بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

أمريكا وأزمتها الاقتصادية البنيوية.. كيف تعالجها؟

شبكة البصرة

د. أبا الحكم

* أمريكا إمبريالية.. لا تستطيع أن تعيش بدون حروب

* والحروب تحتاج إلى اقتصاد متين وديمومة في التوسع الاقتصادي

* وأزمة الرأسمالية.. هي جوهر الأزمة الاقتصادية الأمريكية

* أمريكا الراهنة بين سياسة الرغبة الجامحة للحرب وبين سياسة الابتزاز لترميم اقتصادها المتدهور

على مدى السنوات الماضية كانت أمريكا وما تزال شبه منعزلة عن العالم بفعل فقدانها لصدقيتها حين أشهرت إعلانات مضللة، الحرية للشعوب المضطهدة وحرية الإنسان وتقرير مصير المجموعات أو المجتمعات الصغيرة وتشجيعها على الانسلاخ عن أوطانها وإثارة التصادمات التي تنعش السياسة الاقتصادية والتسليحية الأمريكية، فضلاً عن افتضاح كامل للسياسة الأمريكية بعد العدوان على العراق عام 1991 والحصار الذي فرضته على شعبه ومن ثم احتلاله بالقوة الغاشمة عام 2003 وإسقاط نظامه الوطني تحت دعاوى فاضحة ومزيفة (أسلحة الدمار الشامل والعلاقة مع القاعدة والعدوان على دول الجوار)، مما عرض المنطقة الى اختلال التوازن الاقليمي من جهة، وعرض العالم إلى الاضطراب والتهديد من جهة أخرى.. الأمر الذي جعل أمريكا تواجه سلسلة بدرجات غير مسبوقة من المشكلات الداخلية ذات التداخل الاقتصادي والاجتماعي وتأثير إحداها بالأخرى وما تعكسه من تردي في الأداء الاقتصادي وتردي في العلاقات القيمية للمجتمع الأمريكي. فالمأزق الأمريكي الراهن يكمن في الرغبة الأمريكية الجامحة كإمبريالية للوثوب واستخدام القوة والحروب لإعادة مجد العظمة المفقودة.. فيما يتطلب هذا الجموح أو الرغبة إلى اقتصاد قوي ومنتج ومتكامل يتأسس على بنية تحتية وإنتاجية حديثة ومتجددة، فضلاً عن تحالفات قوى خارجية لإنجاز مهمة الحروب.. ولما كانت القاعدة الاقتصادية الأمريكية منهارة بفعل الحرب العدوانية على العراق - التي كلفت أمريكا قرابة 4 تريليون دولار- ولما كان حشد القوى الدولية للحرب واستخدام القوة غير ممكن في ظل التراجع الاقتصادي والتردي المالي الأوربي من جهة، وعزوف أوربا عن أن تكون ذيلاً للامبريالية الأمريكية إلى مزيد من الحروب في الوقت الذي ترى أن أمريكا تحاصرها وتعمل على تفكيكها.. فالمأزق الاقتصادي الأمريكي الراهن وهو مأزق متداخل ومتشعب يتمثل بـ:

أولاً- المديونية التراكمية التي تتجاوز الـ(4) ترليون دولار تنطوي على عجز في الميزان اقترب من (400) مليار دولار عام 1992 إلى أكثر من (7.31) تريليون دولار عام 2016، الأمر الذي يفرض عبئاً ثقيلاً على الاقتصاد والمجتمع الأمريكي.

ثانيًا- العجز التجاري الذي أرغم أمريكا على استقراض الأموال، وهو أداء بات يهدد قطاعات الانتاج والعمل ويساهم في تزايد معدلات البطالة.

ثالثًا- نظام الضرائب الذي يشجع الاستهلاك وليس الاستثمار قد أفضى إلى تدني نسب الادخار ومعدل الاستثمار بشكل واضح، مما يؤكد هبوطاً لمكانة أمريكا العالمية في مجال البحث العلمي والتقدم والتطور.

رابعًا- معدلات النمو الاقتصادي باتت سيئة بفعل اضطراب العمل وبطئ النمو وكساد الانتاج وانكماش الأسواق الخارجية التي تحتاج، ليس الحروب إنما تحتاج إلى الأمن والاستقرار.

خامسًا- تدهور العناية الصحية إلى مستويات غير مسبوقة بفعل رجحان كفة الانفاقات العسكرية على كفة التأهيل الاجتماعي فضلاً عن مخلفات الحروب (أفغانستان والعراق وليبيا) التي ابتلعت أموالاً طائلة للمعاقين جسدياً ونفسياً نتيجة للحروب ونتيجة لانحدار عام للأوضاع الصحية والاجتماعية.

سادسًا- إنحدار مستويات التعليم بما يقاس بنسب إجمالي الناتج القومي (G. N. P)، وبلوغ الجهل في أوساط الشباب الأمريكي على وجه الخصوص أكثر من 27 مليون أمريكي، حسب استطلاعات الرأي.

سابعًا- تآكل الهياكل التحتية الاجتماعية وزحف الريف الفقير على المدن الكبيرة وتطويقها بطريقة التحلل، وتراجع النظم الواسعة للطرق وشبكات تصريف المياه غير الصحية والسدود الضرورية وحالات الطوارئ البيئية.

ثامنًا- استمرار جشع الطبقات الثرية واسعة الثراء وتسلطها على المجتمع الأمريكي، فإن (74.5) من الدخل تستحوذ عليه هذه الطبقات، فيما (24.9) من الدخل نصيب عموم المجتمع الأمريكي، الأمر الذي زاد من الممارسات غير الشرعية واتسع نطاق الجريمة فيما انكمشت الكانتونات العرقية التي تختزن السلاح وتنتظر اللحظة التاريخية المناسبة للتصادم بفعل التمييز العنصري رغم مظاهر التجانس (السينمائي والاعلامي) الذي يظهر بصورة مخادعة.

تاسعًا- إتساع مشكلة الفقر حيث يعيش 37.9% من الأمريكيين السود تحت خط الفقر، فيما يعيش 19.3% من الأمريكيين البيض تحت ذلك الخط وبعضهم الكثير الذين يسمونهم بالـ(Home less).

عاشرًا- إنتشار المخدرات بصورة ملفتة من أجل ثراء عصابات المافيا ومن أجل هروب الطبقات الأمريكية الفقيرة نفسيًا من المشكلات اليومية، حيث قُدِرَ مردود الإتجار بالمخدرات بأكثر من (180) مليار دولار سنويًا.

أحدعشر- ظهور حالة التفكك والتحلل في الوحدة العائلية باتساع الإباحية الجنسية التي تهدد وحدة المجتمع الأمريكي بالتفسخ (Corruption) وانعدام المركزية والتمرد والانتحار، وانتشار مافيا الإعلام الذي يدعو إلى الفساد الأخلاقي دون ضوابط مع تبني أساليب العنف حتى في المدارس الابتدائية والمتوسطة والاعدادية.

 

إن ما تقدم هو في الحقيقة يمثل جزءاً ظاهرياً للمعضلات التي يعيشها المجتمع الأمريكي الذي تتسيد عليه العائلات الثرية والشركات الجشعة المفرطة في الثراء، وهي معضلات لازمت النظام الأمريكي الرأسمالي القائم أساسًا على نهب جهود الآخرين والجشع في الإستحواذ على الثروات، في ظل العجز الذي يلازم الميزان التجاري.. فإذا كانت الشركات الأمريكية قد أبدعت في التصنيع والتكنولوجيا وتوسعت، فإن ذلك الإبداع والتوسع في قمته لا يعني شيئًا أمام الواقع الفاسد والهياكل الهرمة التي تجلس عليها الرأسمالية، ممثلة بالشركات الكبرى التي هي الدولة الأمريكية العظمى.. فالشركات تزداد ثراءًا والمجتمع الأمريكي يزداد فقرًا وتفسخًا والمعضلة تتسع لتبتلع الجميع، طالما لم تتمكن أمريكا منذ ظهورها حتى الآن من صهر المجموعات البشرية الوافدة إليها وبقيت كانتونات اجتماعية تحتفظ بحياتها الخاصة وبعاداتها وتقاليدها ودياناتها وأنماط حياتها وبأسلحتها الخفيفة والثقيلة أيضًا!!

الأمر الذي يدفع القيادة الامريكية إلى تصدير مشكلاتها إلى الخارج عن طريق الحروب والتهديد باستخدامها للقوة، فضلاً عن الابتزاز السياسي والاقتصادي الذي تمارسه قيادة (ترامب) حاليًا لغرض ترميم الاقتصاد الرأسمالي الأمريكي المنهك الذي يمر بأسوء مراحله، وغير القادر على شن الحروب في الخارج.. والخارج هنا نوعان، الأول: المنطقة الرخوة ممثلة بالمنطقة العربية ومخططات تقسيمها وتفتيتها وإعادة تشكيلها لاعتبارات الأمن الإسرائيلي أولاً، ولاعتبارات الحصول على أكبر كمية ممكنة من المليارات في صيغة (عودة البترودولار) إلى الدورة الاقتصادية الأمريكية لتضرب أمريكا عصفورين بحجر واحدة، ترميم اقتصادها المصاب بالعجز المزمن أولاً وإعادة الحياة في هياكلها العظمية التي تعاني من الهرم والعوز والتفسخ ثانيًا.

صحيح أن القارة الأمريكية هي قارة متنوعة في عناصرها التي تشكل عناصر القوة، إلا أن هذا التنوع لا يعدو أن يكون سوى حالة واقعية غير متفاعلة وجامدة أمام واقع التحلل والتفسخ والانهيار الأخلاقي والقيمي المستشري.. فاليابان مثلاً: قد تطورت بصورة مدهشة، وتطورها المادي والحضاري يتساوق مع بقاء نمط واقعها الاجتماعي الأخلاقي والقيمي وموروثها الثقافي، فهي بهذا قد حققت وما تزال التوازن المثالي بين التطور المادي والاعتباري، بين التطور الحضاري وبين الواقع القيمي الذي يحفظ وحدة المجتمع الياباني وبالتالي الشعب الياباني من التفسخ والانهيار.

ومن ذلك ينبع الفارق بين جسامة المعضلات الاجتماعية والقيمية الأمريكية وانعكاساتها في شكل دوافع تتجه نحو العدوانية في شكلها الاجرامي - السادي من جهة والعدوانية في شكلها الابتزازي التي يسقط عنها الضمير في التعامل الإنساني.. فواقع الفقر والتهميش والانعزال الكائن في المجتمع الأمريكي المحاط بسياجات من الإيهام بالحياة الأمريكية المرفهة، هو في حقيقته عمل يكبل ملايين الامريكيين في مدن الصفيح الذين يهددون بتفجير جدران مدن الثراء كفرصة تاريخية حين يصل احتقار الكائن البشري إلى درجة الدونية والاستلاب الإنساني، فليس أمامه سوى التحدي وعدم قبول حالة التدجين والاستهلاك والانغماس في الرذيلة والإباحية، التي باتت في كل بيت أمريكي.. فكيف يمكن كبح جماح هذا الاتساع المروع من التفسخ الذي يقوض المعتقدات ويهدم القيم الاجتماعية؟ فالعائلة الأمريكية مثلاً، يمكن أن تجد فيها الأب شاذًا عاطفيًا أو جنسيًا، وتجد فيها مطلقًا بين جدرانها، وتجد فيها من يمارس تبادل الزوجات، وتجد فيها من يمارس المحرمات، وتجد فيها من يرفض سلطة العائلة وسلطة السلطة، وتجد فيها المدمنون على المخدرات، وتجد فيها مدمنون على الكحول ومجرمون.. إذن، كيف يمكن أن تترعرع قيم العدالة والموضوعية والأخلاق في وحدة العائلة، والمجتمع يتشكل من مجموع هذه الوحدات؟

يذكرني هذا.. بتصريح جندي مارينز يقول على التلفاز وهو طيار هليوكوبتر بما معناه (كنت أقتل العراقيين في كل طلعة، وأراهم يتراكضون تحتي مذعورين، هم مدنيون غير مسلحين، وكنت أشعر كأني في رحلة صيد الأوز حين أطلق عليهم النار..!!).

هذه هي التربية الأخلاقية والقيمية الأمريكية للجندي الأمريكي فكيف يمكن أن تستقر أحوال الدولة الأمريكية في سياستها الخارجية؟ وكيف يمكن لها أن تتخلى عن تخطيطها لتدمير العالم؟ وكيف لها أن تكف عن الابتزاز السياسي والمالي والاقتصادي وهو خيارها الوحيد في هذه المرحلة من الانهيار والتفسخ؟

1/11/2018

شبكة البصرة

السبت 24 صفر 1440 / 3 تشرين الثاني 2018

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط