بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

ما وراء الانسحاب الأمريكي من سوريا!؛

شبكة البصرة

د. أبا الحكم

هناك قاعدة دوافع ينطلق منها قرار سحب القوات الأمريكية من سوريا، وتقع في مقدمة عوامل أو عناصر هذه القاعدة عدم رغبة الولايات المتحدة في شن أو خوض حروب خارجية، وهذا لا يعني عدم قدرتها على الحرب، إنما تجنب نزيف اقتصادها في وجود عسكري مكلف في بيئة معقدة ومتشابكة يصعب فك تشابكاتها، لا في القوة ولا في السياسة.. وحالة الانسحاب حسب صانع القرار الأمريكي تقول (لتأكل المنطقة نفسها بنفسها ما دام الصراع بعيدًا عن السواحل والدواخل الأمريكية).. منطق (ترمب) هذا، جعل وزير دفاعه (ماتيس) يقدم استقالته فورًا، لأن قرار الرئيس يعد مخالفًا للمصالح الاستراتيجية الأمريكية، طالما أن أمريكا دولة عظمى يراها جنرالات البنتاغون تتخلى عن مصالحها الحيوية، التي أكد عليها مبدأ كارتر ومبدأ ريغان.. بيد أن الإدارات الأمريكية اللاحقة بعد احتلال العراق قد تفردت بالتعامل غير المتوازن مع أحداث المنطقة وقواها الإقليمية بحيث سلمت إدارة (أوباما) مقدرات العراق لوكيلها الإيراني، فيما تبدو ملامح مبدأ (ترمب) تأخذ سماتها من الإدارة السابقة، بعد أن عقد صفقات السلاح من جهة، وفرض عقوبات اقتصادية ونفطية من جهة ثانية.. وتلك هي استراتيجية الـ(بزنز) التي تمارس الخداع والمراوغة.

وعناصر قاعدة الدوافع، هي الأخرى ترتكز على عدد محدود من الأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى، وفي مقدمتها يقع: الأمن الإسرائيلي، وتحييد القوى المحيطة بالكيان الصهيوني واحتوائها ومن ثم تفكيكها وتدميرها، لكي ينتعش الأمن الإسرائيلي مما يسمى بالتهديد العربي ويباشر في تنفيذ المشروع الصهيوني من النيل إلى الفرات وتطبيق رؤية شارون المعروفة.. والعنصر الآخر وهو: المصالح الحيوية(Vital Entrusts)، فإن أمريكا تناور في سبيل حمايتها بكل الوسائل الممكنة والمتاحة بما فيها القوة العسكرية.

وتحت أجواء ملبدة بالغيوم الداكنة، يتطلع اللاعبون الإقليميون إلى طبيعة المواقف وقرائتها عمليًا في ساحات الصراع.. فما الذي قرأءه الأتراك؟ وما الذي قرأه الإيرانيون؟ وما الذي قرأته أمريكا؟ وما الذي رصدته روسيا خلال هذه الفترة؟

الإيهامات سيدة الموقف في مثل هذه التحركات الجيو- سياسية، والنقلات العسكرية، هي الأخرى، لها مدلولات قد تكون غامضة إلا في نطاق واقعها الاستراتيجي.. والمعنى في هذا أن الحركة هنا قد تعني شيئًا في رقعة الشطرنج، في الظرف الراهن، هي تركيا وأهمية عودتها استراتيجيًا إلى مكانتها في الاستراتيجية الأمريكية، بعد أن ضغطت أوربا وأمريكا عليها بما فيه الكفاية دون جدوى، وكادت أن تكون تركيا في خارج نطاق السيطرة حين قبلت بصفقة الـ(S-400)، وهذا يعني حسب منطق (الناتو) الذي يؤكد موائمة التسلح لأعضاءه، فيما وافقت واشنطن تزويد أنقرة بـ(120) طائرات حربية متطورة (F-35)، فضلاً عن منظومة صواريخ باتريوت وعدد من الرادارات المتطورة.. هذا العرض الأمريكي السخي الهدف منه ترطيب الأجواء بين العاصمتين، كما أبدت واشنطن إستعدادها لتسليم المعارض المتآمر (فتح الله غولن) لأنقرة ردًا على تسليم القس الأمريكي (المارينز الجاسوس) إلى واشنطن، تكللت بترك أكراد سوريا لمصيرهم في شرق الفرات.. حيث تعد هذه الصفقة على درجة من الأهمية رافقها على الأرض تعزيز القاعدة الأمريكية الضخمة بالقرب من أربيل من جهة، وومارسة واشنطن أسلوب الضغط العسكري بوصول حاملة الطائرات الأمريكية (USS.G.C. stennis)، إلى مياه الخليج العربي وبالقرب من مضيق (هرمز)، لاستعراض القوة.. أمريكا لن تشن الحرب ولن تسقط نظام طهران رغم عبثه الخطير بأمن المنطقة التي يمر عبر مضائقها قرابة (ثلث) إجمالي صادرات النفط، حيث إن مثل هذا الضغط، الذي يترافق مع الضغط الاقتصادي والنفطي، هدفه فقط ضبط حركة الوكيل الإيراني وعدم تماديه والعبث بمصالح الغرب الاستراتيجية الملاحية والتجارية والأمنية.. إيران تواجه صعوبات كثيرة وخطيرة اقتصادية واجتماعية وأمنية، ومع ذلك يتمادى قادة الفرس بغطرسة استعراض القوة في مناورات برية وبحرية.

إن توقعات ردود الفعل الإيرانية هي صفر، لأن أي تحرش جدي أو أي فعل عسكري ستواجه طهران ردود غير متوقعة.. ولكن، تظل الحركة العسكرية الأمريكية في الخليج العربي حركة ضاغطة إستعراضية، فيما تظل الحركة الاستعراضية للقوة الإيرانية في الخليج مجرد تطمين الداخل الإيراني وهي أيضا رسالة تطمين إلى أذرع إيران في الخارج بأن إيران قادرة على المواجهة البحرية والصاروخية.. وهي تطمينات مشكوك في تصديقها.. الإيرانيون يضغطون على إنفاقاتهم الداخلية من أجل دعم إنفاقاتهم الخارجية على الإرهاب، ولكن هذه الإنفاقات باتت شحيحة حتى في موارد تصدير المخدرات في الجنوب اللبناني وتجارته في أوربا ودول أمريكا اللاتينية.. والنتائج الوخيمة تصاحب النظام الإيراني خلال الأشهر القليلة جدًا القادمة.

نعود إلى موضوعة الانسحاب الأمريكي من سوريا الذي لم يكن مفاجئًا للمتابعين.. إلا أن الصفقة التي تمت بين أنقرة وواشنطن قد تركت للقوة التركية حرية العمل العسكري ضد الإرهاب.. والإرهاب هو شماعة يتعاطاها نظام (طهران - دمشق) من جهة، وتتعاطاها (واشنطن - تل أبيب) بأساليب استنزافية استراتيجية مغايرة من جهة أخرى..

الانسحاب جاء بعد استكمال بناء قاعدة أربيل مقوماتها الاستراتيجية لتغطي مواقع بعض دول المنطقة ومنها على وجه التحديد إيران وتركيا وشرق حوض البحر الأبيض المتوسط وبلاد الشام ومنطقة الخليج العربي.. فيما تكون نظرية ملء فراغات الأمن غير فاعلة أساسًا، بالنظر لوجود القوة التركية التي ستتولى منع خرق الفراغات.. وهو تعهد قد تم في نطاق الصفقة وإطار التحولات التي تجري والتي ستحدث على رقعة الرمال المتحركة التي اسمها شرق نهر الفرات.. دعونا ننتظر!!

24/12/2018

شبكة البصرة

الاربعاء 18 ربيع الثاني 1440 / 26 كانون الاول 2018

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط