بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

في ذكرى الأستشهاد الثانية عشرة

2006-2018

سيناريوهات الأستشهاد و"ماذا لو"

شبكة البصرة

د. أمير البياتي

في مثل هذه الأوقات من كل عام نستذكر ذكرى أستشهاد القائد العربي الكبير صدام حسين رحمه الله. وصدام حسين يستحق من عندنا أكثر من الأستذكار وأكثر من الذكرى، فقد كان رحمه الله فرصة الأمة في النهوض واستعادة الكرامة والعيش الرغيد التي ضاعت وحتى حين، وكان رحمه الله المثل الأعلى في التضحية بالنفس والنفيس في سبيل حلم الأمة الواحدة الموحدة وفي سبيل رسالتها الأنسانية الخالدة. وفي كل عام نبحث عن زاوية في سيرته نحاول عبر تسليط الضوء عليها الوفاء بشيء يسير ضئيل أمام ماقدمه هو للأمة والوطن.

تضاربت الأخبار والسيناريوهات حول كيفية القبض على الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين رحمه الله، فكل جهة قدمت رواية تختلف في تفاصيلها كليا أو جزئيا عن روايات أخرى قدمتها جهات أخرى أعتمادا على وجهة نظرها السياسية وبعدها أو قربها مما يسمى بـ (العملية السياسية) في العراق. وتمتد هذه الجهات وبتبعها الروايات على طيف واسع من الأيديولوجيات التي تنتشرفي العراق والوطن العربي بل وحتى العالم الواعي الذي كان يتابع ما يجري في العراق بعين الفاحص لا بعين المتلقي. لكن ما لم يختلف عليه أثنان هو تلك الوقفة التاريخية للشهيد أمام حبل المشنقة.

وتبدأ سينوريهات القبض على المرحوم صدام حسين من سيناريو "الأستسلام المهين" الذي صوره الأمريكان وتحقيقاً لهدف إعلامي كان ضروريا وحيويا في ذلك الوقت والمقاومة العراقية على أشدها في محاولة لكسر المعنويات والأمعان في تشويه صورة القائد وأظهاره بصورة الضعيف المستسلم. غير أن هذا السيناريو لم يلبث أن تساقط وبان هزاله وكذبه بعد أن تبرع الأمريكان أنفسهم- وكما يفعلون عادة- بأظهار نقاط الضعف فيه ثم توالت شهادات من ضباط وجنود أمريكان شاركوا في عملية الأعتقال وكذبوا السيناريو المدبلج الذي اراده الأمريكان لتحقيق غرض لم يتحقق.

ثم وعلى الجانب الآخر كان هناك سيناريو المقاومة الباسلة التي ابداها الشهيد ومن معه وكيف أنهم قاوموا القوة المهاجمة المعززة بالطائرات لمدة ست ساعات وكبدوها بعض الخسائر قبل أن تنفد ذخيرتهم ولم يكن هناك مفر من الوقوع في الأسر. ويستند هذا السيناريو على شهادة ضابط أمريكي كان بصحبة القوة المكلفة بالأعتقال ومعززا شهادته بصورة للشهيد لحظة أعتقاله وهو مبتسم. كما عززت هذا السيناريو شهادة مترجم لبناني الأصل كان مرافقاً للجيش الأمريكي.

وبطبيعة الحال فأن هناك سيناريوهات تتراوح بين هذا وذاك وكل منها يستند الى "شهود عيان" أو شهادات ممن ألتقوا بشهود العيان...غير أن أيا من هذه الشهادات لم تعزز الصورة المهزوزة التي أظهرها الأعلام العسكري الأمريكي للقائد الأسير في الرابع عشر من ديسمبر/كانون الأول عام 2004. وأنما أتت بروايات تختلف في بعض التفاصيل وتتفق في أخرى لكنها كلها تؤكد ما عرفه العراقيون من شجاعة وثبات في شخصية القائد الشهيد.

ولكن كل هذا ليس موضوع حديثنا! إنما الذي نريد أن نكتب عنه هو ماذا لو؟ و"ماذا لو" موضوع كبير فيه أفتراضات وخلافات وسنحاول أن نتطرق لبعض منها وبأختصار.

فماذا لو رضي الشهيد بأن يفاوض الغزاة ويستسلم لهم؟ هل كان هذا الأستسلام سيجنب العراق الغزو والأحتلال؟

وماذا لو قبل القائد بمغادرة العراق مع ابناءه الذين أستشهدوا أيضا واللجوء الى دول الجوار التي عرضت عليهم ذلك؟

وماذا لو قبل القائد بالتنحي عن المسؤولية وتسليم الراية لأحد (رموز) ما يسمى بـ (المعارضة العراقية) حينها كما عرض عليه؟

وماذا لو؟

وماذا لو؟

ولكن هل كان ذلك الخنوع والتفاوض سيرضي المعتدين؟

وهل كان الغزاة سيسحبوا جيوشهم ويعودوا الى ديارهم مقتنعين ببزوغ شمس (الحرية والديمقراطية وأحترام حقوق الأنسان) على العراق؟

الذين يعرفون صدام حسين سيجيبون قطعاً بـ(لا). والذين يعرفون مبداية صدام حسين وثباته ونظرته الثاقبة للأمور سيجبون طبعاً بـ(لا). والذين يعرفون إيمان الشهيد بالله وقدره وقيمة الوفاء بألتزامات القيادة أمام الله سيكون جوابهم (لا).

كما ان الذين يعرفون العقلية التي تحكم المعتدي الأمريكي وهي عقلية (الكل أو لا شيء) سيجيبون حتماً بـ(لا). والذين يستطيعون قراءة الأهداف الأستراتيجية للغزاة ومن وراءهم يعرفون أن الأجابة هي (لا) كبيرة وحاسمة.

فالهدف من الغزو لم يكن أستهدافاً شخصياً للشهيد بمعنى الأستهداف الذاتي وأنما كان أستهدافاً لمسيرة كاملة أمتدت من أيام الأب القائد أحمد حسن البكر رحمه الى الله وحتى يوم الغزوكان الشهيد رحمه الله العقل المخطط لها والقائد الميداني المتابع لتنفيذها، حفلت بالمواقف الثابتة والأنجازات الرائعة والبناء الشامخ، وقبل كل هذا وذاك حفلت باستقلالية القرار العراقي الذي ينبع من النظرة المستقبلية التي تجعل وحدة الأمة ومصالحها ومصالح شعبها العربي نصب العين وفي أحداقها. فالغزاة يعرفون أن البعثيين الحقيقيين لن يساوموا على مبادئهم ولن يتنازلوا عن حقوق الأمة الأستراتيجية ولا عن قضاياها العادلة أمام التحديات مهما بلغ شأنها وقوتها.

والمعتدون أنما جاؤوا ليس لأسقاط التمثال ولا إزالة الصور والجدارايات ولا لتحقيق الديمقراطية وافشاء الحرية والدفاع عن حقوق الأنسان، فالكل يعرف أن كل هذا شعارات زائفة الغرض منها تضليل المغفلين والبسطاء وشراء الشارع العربي والغربي بمواضيع عاطفية ليس لها على أرض الواقع أي اساس.

لقد كانت أهداف العدوان واضحة وضوح الشمس لمن ليس على بصره غشاوة. فالهدف الأكبر كان رأس العراق وأستئصال تجربته التي تعدت كل الخطوط الحمر وصمدت أمام العدوان الأيراني والأطلسي ومن ثم سنوات الحصار. فقد كان العفريت العراقي على وشك الخروج ثانية من قمقم الحصار والتهميش والأقصاء وبدأت دائرة تأثيره بالأتساع وأخذ نوره في تبديد ظلمات التخلف والفساد الذي استشرى في جسد الأمة،،،فكان لا بد من الغزو والأحتلال وأطفاء جذوة النهوض ألا وهو العراق.

إن النظر لمسألة الغزو والأحتلال وفق هذه النظرة سيفسر لنا حال العراق منذ 2003 وحتى اليوم. فمن جاء بهم الأمريكان ليحكموا إنما جاء بهم وفق ما فرض عليهم في مؤتمر لندن السيء الصيت لما كان يسمى "قوى المعارضة العراقية" وهم أنفسهم مجموعة اللصوص القتلة والفاسدين الذين يدمرون العراق منذ عام 2003 وحتى اليوم. فلقد كانت الأجندة هي التدمير المبرمج والمنظم للمجتمع العراقي وقيمه وتشريد كوادره العلمية والتقنية والثقافية والرياضية وتهديم البنى التحتية وأعادة البلد قروناً الى الوراء ظناً منهم -خسئوا- أن الأمر سيطول وأن مدللتهم الكيان الصهيوني سيعيش بأمان لأطول فترة ممكنة. لكن شعب العراق وهو في مقدمة الشعوب الحية لن يطول به الأمد حتى ينفض عنه رداء الصبر والأنتظار وعندها سيكون لكل حادث حديث.

سلام عليك سيدي الشهيد القائد يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حياً بأذن الله،،،ويومها سيعلم الذين ظلموك وظلموا شعب العراق أي منقلب سينقلبون.

أواخر كانون الأول/ديسمبر 2018

شبكة البصرة

الثلاثاء 17 ربيع الثاني 1440 / 25 كانون الاول 2018

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط