بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الانطلاقة المعدلة لسياسة الفوضى الخلاقة بالشرق الأوسط

بعد التعثر في سوريا المخطط الأمريكي ينتقل نحو اهداف جديدة

شبكة البصرة

عمر نجيب

يشهد إقليم الشرق الأوسط الممتد من العراق على البوابة الشرقية للمنطقة العربية وحتى سواحل افريقيا الشمالية على المحيط الأطلسي منذ بداية الثلث الاخير من سنة 2018 رجات سياسية وأمنية يقدر العديد من الملاحظين أنها مؤشر على تحول في تكتيكات القوى الأقليمية والدولية المؤثرة في نطاق سعيها لإعادة صياغة مستقبل المنطقة، وذلك على ضوء تعثر مشروع المحافظين الجدد للشرق الأوسط الجديد وأسلوبه للفوضى الخلاقة، والذي شكل غزو العراق سنة 2003 مؤشر إفتتاحه.

بموازاة مع الانكسار المتتابع للتنظيمات المسلحة الموصوفة احيانا بالارهابية وتارة اخرى بالجهادية وداعميها على ساحة بلاد الشام وفي ليبيا والعراق وسيناء المصرية، واحتدام الخلافات بين القوى الاقليمية المؤثرة كتركيا وإيران والولايات المتحدة الأمريكية سواء حول عملية تقاسم الغنائم او توزيع مناطق تركيز النفوذ، تكثف الحديث في الغرب عن "ربيع عربي" جديد وخطط لضمان إنكسار محاولات روسيا والصين لتهميش الهيمنة الأمريكية على توجيه الاحداث في المنطقة وذلك في نطاق الصراع الأوسع بشأن إقامة نظام عالمي متعدد الأقطاب.

 

صناعة ادوات التدخل

اتقن ساسة البيت الأبيض ومعهم حلفاؤهم وتابعيهم في تل أبيب ولندن وغيرهما توليد الاحداث والتطورات وكذلك الاكاذيب التي تمكنهم من تبرير فتح الأبواب أمام تدخلاتهم السياسية والعسكرية والاقتصادية المباشرة أو عبر الوسطاء.

تنظيمات كداعش والنصرة وقبلها القاعدة كانت وتبقى أحد أدوات القوى الاستعمارية الغربية التقليدية لنشر عدم الاستقرار وما يولده من تبعات.

محاولات واشنطن للنأي بنفسها عن التنظيمات "الجهادية" لم تقنع الكثيرين ويرتكز هؤلاء على مرتكزات شتى، لعل أبرزها الدور التاريخي لواشنطن في تجييش الحركات الجهادية بغية توظيفها لخدمة المشاريع الإستراتيجية الأمريكية في مختلف بقاع العالم.

فإذا كانت بريطانيا هي المسؤول الأول عن احتضان جماعة الإخوان في مصر منذ العقد الثالث من القرن المنصرم لمواجهة الفكر القومي، فإن الولايات المتحدة تتحمل مسؤولية إنتاج ورعاية التنظيمات التكفيرية الجهادية التي انبثقت من عباءتها لاحقا وتباعا لتبدأ نشاطها العالمي منذ العام 1979 حيث الغزو السوفياتي لأفغانستان في أوج الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي. فهنالك اعتمدت وكالة الاستخبارات الأمريكية إستراتيجية إثارة العامل الديني في نفوس الشباب المسلم وتوظيفه لمحاربة السوفيات في أفغانستان.

وبرغم الكلفة، التي لا يمكن تجاهلها، لإستراتيجية اللعب بالنار والرقص مع الجهاديين، لم تتورع واشنطن عن معاودة الكرة في عدة مناطق من العالم.

ومؤخرا، وفي مسعى منها لتوجيه دفة الفوضى العربية "أو ما سمي بالربيع العربي" مطلع العام 2011، لم تتوان واشنطن في معاودة التنسيق مع تيارات الإسلام السياسي، وفي القلب منها جماعة الإخوان، حتى طالت الشبهات دوائر أمريكية بالتفاهم مع تنظيمات أشد راديكالية على شاكلة "داعش" "تنظيم الدولة الإسلامية" وجبهة النصرة وغيرهما، بدعم من شركاء ووكلاء إقليميين بغية توظيفها في الإستراتيجية الأمريكية الرامية إلى تغيير خارطة المنطقة بالكامل توطئة لنقل مركز الثقل في الإستراتيجية الأمريكية من الشرق الأوسط إلى شرق آسيا تحسبا للخطر الصيني المتفاقم.

"عمدت كل من واشنطن وتل أبيب إلى تبني إستراتيجية تقوم على اختلاق فاعلين عسكريين غير نظاميين على شاكلة "داعش" و"جبهة النصرة" لمواجهة الجيوش العربية النظامية واستنزافها دون الاضطرار إلى التورط المباشر". وللعمل على تمزيق دول المنطقة وتحويلها في الجغرافية الجديدة إلى ما بين 54 و 56 دولة مبنية على اسس عرقية وطائفية...

 

تحول إستراتيجي

اقتضت خصوصية التحولات الجيوإستراتيجية التي ألمت بمنطقة الشرق الأوسط خلال الآونة الأخيرة والخلافات مع لاعبين اقليميين أن تنحو واشنطن باتجاه تركيز الاعتماد الإستراتيجي خلال الفترة المقبلة على الفاعلين السياسيين دون الدولة في منطقة الشرق الأوسط، بدلا من الفاعلين التقليديين على مستوى الدول، ومن هنا تكرست عملية دعم تنظيمات على شاكلة "الإخوان"، "داعش" و"جبهة النصرة " وغيرها تمهيدا لتوظيفها في عملية تنفيذ المشاريع الأمريكية بمنطقة الشرق الأوسط وشرق آسيا.

وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، كوندوليزا رايس، تبنت مفهوم "الفوضى الخلاقة"، وأوضحت لصحيفة " واشنطن بوست" عام 2005 كيفية انتقال الدول العربية والإسلامية إلى "الديمقراطية" كما تقدمها واشنطن، معلنة أن الولايات المتحدة ستلجأ إلى نشر الفوضى الخلاقة في الشرق الأوسط، في سبيل إشاعة الديمقراطية.

"الفوضى الخلاقة" نظرية ترى أن وصول المجتمع إلى أقصى درجات الفوضى متمثلة بالعنف والرعب والدم، يخلق إمكانية إعادة بنائه بهوية جديدة".

والفوضى الخلاقة أيديولوجيا أمريكية لها مدرستان:

الأولى: مدرسة فرانسيس فوكوياما بكتابه نهاية التاريخ. والتي قسم فيها العالم إلى عالم قديم "تاريخي" غارق في الاضطرابات والحروب، وهو العالم الذي لم يلتحق بالنموذج الديمقراطي الأمريكي. وعالم ما بعد التاريخي وهو الديمقراطي الليبرالي وفق الطريقة الأمريكية. ويرى أن عوامل القومية والدين والبنية الاجتماعية أهم معوقات الديمقراطية. والمدرسة الثانية مدرسة صمويل هنتنغتون في مؤلفه صراع الحضارات. حيث يعتبر أن مصدر النزاعات والانقسامات في العالم سيكون حضاريا وثقافيا، والخطوط الفاصلة بين الحضارات ستكون هي خطوط المعارك في المستقبل. ورغم تناقض المدرستين، إلا أنهما تتفقان على ضرورة بناء نظام عالمي جديد تقوده الولايات المتحدة.

والواقع أنه ما كان لإستراتيجية واشنطن المعدلة حيال المنطقة أن تترجم إلى واقع فعلي أو أن تؤتي أكلها في غياب دعم ومساندة من قبل أطراف إقليمية فاعلة أو وكلاء إقليميين مؤثرين وثيقي الصلة بالمخططات والمشاريع الأمريكية من أمثال دول الجوار الإقليمي الجغرافي العربي كإسرائيل وتركيا وإيران، وهي الدول التي طالما تشاركت مع القوى العالمية في مشاريع شتى فيما مضى بغية استعمار دول المنطقة أو استتباعها، توخيا لتقليص حجم خسائرها وتحقيق مكاسب قطرية على حساب تعثر دول مجاورة أو ارتباك المنطقة برمتها.

 

ثوابت السياسة الأمريكية

كتب مفكر واكاديمي عربي:

من ثوابت السياسة الخارجية للولايات المتحدة أنها كلما عمدت إلى إعمال مشروع جديد هنا أو هناك مهدت الأرضية لإنجاحه، بناء للمرجعية ثم تحديدا للفاعلين المحليين الموكلة إليهم مهمة تمويله أو تنفيذه أو احتضانه ولو إلى حين.

سياسة أمريكا الخارجية معطى ثابت وخيار قار، لا اختلاف كبيرا في طبيعته بين رئيس ورئيس. وإذا ما طرأ من المستجدات الدولية ما يستدعي تحولا ما أو تغيرا في التوجه، فبتوافق ضمني واسع ومرتب له بين الرئاسة والكونغرس والمركب الصناعي والعسكري القائم.

ولذلك، فإن الذي يتغير حقا بين الفينة والأخرى في السياسة الأمريكية إنما هو أنماط تصريف مفاصل هذه السياسة، وكيفيات تجسيدها بهذه الرقعة من جغرافيا العالم أو تلك.

ليس من المتعذر تتبع المنعرجات التطبيقية لهذه السياسة، فقد انتهجتها الولايات المتحدة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية مع الاتحاد السوفياتي، وطبقتها في العديد من دول آسيا وأمريكا اللاتينية والعالم العربي والإسلامي، تارة بتفوق كما حصل إبان تقويض مجموعة الجمهوريات السوفياتية، وتارة أخرى بنتائج متواضعة كما هو الحال مع أمريكا اللاتينية والصين، أو بعض البلدان العربية والإسلامية.

عندما نفذت واشنطن غزو العراق سنة 2003، عمدت عن سابق ترتيب إلى تدمير كل مفاصل الدولة العراقية، من جيش ووزارات، وإدارات ومرافق عامة، ورموز حضارية، وبنى اجتماعية وثقافية، وعلاقات قبلية وعشائرية، وما سوى ذلك، تحت مسوغ صريح ومباشر هو: تدمير القائم "المتقادم" في أفق استنبات القادم الجديد.

ولعل أبسط تعريف اصطلاحي لتعبير الفوضى الخلاقة هو أنها "حالة سياسية أو إنسانية، يتوقع أن تكون مريحة بعد مرحلة فوضى متعمدة الأحداث، ولذلك فهي إحداث متعمد لفوضى بقصد الوصول إلى موقف أو واقع سياسي يرنو إليه الطرف الذي أحدث الفوضى".

إنها أقرب إلى مفهوم "الإدارة بالأزمات" المتعارف عليه في هذا المضمار، أي افتعال الأزمة أولا، ثم العمل على إدارتها بالتدريج لبلوغ مصالح محددة سلفا. إنها تفكيك للمنظومة المعنية بطريقة تتيح الولوج إلى مكوناتها الأساسية وعناصرها الصلبة والرخوة، لتقويضها جزئيا أو كليا وإعادة تشكيلها مجددا بما يخدم تلك المصالح حالا أو في المدى المنظور.

وبناء على هذا التصور، فإن "منظومة" الفوضى الخلاقة إنما تقوم وترتكز على مجموعة دعامات أساسية، هي التي من شأنها إسناد ذات المنظومة وضمان سبل تصريفها بنجاح على أرض الواقع:

- الدعامة الأولى: تأجيج الصراع العرقي والطائفي. إنه المدخل الهين والأقرب للبدء طالما توافرت القابلية لذلك، أو هان أمر استنباتها وتأجيجها والنفخ فيها لتبلغ مستويات اللاعودة. إن التركيبة العرقية لا تنفجر -وفق منظور دعاة الفوضى الخلاقة- من تلقاء ذاتها ولا بصورة عفوية.

بل هي ترسبات نفسية دفينة، يجب الاشتغال عليها لإحيائها وتقييمها والدفع بها إلى أقصى مدى، كي تبدو وكأنها تعبير طبيعي عن واقع كان مضمرا، وآن الأوان لمظهرته وتجليته.

- الدعامة الثانية: تأجيج العصبيات. وهي عملية متدرجة في الزمن وفي آليات التنفيذ، وتبدأ بتقويض ركائز الدولة الواحدة لتستبدل بها الولاءات الحزبية الضيقة، أو الانغلاقات الطائفية والعشائرية والقبلية.

فيتحول الولاء للدولة الواحدة الموحدة إلى ولاءات مجتزأة لكيانات بدائية، تدفع بـ"قيم" اللهجة أو اللغة أو الهوية أو الحاضنة الإثنية أو ما سواها، بغرض التمايز والتميز عن بقية مكونات البلد.

- الدعامة الثالثة: ضرب البعد الأمني في الصميم وتشتيت عمليات التنسيق فيما بين المؤسسة الثاوية خلفه، وإشاعة الانطباع بأن لا سبيل لضمان الأمن لا بالنسبة للأفراد ولا بالنسبة للجماعات. ولا مندوحة هنا -يقول أصحاب الفوضى الخلاقة- عن افتعال الفتن وتنفيذ الاغتيالات، وإعمال آليات التصفيات والمطاردات في أماكن العمل والشوارع وفي بلدان المهجر.

- الدعامة الرابعة: زعزعة الوضع الاقتصادي والمالي والعمل على بث الشك في المؤسسات المصرفية والائتمانية، وتشجيع المعاملات المالية في السوق السوداء، وضرب كل مكامن الثقة في العملة الوطنية.. إلخ.

الدعامة الخامسة: العمل على واجهة "القوة الناعمة". والقصد هنا هو إعمال الآلة الإعلامية والاتصالية للترويج للوعود التبشيرية والخلاصية التي تحملها "المنظومة الجديدة"، وكيف أنها صكت قصدا لفائدة مبدأ تحرير الشعوب وانعتاقها، وتخليصها من النظم الشمولية، وتثمين وتأمين حقها في الديمقراطية وحقوق الإنسان.

هذه -باختصار شديد- هي الدعامات الكبرى لـ"منظومة" الفوضى الخلاقة، والتي تم تضمينها في مشاريع الإدارة الأمريكية للسيطرة على الشرق الأوسط وبلدان شمال أفريقيا منذ بداية القرن الحالي.

"لن نبالغ -في سياق ما سبق- لو قلنا إن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إنما هي امتداد لنفس السياسة الخارجية الأمريكية المعروفة، ولمنطوق الفوضى الخلاقة الذي يعتمل بداخلها منذ نهاية القرن الماضي على الأقل: إعمال الفوضى لتعظيم المكاسب الأمريكية، وضمان التفوق المستدام لإسرائيل على غرمائها العرب البعيد والقريب".

 

إعادة توظيف داعش

نهاية سنة 2017 جاء في تقرير نشر في موسكو:

كل يوم تتكشف المزيد من الأوراق فى ملف داعش والتنظيمات الإرهابية، وهى أوراق يضاعف كشفها من تعقيد الصورة وتشابكاتها، ليؤكد أن الإرهاب الداعشى وأخواته بقدر ما هو نتاج توظيف التطرف الدينى، بقدر ما هو انعكاس لتشابكات استخبارية وسياسية، وإذا كانت أمريكا رعت صفقات تهريب 4 آلاف داعشى من سوريا مثلما نشرت بى بى سى. فإن البنتاغون يعيد تشكيل قوات الجيش السورى الجديد بديلا للجيش الحر الذى ابتلعته الأرض وظهر مكانه داعش والنصرة.

الجيش الجديد مثلما نشرت بعض وسائل الإعلام الروسية مكون فى أساسه من بقايا تنظيم داعش، والهدف المعلن توظيفه فى سوريا ولمواجهة روسيا، فى تكرار لفكرة تشكيل جيش سورى حر التى فشلت، وأيضا تفكيك الدولة فى ليبيا بدعم الميليشيات وبعدها تم تعطيل العملية السياسية.

محاولات أمريكا إعادة توظيف داعش، تقدم بعض الإجابات عن اسئلة: كيف أو أين اختفى مقاتلو داعش بعد هزيمتهم فى الموصل والرقة وغيرهما، لم تظهر جثث ولا تم أسر أعداد تساوى ما كان موجودا، بما يتداخل مع المعلن من صفقات متعددة تم عقدها لنقل داعش وإخفاء سرها لتبدأ مرحلة جديدة.

اللافت أن دولا أوروبية مثل إسبانيا وبريطانيا وبلجيكا أعلنت مخاوفها من ذئاب داعش المنفردة أو العائدين من داعش، أن ينفذوا تفجيرات أو دهس فى احتفالات الكريسماس. وتتأهب أجهزة الأمن لمواجهة تهديدات داعش، بينما الولايات المتحدة ترعى صفقات إخراجهم من سوريا والعراق، الأمر الذى يثير المزيد من الأسئلة عن الهدف من إنشاء داعش وتوظيف كل هؤلاء الشباب من أوروبا والدول العربية، وهل هناك علاقة مباشرة بين أمريكا وداعش أم أنها تستخدم تنظيما مرتزقا لتنفيذ أهدافها وضمان موضع قدم فى المنطقة.

كانت هناك دائما علامات استفهام عن مدى جدية الولايات المتحدة فى مواجهة داعش، بينما تسربت فيديوهات عن عمليات إلقاء سلاح فى مناطق داعش، بسوريا، فضلا عن فشل القصف الجوى الذى استمر ما يقرب الثلاث سنوات من قوات التحالف على داعش.

وتستمر التساؤلات عن نشاة داعش ودورها، مع وجود تقارير عن توجيه بعض فلولها إلى سيناء و ليبيا وتونس ودول الساحل، وظهور خلايا لداعش تقوم بعمليات تفجير أو قتل مثلما جرى فى تفجير مساجد فى الكويت والسعودية.

وفى فرنسا هناك تحقيقات يجريها القضاء الفرنسى رسميا مع "أريك أولسن"، المدير العام السابق، واثنين آخرين لشركة الأسمنت العملاقة لافارج هولسيم الفرنسية السويسرية، حول قيام الشركة بتمويل تنظيم داعش بصورة غير مباشرة.

وهناك قضايا متناثرة ومتشابهة لتمويل داعش فى دول عربية وأوروبية مختلفة، تمثل أطرافا من ملفات التمويل والتنظيم، والتجنيد عقائديا وماديا لكنها تتداخل مع تهريب البشر، وهناك خيوط غير مرئية تربط هذه التنظيمات بالولايات المتحدة أو أوروبا والدوائر المختلفة لنقل وتسفير المقاتلين التى كانت تتم بمعرفة وتنسيق السلطات التركية وأموال خليجية، حيث كانت تركيا محطة دخول وخروج، وأيضا علاج لمقاتلى داعش والنصرة "القاعدة"، فضلا عن دعم مالي وإعلامى، وتمويل لمواقع ومنصات إعلامية داعشية.

كل هذا يكشف عن علاقات معقدة تربط داعش، وتنظيمات مثل النصرة وغيرها، تتجاوز سوريا والعراق إلى مناطق أخرى. ويبدو دور الولايات المتحدة مثيرا للجدل، وفى حين تواجه تراجعا فى سياستها الدولية والإقليمية، لصالح الدور الروسى والصينى، تظهر عمليات لإعادة توظيف داعش، مثلما كان تنظيم القاعدة جزءا من الحرب الباردة، يأتى داعش ليمثل قاعدة القرن الواحد والعشرين بشكل أكثر تشابكا وتعقيدا.

وحسب تحليل صدر في لندن فإن تنظيم الدولة الإسلامية الذي خسر عاصمته في العراق وسوريا، وبالتالي مرحلة التمكن في أراضيهما، بدأ يتبنى استراتيجية جديدة، أي حرب العصابات، والعمل تحت الأرض، والتمترس في جيوب صغيرة، وزيادة هجماته في مناطق حضرية في أكثر من مكان في العالم الإسلامي مثل مصر والأُردن وليبيا وباكستان وتونس وأفغانستان، علاوة على سوريا والعراق، وهو في هذه الحالة سيكون أكثر خطورة ضد خصومه".

 

مصالح دائمة

لرئيس وزراء بريطانيا السابق ونستون تشرشل قولان يمكن بهما تفسير جزء من سياسة الغرب خاصة في الشرق العربي."يقول ليس لنا أصدقاء دائمون أو أعداء دائمون لنا مصالح دائمة"." الأمريكيون لا يقومون بالشيء الصحيح، إلا بعد أن يستنفدوا كل الأخطاء الممكنة".

في مسلسل الصراع الدائر في المنطقة العربية منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، سجلت الكثير من أمثلة تقلب التحالفات وتنكر كل من فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة وتركيا لمن كانوا في يوم ما حلفاء لهم.

نهاية شهر اكتوبر 2018 أكدت وسائل إعلام أمريكية أن الضحية التالية لـ"داعش" ستكون دولا عربية، وأعربت مجلة "ذي ناشيونال انترست" في مقال للكاتبة الأمريكية إيميلي برجيبورسكي، عن اعتقادها بأن تنظيم داعش يعد العدة لنقل مركز نشاطاته إلى الساحة الأردنية بعد انحسار تواجده في كل من سوريا والعراق.

واعتبرت المجلة الأمريكية أن ذلك يعود لـ"خاصية موقع الأردن المتقدم في استراتيجية الحرب على الإرهاب، وانخراط نحو 3 آلاف مسلح أردني في صفوف داعش للقتال في سوريا".

وأضافت المجلة أن "نحو 250 عنصرا مسلحا سابقا عاد للأردن، ما يشكل تحديا جديدا لسيطرة أجهزة الأمن الأردنية، من قبيل ما شهدته مدينة السلط من اشتباكات في شهر أغسطس 2018".

وتوقعت "ذي ناشيونال انترست" أن "تسهم الخبرة العسكرية المكتسبة لعناصر التنظيم في استدراج مزيد من الشباب الأردني لصفوفه، بخلاف توقعات الجهود المشتركة لعمان وواشنطن في أعقاب إنشاء مركز تدريب لمكافحة الإرهاب بالقرب من العاصمة، وتقديم الأخيرة مساعدة عسكرية للأردن قيمتها 350 مليون دولار".

واستندت المجلة في استنتاجها إلى تقرير أمريكي صدر عام 2017 عن "المركز العالمي لدراسة التطرف العنفي"، والذي اعتبر أن أهم دوافع انخراط الشباب الأردني في صفوف داعش، هي البطالة والفقر.

وخلصت المجلة بالقول إن "الدلائل المتوفرة لا تنبىء بفعالية استراتيجية مكافحة الإرهاب، لا سيما وأن داعش يدرك بعمق خصائص المجتمع الأردني وعلاقاته وقيمه العشائرية التي سيستغلها إلى أبعد الحدود للقيام بأعمال تخريبية هناك".

هنا يجب التذكير بحديث المرشحة السابقة للرئاسة الأمريكية هيلاري كلينتون، عندما صرحت بعدم معرفتها بما سيؤول إليه مستقبل الأردن في ظل الصراع الغربي الاسرائيلي مشيرة إلى أن مستقبل القضية الفلسطينية يرتبط بما ستؤول اليه الاوضاع مستقبلا بالأردن، هذا المستقبل الذي بات اليوم بين مطرقة الوضع المتأزم الداخلي وسندان مشاريع الخارج وفي مقدمتها فكرة الوطن البديل أو صفقة القرن.

 

حجر الزاوية

خلال الربع الأخير من سنة 2013 حذرت تقارير رفعتها إلى البيت الأبيض أجهزة المخابرات ومكتب الأمن القومي الأمريكي والمدعمة بدراسات أجرتها مؤسسات بحث في مقدمتها كارنغي ومؤسسة فورد والمعهد الديمقراطي الوطني وبيت الحرية ومعهد واشنطن ومعهد بحوث السياسات الأمريكية ومركز راند للأبحاث والتطوير الذي أسسته وزارة الدفاع الأمريكية ومجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية "كير" وغيرها، حذرت من خطر إنهيار البرامج الأمريكية في الشرق الأوسط ليس فقط بسبب تطورات كالتي وقعت في مصر بل كذلك بسبب شروع روسيا في مواجهة السياسية الأمريكية والغربية في كل مناطق العالم وأوروبا الشرقية والشرق الأوسط بشكل خاص.

بالنسبة للمنطقة العربية ركزت التقارير السابق ذكرها كما أفادت مصادر رصد أوروبية، على أن مفتاح المواصلة الناجحة لمشروع الشرق الأوسط الكبير الذي سيكون من ثمراته إنهاء القضية الفلسطينية عن طريق الوطن البديل وتأمين إسرائيل، يتطلب عكس التطور الذي حدث في مصر في 3 يوليو 2013 وإسقاط النظام السوري ومنع المقاومة العراقية من سد الفراغ الناتج عن الصراعات المتعددة التوجهات التي تعرفها المنطقة.

 

دول شبه الجزيرة العربية

وأكد المحللون والباحثون بشكل مشترك أن إخلال التوازن والاستقرار الأمني في دول شبه الجزيرة العربية وخاصة الدول الداعمة اقتصاديا لمصر سيكون ضروريا لنجاح السياسة الأمريكية، وأضافوا أن التضارب أو الخلاف القائم في بعض مراكز القرار بدول مجلس التعاون الخليجي سواء تجاه الحرب الدائرة على أرض الشام أو الصراع في اليمن حيث ساهم البعض في إسقاط الرئيس على عبدالله صالح يسهل مهمة التأثير الفعال على إختيارات دول الخليج العربي.

يجمع خبراء وباحثون في دراسات الشرق الأوسط والعلاقات الدولية أن مراكز البحث عن القرار حول العالم ما هي إلا أداة في يد الساسة وصناع القرار، مؤكدين أن نشأتها في الغرب جاءت في الأساس للسيطرة على العالم خصوصا منطقة الشرق الأوسط.

يقول جيمس ماك جين أحد زملاء معهد بحوث السياسات الأمريكية عن مراكز الأبحاث الغربية: "إن النهم للمعلومات والتحليل المنهجي سيمة مركز مثل 'راند'، حيث صارت هذه المراكز بمثابة المصدر الرئيسي ليس فقط للتزود بالمعلومات، بل لوضع وتقرير أجندة السياسات." وتابع: "تبدو خطورة هذه المراكز البحثية في أمرين أساسيين: أولا، كونها ترتدي ثوب الحياد الأكاديمي وترفع شعار المصالح الوطنية الأمريكية أمام منتقديها، وثانيا، هو التأثير المتزايد الذي تمارسه علي السياسة الخارجية الأمريكية."

أما عن تمويلها، فإن مصدر دخلها الأول من أموال وقفية عن طريق بيت الحرية ذات الصلة الوثيقة بجهاز المخابرات المركزية الأمريكية منذ عام 1941 والتي كان يدعمها بشكل مباشر الرئيس الأمريكي وقتها فرانكلين روزفلت وهو نفس الرئيس الذي استضاف في عام 1942 المؤتمر الصهيوني بحضور دافيد بن غوريون وتم الإعلان في هذا المؤتمر عن أحقية اليهود في وطن قومي على أرض فلسطين.

وقد أوضحت "استراتيجية الأمن القومي" لعام 2010 والتي جددت لاحقا بتركيز أكبر على روسيا، تفاصيل رؤية الإدارة الأمريكية الاستراتيجية لأمن الولايات المتحدة، وهي الرؤية التي تستقي من جميع عناصر القوة الوطنية لضمان المصالح الأمريكية، بما في ذلك اتباع نهج متعدد الجوانب يهدف إلى التعاطي مع شركاء خارجيين. ووفقا لهذه الوثيقة، سيتم استخدام القيادة العالمية للولايات المتحدة لمتابعة قائمة طويلة من المصالح الأمريكية.

وقد كانت أيضا "استراتيجية الأمن القومي" لعام 2010 الأولى من حيث دمج استخبارات الأمن القومي والداخلي. وبالنسبة للتحديات التي يثيرها هذا النهج ذكر مساعد وزير الأمن القومي الأمريكي تود روزنبلوم في ذلك التاريخ أن "الميدان الناشئ للأمن القومي" ومهمة "تزويده بدعم استخباراتي" يمثلان التزاما معقدا "يختلف بصورة جوهرية عن الاستخبارات الخارجية وتطبيق القانون والأمن القومي التقليدي".

 

مواطن الخلاف

خلال شهر يونيو 2016 جاء في تقارير نشرت في العاصمة الالمانية برلين نقلا عن مصادر اعلامية:

بعد تعثر المشاريع الأمريكية في بلاد الشام نتيجة التدخل العسكري الروسي لدعم الجيش السوري، إتجه ساسة البيت الأبيض وبشكل مؤقت ومرحلي إلى إدخال تعديلات على جداولهم وعمليات إستغلال التنظيمات الإرهابية التي كانوا صناعها الأولين، فكانت وجهتهم ليبيا ومنها بقية دول المغرب العربي ومصر، والجزيرة العربية وفي المقدمة السعودية والإمارات العربية ومن ورائهما كل مجلس التعاون الخليجي.

بعيدا عن الجدل الدائر حول سياسات الرياض أو الإمارات سواء عربيا أو في بعض المناطق الأخرى، قدرت الأوساط النافذة في واشنطن أن مجلس التعاون الخليجي يشكل تهديدا للهيمنة الأمريكية وللدور الإيراني في المنطقة بعد عودة التحالف التقليدي بين طهران وواشنطن بعقد الاتفاق النووي، ولهذا تم إستغلال كل الإمكانيات والظروف لنصب الفخاخ وخلق الصراعات والخلافات وتدمير كل جهود توحيد القدرات الإقتصادية والسياسية والعسكرية بين دوله.

خلال شهر أبريل 2014 كتب غريغوري غوس، زميل أول غير مقيم سابق لدى مركز بروكنغز الدوحة. يختص غوس في السياسة الداخلية والعلاقات الدولية لدول الخليج العربي، مع تركيز خاص على السعودية.

"ليست المشاعر العرضية التي تراود الجانب السعودي والتي تفيد بوجود أزمة في العلاقات بين البلدين قد جاءت بمحض الصدفة، إنها في الواقع مشاعر هيكلية. فهي متأصلة في طبيعة التحالف غير المتماثل بين سلطة أقوى وسلطة أضعف. أشار جلين سنايدر، باحث العلاقات الدولية، إلى هذه الدينامية في فكرته القائلة أن السلطة الأضعف في مثل هذه التحالفات تجد نفسها دائماً بين مخاوف متعارضة من "الإيقاع والإهمال". في ما مضى، حين كانت واشنطن أكثر عدوانية تجاه إيران، شعر السعوديون بالقلق من إمكانية تحملهم ثمن الانتقام الإيراني من أي هجوم أمريكي على إيران. الآن، مع جلوس الأمريكيين والإيرانيين على طاولة التفاوض، تشعر النخبة السعودية بالقلق من أن يقوم حليفها الأمريكي بإهمال مصالحها، أو حتى أن يتخلى عنها. في أكتوبر 2013، قال رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشورى السعودي: "أخشى من وجود شيء مخفي... في حال توصلت أمريكا وإيران إلى تفاهم، قد يحصل هذا الأمر على حساب العالم العربي ودول الخليج، وخاصة المملكة العربية السعودية".

كثير من المحللين الأمريكان خاصة هؤلاء الذين يعملون في مراكز البحث التي تضع جزء من سياسات البيت الأبيض يخلطون عن قصد بين الحقائق والدعايات مثلما يتقنون لي الحقائق، وفي هذا الإطار ومتجاهلا أن ما حدث في مصر يوم 30 يونيو 2013 كان ثورة شعبية ضد حكم الإخوان شارك فيها غالبية الشعب المصري يتابع غوس.

يقول غريغوري غوس أن نقطة صدام بأساسية بين الرياض وواشنطن كانت مصر. أعلن السعوديون الحرب على جماعة الإخوان. وقد أغدقوا، هم ودولة الإمارات العربية المتحدة المناهضة للإخوان، الأموال على القاهرة منذ ما سماه المحلل الأمريكي الانقلاب العسكري في يوليو 2013 والذي أطاح بالرئيس محمد مرسي، عضو جماعة الأخوان. في مارس 2014، صنف السعوديون رسميا الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية. في الشهر عينه، سحبت كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين سفرائها من قطر، شريكتهم في مجلس التعاون الخليجي، للضغط على حاكمها الجديد للحد من الدعم الذي تقدمه بلاده لجماعة الإخوان. بالنسبة للسعوديين، شكل الربيع العربي الذي أوصل الإخوان المنتخبين إلى السلطة تهديدا مباشرا لمصالح السياسة الخارجية السعودية وتهديدا طويل الأمد يطال استقرارهم الداخلي.

أما إدارة أوباما، فكان لها وجهة نظر مختلفة جدا من النجاحات الانتخابية لجماعة الإخوان. فقامت برفع الحظر الرسمي على الدبلوماسيين الأمريكيين ممن لهم اتصال مباشر مع أعضاء الجماعة. كما رحبت بالانتخابات في مصر التي نتج عنها أغلبية للإخوان في برلمان تم حله لاحقا بأمر من المحكمة، ورئيسا للبلاد من الإخوان أيضا. كذلك رحبت بالانتخابات التي جرت في تونس حيث فاز حزب النهضة وهو فرع الإخوان في تونس بالأكثرية البرلمانية. انتقدت إدارة أوباما قرار الجيش المصري بإسقاط مرسي.

وقد اعتبر البيت الأبيض استعداد الإخوان للدخول في اللعبة الديمقراطية خطوة ضرورية إذا كان العالم العربي يأمل في تطوير ديمقراطيات مستقرة. في الواقع، ترغب واشنطن أن ترى الربيع العربي ينتج وحكومات عربية ديمقراطية ومستقرة، وسوف تشمل هكذا حكومات أحزابا إسلامية بطبيعة الحال. بيد أن المملكة العربية السعودية لن ترغب بذلك طبعا".

 

لعبة الإبتزاز

في منتصف سنة 2016 قدرت العديد من مصادر الرصد خاصة في باريس وبرلين أن التوتر بين الرياض وواشنطن ليس عابرا وإن كانت فترات تهدئة قد تظهر في مستقبل قريب بفضل مناورات متجددة، ذلك أن أصحاب القرار في العاصمة الأمريكية قد أدرجوا السعودية وغالبية دول مجلس التعاون الخليجي على قائمة الإستهداف بعد تعثر مشروع الشرق الأوسط الكبير، وهذا ما يعضده توالي سياسة الصدمات الأمريكية التي لم تتوقف منذ أكثر من سنتين ومنها عملية الإبتزاز بشأن مسؤولية أحداث 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن.

يوم الإثنين 13 يونيو 2016 أنضمت المرشحة الديمقراطية للبيت الأبيض هيلاري كلينتون إلى جوقة توجيه الصدمات إلى بعض دول الخليج حيث نددت بما سمته دور كل من السعودية وقطر والكويت في التمويل العالمي لايديولوجية التطرف.

وقالت كلينتون في خطاب في كليفلاند بولاية اوهايو "حان الوقت ليمنع السعوديون والقطريون والكويتيون واخرون مواطنيهم من تمويل منظمات متطرفة. يجب ان يكفوا عن دعم مدارس ومساجد متطرفة دفعت بعدد كبير من الشبان على طريق التطرف في العالم".

معلقون أشاروا إلى أن كلينتون انضمت الى حملة محاصرة وإبتزاز أنظمة الخليج العربي وعلى رأسها العربية السعودية. وكشف استطلاع للرأي بريطاني أنجز لصالح سبوتنيك الروسية أن 68 في المئة من الأمريكيين يطالبون واشنطن أن لا تدعم السعودية.

Omar_najib2003@yahoo.fr

شبكة البصرة

الخميس 29 صفر 1440 / 8 تشرين الثاني 2018

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط