بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

بشار الأسد بين النفي ونفي النفي

شبكة البصرة

الدكتور محمد أحمد الزعبي

بينما كنت على وشك الغفلان، بعد نقاش مطول ومتعب مع بعض الأصدقاء حول مسألة السيد (أو المرحوم) جمال الخاشقجي، وبالذات حول نفي المسؤولين السعوديين علمهم بهذا الأمر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس ربما أكثر من شعر المتنبي، اللهم إلاّ من الإعتراف بأن هذا الشخص قد دخل القنصلية السعودية في اسطنبول ثم خرج منها، وهذا خلافاً للرواية التركية التي تقول أن الخاشقجي قد "دخل القنصلية السعودية لكنه لم يخرج منها"، أقول بينما كنت في فراشي على وشك الغفلان، رن جرس الهاتف ليوقظني أحد الأصدقاء وليتلو على مسامعي عبر الهاتف بعضاً من مقالة أعجبته حول موضوع الخاشقجي، تشير إلى أن نفي المسؤولين الكبار في الوطن العربي، مسؤوليتهم عما قام أو يقوم به بعض مرؤوسيهم الصغار (سواء كان بأوامر مباشرة أو غير مباشرة منهم) إنما هو (هذا النفي) الإبن الشرعي لنفي بشار الأسد في كافة مقابلاته الصحفية والإعلامية علمه بكل ماحدث ويحدث في سوريا بعد الثامن عشر من آذار 2011 من تدمير وتقتيل وتهجير واغتصاب واعتقال وتغييب قسري، والذي طال أكثر من نصف الشعب السوري و بات بالتالي معروفاً لكل من هب ودب في هذا العالم، ولا سيما لأطفال ونساء وشيوخ سورية، الذين كانوا يرون بعيونهم تلك المجازرالوحشية البشعة التي قام و يقوم بها النظام وشبيحته وأعوانه في الشرق والغرب، والذين (الأطفال والنساء والشيوخ) حولتهم طائرات بوتن وبراميل بشارإلى كتل بشرية من اليتامى والثكالى والأرامل والحيارى، التي (الكتل) إن أخطأها البصر فلن تخطئها البصيرة، وإن تعامت عنها عدالة الأرض، فلن تغيب عن عدالة السماء.

إن "صفقة النفي" هذه التي مارسها ويمارسها "بشار الكيماوي" منذ وراثته الحكم عن والده عام 2000، والتي ظلت دون مساءلة أو حساب حتى يومنا هذا، بل وسمحت له بعد انطلاق ثورة آذار 2011 ضد نظامه الطائفي، أن يسرح ويمرح في سوريا، تحت سمع العالم وبصره، بل وتحت سمع وبصر مجلس الأمن الدولي صاحب القرارات الكاذبة، التي ماتزال تنتظر التنفيذ، ولا سيما منها القراران: 2118 تاريخ 27.09.2013 و2254 تاريخ 18.12.2015، (وهذا على سبيل المثال وليس الحصر بطبيعة الحال). هذه "الصفقة" هي التي شجعت برأي صاحب المقال الذي أسمعني إياه صديقي، الزعماء العرب الآخرين (ومنهم فلان الفلاني) على اقتفاء أثر بشار في ممارسة "النفي"، أي ممارسة التنصل من المسؤولية، وإلقائها على عاتق مرؤوسيهم الصغار.

بعد أن تلا علي صديقي ماورد في المقالة إياها من العلاقة/الرابط بين نفي بشار ونفي مسؤولين عرب آخرين مسؤوليتهم عما أصاب أوطانهم وشعوبهم من الهلاك والدمار، شرع يجادلني في أن نصف الشعب السوري (على الأقل، والكلام له) ومعهم نصف "المجتمع الدولي" يصدق ماغرد ويغرد به بشار الأسد لوسائل الإعلام الداخلية والخارجية (!!) قلت لصديقي على الهاتف، وأعيد هنا ماقلته له، في أن الطفل الصغير في سوريا، لابد أن يفغر فاه وهو يسمع نفي بشارالأسد علمه بما صنعت يداه وفكره المريض في سوريا، والذي (النفي) بات يتماهى عملياً وواقعياً مع الكذب الصريح، وبات من المشروع دينياً ودنيوياً إطلاق صفة ال كذاب عليه، بل وعلى كل مؤيديه ومقلديه من الكذابين

إن مانراه فيما يتعلق بهذا (النفي ـ الكذب) من قبل بشار الأسد، لما جرى ويجري في سوريا على يديه ويدي أعوانه وحماته، من بوتين إلى ولي الفقيه مروراً بداعش وحسن نصر الله، على مدى ثماني سنوات، هو أن الخبراء (!!) الداخليين والخارجيين، الذين يحيطون به إحاطة السوار بالمعصم، باعتباره الدجاجة التي تبيض ذهبا، هم ـ برأينا ـ من أشار ويشيرعليه أن يكذب في لقاءاته الإعلامية، وذلك لكي لايكون اعترافه (فيما لو حصل) وثيقة قانونية ملموسة سوف ضده في المستقبل، إذا ماأحيل ذات يوم إلى القضاء العادل سواء داخل سوريا أو خارجها، وهو ـ برأينا ـ ماسيحصل قريباً وبالتأكيد إنشاء الله. وليرحم الله الشاعر العظيم نديم محمد الذي يقول:

(إن أنصف الدهر يوماً وهو فاعلها... فسوف..........)، حيث لايضيع حق وراءه مطالب.

إن نفي بشار الأسد، وغيره من الحكام العرب للأحداث والحقائق المأساوية الملموسة في بلدانهم، والتي يشاهدها كل الناس، كل يوم، بل وكل ساعة، إنما يضعون أنفسهم واقعياً أمام عدالة السماء، عدالة (نفي النفي) وجهاً لوجه. ولعلم القارئ الكريم، فإننا لانشير بهذا التعبير (نفي النفي) إلى أحد قوانين المادية الجدلية المعروف، وإنما نشير فقط إلى ردة فعل أطفال سورية العفوية على (نفي) بل قل (كذب) بشار الأسد، وهم يرون بأبصارهم وبصائرهم، عكس مايسمعونه منه في آذانهم.

مما نشاهده و/أو نسمعه هناك أمور تستدعي الضحك، وأخرى تستثير الشفقة، وثالثة تدفع على البكاء، ويبدو لي (والله أعلم) أن "نفي" بعض الحكام العرب وعلى رأسهم بشار الأسد لدورهم الملموس في تدمير بلدانهم، وتقتيل شعوبهم، وتقطيع أوصال معارضيهم، ومحاصرة مطالب هذه الشعوب في الحرية والكرامة وحرية التعبير والديموقراطية والعدالة والتنمية، إنما تستدعي وتستثير وتدفع الأمور الثلاثة (الضحك والشفقة والبكاء)، معاً وفي آن واحد، وتظل ـ برأينا ـ مقولة "نفي النفي" أي نفي تصديق الكذب، هي الأصدق فيما نراه ونسمعه. ومرة أخرى، والله أعلم

17.10.2018

شبكة البصرة

الاثنين 12 صفر 1440 / 22 تشرين الاول 2018

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط