بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

ذكرى رحيل الشاعر بدر شاكر السياب

الشعراء والألم والحنين يعيدون (غريباً على الخليج) الي عراقه

شبكة البصرة

اعد الملف عبد البطاط - البصرة

ولد: الشاعر بدر شاكر السياب في 25/12/1925 في قرية جيكور التي اغرم بها وهام أحدهما الآخر. وهي من قري قضاء (أبي الخصيب) في محافظة البصرة.

 

والده: شاكر بن عبدالجبار بن مرزوق السياب، ولد في قرية (بكيع) واكمل دراسته في المدرسة الرشيدية في أبي الخصيب وفي البصرة أثناء العهد العثماني، زاول التجارة والأعمال الحرة وخسر في الجميع ثم توظف في دائرة (تموين أبي الخصيب) توفي في 7/5/1963. وأولاده (د. عبدالله وبدر ومصطفي)

 

والدته: هي كريمة بنت سياب بن مرزوق السياب، توفيت قبله بمدة طويلة، وتركت معه اخوان اصغر منه، فتزوج ابوه امرأة أخري.

 

قريته: هي قرية جيكور. قرية صغيرة لا يزيد عدد سكانها آنذاك علي (500) نسمة، تحدثنا كتب التاريخ علي أنها كانت موقعاً من مواقع الزنج الحصينة، دورها بسيطة مبنية من طابوق اللبن، الطابوق غير المفخور بالنار وجذوع أشجار النخيل المتواجدة بكثرة في بساتين جيكور التي يملك (آل السياب) فيها أراضٍ مزروعة بالنخيل تنتشر فيها انهار صغيرة تأخذ مياهها من شط العرب، وحين يرتفع المد تملئ الجداول بمائه، وكانت جيكور وارفة الظلال تنتشر فيها الفاكهة بأنواعها مرتعاً وملعباً وكان جوّها الشاعري الخلاب أحد ممهدات طاقة السياب الشعرية وذكرياته المبكرة فيه ظلت حتي أخريات حياته تمد شعره بالحياة والحيوية والتفجر (كانت الطفولة فيها بكل غناها وتوهجها تلمع أمام باصرته كالحلم. ويسجل بعض اجزائها وقصائده ملأي بهذه الصور الطفولية.) كما يقول صديقه الحميم، صديق الطفولة: الشاعر محمد علي إسماعيل. هذه القرية تابعة لقضاء أبي الخصيب الذي اسسه (القائد مرزوق أبي الخصيب) حاجب الخليفة المنصور عام 140ه والذي شهد وقائع تاريخية هامة سجّلها التاريخ العربي، ابرزها معركة الزنج ما تبعها من أحداث. هذا القضاء الذي برز فيه شعراء كثيرون منهم (محمد محمود) من مشاهير المجددين في عالم الشعر والنقد الحديث و(محمد علي إسماعيل) صاحب الشعر الكثير في المحافظة و(خليل إسماعيل) الذي ينظم المسرحيات الشعرية ويخرجها بنفسه ويصور ديكورها بريشته و(مصطفي كامل الياسين) شاعر و(مؤيد العبد الواحد) الشاعر الوجداني الرقيق وهو من رواة شعر السياب و(سعدي يوسف) الشاعر العراقي المعروف و(عبد اللطيف الدليشي) الاديب البصري و(عبد الستار عبد الرزاق الجمعة) وآخرين.

 

نهر بويب

تنتشر في أبي الخصيب انهار صغيرة تأخذ مياهها من شط العرب وتتفرع إلي انهار صغيرة. منها (نهر بويب)، النهر الذي ذكره الشاعر كثيراً في قصائده. هذا النهر الذي كان في الأصل وسيلة اروائية بساتين النخيل، يبعد عن شط العرب اكثر من كيلومتر واحد، والذي لا ينبع منه بل يأخذ مياهه من نهر آخر اسمه (بكيع) بتصغير كلمة (بقعه)، يتفرع إلي فرعين احدهما نهر بويب، أما الآن فهو مجري عادي صغير جفّت مياهه وغطّي النهر نباتات (الحلفاء) وبعض الحشائش.

وفي السابق كان علي جانبيه أشجار الخوخ والمشمش والعنب، وكان بدر يحب ان يلعب في ماء بويب ويحلو له ان يلتقط المحار منه ويجلس علي نخلة ينظر الماء المنساب.

وفي لقاء مع (عبدالمجيد السياب) عم الشاعر قال: (كنت أعرف مكان السياب علي النهر (نهر بويب) من الأوراق. إذ كان عندما يكتب يمزق كثيراً من الأوراق ويرميها في النهر فأهتدي بها إليه.).

وعن سر اهتمام السياب ب (بويب) قال السيد عبد المجيد. في نهاية الأربعينيات قرأت قصيدة لبابلو نيرودا يتحدث عن نهر لا اذكر اسمه وكان السياب قريب مني، فقرأ القصيدة واعتقد انه تأثر بها فكتب قصيدته (بويب).).

 

منزل الأقنان

قال أحمد عبدالعزيز السياب: (ان دار السياب قد قسمت إلي قسمين. دار جدي. ومنزل الأقتان الذي خلّده كثيراً في شعره، يبعد هذا المنزل عشرين متراً عن الدار الحقيقية وهو بيت فلاحي جد بدر الذين استغلتهم عائلة السياب، وهو بيت واسع قديم مهجور كان يدعي (كوت المراجيح) وكان هذا البيت في العهد العثماني مأوي عبيد (أسرة السياب) وكان الشاعر بدر قد جعل من منزل الأقتان في أيام طفولته مقر الجريدة كان يخطّها ويصدرها الشاعر بإسم (جيكور) يتناقلها صبيان القرية ثم تعود في ختام قراءتها من قبل أصدقاء بدر ليلصقها الشاعر علي حائط منزل الأقتان.

 

بعض من ارتبط بهن وأحبهنّ

ولابد من ذكر من ارتبط بهن وأحبهن:

 كانت الرعية (هويله) هي أول امرأة خفق لها قلبه وأحبها، حيث كانت اكبر منه سنا ترعي أغنام لها، يقابلها خارج قريته، وفجأة تحول إلي حب فتاة جميلة عمرها آنذاك (15) سنة، كانت تأتي إلي قريته والسياب في عنفوان شبابه وهو الباحث عن الحنين فالتجأ يتشبث بحب (وفيقه) التي كانت تسكن علي مقربة من بيت الشاعر. كان البيت فيه شباكاً مصبوغاً باللون الأزرق يعلو عن الأرض مترا أو يطل علي درب قرب من بيت قديم، شباك وفيقة التي لم يسعده حظه في الزواج منها، في شباكها قال شعرا جميلا، ولم يعرف لحد الآن هل ان وفيقة كانت تبادله الحب أم لا.

ولم يكن في جيكور مدرسة في ذلك الوقت، لذا كان علي السياب ان يسير مشيا إلي قرية (آل إبراهيم) الواقعة بالقرب من جيكور بعد ان انهي الصف الرابع بنجاح وانتقل إلي مدرسة المحمودية والتي كانت إدارة المدرسة مطلة علي الشارع، شناشيل ملونة، وكان بيت الجلبي يقع خلف المدرسة، كان الشاعر يجول في هذه الطرقات المؤدية إليه سيما وان له زملاء وهو بعيد عن جيكور، وكانت (ابنة الجلبي) فتاة جميلة كان يراها السياب وهو ماراً بزقاق يؤدي لمسكنها، فان يتغزل بها ويحبها من طرف واحد فقط.

 وفي دار المعلمين العالية في بغداد وقع في حب جديد، فتاة بغدادية اخذت حظها من العلم والمعرفة ولها فوق ثقافتها جمال يأخذ بالالباب وهي التي يصفها بأن لها في وجهها غمّازة، تلبس العباءة وكانت عندما تمر به تضع العباءة علي وجهها كي لا تراه وكانت (نازك الملائكة) صديقة (لباب) التي احبها الشاعر من جانب واحد وكانت ذكية وجميلة جدا وكان أهلها يوصونها ان تعبس عندما تسير لكي لا يطمع الآخرون بملاحقتها وقد اعرضت عن كل الذين خطبوها.

وأحب زميلة له حبا من طرف واحد أيضا وكان حبا افلاطونيا ارتفع حب الخيال حتي جاوز الحد وتضاءلت فيه رغبة الجسم فما كان منها إلا ان تتزوج رجلا ثريا وتترك السياب بآلامه.

وتعرّف علي الشاعرة (لميعة عباس عمارة) في دار المعلمين العالية، وكانت علاقة.

كانت بادئ ذي بدء ذات طابع سياسي ولكن كعادته وقع في حبها لأنها كانت من اخلص صديقاته، وقال فيها قصائد كثيرة ودعاها السياب لزيارته في جيكور وبقيت في ضيافته ثلاثة أيام كانا يخرجان سوية إلي بساتين قريته ويقرأ لها من شعره وهما في زورق صغير.

ويتعرف الشاعر علي صديقة بلجيكية، اسمها (لوك لوران) وقد وعدته ان تزور قريته جيكور فكتب قصيدة تعتبر من أروع قصائده الغزلية.

وشاء حظه ان يلتقي بمومس عمياء اسمها (سليمه) فاكتشف من خلالها عالم الليل والبغاء واكتشف اسرارا غريبة واعطانا صورة صادقة لما كانت تعانيه هذه الطبقة من الناس، فكانت قصيدته الرائعة (المومس العمياء) التي صوّر فيها الواقع الاجتماعي آنذاك وواقع المرأة بصورة خاصة.

 

زواجه

ويتزوج السياب إحدي قريباته، وأحب زوجته فكان لها الزوج المثالي الوفي، وكانت هي كذلك، فقد انجبت منه غيداء وغيلان والاء، ولمّا اصابه المرض كانت مثال المرأة الحنونة، المحتملة كل متاعب والأم الحياة، حيث كانت الأيام معه اياما قاسية. تقول عنها زوجته السيدة اقبال:

(عندما تغدو قسوة الأيام ذكريات، تصبح جزءا لا يتجزأ من شعور الإنسان، تترسب في أعماقه طبقة صلبة يكاد يشعر بثقلها إذ ما تزال تشدني ذكرياتي معه كلما قرأت مأساة وسمعت بفاجعة).

 

تقول عن كيفية زواجها منه:

لم أتعرف عليه بمعني الكلمة (التعارف والحب واللقاء) إنما كانت بيننا علاقة مصاهرة حيث ان اختي الكبري كانت زوجة لعم الشاعر (السيد عبدالقادر السياب) في أوائل الثلاثينات، وكان أخي قد تزوج من أسرة السياب، وبعد نيل الموافقة الرسمية تم عقد الزواج في 19 حزيران (يونيو) 1955 في البصرة ثم انتقلنا إلي بغداد.

 

الأسطورة في شعره

كتب الناقد عبدالرضا علي عن الأسطورة في شعر السياب قائلاً:

ان التراث العربي كان عاملا اضافيا لنزوعه إلي الأسطورة والرمز، كما يؤكد نفسه، لذا فإن اندفاع السياب لأجزاء من اساطير كتاب (الغصن الذهبي) لاليوت لا سيما اساطير الخصب والنماء وبصورة اخص لرمز تموز ما يبرره في تجربته الشعرية فهو الرمز الذي تتوحد فيه كل رموز التضحية من اجل اعادة الحياة ودفع الموت بشكل مأساوي حاد.

 

أما الناقد جبرا إبراهيم جبرا فيقول:

كانت السنوات الثلاث الأخيرة من حياته فترة رهيبة عرف فيها صراع الحياة مع الموت. لقد زجّ بجسمه النحيل وعظامه الرقاق إلي حلبة هذا الصراع الذي جمع معاني الدنيا في سرير ضيق حيث راح الوهن وهو يتفجرعزيمة ورؤي وحبا، يقارع الجسم المتهافت المتداعي، وجه الموت يحملق به كل يوم فيصدّه الشاعر عنه بسيف من الكلمة. بالكلمة عاش بدر صراعه، كما يجب ان يعيش الشاعر، ولعل ذلك لبدر، كان الرمز الأخير والأمضّ، للصراع بين الحياة والموت الذي عاشه طوال عمره القصير علي مستوي شخصه ومستوي دنياه معاً. فهو قبل ذلك إذ كان جسده الضامر منتصبا، خفيفا، منطلقا يكاد لا يلقي علي الأرض ظلا لشدة شفافيته. كان أيضا في زحمة الصراع بين الخير والشر، بين الحب والبغضاء، بين الموت والقيامة، لقد كان تعلقه بهذا الصراع انتصارا للخير والحب والقيامة.

 

ويقول ناجي علوش:

لم يستخدم شاعر عربي الأسطورة كما استخدمها بدر ولقد اكثر منها حتي اصبح من النادر أن تخلو قصيدة من قصائد بدر من رز أو أسطورة.

 

ويقول علي الفزاع:

أما لماذا استعمل بدر الأسطورة في شعره، فيقول الشاعر نفسه في إحدي المقابلات الصحفية معه:

هناك مظهر مهم من مظاهر الشعر الحديث هو اللجوء إلي الرمز أو الأسطورة ولم تكن الحاجة إلي الأسطورة أمسّ مما هي اليوم فنحن نعيش في عالم لا شعر فيه، اعني، ان القيم التي تسوده قيم لا شعرية والكلمة العليا فيه للمادة لا للروح.

 

وقال بدر. في مجال آخر بهذا الصدد في حوار أجراه كاظم خليفة:

إن العرب عرفوا الرموز البابلية بين عهد إبراهيم ولبعثة النبوية، فالعزي هي عشتار واللات هي اللاتو، ومناة هي منات وود هو أودون أو السيد وإذا جاء الإسلام ليقتلع اللات والعزي فمن الخير ان لا نستعمل اليوم هذه الأسماء فرارا من تهمة التحدي ونستعمل بدلها الأسماء البابلية، وقد يقال ان هذه عودة إلي الاقليمية، فالذين يريدون انفكاك العراق من الرابطة العربية يحاولون ان يربطوه بالتاريخ البابلي.

 

بعض افكاره

وفي لقاءات عدة اجريت معه تحدث عن آراءه في شعر المرأة فقال:

في رأيي الذي ربما ازعج الكثير من الشاعرات والشعراء ايضا ان خير شاعر امرأة (اؤكد شاعر امراة) هي السيدة سلمي الخضراء الجيوسي اذ استطاعت هذه الشاعرة الفذة ان تعبر بعمق وصدق وجمال عن اعنف عواطف المراة.

 

وعن النقاد العرب يقول:

في رأيي احسن ناقد عربي من هذا الجيل هو الناقد السوداني (محي الدين محمد) فهو يجمع الي ثقافته الهائلة حسا جماليا منقطع النظير. ويملك روح الشباب التي تجعل منه اصلح ناقد للشعر الذي هو ايضا روح الشباب.

 

وعن الشعر هل هو موهبة؟

منذ ان اطلق الدكتور عبد الرزاق محي الدين راية العجيب في ان بامكانه ان يخرج شعراء في معهد يفتحه لتدريب الشعر وهذا موضوع يدور في ذهني فالشعر شأنه شأن كل الفنون الاخري موهبة لكنه اكثر من اغلب الفنون الاخري موهبة لا ينميها غير الدرس والاطلاع وتجربة الحياة ثم الاخلاص لهذا الفن.

 

وعن الشعراء الذين يعجب بهم يقول:

اول شاعر استهواني في مطلع حياتي الادبية كان البحتري ثم استهواني بعده المتنبي وابو تمام ولكن ابا تمام هو شاعري المفضل اما من الشعراء الاجانب فقد كان الشعراء الرومانتيكيين الانكليز اول من استهواني وذلك اني كنت حين عرفتهم في سن رومانتيكية هي سن المراهقة وكان احبهم إليّ الشاعر جون كيتس. وصرح بان اول قصيدة كتبها عندما كان تلميذا في الصف الخامس الابتدائي نشرت في جريدة الاتحاد البغدادية عام 1940 وكان البحتري ثان شاعر اتأثر به ثم وقع تحت تأثير الشاعر علي محمود طه المهندس ويقول عن شعراء الامة العربية المجيدين في الوقت الحاضر. ان الجواهري من اعاظم الشعراء القلائل الذين وجدوا في تاريخ الشعر العربي وهو اعظم شاعر ظهر في هذه الحقبة من تاريخ شعرنا الحديث.

 

ذكريات عنه

يكتب الاديب محمود العبطة المحامي:

تعرفت علي السياب في عام 1943 وفي ناد ادبي صغير كنا نقيم فيه الاجتماعات الادبية ونكرم الشعراء واهم تلكم الاجتماعات احتفالنا بسابع يوم لوفاة الرصافي وفي هذا النادي عرفني شخص اجهله الان بشاعر من البصرة كما قال وانه تلميذ في دار المعلمين العالية فرع اللغة الانكليزية وكان سنه سن تلميذ في الدراسة المتوسطة فأردتها مناسبة في تقديمه إلي اجتماع صغير من ادباء بغداد واخذ يقرأ شعرا من انماط شتي باسلوب مؤثر وحركات غريبة اذ كان يندمج في جو شعره اندماجا محببا ويؤشر اشارات تفصح عما في قلبه وقد حرك الشجون وهز العواطف. كنت اراه منزويا في مقهي (ابراهيم عرب) في منطقة (الكرنتينة) وامامه دواوين مختلفة لشعراء انكليز وعرب يطويها عند مجيء صديق له ويفتحها عند ذهابه وكانت اماسينا في ما بين 1954 1955 في مقهي الفرات اول شارع الامين يحضرها (كاظم جواد ورشيد ياسين ومحي الدين اسماعيل) وفي هذه الاماسي تتجلي لنا طبيعة السياب في حالتي الرضا والغضب وكان شغوفا بالنكتة وترتيب المقالب علي اصدقائه واحباءه واشير هنا إلي الخلافات التاريخية بينه وبين كاظم جواد وبينه وبين رشيد ياسين التي قد تصل إلي الشتم والضرب واشير إلي تثاقل السياب من عبد الوهاب البياتي.

 

ويقول الشاعر كاظم نعمة التميمي:

في شتاء عام 1954 يكون قد مر علي اول لقاء لي مع السياب اربع سنوات تقلب السياب خلالها بين البطالة والعمل اما في الصحافة فقد اخذ ينشر في جريدة الجهاد واما في الوظيفة فموظفا في مديرية الاموال المستوردة وقد كنت في ذلك الشتاء قد عدت إلي بغداد لاسباب خاصة ووجدت السياب قد اعتاد الجلوس في احد مقاهي القريبة من جسر الاحرار فهرعت للقائه وتكرر ذلك كل مساء في المقهي ثم نمضي سهرتنا في غرفتي باحد الفنادق لساعة متأخرة من الليل وكان غاضبا كل الغضب علي الشعر الحر. من خلال غضبه علي بعض الشعراء الذين لا متلكون في رأيه الاصالة فوجدوا فيه طريقا سهلة للدخول إلي ميدان الادب ووسيلة لتغطية خلفياتهم المتهافتة ليحسبوا علي الشعراء وما هم بشعراء احسست حينها انه كان ساخطا علي نفسه ايضا شاعرا ببعض الذنب لكونه السبب في فتح هذا الباب علي مصراعيه امام هؤلاء الدخلاء المتطفلين.

 

اما صائب فرحان فيقول:

كان يشعر بسعادة عندما كان يروي لي تجربة حب اثناء علاجه في احد مستشفيات بيروت وكيف كانت تتودد اليه فتاة جميلة طيبة تهوي الشعر ونظم القليل منه وكيف كان يصلح لها البعض منه ثم يبتئس فجأة وتتغير ملامحه التي التي اضناها المرض وهو يكما سرد القصة.

ومرة قصدت غرفته فوجدت رجلين يجلسان بجانبه يتحدثان اليه لم أشأ ان ادخل وتراجعت ذاهبا إلي غرفة الطبيب الخفر لانتظر قليلا سألت احدي الممرضات عن هوية هذين الرجلين قالت انهما طبيبان نفسيان يحاولان علاج السياب بتقوية معنوياته بعد ان تدهورت حالته الصحية.

 

اما الشاعر السوري سليمان العيسي فيقول: جئت إلي بغداد مهاجرا من لواء الاسكندرونة السليب وفي صباح يوم اوائل الشتاء كنت اتجول في باحة دار المعلمين العالية جاءني فتي نحيل يقول لي (اهلا بيك) انا بدر وقد علمت انك جئت الدار البارحة وانك تكتب الشعر مثلي وتصافحنا وتصافحنا وتحت النخلة الباسقة في باحة الدار تعارفنا وكان بدر اثناء صداقتي له يشكو المرارة وربما كان لشكله اثر ذلك فكنت الومه كنت اقول له انت موهبة حقيقية انت فوق الشكل والمظهر اذ انه كان يعتقد بانه لو كان وسيما لكان للطالبات موقف آخر معه. وتحدث الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد عن ذكرياته وتناول السياب قائلا: غالبا ما كانت المراة موضوع حديث بدر وهو في هذه الحالة لا يتورع عن رواية اشد النكات احراجا والنطق باكثر الالفاظ استفزازا تعرفت علي بدر وعرفتني عليه ابنة خالتي الشاعرة (لميعة عباس عمارة) ولعل تعلق بدر بلميعة هو الذي جعلني جعلني اثيرا عنده انتبهت علي بدر صباح يوم مبكر وهو يدس رأسه في خزانة ملابسه فاتحا بابها ليحجب وجهه.

 

اما زوجته السيدة اقبال. فقالت عن بعض ذكرياتها معه:

كم كان بدر يحب المشمش المجفف وكان يتناوله بنهم حتي بعد ان اصبح شابا ورجلا وكتب في اواخر ايامه قصيدة. وفي ليلة 5 آب (اغسطس) 1964 بالذات اذ كان يفكر مشتاقا إلي ابنتيه (غيداء والاء) وينتظر وصولهما مع غيلان ووصلنا في اليوم التالي، ونزلنا في بيت الصديق المرحوم (الشاعر علي السبتي) وكنت ازور بدرا في المستشفي كل يوم وكان يستأنس بحديثي معه وخدمتي له وكانت رؤية اطفاله تدمي قلبه علي الرغم مما كانت تدخل اليه من سعادة فقد كان يعلم بانه مائت وتاركهم وراءه وفي ليلة 21 آب (اغسطس) 1964 وكتب قصيدة عنوانها (ليلة وداع) واهداها (إلي زوجتي الوفية) يعبر فيها بدر عن حبه وعطفه.

 

وتقول (غيداء) ابنة الشاعر:

 برغم مرارة مرضه وآلامه كان مرحا وصاحب نكتة انه وبصراحة كتاب مفتوح يقرأه الجميع وكان يقرأ لشكسبير بالانكليزية وكان من عادة والدي ان يكتب بقلم الرصاص وله تعديلات عدة علي مسودات القصيدة التي يكتبها كما كان يرسم القصيدة رسما علي وفق تخطيطات قبل ان يكتبها ويعتقد انه تخرج من روحه ونادرا ما كان يكتب بالحبر.

 

وفاته

اما فؤاد العبد الجليل فيقول:

 انها لذكري اليمة حقا حين وصول انذار مديرية الموانئ بتخلية الدار مؤشر فيه إلي مديرية شرطة الموانئ لاجراء ما يلزم حال امتناع عائلة بدر من المغادرة اين ذهب اصدقاء بدر. حينما اعياني البحث عمن يساعد في الغاء هذا الامر المجحف في ذلك العهد الاسود.

الذكري المريرة التي تراودني في كل يوم هي ذكري يوم 25/12/1964 يوم وصول جنازة بدر إلي الدار التي كادت ان تفرغ محتوياتها. كانت المصيبة مزدوجة جنازة صاحب الدار امام الباب قادمة من بعيد وعائلة مغادرة مطرودة. من القادم؟ ومن الزائر؟ انه بدر. بدر الذي غني لبلده غني لشمسه ولمطره ولانهاره. ولجداوله. لنخيله. لحلوه ومره تشاء الصدف في ذلك النهار الحزين ان تبكي السماء علي الراحل الكبير عوض مآقي البشر.

تقول زوجته السيدة اقبال:

 يوم الجمعة 25/12/1964 وصلت الينا برقية من السيد علي السبتي ينبئنا فيها بان الجثمان (جثمان بدر) سيصل البصرة ذلك النهار وكان المطر شديدا لم تر البصرة مثله منذ سنين عديدة ورافق المطر السيارة التي حملت جثمان بدر من الكويت إلي البصرة وفي ذلك اليوم كان العالم يحتفل بولادة السيد المسيح. واستقبلها في البصرة مزيد من المطر وذهبت السيارة بالجثمان إلي داره الواقعة في شارع اجنادين بالمعقل لكن الدار خالية لاننا كنا قد تركنا الدار بامر حكومي في اليوم نفسه فاخذ الجثمان إلي دار فؤاد شقيقي في محلة الاصمعي ولكن الدار كانت خالية اذ ان الجميع كانوا قد ذهبوا إلي المسجد لاستقبال الجثمان وحضور الجنازة وسبق الجثمان إلي المسجد حيث اجتمع قلة من الاهل والاصحاب وبعد صلاة الجنازة اخذ جثمان بدر بالسيارة إلي الزبير يرافقه بضعة رجال فقط فواروه التراب في مقبرة الحسن البصري غير بعيد عن قبر ذلك الرجل العظيم وكان المطر ما يزال ينهمر هذا المطر الذي احبه بدر حبه لروحه واتخذه رمزا في بعض قصائده.

 

آثاره

للسياب اثار مطبوعة هي: ازهار ذابلة (شعر)، اساطير (شعر)، المومس العمياء (ملحمة شعرية)، حفار القبور (قصيدة طويلة)، الاسلحة والاطفال (قصيدة طويلة)، مختارات من الشعر العالمي الحديث (قصائد مترجمة)، انشودة المطر (شعر)، المعبد الغريق (شعر)، منزل الاقنان (شعر)، شناشيل ابنة الجلبي (شعر)، ديوان بجزئين (اصدار دار العودة).

 

أما اثاره المخطوطة فهي: زئير العاصفة (شعر)، قلب اسيا (ملحمة شعرية)، القيامة الصغري (ملحمة شعرية)، من شعر ناظم حكمت (تراجم)، قصص قصيدة ونماذج بشرية، مقالات وبحوث مترجمة عن الانكليزية منها السياسية والادبية. مقالات وردود نشرها في مجلة الاداب. شعره الاخير بعد سفره إلي الكويت ولم يطبع في ديوانه الاخير (شناشيل ابنة الجلبي) قصائد من ايديث ستويل.

 

مفارقة

من مفارقات القدر. ان وفاة الشاعر الكبير (ستويل) بعد السياب بأيام ثم وفاة الشاعر (ت. س. اليوت) بعد الشاعر بأيام ايضا. ماتا بسن طاعنة وبعد حياة ناعمة دونها حياة شاعرنا بدر حياة الشقاء والحرمان والغربة

رابطة الواحة عن الف ياء

شبكة البصرة

الثلاثاء 17 ربيع الثاني 1440 / 25 كانون الاول 2018

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط