بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

من أجل صحافة لبنانية حرة وإعلام مستقل

شبكة البصرة

نبيل الزعبي

ليس هذا تأسياً على ما آلت إليه الصحافة الورقية في لبنان، والتي تمر بأزمة لا مثيل لها في التاريخ المعاصر، ولا هذا حياداً سلبياً أو لا مبالاة تجاه ما تتعرض له الصحف اللبنانية من إقفال للواحدة تلو الأخرى وفي فترات زمنية قياسية، وإنما للتذكير وحسب، فإن من يطلع على جدول الصحف والمجلات والمطبوعات اللبنانية المستنكفة أو المتوقفة عن الصدور لعقود من السنين، سيكتشف أنها تضاهي أضعاف أضعاف ما هو عامل منها مجتمعة أو ما زال قادراً على الصمود والإصدار الدوري هذه الأيام، ليستنتج أن أزمة الصحافة في لبنان ليست وليدة اليوم ولا يمكن حصر مسبباتها في شأن دون الآخر، وأن كان للمال دوره الأساسي بعد الشح المزمن الذي واجهته وتواجهه جراء وقف الدعم الخارجي لها ولا سيما أموال دول الخليج العربي، وما كانت ليبيا قبل تمزيقها، والعراق قبل احتلاله يقدمانه أيضاً لبعض المنابر الإعلامية القومية والتحررية للوقوف على قدميها، وبعد أن تحولت الصحافة في مصر العروبة، بوقاً واحداً موحداً لما تمليه عليها الأجهزة الأمنية، ليضاف إلى هذا ذاك المنافسة الهائلة للإعلام الإلكتروني المتميز بسرعة إيصال الخبر في ثوانٍ معدودة وانتشاره على مواقع صارت تعد بالملايين لا بالآلاف والمئات والعشرات، لكل منها حريته العابرة للقارات ومواقفه التي صار يصعب محاصرتها أو التعتيم عليها، ولهذا صار القارئ العربي وغير العربي، يستسهل الوسيلة الأسهل التي تصله عبر جهاز الكومبيوتر الخاص به والهاتف الذكي الذي لا يبارحه ليلاً نهاراً وبالتالي لا مناص من الإقرار بأن الثورة الإلكترونية قد فجرت البراكين الهائلة من أمواج المعرفة ليكون الإعلام المستفيد الأول والأساسي فيها.

ومع أهمية ما تقدم، فذلك لا يعني أن الصحافة الورقية قد انتهى دورها أو عليها التقاعد منذ الآن، وهي التي ما زال لها قراؤها ومريدوها وإن تحولوا إلى قلة قليلة قياساً إلى عصرها الذهبي،

غير أن هذه القلة من بين ثلاثماية مليون عربي وأكثر، قادرة أن يكون لها رايها في الحفاظ على ما تعودت أن يشاركها قهوة الصباح وجلسة المقهى واستراحة النهار، ونعني في ذلك ما تبقى من صحف ما زالت تحظى بعلاقة الود مع قرائها، آثرت الاستمرار وسط هذه الضائقة بلجوئها مؤخراً إلى وسائل متقدمة وحديثة في تقديم الخبر للقارئ عبر الأنترنت أيضاً بوضع تعريفات مالية محددة بدل اشتراك دوري فيها، يقيها العجز في نقص موارد بيع النسخة الورقية، وما زالت في طور التجربة، ومع ذلك فإن الحفاظ على استمرارية هذه الصحف، هو حفاظ على مورد رزق العاملين فيها، ويكفي تعداد عديد الصحف التي أقفلت والعاملين الذين تشردوا لنقف على حقيقة فاجعة ما يعانيه اليوم العاملون في الصحافة، من صحافيين وكتاب وإداريين ومنضدين وإجراء وغيرهم، وبالتالي صار التضامن معهم وابتداع شتى أساليب الدعم لهم، واحدة من أقدس واجبات المجتمع ومثقفيه وطلائعه المتنورة.

من هنا، وكي لا تتحول الصحف المتبقية والصامدة، أبواقاً إعلامية تضرب بسيف الممول وتضع مصالحه فوق كل اعتبار،

وكي لا تتحول الصحافة الورقية في لبنان إلى صحافة صفراء تشتم وتقدح وتذم على قدر ما يتم استغلالها من حاجاتها اليومية، أو بتدني إصدارها إلى الإسفاف والابتذال.

فإننا نضم صوتنا إلى المساعي الرامية إلى وضع خطة اقتصادية تضع حداً لمعاناة "صاحبة الجلالة" وإعادتها إلى رونقها كسلطة رابعة حقيقية في هذا البلد وانتشالها من كبواتها المالية المتعددة،

وإن في تقصي تجارب الاستقلال الإعلامي في العالم وحماية الرأي الحر، حاجة ماسة للرجوع إليها اليوم، ولا سيما إذا ما تم الإطلاع على الكيفية التي تمَوُل بها هيئة الإذاعة البريطانية مثلاً منذ إنشائها لثلاثة أرباع القرن، بفرض ضريبة على أجهزة الراديو ولاحقاً على أجهزة التلفاز لدعم قنوات الإذاعة والتلفزة المتعددة دون أن يكون هناك أي تدخل رسمي في شؤونها الخاصة حفاظاً على حياديتها.

وفي لبنان، ما الذي يمنع قيام هيئة وطنية لبنانية محايدة عن سلطة أمراء وميليشيات الطوائف والمذاهب، في وضع استراتيجية إعلامية عمادها وضع الأسس لكيفية تأمين الموارد المالية لاستمرار عمل الصحافة الورقية وتنظيم أوسع حملات الاكتتاب المالي لها وفرض ضريبة بسيطة لا تؤذي جيب المواطن وإنما يمكن أن تسد فجوة أو فجوات لا يمكن تركها تكبر وتتعاظم، والدولة اللبنانية قادرة أن تقوم بهذه المهمة بتقديم التسهيلات اللازمة للصحافيين والعاملين في المجال الإعلامي ومن يدور في فلكهم، دون أن ننسى أهمية الصحافة المناطقية التي تعنى بشؤون الناس ومعاناتهم وتبقى على تماس مباشر مع يومياتهم وتفاصيلها الصغيرة والكبيرة، وبعض هذه الصحف يحتضر وما زال يقاوم بالكلمة الحرة الصادقة ويرفض أن يمد اليد لهذا وذاك من الحيتان المالية التي صادرت كل ما يمت إلى استقلالية الموقف من صلة في هذا البلد.

فيما مضى، كان الرئيس الراحل شارل حلو، عندما يستقبل وفد نقابة الصحافة اللبنانية، يبادرهم بالقول، مازحاً: أهلاً بكم في وطنكم الثاني لبنان.

واليوم، نرجو أن تعلو الصرخة وتتمدد لتصل إلى مسامع رئيس الجمهورية اللبنانية الحالي وهو الذي عانى ما عاناه: ويقدر ما معنى أن يصرخ الناس للحرية،

فلا يحذو حذو الرئيس حلو وهو يخاطب الصحافيين وإنما ليقول لهم: أهلاً بكم في وطنكم الأول.... لبنان.

17/10/2018

شبكة البصرة

الاربعاء 7 صفر 1440 / 17 تشرين الاول 2018

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط