بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

من ارشيف شبكة البصرة نشر بتاريخ 19/12/2003 في الرابط التالي:

http://www.albasrah.net/maqalat_mukhtara/kutob/sarafnot4_1_19122003.htm

خص الكاتب باقر الصراف شبكة البصرة باعادة نشر هذا الكتيب (الاول) والذي سننشره على اربعة اجزاء متتالية وقد سبق لنا وان نشرنا الكتيب الثاني وسوف يليه انشاء الله الكتيب الثالث.

العولمة الأمريكية ضـد الدولة العراقية...

دفاتر الأزمـة السياسية العراقية والاِحتلال العسكري الأمريكي

الكتيب الاول الجزء الرابع

شبكة البصرة

باقر الصراف

التحالف الوطني العراقي في المهرجان التضامني مع العراق:

لن تخدعنا التضليلات الدعائية عن رؤية النزعة الاِستعمارية - الإمبريالية للأمريكيين

السـادة الحضور الكرام في المهرجان التضامني مع

الشعب العراقي، وضد الاِحتلال الأمريكي والإنجليزي...

نحيي الوقفة النضالية لكم ولجميع المؤمنين بعدالة القضايا الإنسانية وحرية الأوطان وحق تقرير الاِختيار الحر للنظم الوطنية في تنظيم خياراتها، التي لم تنخدع للحظة واحدة بركام الدعاية الإِعلامية والسياسية لسادة العصر العولميين، الذين يزاوجون بأفعالهم الحربية ـ الإِجرامية النكراء بين مفاهيم الزحف العسكري المباشر الذي كان أحد السمات الرئيسة للمرحلة الاِستعمارية المديدة، من جهة، وبين السيطرة الاِقتصادية المطلقة التي جسدَّتها الإمبريالية العالمية خلال القرن العشرين، من جهة أخرى. إنها لحظة نوعية من الإذلال الأمريكي للبشرية والأوطان والشعوب، واِستباحة مباشرة وفجَّة لكل المفاهيم والخطوات السياسية التي حققتها الشعوب منذ اِنتهاء الحرب العالمية الثانية ومنجزات مؤتمر باندونغ في أواسط الخمسينات من القرن الماضي، وكبح وحشي يتسم بالهمجية والمجازر العشوائية لكل المنجزات السياسية التي حققتها حركة التحرر التي شهدتها الساحة الممتدة من الخليج العربي إلى المحيط المغربي، بفضل سواعد الملايين من أبناء الوطن العربي وتضحية ملايين الوطنيين، وتقديم الألوف الألوف من المناضلين جهدهم وسنوات عمرهم في سبيل مقاومة المستعمرين والإمبرياليين.

لا شك إنَّ الغزاة الأمريكيين والعدوانيين البريطانيين حققوا اِنتصاراً عسكرياً ساحقاً على العراق، ولكن من نوع تلك الاِنتصارات التي تعَّد أشد عاراً من الهزائم الحربية. إنها تحققت بفعل اِستخدام الأسلحة المحرمة دولياً من تلك ((الإنجازات)) التي أنتجتها التقنية الأمريكية، التي تبينت ملامحها بحق ملايين العراقيين وأفرزت نتائجها الوحشية، وإلحاق أفدح الأضرار بالطفولة العراقية وأشد الفئات التي تتطلب المزيد من العناية بها. إنها مرحلة العولمة والطغيان والتفرد بالسيطرة على مقدرات الشعوب وحرية الأوطان، ساعدها في تحقيق كل ذلك الذين عملوا بهمِّة ونشاط في ميدان دعايتهـا المخاتلة الزائفة عن الحريـة والديمقراطية وحقوق الفرد الإنسـاني. لقد تبين لجميع الوطنيين المخلصـين... كافة القوميين المخلصـين... وكل المتدينين المخلصـين... وأغلب ذوي النزعة الإنسانية الحقَّة... المعنى الحقيقي والفعلي، لتلك المفاهيم الفكرية والسياسية على يد السلطة العسكرية الغاشمة في الإدارة الأمريكية، سلطة الجنرالات ديك تشيني وكولن باول ورامسفيلد يدعِّم خطواتهم تجار النفط والسـلاح والمسيحيون المتصهينون والمحافظون الجدد ورموز الاِيباك، التي تعني عندهم: مجازر الإبادة من الجو، والاِجتياح العسكري ونشر الحروب والدمار وتعميم الفوضى التي تشجِّع على النهب والتخريب والحرق، بغية إرجاع عجلة التقدم في العراق الباسل القهقرى نحو التخلف والبدائية على الصُعُد كافة.

 

أيها الوطنيون المتضامنون مع العراق

إنَّ العدوان لا يستهدف العراق فقط، فالأمريكان لا يتعاملون مع ((مواقع)) وإنما مع ((مناطق)). العراق هو الهدف الأول. والشرق الأوسط بما فيها سوريا وإيران والسعودية ومصر وغيرها، هي الهدف العسكري العدواني القادم، وسيندَم كلياً كلُ مَـنْ تواطئوا مع هذا الغزو من الأعراب والعرب والمسلمين والسلطات الحاكمة الجائرة. والهدف الفعلي هو السيطرة على العالم كله، بما فيه بعض بلدان الغرب المتطورة كفرنسا وألمانيا واليابان وروسيا، ولصالح الأمريكيين والصهاينة ومخططاتهم السياسية البعيدة المدى. إنَّ التطورات العدوانية لا تغفر للسذَّج وحملة أختام التبرير لكل الأحداث المفصلية التاريخية جهالتهم، من ســدَنة الرؤية الطائفية والأثنية والتابعين دوماً للأقوى، من مُدَعِّـي التقدمية في المنطقة الذين نقلوا ولاءاتهم ـ وبدفعة واحدة ـ من التأييد الاِمتثالي المطلق لأنظمة المِحل والقحل والفقر في المعسكر الاِشتراكي إلى بحبوحة العالم الإمبريالي المغمَّس رخائه بدماء الشعوب وقيام مسؤوليه بزيارة دوائر الخارجية الأمريكية، واِنضمام تنظيمهم في بعض المراحل لمؤتمر الجلبي: رجل السي آي أي في العراق. إنَّ الغزو العسكري البشع للوطن العراقي والعدوان الغاشم على شعبه المقاوم، يعني ـ فيما يعنيه ـ الحرب الإجرامية على البشرية كلها، وبالضد من الأمن والاِستقرار في المنطقة لصالح نشر الفوضى، التي لا تتحقق أهدافَها الرؤيةُ الأمريكيةُ ومرامي سياستها إلا عبرها، وعبرها فقط.

لذا يُعَّد هذا العدوان العسكري والغزو الهمجي: الجريمة الكبرى بحق الإنسانية، وتعَّد حلقته العسكرية الراهنة هي الخطوة الأولى في ميدان فعلها الإجرامي ليس في الوطن العربي فحسب، وإنما في كل العالم، حيث ستسود شريعة الغاب التي يسيطر فيه القوي المنفلت من أية شرعية دولية على ممتلكات الشعوب، وسينتظم فعل ((الحرب الوقائية)) كما تدعي الولايات المتحدة تسمية حربها العدوانية المجرمة الظالمة، كلَ ميادين العلاقات السياسية الدولية في العالم المعاصر.

إنَّهم بإطلاق يد الفوضـى داخل العراق، ونشـر مظاهـر التخريب والنهب والحرق، واِستخدام الكاميرات الدعائية لبثها بشكل واسـع، ومهاجمة ألوف الأكراد من أتباع الحركة الكردية المسلحة بصورة بشعة وإجرامية للمؤسسات التعليمية والخدمية في محافظتي التأميم ونينوى، وفي مدينتي كركوك والموصل على وجه التحديد... إنهم ـ في الحقيقة ـ يعيدون إِنتاج صور مجازر صبرا وشاتيلا التي وقعت في بيروت عم 1982 في أعقاب الغزو الصهيوني للبنان، لكي يؤكدوا الاِستخلاص القائل بتفاهة الصمود الوطني وعبثية المقاومة وعدم جدوى التصدي للغزاة، من ناحية، وتدمير مؤسسات الدولة وبنيانها العلمي والمعرفي والتحتي، وهو الهدف الأساسي من كل غزو عسكري ظالم، من ناحية أخرى، وفرض النسيان على وقائع الجريمة الأمريكية التي اُُرتكبت بحق العراق حاضراً ومستقبلاً، من ناحية ثالثة، وخدمة الشركات الأمريكية التي ستعطى لها مقاولات التعمير والبناء مجداً، وكأنَّ جنرالاتها الغزاة وجيوشهم المتوحشة لم يتسببوا في التدمير والتخريب في كل العراق، من ناحية رابعة وأخيرة.

فإلى العمل الوطيد للتضامن مع كل القوى الخيرة في العراق التي ترفض مخططات الأمريكيين في التجزئة للوطن العراقي، ونشر شرور نزعة التفتيت في المجتمع العراقي، والحفاظ على وحدة الدولة والنضال في سبيل خيارات وطنية مستقلة وموحدة وديموقراطية. والسلام عليكم والرحمة على أرواح شهداء أبناء الرافدين وأشقائهم العرب والمتطوعين من المسلمين، المدافعين عن الحق الوطني العراقي في الاِستقلال والحرية والتقدم.

باقِر الصَـرّاف

عضو اللجنة القيادية للتحالف الوطني العراقي

12/4/2003

 

ملاحظة: ألقيت هـذه الكلمـة في حديقـة أوســتر بارك في العاصـمـة الهولندية أمسـتردام:

Oosterpark ــ Amsterdam وذلك عصر يوم السبت 12 نيسان ــ أبريل بحضور جماهير غفيرة، من بينهم ممثلو جمعة العمال المغاربة، جمعية المغاربة لحقوق الإنسان بهولندا، الاِتحاد الوطني لطلبة المغرب [فرع هولندا]، مركز الشباب المغربي [أركان]، اِتحاد النساء المغربيات بهولندا، مجلس الجالية المغربية [زايبورخ]، المركز الأورومتوسطي للهجرة والتنمية، اِتحاد المنظمات المغربية بشمال أمستردام، صوت الديموقراطيين المغاربة بهولندا، مجلس الجالية المغربية بأمستردام، اِتحاد المساجد المغربية بهولند، منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، ممثلو الجالية الفلسطينية التي ألقى أحد ممثليها كلمة بالمناسبة التضامنية.

وسبق هذا المهرجان التضامني وقفة اِحتجاجية ضد العدوان الأمريكي قبالة القنصلية الأمريكية في أمستردام وفي ساحة المتحف، ألقى فيها ممثلا الحزب الاِشتراكي الهولندي والأخ باقر الصراف كلمتين اِرتجاليتين حول معنى الاِعتصام ودلالات الغزو والعدوان على العراق ومفاهيم القطبية الواحدة، ومن ثم طافت تظاهرة جماهيرية حول القنصلية قبل أنْ تتوجه إلى أووست بارك.

 

هل التاريخ يعيد نفسه؟!

لم يمض قرن ٌمن الزمان إلا واجه العراق كافة المحن الوطنية والقومية، مثلما شهد أفراحَ أحداثٍ وطنيةٍ غزيرة، اِستمدَّ من كليهما العِبر والدروس بالقدر الذي تستطيع طلائعه الفردية أو المنظمة، واِستخلص منهما المفكرون ما يمكن اِستخلاصه من مفاهيم، فشهد غزاة ومحتلين ومستعمرين، وحروب شعبية دفاعية، وثورات مسـلَّحة عارمة ضد الأجنبي، واِنتفاضات باسـلة صنعتها سواعد مختلف فئات الشعب، كانت الدماء الوطنية، القانية، الزكية، هي الطاقة التي أَدامت الفعل المقاوم ضد الأجنبي الذي دفع فيه الثمن الباهظ والكبير من أرواح غزاته وعدوانييه.

المستعمرون العثمانيون كما تجلوا أخيراً عشية القرن الماضي، وسياسة قيادتهم في ((الاِتحاد والترقي)) عندما أصـروا ــ تمادياً مقصـوداً ــ في التتريك اللغوي والوظيفي، فكان الإجماع الوطني على ضرورة التحرر وتأسيس الدولة الوطنية. ومن بعدهم الإنكليز المحتلين الحاكمين بشكل مباشر، وسيطرتهم الاِنتدابية بعد أنْ أجبرتهم ثورة العشرين الوطنية من القرن الماضي، عن الفرار من سياسة إدارة وضع العراق بالأيدي البريطانية مباشرة، ومن ثَم الثورة التحررية الوطنية في العام 1941 ضد البريطانيين، وعودتهم لسياسة الاِحتلال الثاني للعراق عبر الاِستعانة بقواتهم العسكرية التي جلبوها من جنوب أفريقيا والهند والاِستعانة سلطة النظام الهاشمي الأردني التي كان يرأس جيشه الجنرال البريطاني: أبو حنيك، والكفاح ضدهم بكل السُبُل حتى تكلل جهد الشعب العراقي النضالي في التحرر والاِستقلال والسيادة الحقيقية في صبيحة اليوم الأغر: 14 تموز 1958، عندما تم ولادة الجمهورية العراقية.

لقد اِستمرت الحكومات الوطنية العراقية تدير شؤون الوطن بروح الاِستقلال والسيادة جزئيا أو كلياًً ــ قبل تأميم النفط أو بعده ــ، كانت الديموقراطية السياسية والقمع السياسي سمتان أساسيتان في إدارة النظام السياسي المستقل ذي السيادة، تتراجع عند هذه الفئة وتتصاعد عند تلك. حتى وقعت الطامة الكبرى وداهمت المجموع الوطني الإذلال الأمريكي للعراق.

كان الاِحتلال العسكري الأمريكي ـ البريطاني للعراق يؤرخ لمرحلة جديدة من تاريخ العراق، الذي اِندلع في العشرين من آذار 2003، ويشكل مرحلة جلل في كل تلك الكلمة من معنى، نظراً لعدم إعطاء زخم المقاومة المسلَّحة المدى الأقصى من إمكانيات فعل الشعب الذي يختزنه، وعلى وجهٍ أخص في بغداد العاصمة الخالدة لعراق النهوض الدائم والمتجدد. ليس تحقيق النصر الحاسم هو المطلوب في زمن القطبية الواحدة، ولكن خوض المعركة بشرف وبسالة كما ينبغي لمعاني الشرف والبسالة أنْ تأخذ أبعادها، الدفاع المسلَّح ضد الغزاة والمعتدين قبل أَنْ ينجزوا احتلالهم الغاشم، الدفاع المجيد والمضيء هو ما كان مطلوباً، وهـو الذي أملت منه الجماهير العراقية والعربية والدينية الكثير والكبير، قتل الغزاة العسكريين هو ما كان أملاً وطموحاً، وهو المبرر الوحيد لذلك الصبر العراقي على كل ما حـدث في الماضي من خســائر في الأرواح والممتلكات والأموال الذي صرفته السلطة، كان الجميع يعرف الفرق بين ميزان القوى بين الطرفين، لكن ما وقع في بغداد كان فاجعة غير مسبوقة في التاريخ العراقي المقاوم، ورسم علامة تساؤل سوداء في تاريخه المليء بالصراعات، إِضافة إلى خذلانه الشارع العربي المقاوم، وتيئيسه لكل المسلمين المجاهدين في كافة بلدان العالم.

مثلما كان الجميع يعرف جيداً أنَّ كل الوضع السياسي العربي الرسمي، ما خلا موقف النظام السوري السـوري، هم الطاقة المضافة للعدوان الغربي في كل أبعاده، لذا كان أخذ ذلك العامل بالحسبان والتقدير، وحسم التعامل الناجز مع الوضع الرسـمي العربي: مع الجامعة العربية، مع مؤتمرات القمة العربية، مع العلاقات الرسمية العربية. كان اللجوء للشعب العراقي هو الموئل الأخير والملاذ المنتظر، لا الأنظمة العربية على اِختلاف حساباتها، اِستفتائه عن كل شيء يمُسُّ حياته الراهنة والمستقبلية، لا التفكير في كسب الوضع العربي الرسمي!

كان النظام الرسمي العربي يشارك الأعداء خططه وفق المحددات التي يرسمها له الأمريكيون على ضوء إستراتيجيته الموكدة على ضرورة الاِستفادة من وزن سلطات الأنظمة المعتدلة، لا سيما في مصر والجزيرة العربية، وكانت دولتنا العراقية تمنحهم التصريحات المباركة لعملهم التآمري. كان النظام المصري يتصرف على ضوء أولوية اِلتزامه بمعاهدة كامب ديفيد التي حدد سقفها كيان الاِغتصاب الصهيوني، ذلك الكيان الذي يستهدف العراق تاريخاً وحاضراً. كانت سلطة آل سعود تفتح أراضيها ومياهها وأجواءها للقوات الأمريكية الغازية بغية تدمير العراق خطوة بعد خطوة، وتهيء قاعدة عرعر الجوية العسكرية لكي يشنَّ العسكريون عدوانهم اليومي، وكانت سلطتنا العراقية تتحدث عن الأخوّة العربية والموقف القومي. كانت الحكومة القطرية تحول المناطق التي تقع تحت سيطرتها إلى مخزن للأسلحة وموقع للقيادة العسكرية ونستقبل وزير خارجيتها. كانت السلطة الهاشمية في الأردن تنسِّـق يومياً مع العدو الأمريكي ونحن نبريء نظامه من أفعاله الإِجرامية وخطواته الدنيئة، تستقبل أراضيه ألوف العسكريين الغربيين الذي يتسلل بعضهم للمنطقة الغربية في العراق، ونحن لا نتكلم عنهم. سلطة آل صباح تفرش أرضها وتفتح أجواءها وتوفر مياهها للغزاة وتصعِّد إعلامها ضد الدولة العراقية ونحن نكتفي بالشتيمة، بدلاً من تكرار فعل الحكمة القائلة: أُغزوهم قبل أنْ يغزوكم، وإدارة المعركة ليس بالحرب التي لن تكون الحرب المباشرة وحدها. كانت قيادة الأسطول الخامس في المنامة، ونحن ساكتون عن سـلطة آل خليفة، وما نزال. كان الوضع العربي الرسمي متآمراً مع الخارج الأمريكي، في الوقت الذي نبرر أفعاله الدنيئة الشنيعة.

الفرق بين الوعي الذي اِنتظم العنصر الذاتي العربي في لحظة الغزو البريطاني للوطني العربي ـ والعراق في المقدمة منه ـ خلال الحرب العالمية الأولى، هو الغفلة عن خطط الاِستعمار الرامية للهيمنة والاِستغلال والسيطرة، والتطلع للاِستقلال والوحدة، وصعود الحركة القومية التقليدية، والرضى بالخديعة البريطانية ـ الفرنسية أبطال سايكس ـ بيكو والوعد البلفوري وأكاذيب مكماهون التي اِنطلت على قيادة الثورة العربية الكبرى، أما اليوم فينبغي أنْ يكون للوعـي الفكري والسياسـي دوره في التخطيط والتقرير، وإلا ماذا تعلمنا من دروس تجربتنا الخاصة؟ تجربة الحركة القومية العربية الحديثة، والصراع مع الصهاينة، ومخططات التجزئة ونتائجها، وهزيمة الخامس من حزيران عام 1967، ومعاهدة كامب ديفيد بين السلطة المصرية وكيان الاِغتصاب، واِحتلال بيروت بعد العدوان العسكري الشامل على لبنان، والعدوان العسكري، المباشر وغير المباشر، على الثورة الفلسطينية واِنتفاضتي شعبنا العربي هناك، والتبعية المطلقة حتى بالتفاصيل للبعض العربي للإمبريالية التسلطية الأمريكية، والدماء النازفة المستمرة التي سفحها المناضلون العرب على أرض الجهاد والرباط؟!

لقد اِجتمع ملوك ورؤساء الدول المجاورة للعراق، يوم الجمعة الموافق 18/4/2003 بالعاصمة السعودية: الرياض بذريعة جوارها للعراق، وكأننا اِستبدلنا عنوان فلسطين بالعراق: أي ضياعه الأبدي من وجهة نظر المسؤولين الرسميين... لقد اِجتمعوا حول طاولة قراءة الفاتحة على العراق الذي شارك أغلبهم في هزيمته وتدميره، وسفحوا دموع التماسيح الكاذبة على الوطن المحتل أمريكياً، مثلما بكى سلفهم عبد الله على الأندلس، وتعهدوا بتفريق صدقاتهم الخائبة على أبنائه المنكوبين بالاِحتلال العسكري، وسيروا بعض الشاحنات الإنسانية ((المتَبرَع أغلبها)) من برنامج الغذاء والدواء الذي دفع ثمنه العراق، وبعد أنْ منعتْ دخولها سلطة الملك عبد الله الذي شارك جده في معاونة الصهاينة والإنكليز على اِغتصاب فلسطين سنة 1948 وغزو العراق في عام 1941، وحذروا شعبه من مغبة الفرقة وغياب المؤسسـات على طريقة ذاك الذي ألقى أخاه أو خصمه في الماء وقال له إياك إياك أنْ تبتَّلَ بالماءِ، قاموا بفعلتهم المجرمة مثلما قام أخوة يوسف بإلقائه بالجب، مع عدم الجرأة بالنطق حتى عن الذئب المزعوم وقول ما فعل، وإنما اِكتفوا بمناشدته بأنْ لا يطيل الإقامة في العراق، وكأن الذي اِرتكبه من فعل فاحش وهمجي ومجرم كان مجرد نزهة عنَّت على الخاطر وجاءت لأسباب ((إنسانية))... وكأنَّ الذي غزا العراق ليس أمريكا وبريطانيا وتسببت جيوشهما الغازية في إلحاق أذى بالشعب العراقي حاضراً ومستقبلاً!!

((سنبحث سبل مساعدة العراق على الخروج من الأزمة)) هكذا قرر وزراء خارجية كلٍ من تركيا والبحرين والكويت والأردن ومصر وإيران وسورية المهددة بتطبيق المثال العراقي إنْ لم تسلك الطريق الذي رسم تفاصيله الأمريكيون، وفق تعليمات التقرير الإستراتيجي الذي تناولنا بعضه في المقدمة... مجرد مساعدة للخروج من الأزمة، حتى من دون أدنى إدانة ((كلامية)) للقطب الدولي الجديد، وكيف يدينه مَـنْ شارك في الغزو والعدوان والتدمير، وكيف يستطيع الحاكمون في السعودية الكلام عن العراق وأرض الجزيرة العربية مفتوحة للقوات الأمريكية، وكيف يستطيع مجلس التعاون الخليجي على الإثم والعدوان من الحديث عن السائس الذي يجرجرهم من خطم أنفهم نحو زريبة الاِعتداء على العراق؟!

لقد حوَّل مبارك دور مصر إلى مجرد أرقام ومعلومات دعائية وهو يعلم علم اليقين، أولوية معاهدة كامب ديفيد مع كيان الاِغتصاب الصهيوني، في كل تصرف مصر السياسي على المستوى العربي، من ناحية، وإسهام الوضع الاِقتصادي قي سوقه مباشرة: أربعة مليارات دولار ستفقدها حتماً، مثلما فقدت سوريا الأنبوب النفطي وإيجابيات السوق المشتركة، من ناحية أخرى، ناهيك عن مردود العمالة المصرية التي كانت في العراق أيام الخير القومي العربي.

20/4/2003

 

الملاحق

الملحق الاول

بيان التحالف الوطني العراقي

لتحتِشد قوى الأمـة كلها للتصدي للعدوان الأمريكي الصهيوني على العراق

يا جماهير شعبنا في العراق... يا أبناء الأمـة العربية المجيدة

فجر هذا اليوم {20/3/2003} أقدمت القوات الأمريكية والبريطانية المجرمة، والمحتشِـدة في دويلات الخليج التي فتح حكامها كل الأبواب لاِستقبال هذه القوات الصليبية المتصهينة، مثلما فتحوا خزائنهم لتغطية نفقاتها، على شَـــنِّ عدوان شامل وهمجي وغاشم على العراق... لقد اِِمتلأََ الوحش الأمريكي غِلاً وحقداً على شعبنا الصامد، فحشَّــدَ هولاكو الصهاينة في واشــنطن جيوشــه ومرتزقته لضرب العراق وكسر شـــوكة أبنائه، ولا ريب في أنه ما كان لأمريكــا أنْ تتصرف على هذا النحو المتغطرس لولا تواطؤ العديد من الأنظمة العربية التي رضخت لمشيئتها، ويسَّـــرت لها السبيل مرتضية لنفسها الذل والهوان والعار... إِنَّ أعداء العراق يسعون إلى اِحتلال بلادنا وتفتيت لحمتها المجتمعية الوطنية ووأد ثقافة وقيم شعب الرافدين، وكل ذلك يفرض على الوطنيين اِســتلهام روح المقاومــة التي أبداها رجال ثورة العشرين وثورة مايس 1941 التحررية، لتنمية عوامل الصمود والمقاومة الشاملة والمتنوعة ضد المعتدين والغزاة المجرمين.

إنَّ التحالف الوطني العراقي يدعـو أنصاره وجماهـير شـــعبنا وعـموم الوطنيين، أينما كانوا، إلى التصدي للغزاة بكل الوســائل، من أجل إلحاق الهزيمة بهم، ودحــر مخططاتهم، وهزيمة مشاريعه السياسية، ويتوجه إلى كل القوى الخيرة في بلادنا لتنتظم في جبهة كفاحية واسعة ترسخ قيم الصمود والتضحية في أوســاط الشــعب، وتكرس كل جهودها للاِنخراط في الجهد الوطني المقاوم، للحفاظ على وحدة الوطن والمجتمع، وصيانة قيمنا التاريخية وحضارتنا المجيدة.

 

يا أبناء أمتنا العربية المجيدة...

إنَّ التتار الجدد في واشنطن ولندن وتل أبيب يسعون إلى إحراق الإنسان والحضارة في وطن الرافدين. إنهم يريدون اِحتلال بغداد، وتنصيب حكومة عميلة متصهينة تجعل من العراق قاعدة لتشكيل المنطقة على ضوء الأهداف الصهيونية، الأمر الذي يدعوكم للنهوض بواجبكم الوطني والقومي والديني في مســاندة شعبكم في العراق ضد العدوان الأمريكي الصهيوني... اِنزلوا إلى الشوارع في الليل وخلال النهار ونددوا بالمعتدين المجرمين والمتواطئين معهم... اِضربوا المصالح الأمريكية والبريطانية... اِحموا العراق بدمائكم... لوحــوا بقوة بقبضاتكم في وجــه الحكَّام المتواطئين مع الأعداء واِصرخوا في وجوههم: من لا يقاتل في صف العراق هو في الخندق الأمريكي الصهيوني.

 

يا جماهير شعبنا العظيم...

إنَّ المعتدين الغُزاة يهدفون: إلى اِحتلال وطننا واِستباحة مقدســـاتنا وتنصيب حكومة عميلة في بغداد... اِغتيال تاريخكم المضيء وحضارتكم العظيمة... اِغتيال تاريخ وتراث الأئمة العظام في النجف وكربلاء... تاريخ وتراث الخالصي الكبير في ديالى والكاظمية... والاِنتقام من بطولات الرارنجية والسماوة والرميثة... تاريخ وتراث الشيخ محمود الحفيد في السليمانية وأربيل... تاريخ وتراث نبوخذ نصر وسرجون وسعد والرشيد... تاريخ وتراث جعفر أبو التمن وشعلان أبو الجون والشيخ ضاري ويونس السبعاوي وصلاح الدين الصبَّاغ... إنهم يسعون إلى اِغتيال تاريخ كل مَــنْ تصدى للغزاة وقاتل دفاعاً عن وجودنا وثقافتنا العربية الإسلامية... اِرفعوا عالياً رايات الصـمود والمقاومة الوطنية... صونوا تاريخكم المجيد، وتدرعــوا بعوامل القوة والنهوض في أرض الفراتين، تمســكوا دائماً بوحدة العراق وصونوا كرامته وسيادته...

ســيبقى العراق عصِّياً على الغزاة والمعتديـن الأوغـاد...

المجد والنصر لشعب العراق وقواته المسَـــلَّحة الباسـلة...

الهزيمة والاِندحار لقوى العدوان الإمبريالي الصهيوني...

التحالف الوطني العراقي

20/3/2003

 

الملحق الثاني

حول البيان مُزور الذي صدر باِسم التحالف الوطني العراقي

الأستاذ رئيس القدس العربي المحترم...

تحية طيبة وبعد

وُزِع في لندن بواسطة البريد، خلال الأسبوع الأول من شهر حزيران الحالي بيان مزور ومدسوس على التحالف الوطني العراقي... إنَّ التحالف الوطني العراقي إذ يؤكد ويوضح أنْ ليست له علاقة ولا صلة بالبيان المذكور والذي زعم مزوره أنه صادر في جنيف في 29/5/2002 ويستنكر ويدين هذه الأساليب الرخيصة والشائنة في العمل السياسي والتي تلجأ إليها المجموعات التي اِرتضت لنفسها ذل وعار الاِرتماء في أحضان دوائر مخابرات دول العدوان. إنَّ البيان المزور والمدسوس على التحالف الوطني العراقي يهدف إلى خلق أجواء من التشويش على الرؤية الوطنية التي يتبناها التحالف الوطني العراقي المتمثلة بالنضال والعمل من أجل حوار وطني شامل للتوافق على مشروع وطني ديموقراطي يحقق التعددية السياسية والفكرية والحريات والعدل والمساواة والتعبئة الوطنية الشاملة لمقاومة الحصار المجرم والعدوان الإمبريالي الأمريكي المستمر على بلادنا...

إنَّ الجهات التي تقف وراء هذا البيان المزور تسعى بوسائل رخيصة ومبتذلة ومفضوحة المقاصد والغايات إلى تحريض الدوائر المخابراتية الأجنبية لملاحقة مناضلي التحالف الوطني العراقي وأنصار الرؤية الوطنية بقصد إِسكات المناهض للمشاريع العدوانية الأمريكية ضد بلادنا وشعبنا وكذلك لحرف الأنظار عن نشاطاتهم وتحركاتهم المشبوهة خدمة للجهد الاِستخباري الأمريكي وقبضهم المال الحرام المغموس بدم أطفال العراق.

إنَّ هذه المحاولة البائسة والمفضوحة لتزوير مواقف ورؤية التحالف الوطني العراقي توضح حجم الرعب الذي يسود أوساط تلك الجهات المشبوهة، جراء المواقف الوطنية المبدئية التي يتمسك بها التحالف الوطني العراقي وحرصه الدائم على صيانة الثوابت الوطنية والقومية، ومقاومته وفضحه للجهود والنشاطات التي تقوم بها الجهات خدمة للجهود العدوانيـة الأمريكية الهادفة إلى اِحتلال بلادنا وفرض الهيمنة المطلقة على الأمة العربية.

إنَّ محاولات التزوير لن تصمد أما صلابة الحقائق الوطنية التاريخية، والنصر أبداً لشعبنا والاِندحار للعدوانيين الأمريكيين وعملائهم الصغار.

التحالف الوطني العراقي ـ اللجنة القيادية

13/6/2002

نشرته جريدة (القدس العربي) الغرّاء التي تصدر في لندن بتاريخ 15/16 ـ 6 ـ 2002.

 

وفيما يلي نص البيان المدسوس الذي زعم فيه مفبركه إنّه صادر عن قيادة التحالف الوطني العراقي، نعيد نشره من أجل وضع الحقيقة الملموسة أمام القرّاء الكرام وجماهير شـعبنا الوطنيين، بغية تبينهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود على ضوء الاِحتلال الأمريكي ـ البريطاني للعراق، من ناحية، وعلى ضوء اِعتراف أحدهم بحقيقة إقدامهم على التزوير، واِعتذارهم عن فعلتهم النكراء التي أساءَت للوطنيين العراقيين والقوميين العرب المخلصين والمتدينين الحقيقيين المخلصين للحضارة العربية الإِسلامية، من ناحية أخرى.

 

الملحق الثالث

التحالف الوطني العراقي - اللجنة القيادية

بيان هـام

يا جماهير شعبنا العراقي الأبي،

تحت شـعار (نعم للرئيس القائد صدام حسين، حفظه الله ورعاه، لا للأمريكان والمعارضة العراقية البديلة العميلة)، عقدت اللجنة القيادية للتحالف الوطني العراقي جلسة اِستثنائية في مدينة جنيف السويسرية بحضور كافة أعضائها، وذلك لبحث ودراسة الظروف والأوضاع الحالية الخطيرة التي يمر بها عراقنا الحبيب أرضاً وشعباً وقيادة أثر التهديدات الأمريكية البريطانية الأخيرة اِرضاءاً لعملائها من الحكَّام الكويتيين والسعوديين وما تسمى بالمعارضة العراقية[1].

وعلى مدى أُسبوع كامل[2] دارت حوارات ونقاشات جادة ومعمقة بين الأعضاء حول العدوان وكيفية التصدي لها في الداخل وفي الخارج وكذلك لقضايا تتعلق بالعمل الوطني، وقد اِتخذت اللجنة القيادية القرارات الهامة التالية:

أولاً: التأييد المطلق وبدون أية شروط للقيادة العراقية الحكيمة والمناضلة وعلى رأسها القائد والمجاهد العظيم فخر الشعب العراقي والأمة العربية المجيدة خالد بن الوليد العصر والزمان المهيب الركن المناضل صدام حسين حفظه الله ورعاه، والاِعتزاز به لصموه في مواجهة العدوان والحصار الجائر وتحية لقدرته الخارقة على قيادة الجيش العراقيالعظيم وإحقاقه النصر المبين في المعركتين المقدستين قادسية صدام ضد الإيرانيين المجوسيين المدعين بالإسلام والإسلام منهم براء وكذلك في حرب ملحمة التاريخ أم المعارك الخالدة والمحطمة لآمال الغربيين ومن لف حولهم من العملاء من الملوك والأمراء والرؤساء العرب الذين لا يحملون من العرب والعروبة إلا اِسمهما وفي الحقيقة ما هم إلا دبب وقرود وأرانب لا حول لهم ولا قوة ولا يتحركون إلا بأوامر وإشارات من أسيادهم الأمريكان والإنكليز والصهاينة ومنهم فهد وجابر ومبارك والأسد، وبارك الله في السماء القائد روح التحدي ورفض الخضوع لاِملاءات الإمبريالية الأمريكية وصنيعتها منظمة ما يُسمى بالأمم المتحدة وذلك بهمة لا تفتر ولا تعرف الكلل وعزم لا يقهر، [3].

ثانيا: الطلب من الشرفاء العرب بالعمل على:

أ ـ تأييد القيادة العراقية النبيلة في موقفها الحالي ضد الإمبريالية الأمريكية، والوقوف بجانب الشعب العراقي مادياً ومعلوماتياً كي يتمكن من الوقوف ضد مؤامرات الغربيين والعرب المرتدين.

ب ـ إجبار حكوماتهم بكل الوسائل والطرق على كسر طوق الحصار المفروض على العراق منذ اِثنا عشر عاماً والذي سبب في اِستشهاد أكثر من مليوني عراقي وتدمير البنية التحتية للاِقتصاد العراقي.

ج ـ وقف شراء المواد الأجنبية وخاصة الإنكليزية والأمريكية ويطلب هذا بصورة خاصة من العرب المقيمين في الدول الغربية.

د ـ إلحاق الخسائر المادية بكافة المؤسسات الغربية العاملة في الدول العربية وكذلك بالمؤسسات الداخلية التي تعمل لصالح الاِقتصاد الغربي، وعلى العرب الموجودين في الغرب العمل بجدية وإخلاص على تدمير البنية التحتية للاِقتصاد الغربي ومن داخل بلدانهم وبكل ما أوتوا من قوة وبشتى الوسائل الممكنة والمتاحة والسعي من أجل بث الرعب في قلوب أفراد تلك الدول وذلك بإيجاد الحرائق وتدمير السيارات والقطارات ومحطات البترول وموارد الطاقة وإرسال الرسائل الملغمة والملوثة[4] إلى المؤسسات الأهلية والحكومية على غرار ما حدث في أمريكا، وكذلك العمل بجدية وإخلاص على كسب الأفراد الأجانب وتشجيعهم للمشاركة في المظاهرات والمسيرات والاِحتجاجات التي تقام في مدن الدول الغربية على غرار ما أُقيمت في برلين وباريس وروما ضد المجرم بوش.

هـ ـ جمع التبرعات المادية النقدية وذلك لمساعدة الحكومة العراقية لتتمكن من الوقوف بحزم وعزم أكثر ضد المخططات والمؤامرات الأمريكية الغربية[5].

د ـ وضع تصاوير وتماثيل القائد المجاهد صدام حسين في كافة النوادي والمقرات والمقاهي ورفعها في المسيرات الشعبية والطلابية وذلك تحدياً لملوكهم ورؤسائهم والغربيين الحاقدين على سيادته وشخصيته الفذة العظيمة.

ثالثاً: اِستنكار المواقف المضادة للحكومة العراقية لكل من جاك شيراك الفرنسي وبوتين الروسي اللذان باعا نفسيهما للأمريكان بثمن بخس وأصبحا لعابتين بيدي جورج بوش يسيرهما حسب ما يهوى ويشاء مراعاة للغرب ومن ورائهم الصهيونية العالمية.

رابعاً: اِستنكار مواقف كل من العميلين جلال الطالباني ومسعود البارزاني اللذان جعلا من شمال العراق قاعدة عسكرية للأمريكيين والإسرائيليين وموافقتهما في اِجتماعهما الأخير مع ممثلي المخابرات الأمريكية في ألمانيا على السماح للأمريكان من الاِستفادة من أراضي شمال العراق المحتلة من قبل قواتهما للأغراض العسكرية للهجوم من هناك على المناطق الأخرى في العراق في حالة وقوع عدوان جديد، وكذلك جعلها مقراً لاِجتماع العملاء والجواسيس ممن يطلقون على أنفسهم المعارضة العراقية، وكذلك محاولتهم تمزيق العراق من أجل تحقيق أحلامهم الصبيانية التي لا تتحقق مهما حاولوا وحتى بقاء قطرة دم نظيف في عروق كل عربي شريف وكذلك حربهم وراء سراب لا يكون له وجوداً مادياً مهما طال الأمد والزمان.

خامساً: اِستنكار مواقف الأحزاب والمنظمات والجمعيات الشيعية العراقي وذلك لتعاونهم العلني مع المخابرات البريطانية والأمريكية ضد العراق حكومة وشعباً وذلك بناءاً على مصالحهم الضيقة والنابعة من النعرات الطائفية والمذهبية والعنصرية لهم من أجل إِسقاط النظام العراقي المناضل وتبديله بنظام شيعي لا يعمل إلا من أجل مصالح الدول الأجنبية والإقليمية والعالمية[6].

سادسا: الطلب من العراقيين الموجودين في الخارج العودة للوطن والاِلتحاق بخدمة العلم اِستعداداً للمواجهة المقبلة الحاسمة.

سابعاً: دعوة كافة الأحزاب والمنظمات التي لم تلتحق بالقافلة الأمريكية الغربية للاِلتحاق بالتحالف الوطني العراقي للعمل سوية من أجل مصالح الشعب العراقي والقيادة العراقية وترك الخلافات والمصالح الحزبية الضيقة حالياً لإنقاذ بلدنا الحبيب من الهجمات الشرسة للذئاب الجائعة المفترسة.

ثامناً: الطلب من أبناء شعبنا العراقي في محافظة الكويت المقطوعة من الوطن الأم والمحتلة على العمل من أجل تنظيم نهضة جماهيرية واسعة وشاملة وذلك للقضاء على الزمرة الفاسدة الحاكمة وطرد القوات الأجنبية الموجودة هناك والطلب باِستفتاء شعبي كي ما تتحقق العودة إلى حضن الوطن والعيش بحرية وسلام وإعادتهم لشخصيتهم العربية المسلوبة، [7].

وأخيراً تحيي اللجنة القيادية للتحالف شجاعة وبسالة القوات العراقية وخاصة الدفاع الجوي في تصديها لطائرات الأشرار وتؤكد إعتزازها بصلابة شعبنا وصموده ضد المعتدين الأوغاد وتحي فارس العروبة والإسلام الرئيس القائد صدام حسين حفظه الله وتدعوا له بطول العمر.

وفي ختام البيان يورد المزورون أسماء أعضاء اللجنة القيادية ومراكزهم الحزبية وعناوينهم وأرقام هواتفهم زيادة في توضيح هدف البيان المزور: توثيق الوشاية لمن يهمهم الأمر.

 

تعليقات ضرورية حول بعض نقاط البيان المدسوس

[1]- وهنا أول ((مآثر)) الأكاذيب التزويرية لمصدري ومرويجي البيان المزعوم، إذ أنَّ التهديدات الأمريكية ـ البريطانية نابعة عن ذاتهما الإمبريالية العدوانية، ولا يمكن أنْ تكون التهديدات خدمـة لعيون العملاء العراقيين والعرب، سواء أكانوا أنظمة أو أحزاب أو أفراد، فالمصلحة السياسية الإستراتيجية تحرك تلك الدولتين. أما المخاتلات فهي كثيرة، والدعاية أكثر لا شك في ذلك. إنَّ التناقض الأساسي هو بين الدولة العراقية: التي هي جماع مفاهيمي لوحدة الشعب والأرض والمؤسسات الحكومية كلها، من جهة، وبين القوى الأجنبية التي على رأسها دولة الولايات المتحدة الأمريكية، من جهة أخرى، كما نؤكد دائماً في أدبياتنا الفكرية والسياسية.

[2]- لماذا أسبوع واحد إذا كان الخط الفكري والسياسي منسجماً لدى لجنته قيادية؟ أيريدون التمتع بأجواء سويسرا الدافئة الحلوة في الوقت الذي تتعرض بلدهم لاِحتمالات العدوان؟

[3]- إنَّ الأسلوب الركيك المداهن، والمدح المجاني الأرك منه، يفضح ذاته بذاته، ولا يراعي حتى المثل السائد القائل: إذا تحدث المرء بغير ما هو معقول فإنَّ صدَّق البعض فلا عقل عنده، فكيف يريد إقناع كاتب البيان المزعوم القراءَ الكرام؟ بهذه المطالب التي لن يرددها حتى مريدو السلطة العراقية في الداخل أو الخارج، أم أنَّ البيان أُعِدَّ لجهات اِستخبارية في الدول الكبرى، أو بناء على طلبها، من الجهات المعادية للعراق الوطن والشعب والمؤسسات الحكومية.

[4]- إِنَّ الحديث حول المسحوق الملوِث والرسائل الملغمة، وغير ذلك من أحاديث حول أسلحة الدمار الشامل العرقية لهو بهتان كبير، أُريد منه تعبئة الرأي العام الأمريكي خلف قرار العدوان على العراق، وهل يعلم معدو البيان المدسوس، مثلاً، إنَّ لتحضير عدة غرامات من المسحوق المعني، يقتضي تحضيرها من عشرة آلاف لـتر من السائل الأصلي للمادة؟ أي لتحضير بضعة مواد صلبة منه؟ ثم لماذا توقف الحديث عن الرسائل الملَّغمة بعد العدوان على العراق والسطو عليه؟

[5]- ألا يتناقض ما يذهب إليه البيان حول جمع التبرعات النقدية، مع الرشاوى الذي تدفعها السلطة العراقية للشـخصيات والقوى المؤيدة للسـلطة، التي كانت تتحدث به قوى ما يسـمى بالمعارضة العراقية كلها؟

[6]- لاحظ أخي القاريء التزوير القميء في هذه الجملة التي تحاول ترحيل الأحزاب الطائفية إلى تكوين المذهب الإمامي الذي يتبعه بعض العراقيين ويؤمنون به، ونهج أئمة هذا المذهب ضد المعتدي الأجنبي على طول الخط وفي مختلف الظروف. لقد شرحنا أبعاد مواقف أئمة هذا المذهب وبينا مواقفه ومواقفهم التاريخية في العديد من مؤلفاتنا، لا سيما في الكتاب الذي ناقش اِحتمالات العدوان على العراق، ومواقف المراجع الإمامية الكبار من العدوان المحتمل في الكتاب المعنون بصدد الموقف الحضاري الإسلامي من العدوان على العراق.

[7]- لنلاحظ أن المفاهيم التي يستخدمها البيان المزور لا تتسق مع المفاهيم التي دأب التحالف الوطني العراقي على اِستخدامها في كل أدبياته، سواء في صحيفته أو الكتب الصادرة عن التحالف، ولكن نزعة التزوير التي تهيمن على عقول كاتبي البيان المدسوس تأبى إلا أنْ يوغلوا في التزوير السخيف!

 

الملحق الرابع

لماذا التزوير في بلاد مفتوحة

نشرت صحيفة (القدس العربي) الغَرَّاء، في عددها الصادر يومي السبت/الأحد الموافق في 15/16 ـ حزيران عام 2002 بياناً توضيحياً صادراً عن التحالف الوطني العراقي قال فيه: ((يؤكد ويوضح أنْ ليست له علاقة ولا صلة بالبيان المذكـور والذي زعـم مزَورَّه أنه صـادر في جنيف في 29/5/2002 [... وهو] محاولة بائسة ومفضوحة لتزوير مواقف ورؤية التحالف))، كما يستنكر فيه لجوء البعض إلى التزوير الفظ باِسم التحالف، وإقدامه على الإيحاء بمواقف سياسية، وعملية، بعيدة كل البُعد عن الوثائق التي بينت رؤية التحالف لمجموع المشكلات السياسية التي يشهدها العراق، في صحيفة {نداء الوطن} الناطقة بلسان التحالف {العدد الوثائقي الصادر في 6 شباط 2001}، وأساس تلك الرؤية يكمن في تقدير التحالف، لاِنعكاسات الوضع العالمي في مرحلة قطبيته الوحيدة على منطقتنا العربية، وأمتنا العربية، وكيفية إِجتراح الحلقة الرئيسة، كشعار سياسي وتوجهات فكرية، للكفاح الوطني العراقي في المرحلة الراهنة، وأهمية التوصل إلى ذلك عبر الحوار الوطني السياسي، والإقرار الكلي للنتائج المترتبة على ذلك الحوار، في مصالحة وطنية شاملة، لها أسسـها المبدئية وآفاقها السياسية، ومدلولاتها الفكرية، ليس على الصعيد العراقي فقط، بل على صعيد الوطن العربي، في محاولة لاِستنهاض الفعل الكفاحي القومي العربي، في مواجهة الجبروت الأمريكي المنفلت العقال من كل الضرورات الدولية العادلة، والخارج عن القيم العالمية الإنسـانية، تلك هي قناعات سياسية لتيار وطني عراقي رفض سياسة الحزب الواحد الشمولي أينما كان، وفي العراق على وجه التحديد، تلك السياسة الناجمة عن ممارسات الحزب الواحد، والتي لن تفضي إلى الخروج من الأزمة السياسية في هذا البلد، وفق اِعتقاد التحالف الوطني السياسي القائم على التحليل السياسي الملموس للموقف السياسي المحسوس الملموس، وفي المرحلة الراهنة، وطنياً وعربياً وإقليمياً وعالمياً، كون السياسة أقرب للجبر من الحساب في سيرورتها الحدثية، ومجاهيلها المتوقعة، وشبيهة بالتفاعلات الكيميائية ونتائج معادلاتها المختلفة عن عناصرها الكيميائية الأولية، إضافة إلى كونها مفاهيم جغرافية/تاريخية، اِقترنت نتائجها العملية على مدى القرنين الماضين بشكلٍ خاص، إنْ لم يكن قبل ذلك.

والنهج السياسي عبر الفكر السياسي الوطني المبادر الذي يتشوف المستقبل، ويتصور ما سيكون بديلاً توافقياً، على أسـس برنامجية واضحة وملموسـة، عما هو كائن من ممارسات مرفوضة، هو أداة التغيير المنشود نحو الأحسن، والإجماع الوطني العراقي حول مشروع سياسـي وطني ديموقراطي يحقق التعددية السياسية والفكرية والثقافية، واِختلاف الرؤى بصدد المشكلة الواحدة لصالح الوطن، وإرساء العدالة الاِجتماعية بالقدر الذي تتيحه ظروف البلاد، وتأمين الاِستقلال التام للقضاء والمؤسسات التربوية، وضمان حرية الإعلام، والحرص على اِستقلالية التنظيمات النقابية، وطوعية إقامة المؤسسات والجمعيات والاِتحادات المهنية والثقافية، في إطار المواجهة الوطنية الملموسة للعدو الأجنبي الذي بات من سماته الخاصة، وعلى ضوء ممارساته تجاه القضية الوطنية العراقية، والقضية القومية العربية: شَـنُّ حربٍ تفضي إلى ممارسة أساليب تتسبب في إبادة شاملة، والإقدام على اللجوء لخيارات تؤدي لـ((التدمير الشامل للبلد الخصم ولسكانه، حتى وإنْ كانَ هذا البلد لا يملك القُدرة على تهديد الأمن الأمريكي))، وتوحيد السوق العالمية تحت هيمنة الرؤية الإستراتيجية الأمريكية، وتجارب العراق ويوغسلافيا وأفغانستان، مثلاً، تدلل على ذلك الاِتجاه، والاِستفادة من الدروس التاريخية المرئية، هي إحدى صفات القوى الجادَّة، المستقلة فعلاً، المخلصة.

الغريب في المسألة كلها، إنَّ العراقيين الذين يقطنون في ديار اللجوء والطمأنينة، هم بعيدون كل البُعد عن يد السلطة العراقية الباطشة، التي أصبحت، من وجهة نظر البعض العراقي المقيم في الخارج، هي الشيطان ذاته وقد تبدَّى السوءَ كلَه، والشَّـرَ الإنساني وقد تجسدَ ممارسة قمعية، واِرتكبت الموبقات كلها بنظرهم، لذا فهم لا يستطيعون التعبير عن وجهة نظرهم السياسية في بلدانهم، رغم إنَّ تلك القناعات السياسـية لا تبرر الاِتصال بالعدو الأجنبي المعتـدي على الدولة العراقية، وقبض أمواله أبداً بذريعة ((التعاون)) معه، لمواصلة النضال ضد السلطة القائمة، باِعتبارها الخصم أو العدو المشترك الراهن والمباشر.

ولكن يمكننا، هنـا، خوض الحوار الفكري والسياسي معها، بناءً على اِدعاءاتها باِحترام اللعبة الديمقراطية، وحقُّ الجميع في إبداء وجهات نظرهم الفكرية والسياسية، وتلك هي إحدى مبررات لجوئهم إلى الدول الأوروبية، كونها دول مفتوحة سـياسـياً وإعلامياً، ووسائل النشر متوفرة للمجموع، بغية التعبير عن رأيهم بصدد مسائل سياسية كلها: مُشرِقِها وغامِضها، في زمن تتوفر فيه المصادر الإعلامية للتوصل إلى ((حقائق السياسـة))، التي تأخذ بالتطورات نحو الأعلى، أي باِتجاه الصعود الوطني والاِجتماعي، أو التي تعبِّـر عن عملية الهبوط السـياسـي بنشر التقاتل العبثي، وإطلاق يد الفتنة ونشِـر الفوضى، على حدِّ ما جاء في تعبير زبيغينيو بريجنسكي، لأنَّ من شأنِ ذلك، على ضوء وجهة نظره السياسية، يوفر الفرصة المناسبة لتحقيق الأهداف السياسية الأمريكية، خصوصاً وإنَّ الولايات المتحدة تتحكم بالتطورات العالمية الأساسـية كلها، زماناً ومكاناً، كونها القوُّةَ الأعظم.

ولكن الذي يثير الغرابة حقاً، هو تناغم البيان المزوَّر مع التوجهات غير الوطنية العراقية، واِنسجامه مع الرؤية التي تخدم السياسة الأجنبية ودعايتها الملموسة، وتكمن خطورته في الطابع التحريضي على كُلِّ مَـنْ يلتزم الرؤية الوطنية العراقية، ويحاول فرض منطق: لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم، أي إرهاب كل من يحاول اِتخاذ موقف وطني وقومي عربي وإنسـاني بصدد القضية العراقية، وكذلك إرهاب عناصر التحالف الوطني العراقي، وهيأته المركزية، وتكوينه القيادي، وهذا تطور جديد في الحملة التهويشية الدعائية على مجموع مَـنْ يلتزم الرؤيةَ الوطنيةَ العراقيةَ الملموسة، والقوميةَ العربيةَ المتحررةَ، والحضارية الإسلامية، على ضوء الإيمان بمعايير وجود الأمة العربية باِعتبارها معطى تاريخي مُشترك، ترفض التجزئة والتفتيت والشرذمة لأيِّ سببٍ كان.

لقد سُوِدَت العديد من صفحات المطبوعات التي يصدرها مدَعُّـو المعارضة السياسية العراقية، على مفاهيم التحالف الوطني العراقي دون التطرق إلى مناقشة مضامينها، ودون بذل الجُهدَ المطلوبَ في سـبيل فهمها، ناهيك عن وعيها سياسـياً وفكرياً، وإدراك الخطوات العملية التي تؤدي لإنجازها، ورُجمَ ممثلو أطرافها بمختلف الهُمَزِ واللُمَزِ والألقاب، فمـن مرتزقة صدّام بالخارج، إلى عملاء صـدام، مروراً بكونهم جزءاً من مخابراته، والتنظيم الطائفي، وينبغي الحذر منهم على الدوام... وغير ذلك الكثير، هكذا كانت ردود فعل أَغلب ما يُسمى بأطراف المعارضة.

كان تعليق أغلب قيادات التحالف: دعهم ينـزُّون أوبئةً وجراثيمَ بما ملأت أفئدتهم سوءاً، وجعلت قلوبهم موبوءةً بالأمراض... دعهم ينَّفسون عن أحقاد تشربتها نفوس أدمنت العيش بالأوكار السـرية، المظلمة، وعدم رؤية الآخر، ناهيك عن محاورة منطقه هو، لا المُتخَيل عنه، والمتوجِس منه.

ولكنْ أنْ ينحدر البعض إلى مستنقع التزوير الفظ، هو الذي يبعث على الدهشة المريبة، لاسيما إذا اِطلَّعنا على نقطتين تطرق لهما البيان الطويل، المتكون من صفحتين سودتا بكلمات متراصة، وهما نقطتان سياسيتان متداخلتان لم يحتوِهما بيان سـياسـي، من قبلُ قط، فالمألوف أنْ لا يتطرق بيان سياسي ما، خصوصاً إذا كانَ علنياً، إلى قرارات عملية سرِّية أبداً. مثلما لا تشتمل أيةُ بياناتٍ سياسيةٍ، إعطاء مراكـزَ وعناوين وأرقام هواتف، خاصة بالحاضرين في ذلك الاِجتماع الذي يتخذ القرارات السرية، فماذا جاء بتلك الفقرتين/القرارين التي حملهما البيان المزوَّر: ((إلحاق الخسـائر المادية بكافة المؤسسات الغربية العاملة في الدول الغربية، وكذلك المؤسسات الداخلية التي تعمل لصالح الاِقتصاد الغربي، وعلى العرب الموجودين في الغرب العمل بجدِّية وإخلاص العمل على تدمير البنية التحتية للاِقتصاد الغربي، وبكل ما أُتوا من قوَّة وبشتى الوسائل الممكنة والمتاحة، والسعي من أجل بثِّ الرعب في قلوب أفراد تلك الدول، وذلك بإيجاد الحرائق وتدمير السيارات والقطارات ومحطات البترول، وموارد الطاقة، وإرسـال الرسـائل المُلَغَّمة والملوِثة إلى المؤسسات الأهلية والحكومية على غرار ما حدث في أمريكا، وكذلك العمل بجدِّية وإخلاص على كسب الأفراد الأجانب وتشجيعهم للمشاركة في المظاهرات والاِحتجاجات التي تُقام في مدن الدول الغربية على غرار ما أُقيمت في برلين وباريس وروما ضد المجرم بوش)) وإذا ما أَخـذنا الأبعاد العلمية لمفهوم الدولة الحديث، بنظر الاِعتبار، فإنَّ التحالف الوطني العراقي يضع المكونات الرئيسة لأية دولة: المجتمع والوطن والمؤسسات كلها في دائرة العدو. لذا ينبغي معاقبتهم، بنشر الفوضى في مؤسسات الدولة، وإرهاب كافة عناصرها، وذلك بهتان فاضح ما بعده بهتان وقح، وكذب مُشين قبيح مكشوف.

فإذا كانت النقطة التحريضية، وتصريحها اللئيم تجاه ضرورة القيام بممارسات سياسية، والإقدام على أعمال إرهابية فوضوية، موجَهَةً أساساً إلى أجهزة أمنية بعينها، على ضوء تزويدها بصلاحيات تستند إلى ما يُسمى بالأدلة السرية، وبالتالي الإقدام على اِعتقال أيٍ كان من دون مساءلة، والتحقيق مع أي شخص على ضوء الإشاعات المغرضة، فإنَّ جوهر الأمر يبدو جلياً حينها، ويتبدى المعنى الحقيقي الذي ينطوي عليه مضمون تلك المعلومات، ويفسِّـر الغايات التي من أجلها أُعطُيَت عناوين قيادات التحالف الأساسية، وتصبح كل الاِدعاءات، التي تأسست على هذه العملية المُرتبة سلفاً، مفهومـةً تماماً.

فالبيان السياسي ((الهام)) المزوَّر، إذاً: هو في حقيقته العينية بيانٌ للوشاية، وعبارة عن تقريرٍ سـرِّي، وبلاغ اِتهامي، يُقدَم إلى ذوي الأمر الأمني، التي تسهم أجهزتها بالتمويل المالي للمعارضة العراقية، ومعلوم إلى القاصي المهتَّم وإلى الداني المتابِـع، إنَّ مَـنْ يدفع يُسـيِّر ويُوجِّه، ويُرشِد، دائماً وأبداً. وربما إنَّ إحدى الأهداف من صدور ذلك البيان، يكمن بالتالي: هو خدمة ذلك التوجه المستقبلي في إطار ما يُخطط للعراق، وضرورة نثر دعاية إعلامية تقلق الشـعوب الأوروبية. وتحرف أنظارهم عن أُمور بعيدة عن اِهتماماتهم ومعاكسة لمشاعرهم.

لقد أَوضح بيان الناطق باِسم الخارجية الأمريكية، إنَّ الولايات المتحدة قدَّمت إلى العديد من المنظمات الدعائية العراقية مبلغ 6، 11 مليون دولار لتنفيذ الأهداف السياسية الأمريكية، في عملٍ متقن لتكليف البعض في القيام بإعمال تخدم توجهات دولته أساساً، كما تذكر المصادر المقتبسة عن الأنترنيت الخاصة بالخارجية الأمريكية بتاريخ 2/5/2002 التي يمكن الإطلاع على نصِّ تصريح الناطق باِسمها، وفق الرمز البريدي الآتي:

www. state. gov/r/pa/ps/2002/9906.. him

 

وفي هذا الإطار الساعي لتنفيذ أهداف سياسـية أمريكية معينة، يمكن قراءة الأهداف السياسية لهذه الوشاية، مثلما يكشـف عن الجهة الحقيقية التي توجِّه أصحاب هذا البيان المزوَّر، ولكن ما فات على مصدِّري ((البيان السياسي الهام))، أنَّ حاملي وجهة نظر الرؤية الوطنية، لا يمتلكون في حقيقة الأمر سـوى ضمائرهم السياسية المخلصة، النقية، الصافية، لذلك فهم ينتضون إرادتهم الوطنية الصُلبة للتعبير عن مواقفهم الفكرية والسياسية، وتقديم رؤيتهم الفكرية والسياسية الوطنية، في العلن المكشوف والضوء الساطع، وعلى هديِّ المصلحة الوطنية العراقية الفعلية، وليس ممارسة النفاق بالقول المعسول في سوق الدعاية العلني، والممارسة العملية السرية في دهاليز المخابرات الأجنبية، وسراديب الولاء لأفكارها، والترويج لمشاريعها السِّرية.

26/6/2002

باقر الصراف

نُشِـرَت في جريدة (القدس العربي) الصادرة بالعاصمة البريطانية: لندن بعد أيام من إرسالها.

 

الملحق الخامس

زيارة خاصة

مسـاء يوم الثلاثاء المصادف 18/آذار/2003

كان الجو مشرقاً والشمس ساطعة، دافئاً على غير عادة الطقس في هولندا، وحمى الوعيد الأمريكي تستعر متصاعدة، والإنذار الكلبي من أمريكا المسعور يصدر من أصوات صليبية ـ صهيونية بحق العراق، والأخبار تحمل ضجيجاً مشـوِهاً للوعي في خلطها للأمور، بما ينفِّر من مواصلة الاِستماع للمحطات المرئية التي تواظب على بث الرؤية الغربية التي تصوغها آلة الإعلام/الدعائية الأمريكية بعناية تامة، قررتُ ممارسة العادة اليومية بالسير على الأقدام لمدة ساعة تقريباً بناءً على النصيحة الطبية، لبستُ حلتي التي جلبتها من الدانمارك دون رباط تزييني لها، المائل لونها إلى الرمادي الداكن تطرزها الخطوط العمودية ذات اللون الرمادي الفاتح، وخرجتُ باِتجاه محلات ((إلبرت هاين)) لتفقد ما فيها من بضائع قد أتطلع لشرائها. ومن هناك بعد التسوق بالتفاح ومنعشـات الجـو المعطرة، سرتُ نحو فندق الكوخة في [KOOG AAN DE ZAAN] ومن هناك مشيتُ باِتجاه محطة كوخ بلومن فايك للقطارات، ومن ثم رجوعاً إلى البيت باِتجاه محلات الخامة، وصولاً للجسِـر المعلَّق، أولاً، ومن ثم قطعه عبر المرور تحته، باِتجاه البيت بشكل مستقيم دون تعرجات.

كان مشهد الأطفال والبنات والنساء والرجال هو الطاغي على الطرق التي مررتُ بها، لا شيء اِستثنائي يلفت النظر دون تلك المناظر، أدرت مفتاح الدار الخاصة بي ودلفتًُ المنزل، وبدلتُ الحلة بالملابس الخاصة بالمنزل التي هي عبارة عن ثوب: {دشـداشـة} كستنائي فاتح جداً، أمْـيَـل إلى اللون البني المخفف.

قضيتُ حاجة التبول منتصباً ومسرعاً. غسَّلتُ يدييَ كما هي عادتي بالسـائل الصـابوني المعقِـم، ومن ثم ذهبتُ إلى موقع البراد فأخرجتُ الخضار المكونة لمحتويات عمل السلاطة المؤلفة من الخيار والخس والبندورة والفليفلة والجزر والليمون الحامض، مثلما جلبتُ الخضار التي تُسلق وتؤكل مع وجبة العشاء التي هي عبارة في هذا اليوم: ثلاثة أسياخ من الكباب، وقد هُيأَتْ قبل ساعات لكي يبلغ تجمدها درجة الذوبان، وأثناء العمل على تهيئة وجبة العشـاء سـمعتُ ضغطاً متواصـلاً على المنبه الكهربائي، نشَـفُتُ يدايَ قبل فتح الباب للرد على الطارق، أزحتُ مانع الرؤية المكون من الستارة التي هي قطعة من قماش ملونة بالبيج والبرتقالي وقد تدلت على زجاجة باب البيت الأمامي، فرأيتُ شاباً تتراوح سنوات هيأته في أواسط الثلاثينات، أو يبدو على وشــك تخطي بداية الأربعينات، ذا شــعر خفيف مُسْــدلٌ بعناية على مقدمة رأسه، ويرتدي حلة أقرب إلى الزرقة في لونها، ورباطاً يتوسط قميصه السـماوي، حدستُ إنه من أولئك الموظفين يبحثون عن عنوان، أو من الأشــخاص المكلفين بمهمات مالية.

ســألني: ألســتَ باقر الصــراف؟

أومأتُ له بالإيجاب.

فقال: أتســـمح لي بالدخول، فأذنتُ له قائلاً له بلغة عربية فصيحة: على الرحب والسعة، وقبل أنْ يخلع حذائه أو بقائه لابسا ًإياه، اِستفسر عن الإمكانية المُتاحة التي ينبغي التصرف على ضوئها، ودخلَ مع حذائه في أعقاب تخييره هو لما يحب ويرغب، وأخرج من جيب سترته هوية شخصية ليريني إياها، رداً على سؤال حول هويته الشخصية، فقرأتها دون فقه معناها التي تؤشِّــر لها، فقال توضيحاً عن حيرتي حول مضمونها: إنني قادمٌ من المخابرات الهولندية ولديَ مجموعة من الاِستفسارات والأسئلة، فقلتُ له سأكون في إجاباتي صريحاً جداً عن أي سؤال يتعلق بموقفي السياسي، فسألَ هل تحسن اللغة الهولندية جيداً، قلتُ لا: طالما يتعلق بموضوع متشـعب يدور حول موقفي الفكري والسـياسـي، ولو كان هناك مترجمٌ يحُسِــن اللغة العربية أفضل لي ولكم. في أية حال يمكنك توجيه الأسئلة التي جئت للتعرف على الإجابة عنها.

كان السؤال الأول يتعلق بالاِسم والتأكد من صحته، وورود اِسمي في صحيفة ((نداء الوطن)) التي لفظها نضال الوطن ـ كما أعتقد ـ فقلتُ له إني لم أكتبْ في أية جريدة اِسمها نضال الوطن، ولكني كتبتُ في صحيفة ((القدس العربي)) و((العرب)) اللتين تصدران في لندن العاصمة البريطانية، وفي ((نداء الوطن)) غير السرية، قال نعم: ((نداء الوطن)) تلك الجريدة التي أعنيها، قلت كتبت فيها مُعبراً عن رأيي بصورة واضحة، ولدي عدة كتب أوضح فيها موقفي السياسي، تصدر عنها كونها منبر الرؤية الوطنية... صوت التيار الديموقراطي، وأريته عدة مؤلفات لي، فقرأَ مضامين عناوينها باللغة الإنكليزية، فأردف اِسـتفسـاره وتوضيحه بسؤال عن مؤتمر التحالف الذي عقُدَ في جنيف: العاصمة السويسرية، فنفيتُ ذلك بالمطلق، وأوضحتُ إنَّ مؤتمري التحالف اللذين عقدا في لندن وباريس مُعلنان أمام الجميع: وسائل إعلامية وغيرها. كان يشير في قوله ذلك إلى البيان/الوشاية [الذي نشرته في هذه الملاحق] الذي أصدره البعض وذيله بمكان الصدور من جنيف وبتاريخ 29/5/2002... أصدره البعض الحاقد العاجز عن الحوار الفكري والسياسي في أوروبا التي من سماتها التمتع بالجـو الديموقراطي المُعاش، للتحريض على التحالف الوطني العراقي أمام الأجهزة الأمنية الأوروبية، وقررتُ إرجاء الحديث بصدده لحظة قادمة تتضمن وجود مترجم بين الطرفين، وسأل عن الموقف السياسي لي فأجبته بصورة مكثفة: إننا نهدف الحفاظ على الدولة العراقية والعيش في ظل حياة سـياسـية ديموقراطية، ونقاوم الحصار ونناضل ضد الحرب الأمريكية المفروضـة على الدولة العراقية.

وأورد اِسم عبد الجبار الكبيسي دون مقدمات، مستفسراً عنه وعن مواقفه السياسية ورحلته إلى بغداد وظهوره على الشاشة المرئية العراقية، فأجبتُ: أما بصدد الاِستفسار عنه فيمكن سؤاله هو أو الدولة التي يقيم فيها. أما حول مواقفه السياسية فبينت إنه ليس وحده في تبيان رأيه واِقتناعه السياسي عن كل الأزمة السياسية في العراق، وإنما عبَّر عن تلك المواقف مئات الألوف من العراقيين، وكذلك مئات الألوف في الوطن العربي والعالم، وهو يرفض العدوان على العراق بصورة مطلقة ويكافح في سـبيل حياة ديموقراطية سياسية، وحياة حزبية وبرلمانية مفتوحة للجميع، تنتظم روح عملها المتكامل المتغانم القانون في كل المجالات، وتحقيق ذلك يتم فقط عبر خيار الحوار السياسي باِعتبارها خاصية إنسانية، وصولاً إلى تطبيق إستراتيجية المصالحة الوطنية العامة والشاملة. أما عن رحلته لبغداد وظهوره من على الشاشات العراقية المرئية، فإنه على الرغم من صدور بيان عام عن تلك الزيارة، فإنه يناضل من أجل ترجمة رؤيته الوطنية السياسـية، ويكافح في سـبيل قناعاته السـياسية عبر الحوار الفكري والسياسي، وتركيزه على لا واقعية فكرة الحزب القيادي الواحد المتفرد في الحياة السياسية العراقية، وضرورة اِعتبار مَــنْ اِستشهد منذ ثورة 14/تموز/1958 شهداء الإِحتراب الوطني، وإتباع الخيار الديمقراطي الســياســي في تفصيلات الحياة اليومية، وهذا الطريق الذي يخدم المستقبل العراقي هو الطريق الأصعب في ميدان الممارسة السياسية العملية، وهو ـ وهم أيضاً ـ الذي يصُّرُ على اِجتناب السير خلف الخيار الببغائي لأحمد جلبي اللص الدولي المعروف، أو مَــنْ يعمل تحت راية تنظيم المدعو أياد علاوي المشبوه ووفاقه المدعوم بالأموال النفطية والغربية، والمعززة بالرؤية السـياسـية الغربية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية.

ثم أريد أنْ أتساءل عن مَنْ قدَّم أكثر من الأخ عبد الجبار الكبيسي في ميدان التضحية على صعيد الكفاح السياسي الوطني، منذ مجيء نظام 17 تموز 1968 ولغاية عام 1991، ومن ثم ترْكِه لسوريا التي كان يتبوأ فيها مركزاً من بين أعلى المراكز الحزبية فيها: عضو القيادة القومية لحزب البعث العربي الاِشتراكي ـ جناح سوريا ـ ويتمتع باِمتيازات لو كان عُشــر الاِمتيازات التي يحصل عليها البعض لباعوا أنفسهم في سوق النخاسة السياسية، ولو كان الآخرون يتمتعون بها الآن لهان الأمر عليهم وباعوا ـ الأول والتالي كما يقال ـ في ســبيل مصالحهم الذاتية... ولو كان البعض ممن يتناولونه بالذم في الوقت الراهن، يحصل على خمس تلك الاِمتيازات لكان له موقف آخر، وسكن آخر، ومنطق سياسي وفكري آخر، ولكن الذامون يتكلمون الآن بلغة عربية وعقل غربي: أمريكي على وجه التحديد، ويسـوِّقون مشروعها السياسي بلسان عربي ليس إلاّ، وهم مُحتقرون في أية حال من قبل أولي الأمر في القرار السياسي الأساسي في اِتخاذ قرار الحرب واِستمرارها وتوقفها، وينظرون إليهم على أنهم مجرد مرتزقة يؤدون أدوارَ محددةً في رفد القرار التنفيذي الأمريكي.

كما وجه سؤال حول العديد من الأسماء، من بينها السيد فاضل الربيعي، فأوضحتُ له إنَّ السيد المُشار إليه من الأسماء الأدبية اللامعة في العراق، ومن الطبيعي أنْ تكون لي علاقة معه. ولم أزد على ذلك التوضيح أية فكرة عامة أو خاصة. وتطرق الزائر المخابراتي من خلال حديثه على ضوء مجريات الدعاية السياسـية الأمريكية حول نهاية صدام، والاِنتصار العسكري الأمريكي السريع، بينتُ أنَّ الحرب كمفهوم حدده كلاوتس فيتس، لا يتعلق بالشخص الحاكم وتوجهه السياسي في الإدارة العامة للدولة: أية دولة، والمستهدف هنا هو العراق باِعتباره جزءاً من الوطن العربي، وتداعيات هذه الحرب ستكون واسعة على جميع الأقطار العربية المجاورة، وستؤثر على السياسة النفطية الخاصة عبر تسليم جميع أوراقها للولايات المتحدة الأمريكية، وسينجم عن ذلك تالياً التأثير الإستراتيجي على أوروبا بدولها، وكذلك على اليابان، وروسيا، وعبر ذلك ستقوم الولايات المتحدة بتكريس فوضاها العالمية على الجميع، إنَّ النصر الأمريكي على العراق يشبه الاِنتصار الألماني في المرحلة الهتلرية على الدولة الهولندية، فهل اِستسلم الشعب الهولندي للمصير الذي رسمه النازيون لمصير بلادهم؟

في تقديري إن نهاية الحرب لن تكون بالسهولة التي يتصورها البعض، والحرب كما تبدو من مواقف أطرافها الفاعلة، وعلى ضوء الدروس التاريخية السابقة في ميادين الصراع الســياســي بين الغزاة المهاجمين في سبيل مصالحهم الشاملة والحيوية، والمروجين للرؤية السياسية الأمريكية، والطامعين في مواقع وثروات الوطن العراق، من جهة، وبين المدافعين عن وطنهم العراقي وحضارتهم العربية الإسلامية، من جهة أخرى، ستكون طويلة ومريرة ودامية يتخللها ضحايا كثيرون. لا شك في ذلك بالنسبة لنا. ولكن في كل الأحوال لن تكون الحرب بين أمريكا والعراق ـ ونتائجها السياسية وبالكيفية التي قد تكون عليها ـ نهاية المطاف.

وتمادى بأســئلته لي، مسـتفسـراً عن الهوية المذهبية لي: هل أنت شـيعي أو سـني، تساءلتُ ردّاً على ذلك: وماذا يهمك أنت في هذا الجانب الفكري ـ المذهبي، فاِعتذر عن توجيه هذا السؤال، ولكني تابعت القول إني عربي أولاً ومسلم ثانياً، وهذه هويتي الحضارية. ثم إنَّ الحرب الطائفية، ثانياً، بين أبناء المذهبين السني والشيعي هو مآل المستقبل العراقي، هو أحد وجوه الاِحتمالات للمستقبل على صعيد الوضع العراقي في حال سـقوط النظام السـياسي عن طريق الحرب والغزو الأمريكي، في وقت يدَّعي الجميع التوجه لعبادة الإله الواحد الأحد. وهو ما شهدته أوروبا كذلك في القرون الخوالي بين المسـيحيين الكاثوليك والمسـيحيين البروتسـتانت، فهل تكرار ذلك في العراق مفيد للمجتمع العراقي، ذلك السؤال هو الهام من وجهة نظري. وهو ما اِختتمتُ حديثي حول الموضوع المذهبي الذي أثاره السؤال الموجَّه لي.

كان سؤاله التالي عن الموضوع السياسي العراقي الحالي، فقلتُ له إني لا أستطيع الجواب على سؤالك بلغتي الهولندية الركيكة، لكون الوضع السياسي يتطلب الرؤية التاريخية للعراق، وما يتمتع به من ثروات إستراتيجية وموقع حيوي، وفيما يتعلق برؤيتي، فإني أرى إِنَّ حل الاِشـكالات الداخلية هو من اِختصاصات الشعب العراقي ومهامه، ولا داعي للغرب: وأمريكا وبريطانيا على وجه التحديد، للتدخل في شؤونه السياسية عن طريق الحرب أو غير الحرب. وعندما قال وهل يمكنكم إسـقاط صدام، أجبته بسؤال: وماذا تهمكم مسـألة إسقاطه أو عدم إسقاطه؟ ألا يريد المجتمع العراقي العيش برخاء واِستقرار، فهل الحرب والتدمير تجلبان للمجتمع العراقي البناء والتقدم؟ أما المنافقون والعملاء فهم يدغدغون عواطفكم بنقل تمنياتكم لكم، ويرفعون رؤيتكم السياسية لكم عِبر الكتابة السياسية الرخيصة، كونهم يتطلعون لأموال الدعم التي تقدمها الحكومة الهولندية تحت مسميات السبسدي، والإقامة هنا باِعتبارهم لاجئين سياسيين، وهم الذين كانوا منساقين في خدمة الآخر سابقاً، أياً الذي كان هذا هو الآخر، في أية حال أنَّ المهمة التي تتحدث عنها هي مهمة تتعلق بالتغيير السياسي، فمنهم مَـنْ يرى تنفيذها عن طريق الإسقاط، وهم من الذين لا يملكون عشر المعشار من إمكانات مقومات إنجازها، والبعض الآخر يراها عن طريق الحوار وهي الإمكانية الوحيد التي تتيح الأخذ بخيار التطور التقدم، وهي المناسِبة تماماً للوطنيين العراقيين المخلصين، فإذا لم أتمكن من حمل المهمة التي أراها ضرورية، فهل ينبغي عليَ الاِستعانة بالأجنبي من أجل إنجازها؟

ثم وجَّه كلامه في الأخير، مفصحاً عن الهدف الحقيقي من وراء زيارته تلك، الذي يتمحور حول تنبيهي وتحذيري من القيام بأي عمل ضد المصالح الأمريكية في هولندا، فتسـاءلتُ منه عما إذا أخبره أحدٌ ما عن كوني شخص إرهابي، أو خدعكم أحدُ بذلك، مباشرة أو بشكل غير مباشر عبر جهاز الكومبيوتر، مثلاً، فأجاب بالنفي عن ذلك التساؤل، فقلتُ: لماذا اِخترتموني أنا لتوجيه هذا التحذير إذاً؟! فلم يحر جواباً شافياً عن ذلك التساؤل، ثم تساءلتُ عن معنى الحرب التي يشنَّها التحالف الأمريكي ضد العراق، وهل الحرب تعني أو تقتصر على الجانب العنيف منها، أو يعد الجانب الدبلوماسي والإعلامي بما فيها الدعاية والإعلان جزءاً منها، ولم أتركه يجيب على تسـاؤلي وقـلـتُ:

بما إن الـحـرب الكونية ضـد العراق المعلنة سـياسـياً ـ والتي قد تعلن عسكرياً ـ هي كل هذا وغيره، فإني سأمارس فيه موقفي السياسي عبر التعبير عن هذا الرأي بالكلمة والموقف السياسي، ولن يستطيع أحدٌ كان ما كان من تكتيفي عن الترويح لما أؤمن به بسبب ضيافة ما، ورأيي السياسي المصفوف في كتبي التي كتبتها للملأ ووزعتها على الملأ الذي أعرفه تشهد على ذلك، وسأكون في موقفي هذا كموقفي ذاك يوم كنت في سوريا عندما وقف نظامه السياسي تحت ظلال أعلام الرؤية الأمريكية السياسية وتضليلها الفكري، وخرجتُ منها على خلفية ذلك الموقف والذي جلبتني فيها الأمم المتحدة إلى هذه البلاد على ضوئه، فأكد على تمكني من التعبير عن رأيي بالطريقة المناسبة ولكن من غير عنف ضد القوانين الهولندية، فأجبته إلى ذلك موضحاً إنَّ الحياة السـياسـية الديموقراطية تتيح للجميع التعبير عن وجهة نظرهم مثلما تمنحهم حق التعبير السياسـي عن قناعاتهم الفكرية والسياسية، وبالتالي تحرِّم على مَـنْ يسكنون في وطنهم ويحميهم قانون عادل، اِستعمال أساليب العنف لفرض وجهة نظرهم السياسية، بما فيها الاِستعانة بالأجهزة المخابراتية القمعية.

وفي الأخير طلب مني كتمان أمر ســر زيارته لي، فسألته عن السبب الكامن وراء طلبه ذاك، فلم يجب ولكنه كرر طلبه، فقلتُ له لا أتمكن من ذلك أبداً، فربما أصـابني مكروه على يد البعض ـ مخابرات أو من غير المخابرات ـ فهل يبقى ذلك سِـر عندي فقط؟ أرى من الضروري إخبار أصدقائي عن الزيارة، أما إذا كان تلك الزيارة تشكل تصرفاً غير قانوني، رغم عدم فهمي لحقوقي على ضوء مفردات القانون الهولندي، فإنَّ لكل حادث حديث، باِنتظار قدوم المترجم. فودعني واِنصرف بعد اِحتسائه قدح الشاي وأكله بعض قطع البسكويت.

 

ملاحظة لا بد منها: لقد فاتني أخذ الاِسم المكتوب على هويته الشخصية، ورقمها أو عنوانها للأسف الشديد، وإنْ أخبرني إنه قادم من دنهاخ رداً على سؤال عن مكان عمله وإقامته، والإنسان الذي يجهل حقوقه وما يريده هو عدو نفسه أولاً وأخيراً، والضرر الناجم عن هذا القصور تبينته عند كتابتي هذه الورقة فقط، فلله الأمر من قبلُ ومن بعدُ.

ملاحظة ثانية: وزعتُ هذه الورقة على بعض المعنيين من ذوي العلاقات الخاصة معي بعد ذلك على سبيل الاِحتراس وتوقع الأسوأ.

كُتبت في اليوم التالي للزيارة الموافق في 19/3/200

شبكة البصرة

الاربعاء 14 صفر 1440 / 24 تشرين الاول 2018

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط