بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

اغْتِيال القَائِد الخَالِد صَدَّام حُسَين،

ايْذَاناً بايْقَاف مَرحَلة النُهُوض وبِدايَة مَرحَلَةِ النُكُوص في مَسِيرَة الأُمَّة

شبكة البصرة

الدكتور عباس العزاوي

ونحن نستذكر واقعة اغتيال الشهيد صَدَّام حسين التي تمر علينا ذكراها الثانية عشر هذه الأيام

فإنَّنا ابتداءاً نقول، انَّ التأمُّل في كتاب الله المُحكمة آياته، وما يُحَدِّثنا به عن الانسان ووجوده والغاية والحكمة من خلقه ووجوده، وهل هو وجود فاعلٌ أم هو وجود اعتباطيٌّ لا قيمة له؟ وهل هذا الوجود يتحقَّق من خلاله معنى معيَّن وغاية مُحدَّدة، أم ماذا؟

والتَّمَعُن في هذه الاعتبارات التي ذكرناها التي تَضَمَّنها القرآن الكريم، تتوضح لنا مسألة في غاية الأهميَّة وهي قضيَّة (الابتلاء)، وأبعادها التي ربما تغيب عن عقل الانسان، فالانسان قد خُلِقَ مُرَّكَباً وليس من مادة واحدة حسب، حيث امتزج في الانسان الجانب المادي (التراب مع الماء) والنفخة الإلهيَّة أو الجانب الروحي في الانسان، عَبَّر عنه الخالق سبحانه وتعالى بقوله: (اذْ قالَ رَبُّكَ للملائكةِ إنِّي خالقٌ بشَراً من طِّين، فإذا سَوَّيّتُهُ، ونَفَختُ فيه من رُّحي فقَعوا لَهُ سَاجِدين) ص آية72، وحيث أنَّ المزجَ بين هذين الخليطين كان (الانسان) فقد أصبح محلاً للصراع بين الجانب المادي وأوامره والجانب الروحي وأوامره، وهنا يكمن سِرّ الإبتلاء.

ومما ينبغي أن نعلمه أنَّ هذا المركب (الانساني) ليس مادة فقط، وهو أيضاً ليس روحاً فقط، أو أنَّه مادة وروح وكفى!، وانَّما هو مادة وروح وعناصر جديدة ناتجة عن مزج هذين المادي بالروحي في الانسان. وهذه العناصر الجديدة لا سبيل للعقل البشري الى معرفتها، فهي غير خاضعة لمقاييس الحواس، غير أنَّها تؤثر بشكل فعَّال في حياة الانسان ايجاباً أو سلباً. وعلى الانسان (وهنا يظهر موضوع الابتلاء بشكل واضح) أن يعدل أو يوازن بين هذه الخصائص، ليكون انساناً سويَّاً، ومن هنا يعتمد دور الانسان في الحياة وقيمة وجوده وأثره في ما يتحقق من نسبة الخلط بين هذين المزيجين من جهة وفي ما يتحقق لديه من تقدم الـ(روحي) على الـ(مادي) أو العكس وفي الموازنة بينهما. وهذا التوازن الذي يخلقه الانسان يختلف فيه البشر ولا يتشابهون، لذلك نجد أنَّ الابتلاء له مستلزمات وخصائص وله أشكال ومظاهر وهو أيضاً أنواعٌ ودرجات، حيث يقول الحقُّ سبحانه: (وهوَ الذي خلقَ السماواتَ والأرضَ في ستة أيامٍ وكان عرشه على الماء ليَبلُوَكم أيَّكم أحسَن عملا) هود آية7. لقد بيَّن لنا القرآن انَّ الابتلاء كان ولا يزال هدفاً مقصوداً من كل ما ينزل أو يُصيب العَبد من ألوان القضاء وأحكامه. سواءاً كان للانسان أثراً فيه أم لم يكن، وهنا نقول لو علِم الانسان أنَّه لو خَلى ونفسه وحُرِمَ العون الإلهي فإنَّه محكومٌ بالفشل في تجربة الابتلاء، وبذلك يظل مشدود الوثاق برَّبِه، مُلتَجِئاً اليه، طالباً عَونه، وهنا تكمن غاية الوجود وخلق الانسان، وهي ليست اعتباطية حاشا لله تعالى، ذلك أنَّ الله سبحانه قد خلق الانسان على نحوٍ معيَّن يتناسب مع تحقيق الهدف الذي خُلِق لأجله، بما يجعله على أفضل حال ووجه من الوجود في الحياة لتحقيق هذا الهدف. وهكذا واستناداً الى هذه الدلالة ننظر الى قضيَّة الابتلاء في (ظاهرة) صَدَّام حسين، وكيف كان الهدف والمعنى من وجوده وقيادته للعراق والأمة، كيما يتحقَّق فيه الابتلاء الذي قضاه الله وقدَّره سبحانه وتعالى. وما حدث للرئيس صَدَّام من وقائع وأحداث حتَّى مرحلة الأسر والأعتقال، ثم ما أعقبها من مواقف الرجال الأفذاذ في جلسات المحكمة الـ(لاشرعية) التي شاءت ارادة الله تعالى أن تكون علنيَّة لتظهر على مرآى ومسمع من كل الدنيا، حتى كانت الـ(ظاهرة) الصَدَّامية هي منبع وملتقى الخبر الأول في كل وسائل الاعلام في العالم ولمدة ثلاث سنوات متواصلة، والرئيس صَدَّام في قفص الأسر يصول ويجول وكل المحيطين به من الجلَّادين والمحقِّيقين ولجنة الحكم ترتعد فرائصهم وتصطك أسنانهم خوفاً ورهبة من فارس الأمة وقائدها، وكأنَّه أسَد يزأر في قفصه!

كل هذا نراه ابتلاء مقدر من لدن بارئه سبحانه وتعالى، فالانسان حين يرتقي الى هذا المستوى العظيم من الفعل والارادة والقوة والتحدي والشموخ والرِفعة، فكل هذه بالتالي ليس لها معنى نفهمه الَّا أن يكون هو الابتلاء الذي قدَّره الله وأوجبه على عبده المؤمن صَدَّام حسين، وفي ذلك يقول الحقّ سبحانه وتعالى: (وهوَ الذي جَعَلكم خَلائف الأرض ورفعَ بعضكم فوقَ بعض درجاتٍ ليبلُوَكم في ما آتاكم انَّ ربَّك سريع العقاب وإنَّه لغفور رحيم) يونس آية14.

وبعد..نقول، انَّ الله سبحانه كان ولا يزال قادراً على أن يجعل الناسَ كلَّهم في نفس المقام من الجاه والرياسة، ولكن شاء سبحانه أن يجعل الناس أنواعاً وفئات يتفاوتون في العلم وفي الجهل وفي الجاه والرياسة ليتحقق معنى الابتلاء فيهم، قال تعالى:(ولو شاءَ اللهُ لجعلكم أُمَّة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فإستبقوا الخيرات الى الله مرجعكم جميعاً فيُنبِّئكم بما كنتم فيه تختلفون) المائدة آية48.

هكذا يتبيَّن لنا من (ظاهرة) صَدَّام حسين، أنَّ الابتلاء ليس في الأبدان والأرواح أو الأنفس فحسب، بل يكون الابتلاء أيضاً للعقول والإفهام، والحظوظ في الدنيا وتفاوت البشر في ذلك محلّاً للابتلاء، ويجتمع في بعض الناس ابتلاء البدن مع ابتلاء العقل. والملاحظ أنَّ الله سبحانه وتعالى يبتلي حال المؤمنين فيزدادون ايماناً مع ايمانهم، ومِن دلائل الايمان وأكثرها وضوحاً في سلوكية ووجه المؤمن هي التسليم بقضاء الله وقدره كالذي كان عليه الشهيد صَدَّام وهو يعلم علم اليقين أنَّ المجرمين من العملاء والخونة سيرتكبون جريمتهم باغتياله في آخر الأمر، من هنا كان القائد العظيم يندفع بخُطى المؤمن الصابر الجَلِد الواثق من قضاء الله وقدره وهو يتَّجه الى حبال المشنقة. هكذا خُلِقَ صَدَّامٌ لأنْ يُبتَلى، وفي هذا فنحن لا ننظر الى ما حصل في هذا الابتلاء نظرة فيها أدنى شيء من التشاؤم، بل العكس هو الصحيح، لأنَّنا على يقين بأنَّ الله جلَّ وعلا ما أجرى على عبده المؤمن من أحداث ووقائع الَّا ليرتفع به درجات في مقام الصالحين والأولياء، فالله يعطي كل عبد من عباده ما يناسبه وتجربته في الابتلاء، حيث يقول الحقّ سبحانه وتعالى: (فأمَّا الانسان اذا ما ابتلاه رَبُّه فأكرمه ونَعَّمه فيقول رَبِّي أكرمنِ) الفجر آية15.

انَّ في (ظاهرة) صَدَّام وما حباه الله من حُسُن الخَلق والخُلُق والهداية وحُسن الصورة وما وهبه من عقل وفكر خلَّاق وحكمة كل هذه جعلها الله مُنحة وهِبَة لعبده المؤمن صَدَّام، يقول البارئ سبحانه: (يُؤتي الحكمةَ مَن يشاء ومَن يُؤتَ الحكمةَ فقد أوتيَ خيراً كثيرا) البقرة آية 269، ولا نجد في القرآن الكريم أنَّ الله أضَّلَ مؤمناً، أو خذله، وانَّما يضِّل الكافر والفاسق والعاصي، ويطبع على قلوب المجرمين والفاسدين، وهذا هو العدل الإلهي الذي عبَّر عنه القرآن الكريم بقوله تعالى:(أفَنَجعل المسلمين كالمجرمين) القلم آية 35، وقوله سبحانه: (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المُتَّقين كالفجَّار) ص آية28،

وهكذا يجتبي الله جلَّ جلاله مَن يستحق أن يحظى بالفضل الإلهي ويختَّصه الله به، فكل هذه الشجاعة والاقدام والتَّحدي والقوة والشموخ التي أبداها الشهيد صَدَّام وهو في قفص الأسر، انَّما هي مُنحة ربانيَّة وهِبَة وفضل إلهي خصَّه به الخالق سبحانه وتعالى.

وقد يظُّن بعض الناس (خطأ) انَّ الله لا يمكن أن يَختَّص أحداً من خلقه دون آخر، بما يعني محاباة هذا العبد وظلم الآخرين، لأنَّ العدل الإلهي عندهم يقتضي التسوية بين العباد في كل شئ، وهذا في رأينا ليس صائباً ولا يدل على فهم وادراك أفعال الله في عباده، ذلك أنَّ الله سبحانه قد سَوَّى بين جميع خلقه في الهداية العامة، حيث وهب العقل وأرسل الرسل وأنزل الكتب الى جميع عباده ولم يختَّص بذلك أحداً دون الآخر، والاختلاف في عطاء الله لعباده يكون بين الهداية والضلالة، والطاعة والمعصية، وانَّما حصل الاختلاف بين الناس لأنَّ بعضهم فضَّل الهداية والبعض فضَّل الغِواية.

بقدر ما أصبح يوم اغتيال القائد الخالد صَدَّام حسين، يوماً حزيناً وكئيباً يقبض النفوس وخاصة لنا نحن العراقيون والعرب، بقدر ما يمثِّل هذا اليوم وجَعاً وقهراً وضيقاً في صدورنا، فهو في الوقت نفسه قد تحوَّل الى مرثيَّة بكاء على الأمة العربية وما آلت اليه أمورها اليوم، بعد هذا التاريخ الفاجع، فإن كنَّا نبكي صَدَّاماً فأنَّنا في ذات الوقت نرثي الأمة، سواءاً بالأقلام البليغة أو الألسنة الفصيحة أو بالمشاعر الموجوعة، لما وصلت اليه من حال متردٍ، حتَّى أصبحت أطلال أُمة!. وقد كانت يوماً أمة العلم والنور والفكر والفلسفة والحضارة والبطولات والمجد، حتَّى جاءت في مقدمة التراث الانساني بإرثها الحضاري والتاريخي العظيم.

لقد أُغتِيلَت الأمة بأغتيال صَدَّام حسين، فصَدَّام كان هو حصنٌ ومَنارٌ وقلعةٌ الأمة، كان هو حصن المقاومة والتحدي والصمود والمواجهة والشموخ والعُلا، وبرحيل القائد العظيم صَدَّام افتقدت الأمة قائدها الرمز، وحادي ركب مسيرتها، ومنارة هُداها، الشجاع، المنفرد بقدرته على اتِّخاذ القرار الحصيف الجرئ والمناسب في كل قضايا الأمة ومعضلاتها، فقدت الأمة (مُفردة) لا شبيه لها.

نقول، ليست مشكلة الأمة اليوم بعد استشهاد ابنها البار وقائدها الهُمام صَدَّام في غياب التشخيص الدقيق والشامل لمحنة الأمة ومعضلتها أو في اكتشاف العلاج الناجع والمناسب، وليست المشكلة في أنَّها تفتقد الى عقول قادرة على وضع رؤية للخروج من النفق المظلم الذي أُدخِلَت فيه بعد اغتيال صَدَّام حسين، انَّما الأزمة الحقيقية للأمة هي الحاجة الى مَن تكون له جرأة واقدام وشجاعة وقيَم ومبادئ ومُثُل القائد صَدَّام حسين كيما يندفع بها الى برِّ الأمان. فصَدَّام هو مَن اكتشف طريق الخلاص الذي ينبغي أن تسلكه الأمة، وهو مَن كان بيده قَبَس النور الذي يُنير للأمة طريقها وتستهدي به في مسيرتها التاريخية للوصول الى مكانتها التي تليق بها بين الأمم الراقية.

وسنشير سريعاً لـ(مفردتَين) أساسيَّتين في مشروع القائد الحضاري واللتان كان يًرَكِّز عليهما، وهما اللتان أشعلتا كل هذه النيران من الحقد والكراهية والعدوانية من أعداء الأمة الصهاينة والفرس، ويُحدِّثنا تاريخ القائد صَدَّام أنَّه:

أولاً- استطاع صَدَّام حُسَين أن يكتشف (مناجم) الكنوز البشريَّة للعراقيين، والتي لم تكن ترى النور بفعل الأتربة التي كانت تغطيها، فعمل على ازالة ما كان يغشاها من الغبار والتراب والسواد، حتَّى تَفَجَّرت تلك الطاقات الكامنة، فأبدعت وابتكرت وبرعت في البناء والتنمية والرُقِيّ، ومن هنا بدأت نهضة العراق والأمة، وأصبحت مفاتيح العلم والحضارة في متناول أيدي العراقيين،ومن هذا التاريخ بدأ ينمو الحقد والغِلّ والكره الأسود من الصهاينة والأمريكان والفرس المجوس.

ثانياً- لقد اكتشف القائد التاريخي صَدَّام حسين نظام الادارة (الكاشف) لكل الأنظمة الأخرى، وبهذا النظام ومن خلاله تمكَّن العراقيون الأماجد من اختراق (حاجز الممنوع) من القيود المفروضة من الأعداء الأمة في العلم والتحضر والتقدم والبناء، وهذا النظام هو مَن فتح الأبواب على مصاريعها في وزارات الدولة وكافة مؤسساتها وهيئاتها لكي تُبدع وتنتج وتبرع وتطَوّر. ويأتي في هذا المجال، صُنع وتأهيل الكفاءات العلمية والادارية والاقتصادية والصناعية، من خلال خطة وطنية وقومية شاملة وضعها وعمل عليها الرئيس صَدَّام. يكفي هذا في ما يخص هاتَين الخصلتين وللقارئ الكريم أن يتأمَّل المزيد من هذه الخصال عندما يفتح صفحات تاريخ صَدَّام حسين ويقرأها، وقد امتزجت هاتان الخَصْلَتان المتقدمتان مع ما كان القائد مشهوداً له بالذكاء الحاد، حيث كان يُجيد استخدام الأدوات التي تتيَّسَر بين يديه ليحسم بواسطتها الأمور التي تعترض مسيرته، والتي كان ينفرد بها عن غيره من الرجال والقادة العظام، ومن خلال هذه الأدوات كان يقتحم أية معضلة تواجه العراق والأمة اقتحاماً بالجرأة والإقدام الذي اتَّسَم به القائد، حتَّى لا تستغرق تهيئة مستلزمات الهجوم المقابل الذي يقوده ساعات محدودة، بإمكانياته العقلية العابرة للمحدود وفطنته وخبرته الفكرية والنظرية والعملية، فكان يبتكر أساليب وطرق محكمة الصياغة للحلّ في أيِّ قضية يواجهها وتقف أمامه، وطنية كانت أم قومية وعلى مستوى القطر أم على مستوى الأمة. فكان الشهيد يتجاوز المُتاح والمنظور مِن الوسائل والإمكانات، حتَّى تجاوز(الخطوط المسموح بها). ونستذكر من تلك القضايا ثلاثاً على سبيل المثال وليس الحصر، أولها مشكلة التمرد الكردي في شمال قطرنا العزيز تلك القضية التي استُحكِمَت أوزارها وتوسَّعت معاركها، وانهمر نزيفها البشري والمادي بفعل الامداد والتأليب من الصهاينة والفرس، فكان الحلّ بإعلان بيان 11 آذار التاريخي، ثم تلاه اعلان الحكم الذاتي لشعبنا الكردي. والقضية الثانية هي احتكار الشركات النفطية الأجنبية لثروات العراق النفطية في البحث والتنقيب والانتاج والتسويق، فكان القرار التاريخي الجرئ بتأميم النفط العراقي، هو الخطوة الحاسمة لإمتلاك العراق لثرواته الوطنية، والقضية الثالثة القومية التي كانت تتطلب قراراً شجاعاً وسريعاً لا يتعدى ساعات للتأثير في حرب أكتوبر عام 1973م، وفي ساعات مهمة تاريخية انتقل القائد الى السعودية ليوقع مع ولي عهدها قرار الأمة الخطير بإيقاف ضخ النفط العربي الى أمريكا وأوربا التي كانت تساند الصهاينة، وكان لهذا القرار التاريخي أهمية قصوى في تحويل مسارات الحرب مع الصهاينة لصالح دول المواجهة. هكذا كان الرئيس صَدَّام، يبحث عن النقاط المعقَّدة والـ(الحصينة) في مركز كل قضية يُعالجها، ليبدأ بتفكيكها واحدة بعد أخرى بما عهد فيه من ادراكه ووسع أفق تفكيره، ونظرته الثاقبة ممزوجة برباطة الجَّأش التي كان يتَحلَّى بها القائد صَدَّام في أصعب الظروف وأحلكها.

قد يبدو لنا للوهلة الأولى أنَّ اغتيال القائد صَدَّام حسين كانت غايته لا تتعدى حدود العراق السياسية والجغرافية، وأنَّ جريمة الاغتيال هي بمثابة (الخَلط) العشوائي، والحقيقة أنَّ الجريمة قد دُرِسَت بعناية، وأنَّ النيَّة كانت مَعقودة ومُرتبة، وهي مُخَطَّطٌ لها بذكاء شيطاني خبيث، ومَن أراد التأكد مما سبق وقلناه، فعليه الرجوع الى سبعينات القرن الماضي، فتاريخياً بدأت حالة هَوَس الحقد والكراهية من أعداء العراق منذ ذلك التاريخ، وما علينا سوى تقليب صفحات ذلك التاريخ وفق تسلسلها الزمني في الوقائع والأحداث خلال تلك الفترة، والحقيقة الثابتة هو ليس ما كانت الصهيونية العالمية تشيعه وتتحجج به على الملأ، وهي بخلاف ما يردده الأمريكان، فالقضية أكبر بكثير من موضوع ما يُسمَّى بالـ(ديكتاتورية) المزعومة أو لـ(سواد عيون) العراقيين المظلومين! أو أسلحة الدمار الوهمية والديمقراطية المزيَّفة التي أنَّهم جاؤوا من أجلها فدمَّروا البلاد والعباد والشجر والحجر.

انَّهما غايتان وقضيَّتان في قمة الأهمية بالنسبة لمسيرة الأمة من جهة ولأعداء العراق والأمة من صهاينة وفرس مجوس من جهة أخرى، وهاتان الغايتان تعتبران من المهام الكبرى التي كان ولا يزال يعمل عليهما الصهاينة والأمريكان، والفرس الصفويين في الشاطئ المقابل. من هنا فإنَّ اغتيال القائد التاريخي للأمة العربية صَدَّام حسين يُشَكِّل حَدَّاً فاصلاً بين مرحلتين تاريخيتين في مسيرة الأمة، فالمرحلة التي كانت تمضي في ظل القائد صَدَّام وهي مرحلة تجسيد المشروع الحضاري القومي والانساني النبيل الذي تبَّناه صَدَّام حسين، وهذا المشروع كان حُلم وطموح وأمل كل الشعب العربي من الخليج الى المحيط، وقد توَّقف هذا المشروع العظيم وكُبِتَت أنفاسه بعد اغتيال زعيم الأمة، وبدأ التأسيس لمرحلة من أخطر المراحل في مسيرة الأمة وتاريخها الحديث، وفيها يقفز الى أرضية واقع الأمة المتردي مشروعان خبيثان أحدهما يقف عند الشاطئ الشرقي للأمة وبوابتها الأمامية، العراق العظيم، متمثلاً بالمشروع الفارسي الصفوي الخميني الشرِّير، والذي كان الخط البياني له تحت الصفر بعد أن مرَّغ صَدَّام حسين ورفاقه الأوفياء وجيشه الباسل وشعبه الماجد، أنوفهم في وحل الهزيمة المنكرة في قادسية العرب الثانية(قادسية صَدَّام) المجيدة، هذا المشروع تم تحطيمه ودحره ودفنه على الحدود الشرقية للأمة، وبعد اغتيال القائد فقد أعطى الفرس لهذا المشروع جرعات منشطة ونفخوا فيه من ريحهم الصفراء الخبيثة، ليتغوَّل في أرض العرب. وفي الشاطئ المقابل يقف المشروع الصهيوني المبني على أنَّ أرض الـ(ميعاد) من الفرات الى النيل،والذي كان في عهد صَدَّام حسين كالثعبان يتخلل متوارياً بين الشقوق والثغرات التي يستطيع أن ينفذ منها بتباطؤ في الأرض العربية، فصقر العراق صَدَّام حسين كان لهذا الثعبان بالمرصاد، أمَّا اليوم فالصهاينة يتحركون بكل قوة شرق الأمة وغربها، فلا رادع يوقف زحفهم الخبيث في الأرض العربية، وهذه المرحلة الخطيرة من تاريخ الأمة تمثِّل أعلى حالة للاستقواء الصهيوني على الأمة، بفضل اختلال ميزان القوة لصالح الصهاينة مئة في المئة! بعد خروج العراق من معادلة التوازن العربي ـ الصهيوني،بإغتيال رمز الأمة وبطلها صَدَّام حسين، فأصبحت دولة الصهاينة المسخ وحشاً اسطورياً تمتد أذرعه الى كل بقعة من أرض العروبة. الآن وقد أصبح الطريق سالكاً،لتطبيع العلاقات العربية الاسرائيلية، كما جرى مع بعض دول الخليج العربي، وكانت عُمان هي الدولة التي أعلنت بكل وضوح عن رغبتها وتطلعها لتطبيع العلاقة مع الكيان الصهيوني، بل وصل الحال بالعرب الى عقد اتفاقيات صداقة وتعاون سياسي وعسكري وأمني مع دولة الاحتلال في فلسطين المحتلة!، هذا هو حال الأمة اليوم وهذا هو المنحدر العميق الذي هَوَت اليه الأمة بعد اغتيال صَدَّام حسين. لقد اختلطت الأمور على الحكام العرب اليوم، ومما زاد مِن طِين هذا الخلط بِلَّةً أنَّ البعض من الحكَّام العرب قد استساغوا التقرب للصهاينة وتطبيع العلاقات معهم كرد فعلٍ على التَغَوِّل الفارسي الصفوي في المنطقة العربية.

وفي هذه المرحلة النشاز يبرز الغُول الفارسي الصفوي لإنفاذ مشروعهم الصفوي الخميني الخبيث في أرض العرب بدءاً من العراق وسورية وصولاً للبحر المتوسط، وفي اتجاه الخليج العربي والبحر الأحمر بإستهداف أرض اليمن العربي، وهكذا يلتقي المشروعان الصهيوني والفارسي على أرض العرب، فما كان للفرس أن يتسللوا الى الأرض العربية لو لا أن تمَّ اغتيال القائد التاريخي صَدَّام حسين، حتى في قفص الأسر كانوا يرتجفون منه مهابة ورهبة، فهو كان يُمَثِّل مَصدَّاً مانِعاً لأطماعهم الخبيثة في الأمة. وكان يُثير في العراقيين والعرب الفِعل والإنفعال، ويلهب مشاعرهم بالحماسة والإشتعال، ويُشعِرهم بالثقة والآمال، ويبعث في المقاومة لهذين المشروعَين الخَبيثَين القوة والإتِّصال، وفي هذا القَدْر كفاية لمَن يقرأ الأمور جيداً ليعتبر مما جاء فيه.

لم يكن صَدَّاماً يَهاب الموت ويخشاه، لأنَّه لا يعنيه كم يعيش في هذه الدنيا، بقدر اهتمامه بالكيفية التي يعيش بها، وماذا يُقدم في حياته هذه للعراق والأمة، فهو على يقين من أنَّ الرجولة بحقّ والقيادة الأصيلة هما صراع شرس مع الشَرّ وأعوانه، وأنَّ القيمة الحقيقة لحياة الانسان انَّما تكمن في فعلٍ عظيم يناسب الحياة، وكان دائماً يُحَدِّث نفسه والآخرين بأنَّ المطلوب منه ورفاقه في المسيرة النضالية أن يُحسِنوا ادارة العُمر والحياة. وأنَّ هذا لا يكون دونما هدف انسانيٌّ كبير يَهِب فيه حياته لأجله، فكان هدف الشهيد صَدَّام هو مشروعه الحضاري النبيل، وهو يعلم جيداً أنَّ مَن يكون له مشروعاً انسانياً بهذا المستوى الكبير كمشروعه القومي هذا، فذلك يعني أن تُفتَح أبواب المواجهة والتحدي مع أعداء الأمة والانسانية والحضارة أينما كانوا.

وكان أعداء العراق والأمة من صهاينة وفرس مجوس وعملاء يرون أنَّ اغتيال القائد سيُسكت الألسن التي تصدح بإسم صَدَّام وتهتف له ولمشروعه الحضاري النبيل، وما إن تَمَّت جريمة العصر باغتيال القائد الخالد صَدَّام حسين رمز الأمة وعنوان مجدها وسِرّ كرامتها وعزِّها، حتى تفَتَّقت نوايا الأشرار الحقيقية وتكالبوا على الأمة من كل صوب وحدب.

في الختام نقول، أنَّ العظماء من الرجال في التاريخ البشري، يحفرون أسماءهم في وجدان الشعوب والأُمم بفضل مكارمهم وأعمالهم الجليلة وانجازاتهم الخالدة، وفي هذا يحضرنا قول الشاعر العربي:

جَبَلٌ هَوى لَو خَرَّ في البَرِّ اغتَدى *** مِن وقْـعهِ مُتـتابــع الأزبــادِ

انَّ الدُّمـــوعَ علـــيكَ غيرَ بَخيـلَةٍ *** والقَلبَ بالسُّلوانِ غيرَ جَوادِ

ثَكَلَتــكَ أرضٌ لَمْ تَلِــد لَــكَ ثانيــاً *** أنَّى ومِثْلُكَ مُعوز الميـــــلادِ

 

وليس بالضرورة أن تُكتَب هذه الأسماء للرموز التاريخية والرجال الخالدين على الأبراج العالية والنُصُب التذكارية، فقد تغيب عن مشاهد الناس على الأرض لكنها لا تغيب عن الوجدان والضمائر، فإنْ غاب اسم القائد الخالد صَدَّام حسين اليوم عن أنظار الشعب العراقي الماجد في الميادين والساحات والتلفزة بسبب اجراءات العملاء والخونة في الترويع والترهيب والبطش في محاولة يائسة لمنع أبناء الشعب العراقي من استذكار الشهيد الخالد صَدَّام حسين، فإنَّه لن يغيب عن روح هذا الشعب ووجدانه فإسم صَدَّام حسين محفورٌ بخطوط عريضة ملوَّنة بألوان قوس قزح في وجدان الشعب العراقي والعربي، وسيظل محفوظاً في ذاكرة الأُمَّة، فالتاريخ لا ينسى عُظماءه الذين حفروا بصماتهم الشاخصة الخالدة في هذا التاريخ، وسيظل صَدَّام القائد العظيم والرمز التاريخي للأمة على مَرّ الدهور.

سيبقى الشهيد صَدَّام حسين مُخَلَّداً فوق ما هو خالد له، وحقّه أن يبقى في ذاكرة العراقيين والعرب، فهو كان في حياته مُعَلِّماً للجميع كما هو بعد استشهاده، وكلَّما نُعيد قراءة سيرته وتاريخه الثَرّ نزداد تَعلقاً ومحبة واعجاباً بهذه السيرة العطرة والتاريخ الخالد، نزداد اعجاباً كلَّما استذكرنا عطاءاته وانجازاته التي تَفَرَّد بها، فحوَّل مسار العراق الى الرِفعة والرُقِيّ.

أحببنا في الشهيد اصراره على بناء العراق وجعله بلداً متقدماً قوياً مستقراً رغم مؤامرات أعداء العراق والأمة، فإستطاع أن يرتقي بالعراق الى المجد والعُلا، لم يكن صَدَّام حسين رئيساً للعراق فحسب بل كان زعيماً وقائداً مخلصاً ومناضلاً جسوراً، كان في الظروف الصعبة صابراً صلِداً بعناد الأبطال وكبرياء وشَمم القادة العظام، كان أوحد العرب في الشجاعة والنُبل والفروسية، وكأنَّ الشاعر العربي يصف الشهيد بقوله:

لكَ في المَجالسِ مَنْطِقٌ يَشفي الجَوى *** ويَسوغُ في أُذُن الأديبِ سلافُهُ

فكــــأنَّ لــفـْـظكُ لــــؤلــــؤٌ مُتَنــخَّلٌ *** وكَأنَّـــــــما آذانُنـــــا أصْـدافُهُ

 

وهكذا حُفِظَت صفحات تاريخ الشهيد المشرقة في عقول وقلوب الملايين من العراقيين والعرب، وما عرضناه لا يمثل سوى كلمات في صفحة واحدة من صفحات نضاله الدؤوب ومسيرته الجهادية وكفاحه الذي لم يَلِن لبحظة واحدة، في سبيل بناء العراق القويّ الشامخ.

ونقول في القائد الشهيد صَدَّام ما قاله الشاعر العربي:

أسامِعٌ أنتَ يا مَن ضَمَّهُ الجَدفُ *** نَشيجَ بــاكٍ حَزيـنٍ دَمْعـُهُ يَكــفُ

وزَفرةٌ مِن صَميم القَلبِ مَبْعَثُها *** يَكادُ مِنها حِجابِ الصَّدرِ يَنْكَشِفُ

ثَوى بِمثواكَ في لَحدٍ سَكَنَت بهِ *** الدِّينُ والعقلُ والعَلياءُ والشَرَفُ

 

وأخيراً..ندعو الله سبحانه وتعالى أن يغفر للشهيد صَدَّام حسين ويعفو عنه ويُكرمه، اللَّهم آمين، ونقرأ قول الحقّ سبحانه وتعالى: (ولا تَحسَبَنَّ الذينَ قُتِلوا في سَبيلِ اللهِ أمواتاً بَل أحياءٌعِندَ رَبِّهِم يُرزَقُون) آل عمران آية 169، والحمد لله رَّب العالمين.

25/12/2018م

شبكة البصرة

الثلاثاء 17 ربيع الثاني 1440 / 25 كانون الاول 2018

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط