بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

اشكالونيا: الجيوبولتيكا ومزامير التاريخ

شبكة البصرة

صلاح المختار

ثمة حقيقة جيوبولتيكية ثابتة تفسر الاسباب الحقيقية المعلنة والمخفية لوجود تناقضات او صراعات علنية او مخفية بين ثلاثة اطراف اقليمية العرب والفرس والترك، وطرف خارجي زرع في فلسطين هو الصهيونية اليهودية وكيانها الاغتصابي، وهي حقيقة تشكل قاسما مشتركا يدفع دفعا الاطراف غير العربية للقاء او التلاقي او التحالف تبعا للمرحلة التاريخة ضد العرب مباشرة او بالتحالف مع اعدائهم، فما السبب في ذلك؟ وما هي الحقيقة التي تفرض على ستراتيجيات هذه الاطراف التأثر بها وتزجها قسرا في ازقة الموت والخراب؟ الجواب هو كلمة واحدة فرخت فيها مصائبنا الحالية: الجيوبولتيكا.

الجيوبولتيكا تقول ما يلي: القوى العظمى الدولية او الاقليمية كي تتشكل تحتاج لموارد اساسية بدونها لن تصبح قوى عظمى ابرزها المياه والارض الصالحة للزراعة والموارد الطبيعيه والموقع الاستراتيجي غير المغلق، والقوة البشرية القادرة على تنفيذ المشروع الكبير...الخ، واذا توفرت هذه المتطلبات يمكن لتلك الدولة ان تبدأ مسيرتها للتحول الى قوة عظمى اقليمية او دولية، وبناء عليه يطرح السؤال التالي: هل تتوفر هذه الشروط في كل من الاسرائيليتين الغربية والشرقية وتركيا وهي الاطراف الاقليمية الفاعلة؟ واذا لم تتوفر كيف تحل هذا التناقض الكبير بين طموحاتها الامبراطورية الضخمة وامكانياتها المحدودة؟

لنبدأ بتحليل موارد ها كي نحدد طبيعة ما تحتاجه كل منها لتحقيق هدف التحول الى قوة عظمى:

1- اسرائيل الغربية: تتميز بانها اقيمت وفي احشاءها بذور موتها متمثلة في انها كيان مصطنع لايملك ارضا وطنية، وبلا شعب حقيقي لان المستوطنين اليهود جمعوا من كل انحاء الارض، وفلسطين المحتلة بلا موارد تكفي لتكون قاعدة اقامة قوة اقليمية عظمى وهو ما ادركته الصهيونية مبكرا فاعتبرت (ارضك يا اسرائيل من الفرات الى النيل) وهي منطقة تتوفر فيها متطلبات قوة عظمى، لتعويض النقص الخطير في ارض فلسطين، فالمشروع الصهيوني لايقوم الا على جثث المشروع النهضوي العربي وبموارد العرب.

 

2- اسرائيل الشرقية: بلاد فارس فقيرة جيوبولتيكيا ارض هضابية تفتقر للارض الصالحة للزراعة التي لاتتجاوز ال15% من مساحة بلاد فارس وهذه النسبة لاتوجد مياه كافية لارواءها فتبقى اراض شاسعة بلا زراعة، ويعترف شاه اسرائيل الشرقية في كتابه (رد للتاريخ) بانه اذا لم تمطر السماء لسنتين متتاليتين فان القحط والجوع سيحلان، وهذه الحقيقة الجيوبولتيكية تفسر لم كانت هجرة وغزوات الفرس تاريخيا الى الغرب اولا لان العراق غني بالمياه والارض الزراعية وهما شرطان حتميان لاقامة امبراطورية عظمى. اما ضم الاحواز الى بلاد فارس فهدفه توفير ثروات طبيعية: نفط وغاز ومياه من الاحواز العربية. والاقتران الشرطي بين نهوض بلاد فارض وغزوها للعراق ظاهرة تاريخية معروفة سببها تأثيرات الجيوبولتيكا.

 

3- تركيا ايضا تتميز بفقر مواردها العامة ولم تقم وتستمر الامبراطورية العثمانية الا بقوة موارد الامم التي صارت جزء من الامبراطورية العثمانية، فتركيا لاتملك نفطا ولاغازا، ولهذا تحتاج للاسواق والموارد وان كان اقل من الاسرائيليتين الغربية والشرقية. اما الجانب الاخر المهم جدا فهو ان تركيا حتى وان توفرت امكانية نهضتها فهي نهضة مشروطة في استمراريتها وتوسعها بوجود اسواق مفتوحة لها في الخارج وكانت تراهن على عضويتها في الاتحاد الاوربي طوال عقود اما بعد ان كشف الاتحاد الاوربي عن رفضه لدولة اسلامية تكون عضوا فيه فان المشروع التركي القومي اتجه مجددا للوطن العربي اولا وللعالم الاسلامي ثانيا لتوفير السوق الحتمي لنمو نواة المشروع القومي التركي وبدونه ستموت البذرة الامبراطورية.

 

وهكذا نرى ان الوطن العربي ساحة صراع على الموارد وعلى شروط اقامة امبراطورية او توسعها بين القوى الاقليمية الثلاثة. وليس ثمة اي مجال لاهمال حقيقة ان اضعاف او تقسيم الاقطار العربية احد اهم اهدافه السماح بصعود كل من الاسرائيليتين وتركيا واقامة منظومة اقليمية تسيطر على الشرق الاوسط كله ويوضع في خدمة امريكا واسرائيل الغربية بالدرجة الاولى.اذا نحن بأزاء تعقيدات سببها الاصلي الجيوبولتيكا وهي لذلك تعقيدات خطيرة خصوصا الارتباط القسري بين نهوض المشروعين القوميين لكل من اسرائيل الشرقية وتركيا والمشروع الصهيوني بالاستيلاء الكامل على المشرق العربي ومصر، لهذا نرى ان هذه القوى الثلاثة يرتبط مستقبل مشاريعها التوسعية بالقدره على السيطره على الوطن العربي كلا او جزء وبدون ذلك تفشل هذه المشاريع. وهنا نرى الاسباب الحقيقية للازمات الدورية.

ونتيجة لما تقدم يواجه العرب وضعا خطيرا وهو وجود قواسم مشتركه بين دول اقليميه وتوافق ذلك مع ستراتيجيات دولية امبريالية تجعلهم محاولات متكررة لغزو اقطارهم او محو الهوية العربية وتدمير الامة العربية كلها بسبب تفككهم واسقاط قياداتهم الوطنية ونشر الفوضى الهلاكة وسطهم. واذا اضفنا تحديات الغرب الاستعماري والتي ترتكز اساسا على مطامع استعمارية نجد ان الغرب ممثلا بامريكا ودول اوربية يتحالف مع الاطراف الثلاثة ويقف ضد العرب. ويترتب على احكام الجيوبولتيكا ان النضال العربي من اجل الوحده العربية والتحرر والتقدم يصطدم بمشاريع اقليميه ودولية لن تقوم الا على انقاض المشروع النهصوي العربي الذي يجب ان يدمر كلما نهض.

وهكذا نرى ان الصراع الاقليمي يتميز بسمتين:عدائيه واضحة بين هذه الاطراف من جهة والعرب من جهة ثانية، وامكانية قيام تحالفات مفاجئة وانية واحيانا بطريقة مبرمجه، وهذا ما نلاحظه بشكل انموذجي في العلاقات الايرانيه - التركيه العلاقات التركيه - الامريكيه وفي العلاقات التركيه - الروسيه وفي العلاقات الايرانيه - الروسيه والعلاقات العربية مع هذه الاطراف وفي العلاقات الايرانيه - الامريكيه، فكل هذه العلاقات تتعرض لتغيرات فرعيه وتبدو غير منطقية ويصل التناقض احيانا مرحله الحروب الاعلاميه ولكنها حروب تتحكم بها العوامل الجيوبولتيكيه بالدرجه الاولى وهي اقوى من الانتماءات الايديولوجية لهذه الاطراف.

هنا نسجل ملاحظة جوهرية: فالصراع العدائي العثماني- الفارسي السابق لن يتكرر حتى لو نشبت معارك سياسية بين طهران وانقرة خصوصا بعد ان ثبت من خلال الاحداث في سوريا والعراق وغيرهما ان الاسلام بالنسبه لتركيا واسرائيل الشرقية يخضع لمصلحه قوميه تركيه وايرانية بالدرجه الاولى، وهدف التنافس الفارسي - التركي الحقيقي الان هو كسب المواقع في الوطن العربي وهذه الحاله تشكل مظهرين متناقضين: المظهر الاول هو الصراع على المواقع في الوطن العربي والمظهر الثاني هو التوافق ضد المشروع القومي العربي.

وتزداد الصلات التركيه - الايرانيه قوه لان قادة البلدين يعرفون ان المشروع الامريكي الامبراطوري يقوم على انشاء (شرق اوسط جديد) او (كبير) تلعب فيه كل من تركيا واسرائيل الشرقية دورا محوريا الى جانب اسرائيل الغربيه، وهذا الادراك من قبل الاطراف الاقليميه يجعلها تتمسك في ان واحد بالصراع والتوافق، فيبقى صراعها منضبطا وتوافقها مقررا دوليا واقليميا. وما سبق يقدم تفسيرا واضحا للتنافس الايراني -التركي القائم ظاهريا على التناقض الطائفي بينهما ولكنهما ينتقلان متفقين كما يتضح الان من التناقض الطائفي الى صراع استراتيجي ليس بينهما بل مع المشروع النهضوي العربي الذي اذا تقدم ولو قليلا ياخذ من مساحه الطموح التركيه الايرانيه - الاسرائيلية، فنهضة العرب وتوحدهم تحت قيادة كارزمية قوية تنظر اليها هذه الاطراف على انها تحرمهم من مناطق تعد جوهرية لتحقيق اهدافهم القومية العظمى.

والعامل الذي يشجع ايران و تركيا على تعزيز علاقاتهما هو وجود ظاهرتين مهمتين جدا: ظاهرة تدهور مكانه امريكا وهي اللاعب الرئيس الان في المنطقه مما يجعل الظاهرة الثانية طبيعية وهي بروز روسيا والصين وتعاظم دورهما فيدفع ذلك الطرفين الايراني والتركي لاقامه علاقات قويه معهما ليس فقط للتخلص من بعض الضغوط الامريكيه ‏بل وايضا للاعتماد على قوى دوليه صاعده لتحقيق مكاسب ستراتيجيه كبيره، ومرة اخرى يظهر تاثير الدور العربي على هذه المعادلات فكلما تراجع الدور العربي زادت شهية اسرائيل الشرقية وتركيا لتوسيع نفوذهما على حساب العرب، ويكفي ان نتذكر بان تركيا واسرائيل الشرقية كانتا تتجنبان استفزاز العراق قبل الغزو خصوصا بعد الهزيمة الكارثية لطهران في حربها ضد العراق.

ومما يلفت النظر ويزيد القلق العربي العام ان تركيا واسرائيل الشرقية تستغلان مقتل جمال خاشقجي بطريقه صادمة: ففي اسرائيل الشرقية اصبحت قضيه خاشقجي قضيه لطميه تشابه اللطميه على الحسين، يبكيون بحرقة على خاشقجي باللغة الفارسية نكايه بالسعوديه وسعيا لتقسيمها، اما تركيا فانها حولت قضيه خاشقجي الى ام القضايا، بل وصل الحال الى حد تهديدات تركية للسعوديه برفع قضية خاشقجي الى المحافل الدولية لمعاقبة السعودية وهو تطور لايعني الا نتيجة واحدة: تقسيم السعودية وغزوها وانهاء الكيان الوطني السعودي كما حصل للعراق مثلا، في حين لم تهدد تركيا باستخدام هذا السلاح ضد اسرائيل الغربية رغم كل جرائمها البشعة الان ولا ضد اسرائيل الشرقية رغم احتلالها لاقطار عربية! وهذا التصعيد يعيد التذكير بالدور التركي الفعال في تدمير ليبيا! ولابد من تأكيد ان رفض تركيا تنفيذ العقوبات على اسرائيل الشرقية موقف يساعد على انقاذ نظام الملالي من خطر مميت ويبقي الظلم الايراني على العرب في كامل قوته!

فكيف تحول الصراع التركي - الايراني الذي صور على انه حقيقي ورئيس الى حالة التوافق شبه الكامل في الوقوف ضد العرب؟ ليس هذا كل شيء في تعقيدات الصراع فامريكا ورغم كل الحملات الاعلامية المعادية لاسرائيل الشرقية تنفذ خططا كلها تصب في صالحها، فالعقوبات والتهديدات مع تعمد افراغها من من قوتها الفعلية تؤدي الى نتيجة واحدة وهي تجميل صورة اسرائيل الشرقية بعد ان تقبحت، بجعلها تبدو كمن يقاوم امريكا واسرائيل الغربية(!) وهي ليست كذلك في الواقع، وهذه اللعبة تتكرر فكلما غطى السواد وجه نظام الملالي قامت امريكا بلعبة تجمل فيها صورتها وتمنع عزلتها!

ولابد من الانتباه الى ان تغيرات الموقف الامريكي تجاه اسرائيل الشرقية وتركيا فهي تخضع لنفس القاعدة فالخلافات تصل حد تصور وقوع الحرب بين امريكا وتركيا او بين امريكا واسرائيل الشرقية لكننا نفاجأ بظهور حل يمنع تفجر اي صراع عدائي بين هذه الاطراف الثلاثة والسبب كما قلنا انها كلها اعضاء في الشرق الاوسط الجديد او الموسع، ولهذا فكل ما يجري بينها ما هو الا لعبة عض اصابع وكسب منافع خاصة.

هل يستطيع الحكام العرب اكتشاف وملاحظة هذه الطبيعة التي تتضمن التناقض والتوافق في ان واحد؟ واذا لم يستطع بعض القاده العرب اكتشاف هذه الجدليه المعقده فما هو مصير العرب ومستقبلهم؟ الانظمة العربية وحدها هي التي تبدو ساذجة ولاتعرف ما يجب ان تعرفه عن تعقيدات الوضع وكيفية حصول التبدلات بكافة اشكالها، ولهذا فاغلبها (مثل الاطرش بالزفة) وهو بالضبط مايخدم الصهيونية الامريكية والقوى الاقليمية الطامعة في ارض العرب وثرواتهم.

Almukhtar44@gmail.com

22-12-2018

شبكة البصرة

السبت 14 ربيع الثاني 1440 / 22 كانون الاول 2018

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط