكنها الأغلبية الكردية، من جهة، وسيطرة الحركة الكردية المسلحة على الوضع السياسي هناك، من جهة أخرى، وجوار المنطقة الشمالية: لتركيا والقواعد الأمريكية العسكرية فيها، من جهة ثالثة، الدور الهام في خطة ذلك الغزو والعدوان الأمريكي ـ والبريطاني، وجعل تلك البقعة الجغرافية ذات أهمية حيوية في نطاق الخطة الحربية الأمريكية العدوانية، وممراً عسكرياً لسيطرة القوات العسكرية الأمريكية منفردةً على الشمال العراقي، بالتعاون مع الحركة الكردية المسـلَّحة التي يقودها حزبا جلال الطالباني الذي يُســمى: الاِتحاد الوطني الكردستاني، ومسعود البرزاني الذي يُطلق عليه الحزب الديموقراطي الكردستاني.

ولا نفهم بالضبط والدقة السياسيتين ما هو المفهوم الحقيقي لمفردتي ((الوطني)) و ((الديموقراطي)) في إطار العملية القذرة للغزو الأجنبي على الوطن وتدنيس قوات العدوان لتربة الوطن العراقي، إذا أخذنا اِدعائهما حول الإيمان بالوطن العراق الموحد بنظر الاِعتبار، وماهية الدروس النظرية والعملية التي أفرزتها التجربة التاريخية لصراع الأوطان والشعوب والحكومات ـ وهي عماد أية دولة سياسية حديثة تاريخياً ـ ضد الغزاة المستعمرين والإمبرياليين؟

لا شك إنَّ التحليل السياسي التاريخي الملموس للموقف السياسي الملموس بصدد القضية القومية الكردية في جزئها العراقي، ومقارنته بما تحقق لها على صعيد الأجزاء الأخرى: نعني به في كلٍ من إيران وتركيا التي فيها الأغلبية الكردية الشرقية والشمالية، وفي سوريا كذلك، نتوصل إلى حقيقة التعامل السياسي الإنساني الذي اِتخذته الحركة القومية العربية بخصوص القومية الكردية والشـعب الكردي في جزئـه العراقي، ليس في اللحظة التاريخية الراهنة فقط... أي منذ نشوب الحركة الكردية المسلحة في عام 1961 إنما قبل ذلك بسنوات، ولأجل درءِ أية محاولة يقوم بها المتعصبون من القوميين الأكراد، غير الموضوعيين في التفكير والتحليل والفهم، نورد أقوال جلال الطالباني باِعتباره من أشد القوميين المتعصبين للقضية القومية الكردية ـ كما يتباهى بذلك دوماً ـ للتدليل على موقف الحركة القومية العربية من القضية القومية الكردية... يقول الطالباني:

((أقرَّ القوميون العرب في حزب الاِستقلال شراكة العرب والأكراد، وعملوا مع قادة الحزب الوطني الديموقراطي في وضع بند في منهاج حزب المؤتمر الوطني العراقي [الذي تأسس في عام 1954، ملاحظة مني] ينصُّ على شراكة العرب والأكراد في الوطن العراقي واِحترام حقوق الأكراد القومية، هذا البند الذي أصبح فيما بعد المادة الثالثة من الدستور العراقي الموقت بعد ثورة الرابع عشر من تموز)) 1958. [كتابه المعنون: كردستان والحركة القومية الكردية، دار الطليعة ــ بيروت/لبنان، ط 2، آذار/مارس 1971، ص 333 ]. فيما لا تزال تلك القضية القومية في كلٍ من إيران وتركيا تعاني من حرمان التعامل باللغة الكردية في الدوائر الرسـمية ومجرد الحصول على حقوق ثقافية محددة ـ وليست مكتملة ـ ووفق الحدود الدنيا، في وقتٍ وقعَّت القيادة السياسية العربية العراقية مع القيادة الكردية المســلَّحة التي كان يقودها الملا مصــطفى البرزاني على بيان 11 آذار عام 1970، وأيدت ذلك التوجه السياسي والإنساني معظم الأحزاب الوطنية والتقدمية العراقية، وكان مضمون ذلك الاِتفاق وعموم فقراته السياسية هو البرنامج السياسي المشترك لأغلبية القوى الوطنية العراقية، ومنحت الحركةُ القوميةُ العربيةُ الشعبَ الكرديَ في العراق حكماً ذاتياً عام 1975 وفي أجواء هزيمتها السياسية ـ العسكرية.

ولكن الحركة الكردية المسلَّحة شهدت تطوراً في عموم المشهد السياسي العراقي منذ اِندلاع العدوان الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية على العراق، تجرُّ في ذيلها أتباعها الأعراب والمتأســلمون الذين يتحكمون بجيوش وأراضي ومياه وأجواء وأموال ((دولـ))ـهم، عندما اِنضمَّت بقضها وقضيضها إلى الجهد العدواني الأمريكي بالرغم من تجاهـل العدوانيين الأمريكيين لاِتخاذ أي موقف سـياسـي ـ أي غير دعائي ـ بصدد القضية الكردية على الصــعيد القومي وممارسته على أي صعيد ملموس.

فتم تحت إشـراف قوى العدوان التي قادتها الولايات المتحدة ((اِنتخابات)) مزورة تماماً من حيث النتائج الفعلية على مستوى التمثيل السياسي الكردي، جرى بموجبها تقاسم مقاعد البرلمان الكردي بين الحزبين المهيمنين على الوضع السياسي في الشمال العراقي بالتناصف الدقيق. مع وضع بيضة قبَّان تتكون من الأقلية الدينية المسيحية قوامها خمسة مقاعد لأشخاص ((مختارين بعناية تامة)) بهدف ترجيح أي قرار سياسي أمريكي ومفصلي مطلوبين، كالموقف من الاِتفاق العراقي حول القضية الكردية في أعقاب تفاوض كلٌ من جلال الطالباني ومسعود البارزاني مع صدام حسين، باِعتبار أنَّ الثلاثة يمثلون التنظيمات الرئيسة للبلاد: الحاكمة والمعارضة الكردية المسلحة. مثلما لم تلعب حكومة ذات الرأسين والبرلمان السياسي المزعوم أي دور ملموس في إيقاف الاِقتتال بين مسلحي الطرفين المتحكمين بغالبية أوضاع الشعب الكردي في حرب ((أمِّ الكمارك)) المعروفة... تلك الصفة التهكمية التي نعت بها الجمهور الكردي الوقائع البشعة التي طفت على سـطح ((الإخلاص للقضية الكردية)) وبينت حقيقة الدوافع الفعلية لتلك الحرب الكردية ـ الكردية التي لم تنته إلاّ بعد أنْ تدخلَ الجيش العراقي خلال النصف الأخير من عام 1996 في أربيل للفصل بين القوات. ولولا حصول ذلك التدخل العسكري لكانت تلك الحــرب الاِقتـتـالية: ((حــرب أم الكمارك)) ما تزال مستمرة بين الطرفين المسلحين الكرديين.

لقد تواصل العمل السياسي ضد الدولة العراقية ـ بذرائع شتى ـ في كل مجال عربي ممكن وإقليمي وعالمي، وباتَ العنصرَ الكردي الممثل للقوى السياسية المسلَّحة ذو حضور دائم في أي حفل خطابي وندوة فكرية ومنبر سياسي، يقدم طواعية أو بناءً على تساؤلات موجهة من قبل القوى المهيمنة عالمياً، معلوماته الاِستخبارية عن العراق والوثائق السـياسـية المطلوبة لإدامة حصاره على المجتمع العراقي والوطن العراقي، وبشكل عام يمكن القول: تشديد الحصار على الدولة العراقية كلها، ويروج التحليلات السياسية على ضوء الرؤية الغربية السياسية والفكرية وفي إطار دعايته المخاتلة، ويردد قادته على مختلف مستوياتهم مقولاته حول أسلحة الدمار الشامل.

وأصبحت وسائل الإعلام الغربية تسـتضيف ((النكرات)) للحديث عن القضية الكردية المُضطهدة في العراق فقط، والأسلحة الكيمائية المستخدمة ضد الشعب الكردي في مناطق الجوار الإيراني، ودور هذه الحرب في حدوث مجزرة حلبجة، ومن دون التطرق لملابسات مسـألة الحرب بين العراق وإيران، التي اِســتمرت ثمانية أعوام من خلال الدعم الأمريكي المتواصل لهذا الطرف أو ذاك، بهدف إدامة التدمير المستمر لطرفي الحرب. والغريب إنَّ الدول الأوروبية وأمريكا كانت تستقبل اللاجئين الأكراد العراقيين الهاربين من ظلم صدام ـ كما يزعمون ـ فيما كانت مواقعهم السكنية تقع تحت سلطة حكم الحزبين الكرديين المباشر، ويتمتعون بالحماية الأمريكية الكاملة والحرية السياسية التامة، وتسَوَقهم على إنها معارضة مضطهدة من قبل النظام العراقي، دون أنْ يسائلوهم عمن يضطهدهم فعلاً وهم الذين يحيون في الشمال العراقي الخالي من أي أثر فعلي لأدوات القمع الرسمي العراقي، والذي يُدار سياسياً عبر القوى السياسية الكردية المسلحة المتحكمة بأرض الشمال العراقي وغالبية الشعب الكردي في العراق.

كانت تلك الساحات الأوروبية والأمريكية والسلطات الدائرة في فلكها، الميدان الأساسي للهجمات الدعائية ضد ما كل هو عربي، من أجل تعميق الشروخ بين التكوين المجتمعي العراقي، ففتِحَت محطات الإِذاعات المسموعة لترديد المقولات الدعائية المسمومة عن العرب، مثلما أُطلق العنان للقنوات التلفزيونية الفضائية ((العربية)) بغية إجراء الحوارات السياسية مع ((الرموز الكردية)) على أنواع اِنتماءاتها العراقية، حول مستقبل العراق السياسي في إطار سياسة التفتيت المجتمعي العراقي، كما لعبت الشاشات المرئية الأوروبية والأمريكية الدور الفعال والمناسب لذلك الضخ السياسي الدعائي، مع عرض متتالٍ لفيلم المجزرة الإنسانية التي أُرتكبَت في مدينة حلبجة، وهي مجزرة بشعة مُدانة وفق كل المعايير الإنسانية، دون التطرق لمجزرة قانا ـ مثلاً ـ التي راح المدنيون اللبنانيون: الشيوخ والنساء والأطفال ضحايا القصف الصهيوني وهم يلوذون بحماية مراقبي الأمم المتحدة، ومن دون التطرق ـ كذلك ـ إلى ما سببته أسلحة اليورانيوم المخصب التي اِستخدمها الأمريكيون بحق المواطنين العرب وخصوصاً الأعمار من ذوي السنوات الخمس الأولى، وما أفضى إليه الحصار الأمريكي الإجرامي على العراقيين الذين بلغت أعداد المتوفين منهم قرابة المليوني مواطن، جلهم من الأطفال، مثلاً.

كانت القيادات الكردية في الحزبين الرئيسين ـ لاسيما في حزب جلال الطالباني ـ تنشط في إطار الحملات الدعائية بهدف تبشـيع صورة كل العرب العراقيين، متناسية أي ملامح إيجابية للعلاقة بين أبناء المجتمع العراقي الواحد، حتى صار العـرب بنظـر بعض الأكـراد ممن يدورون بفلك الدعاية السـياســية الكردية المســلَّحة... صاروا بمثابة ((الشيطان)) الذي يجب أنْ يُرجم دون إعطاء فرصة للدفاع عن النفس، مع ما يتناقض ذلك كله مع مفهوم الديموقراطية الفكرية والحرية السياسية الحقيقية.

صارت الجرائد السياسية والبيانات السياسية والخطابات السياسية، والأخبار الملفقة أو المبالغة عن كل العراق الحاضر التي تصدرها الحركة الكردية المسلحة، التي تلتقطـهـا الســلطات الغربية العالمية الشمالية التي تدور حول فلك القطب الواحد: أمريكا... تلتقطها مجهرياً، وتعرضها تلسكوبياً في كل أجهزة إعلامها المتعددة والضخمة، التي تنفثها الصدور الحاقدة المسعورة ضد العراق. ولقد أصبحت الزاد اليومي الذي تتعيش عليه الوسائل الإعلامية الغربية وبعض القنوات الفضائية العربية التي تصدرها الأموال البترولية العربية، من غير أنْ يُفسـح المجال لأي صوت وطني عراقي مخلص للدولة العراقية: الرؤية والموقف والفكر والاِتجاه على كل المستويات الحضارية العربية الإسلامية، لنشر وجهة نظره بصدد تلك التطورات، ما خلا البعض وفي بعض المحطات فقط.

أما محور الحديث المفضل ـ وهم على أية حال لا يملكون غيره ـ فهو الديموقراطية السياسية المفقودة في العراق فقط، دون التطرق للواقع السياسي القائم إطلاقاً في المنطقة العربية، الذي يعجُّ بالحاكمين الطغاة المتسلطين على شعوب أقطار الوطن العربي، وكذلك يبين بشكل ملموس إنَّ تعامل وتواطؤ الحركة الكردية المسلَّحة، مع كل السلطات العشائرية المتخلفة المتحكمة في أوضاع كل بلدان الخليج العربي والجزيرة العربية، وهي تتطلع أيضاً لنسج العلاقة السياسية مع سلطة مبارك المصفد بأغلال معاهدة كامب ديفيد، بالإضافة إلى كونها تابع صغير لجنرالات السلطة العسكرية التركية الفعلية التي تستحوذ على القرار السياسي للدولة التركية، للدرجة التي ســارت فيها الحـركــة الكرديـــة المســلَّحة العراقية خلف صهوتهـا العدوانيـة ضـد الأشـقاء الأكراد من أتباع الدولة التركية من مســلحي { P. K. K } وحربهم الاِبادية التي أزالت من الوجود الحياتي حوالي أربعة آلاف قرية كردية في جنوب تركيا، كما لاحقت الرموز الكردية التركية في كل العالم حتى تمكنت من خطف زعيم الكرد الترك: المناضل عبد الله أوجلان من القلب الأوروبي التي لجأ إليها، فيما تستقبل كامراتها التلفزيونية وميكروفاناتها الإذاعية القادة السياسيين الأكراد: جلال الطالباني مع إيران ضد الحزب الديموقراطي الكردسـتاني، ومسـعود البارزاني وأتباعهمـا، وتســـتضيف صفحات مطبوعاتها الإعلامية والدعائية نجوم الحركة الكردية العراقية المســلَّحة؟

اليوم تسير الحركة الكردية المسلحة خلف الجنرالات الأمريكيين الذين يشنُّون الحرب ضد الدولة العراقية لأهداف سياسية أولاً وأخيرا، التي تتمحور حول:

تحقيق كل مصالحها الإســتراتيجية في العراق، والسـيطرة على الثروات العراقية، لاسيما النفط العراقي الذي يمتلك الاِحتياط العالمي الأول منه، لاِستكمال مشروعها السياسي على الصعيد العالمي عبر تحديد كميات الإنتاج وتحديد الأسعار بما يؤثر على الدول الأوروبية المتطورة كألمانيا وفرنسا، واليابان، وروسيا، سواء كانت مستهلة للطاقة أو عنصراً مؤثراً في سوق العرض النفطية، أولاً.

فرض ما يُسمى بالنظام الشرق أوسطي الذي يستهدف ـ من بين ما يستهدف ـ تسييد كيان الاِغتصاب الصهيوني على كل الفضاء السياسي العربي ودول الجوار، وإذا علمنا إنَّ التكوين الفكري والسياسي والعسكري المستحوذ على الإدارة الأمريكية الراهنة هم من أشـَّــد أنصار الرؤية الصهيونية الأيديولوجية، فإنَّ تذكر ما قاله الأب الروحي للإدارة الحالية: جورج بوش الرئيس الأمريكي الأسبق حول أولية الاِهتمام بكيان الاِغتصاب الصهيوني من دون تحميلها أي ثمن يكشف المزيد من الرؤية الأمريكية ضد العرب والعراق.

10/4/2003

شبكة البصرة

الاربعاء 14 صفر 1440 / 24 تشرين الاول 2018

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط