بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

في ذِكْرى اسْتِشهاد القَائِد الخالِد صَدَّام حسين (1)

ومَضَاتٌ قَصِيرَةٌ في السِفْرِ الخَالِد للشَّهِيد صَدَّام حُسَين

شبكة البصرة

الدكتور عباس العزاوي

انقَضت اثنتا عشرة سنة تَحَمّلنا فيها من الألامِ والمآسي الكَثير والكَثير.اثنتا عشرة سنة مَضت تأجّجَت فيه مَشاعر الشُعوب العربية، الشُعوب الغاضِبة، لما يجري على أرض العرب، وأحداث وضَعَت الأمّة في مَواقفٍ تاريخيةٍ صَعبة. مَضَت سِنين من الزَمن المَنزوع منه البَرَكة والخَير بعد رحيل صدام حسين، أعقبته سَنوات عِجاف خانِقة كانَ العراقيّون في هذه السِنين مَنقوعين في العُنف والفَوضى، سنَوات رَهيبة من القَتل والتَدمير،حَربٌ حقيقيةٌ تَعاوَنت فيها كُلّ شياطين الأِنس والجِنّ من يهود وفُرس وجمَاعات الارهاب الصَفَويّة/الداعِشيّة، جَماعات هَبَطت عَلينا فُجأة وكأنّها قُوّات مَحمُولة جَوّاً، بُحورٌ من الدَّم أُرِيقَت في رُبوعِ العراق، لا نَدري فقَد يَنتَهي الزَمان قَبلَ أن تَجِّف دِماء العِراقيين هذه. هؤلاء المُتَرّبصُون والحاقِدون على العِراق فَكّروا ودَرَسوا وخَطّطوا واعتَمَدوا مليارات الدولارات، وتَحالفوا مع المُهيّجين والمُستَفيدين وهمُ كُثَر. مَعرَكةٌ شرسة فُرِضَت على العراقيين. فدارت بالعراق الدنيا دَورتها اللعينة، واضطربت الارض من تحته، حتى اصبح رغم عنفوانه وشموخه وتاريخه العريق، لا يملك أيّة قُدرة على أن يحقق شيئاً، بعد أن حُوصِر من كل اتجاه ومكان، حتى شمل لقمة العيش، ففعل الطغاة فعلتهم،وظلم الظالمون، وأوسع العدوانيون عدوانهم، عملوا كل ذلك بغرور وحمق ووحشية.

ولكن لم يستسلم العراق أو يسقط، رغم هَول وجسامة الهجمة الأمريكية الصهيونية وشراستها، وبقي العراق قويّاً، شامخاً، بفضل حكمة ودراية القائد صدام رحمه الله، رغم ما كان في جعبة الأوغاد أعداء الأمة من خططٍ قاهرة، وأساليبٍ قذرة، للإضرار بالعراق وأيذائه وتدميره، ومحاولة النيل من كرامة شعبه واذلاله. وتجّرع العراقيون قسوة ومرارة الحصار الظالم الجائر، فتسرب الألم الى نخاع العظم، لكن القائد وشعبه لم يركنا أو يضعفا، ولم ينحنِيا، بل زادهما كل هذا العدوان والحرمان والتجويع الذي لم يسبقه في التاريخ الانساني ما يماثله قوَّة وصلابة. وهذا ما حَيّر أعداء الأمة واستفزهم، فكان لا بدّ لهم من الانقضاض على العراق العظيم وقائده الفذّ وشعبه الأبيّ، بعدوان عسكري مباشر، أدى الى احتلاله في العام 2003م.

تمرّ علينا، الذكرى الثانية عشرة لرحيل الفقيد الشهيد صدام حسين، في ذمة الله، الحَكَم العَدْل، ففي مثل هذه الأيام رحل الفقيد، في مشهد مهيب، على أرض الله وفي القلوب والعقول والنفوس، لأنَّ المُحتَّل وأعوانه يأبون أن يُوارى الشهيد في ثراه بجحافل ليس لها آخر من الشعب العراقي. مشهدٌ خانق غمرته مشاعر الحزن والألم، وَدّعت الأمة العربية وجماهيرها، القائد العملاق الكبير، الشهيد الخالد صدام حسين. فأحتشدت القلوب المؤمنة المحبة له، لتوديع الراحل الكبير الى دار البقاء، دموعهم تفيض، وقلوبهم تتفطّر، وتتوجع وتدمي.

لا تفارقنا ذكريات الفقيد الانسانية المشهودة لهذا القائد التاريخي العظيم. لقد أهتزَّ الوجدان، وانخلعت له القلوب، حزناً لهذا المصاب الجلل، لرجل القيمة والقامة الكبيرة، بكاه العراقيون الشرفاء، والعرب الأوفياء، صدام حسين الذي أراد بالعرب أن ينطلقوا الى عنان السماء، فقد أحبّ الفقيد الشهيد شعبه العربي وأمته حباً يرقى لمستوى العشق، وخدم العراق والأمة، هو صدام العرب، الذي صبر وأعطى، وقدّم وأوفى. وللفقيد دَّين في عنق كل عراقي شريف، وعربي أصيل، دَّين يُساوي عَشرات السِّنين مِن عُمر الفَقيد قَضاها في خِدمَة أمته العربية، غادَرنا الفَقيد بَعد رِحلة طويلة مِن الكِفاح والمُجاهدة، حافِلة بالتَضحِية والعَطاء، وبرحيله عن الدنيا، تكون قِطعة مِن كُل قلب لدينا قد خُلِعَت وجَفاها النور، ذلك أنّ الراحل الكبير، كان جزءاً مهماً من وجداننا، وساهم في تشكيل وعينا العربي، تَركَ بَصَمات واضحة مُعَطّرة في كل شبر من أرض العراق وامتدت مكارمه الطيبة الى أبعد نقطة في الأرض العربية، ندعو الله تعالى، أن يفيض عليه من واسع رحمته، وكرمه ومغفرته، وأن يُلهم مُحِّبيه وعاشقيه، الصَبر والسُلوان على هذا الفراق الأليم. أقول، غادرنا الفقيد الشهيد صدام، ورحل الى جوار ربّه، في جنّة الخلد، تاركاً سجلاً حافلاً بالأفكار والمواقف العظيمة التي لاتُنسى، وآثاراً ستبقى شاهداً على انجازات هائلة، ترك سجلاً حافلِاً بالمَجد والفخر، هي شهادة له لن تُنسى على مَرّ الزَمان. أما وقَد رَحَل صَدَّام حسين بعد حياة حافلة بالانجازات والعطاء، فأننا نرى لزاماً علينا أن ننحَني أحتِراماً واجلالاً لذِكرى هذا القائِد العظيم. رَحلَ صَدّام حسين بجسده الطاهر الشريف، لكن أفكاره واعماله ومواقفه ستظل كالبنيان الشاهق الشامخ، كالواحة الخضراء في أرض جدباء، ستظل تُحاكي الزَمان، وتظل أثَراً من مآثر قائد عملاق، عربي أصيل، يَندُر أن يَجود الزمان بمثله، رَحلَ عنا القائدُ صَدَّام، الذي أصبح العراق في عهده، واحة خضراء خِصبة، واحة للأمن والأمان والرقي. سيظل صدامٌ نجماً ساطعاً في سَماء الأمّة، وعُنواناً للعِزِّ والفِخار بلا مُنازِع. أنّ أصحاب القامات العالية، لا يَرحلون الاّ بأجسادِهم، لكنَّ اسماؤهم وآثارهم تظل ساطعة في فَضاء الأمّة، ومحفورة في كُتب التاريخ الأمِينة المُنصِفة، مهما طالَ العَهد لحُكم الضَلالييّن، والظَلامييّن، من الخَونة والمتآمرين. يحضرني قول الشاعر العربي:

كانوا رجالاً وكانوا للورى قَبَساً *** وجذوةً من ضميرِ الحقِّ تشتَعِلُ

رَحَلَ عَنّا صَدَّام حسين، ولكنّ الدُعاء له يَصِل فيما بيننا وبينه، وإنْ كنا صُدِمنا برحيل القائد الخالد، فقناعتنا لا تهتَّز بأنه باقٍ معنا وما بعدنا لأجيال قادمة، الى ماشاءَ الله، باقٍ بأفكاره السَديدة، النيِّرة وحكمته، واسهاماته النظرية والفكرية وأفعاله الخيِّرة ومكارمه، وكيفَ لا يَبقى في قُلوبنا وضَمائرنا وعُقولنا وهو مَن لفَت انتباهنا الى قيمَتنا وقَدَرنا كعراقيّين ننتمي لأمة عربية واحدة، كانَ يُؤكِّد لنا دائماً، أنّ عَظَمة العراق، لا تَكمُن في اسمِه وتاريخه المَجيد حَسْب، بل في ابناءه المُخلصين، وليسَ في شيءٍ آخر، رَفَع هامات العراقيين على الرؤوس، وعَلَت مَكانة العراق في عهده، وتَألّق بين الشعوب والدول والأمم، رغم أنّ فِراقه قد برَّح بنا واحساسنا بأنَّ أرض العراق قَد جَدَبت من بعدهِ وجَفّت الأنهار والسَواقي، لكنَّ الأمل في رحمة الله تعالى أن يكون القادم من الأيام فرَجاً قريباً، يرفع فيها الله الغُمَّة عن العراق والأمة العربية.

غادرَ كثيرون، فصَاروا نَسْياً مَنسِيّاً، أمّا صَدَّام حسين فلم يُغادِر القُلوب والعُقول ابداً، كان رَحِمهُ الله مَدرسة تاريخية يَنهل مِن عُلومها ومَعارِفها مَن يَشاء، خَرّجت وأعَدّت رِجالاً أكِّفاء كثيرين في كُلِّ شؤون الحياة، وفي ذِكراه الغالية، وأذْ نحن في غاية الحُزن والأَسى العَظيم لفقده، لا أجِد ما أتَمَثّل به الاّ ما قالهُ رَسولنا الكَريم مُحَّمد صلى الله عليه وسلم عِند وفاة ابنه ابراهيم :(أنّ العينَ لتَدمع، وأنّ القلبَ ليَحزن، ولا نَقول الاّ ما يُرضي رَبنا الرَحيم:{أنّا لله وأنّا اليه راجعون}، وأنّا على فِراقِك يا ابراهيمَ لمَحْزونون).

أقول أنَّ الحَقيقة المَوجودة في الدنيا، التي اتَفقَ عليها كُلُّ البَشر مُنذ بِدء الخَليقة هي المَوت، وفيما عَداه أختَلفوا في كُلِّ شيء، وعلى كُلِّ شيء، والمَوتُ حَقٌّ، والحياة الدُنيَويّة زائلة لا مَحالة. والأمانة تقتضي منا تَقيّيم مَسيرة هذا الانسان الراقي، وما قدّمهُ من أفكارٍ وأفعال، ومَواقِف خَيّرة طَيّبة، وتظل الحَقيقة التي نؤمن بها، أنّ الشَدائِدَ والمِحَن، هي ابتِلاء واختِبار مِن الله تَعالى، لا رَادّ لهُ ولا اعتِراض عليه، حتّى يَحِلّ المَوت ويأتي القَضاء المَحتوم.

كانت الدنيا في ما مضى، تسعى اليه وتجيبه لما يبتغي وما يريد فيما يرضى به الله والناس، أمّا الآن فقد دمدمت وزمزمت هذه الدنيا الغرور، الغدور، كما قالت العرب: اذا أقْبَلَت باضَ الحَمامُ على الوَتَدِ، واِن أدبَرَت بَالَ الحِمارُ على الأسَدِ! يقيناً، لم تضِع في هذه الدنيا جهوده واجتهاده، تضحياته وتفانيه، فهي محفورة في وجدان كل عراقي وعربي أصيل، وفي أشَّد المحن والظروف لم يضعف صدام، لأنّ قلبه خالص النيّة والنوايا، كما هو خالص القول والفعل.

أنّ الفقيد صدام حسين، له الكثير، الكثير مما يُحسَب له ويسجله التاريخ بأحرف بياضها ناصع، ونورها ساطع مما يمكن أن نغترف من معينه الثَّر وهو يُضاف لتراث الأمة المشرق الذي لا ينضب، أنّ الشهيد لم يكن ليملك قلباً مضطرباً، أو عقلاً مختلطاً، ولا نفس مفرّقة،أو خيالات مشرّدة، بل كان رجلاً متوازناً، معتدلاً، كيِّساً، نافذ البصر والبصيرة، هو مثال للمتعظين، والمعتبرين في الدنيا. هو صدام قائد أمّة، من الرجال القلّة، النادر وجودهم في تاريخها، فهو مثال الرجل اللبيب، الحازم. ويقيناً انَّ ما جرى للشهيد صدام، لم يكن استثناءاً أو نشازاً، في التاريخ العربي والانساني، فقد سبقته الكثير من القصص والعبر منذ أن نشأت الخليقة، ولن تكون قضية صدام حسين هي الأخيرة في التاريخ البشري رغم تفرده وتفردها.

لم يكن صَدَّام، رَذل الطَّبع، موبوء القلب، ولم يكن فظاً غليظ القلب، يقول الحق سبحانه وتعالى مخاطباً سيد البشرية ورسول الهدى: (ولو كنت فظَّاً غليظ القلب لإنفضُّوا من حولك) آل عمران آية 159، كان رحمه الله وطيَّب ثراه يغدق خيراً على كل العرب، فترك بصمات من زروع للخير في الفكر والعقيدة والعمل والمآثر.

اننا، ومعنا كل العرب الشرفاء، نذكر له وعنه، كل شيء، كما نذكر أنفسنا، أنّ مواقفه القومية العابرة للحدود والحواجز والاسلاك الشائكة، كثيرة ومتسعة. كان اغتيال صدام حسين، وتدمير العراق، وتشتيت شعبه، هو ردٌ عملي خبيث وشرير لما جرى في ثمانينات القرن الماضي، عندما مكّن الله العراقيين، عباده الأشدّاء، من الفرس الصفويين فجاسوا خلال الديار الفارسية، ومنع القائد صدام النظام الايراني الخميني المشؤوم الحاقد، من اقامة مشروعه الامبراطوري الخبيث، الذي يقوم على التوسع، وبسط النفوذ في كل المنطقة العربية، بطابع طائفي فارسي شرير. فأوقف الرئيس صدام رحمه الله، زحف الفرس باتجاه أرض العرب، وانكسرت شوكة الفرس، وانتصف العرب من العجم للمرة الثانية، في قادسية العرب الثانية قادسية صدام المجيدة. لم تكن للفرس في عهده الجرأة والتطاول للتوغل في الاقطار العربية انذاك، أما اليوم فلننظر بوضوح لهذا الاحتلال والتوسع العدواني في أرض العرب، في العراق وسورية واليمن وأقطار الخليج العربي. حتى طالت أطماعهم ودسائسهم أرض مصر، من خلال جماعات الارهاب الأسود؟ أنّ أحفاد كسرى الفرس اليوم يُقيمون ولائمهم، ويحتسون خمرهم في مجالس الحاكمين بأمر المحتل الأمريكي في المقرات التي كانت عرين أسد العراق والعروبة، صدام حسين!في بغداد حاضرة الدنيا، وعاصمة الخلافة العربية؟

لقد كان الفقيد الشهيد خيمة تُظَلِّل كل العرب، وجداراً صلباً، تتكسر عليه سهام الفرس الطامعين في أرض العرب، ولست أجد وصفاً يناسب مقدار حب صدام حسين للعرب والعروبة، غير أنَّه عُشقٌ تجاوز حدود المحبة التقليدية التي نعرفها، عُشقٌ عذريٌّ يجري في عروقه ودمه.

بدأ حياته ونضاله، من أجل العراق والأمة، وهو في ريعان الشباب، ودخل في صراع وكفاح طويلين، في مواجهة الطغاة والظالمين، وفي تحقيق حلم الاجيال العربية، بالوحدة والحرية والكرامة والرفاهية الاجتماعية والاقتصادية، كان حازماً جسوراً في مواقفه القومية، وفي آراءه ورؤاه، ترك الشهيد بصمات واضحة لن تُمحى أو تزول في الوجدان والضمير العربي.

نهض صَدَّام حسين بواجبه الوطني والقومي، شاباً، فجاهد ذائداً عن امته، متحملاً ألوان البلاء والبأس، وأنواع الشقاء، وأُودع المعتقلات لأكثر من مرة، قبل أن يقود ثورة 17-30 تموز المجيدة في العام 1968م.

وأُدخِل المعتقل للمرة الثانية والأخيرة، بعد أن تم أسره من قبل قوات الاحتلال الأمريكي الغاشمة، وكأنَّ الشهيد قد خُلِق للنضال من أجل العروبة بأمتياز، فأقبل عليه، وجدّ وأجاد فيه، وظفر بقيادة راشدة حكيمة في ادارة وقيادة العراق، عندها نهض بأعباء قيادة الشعب، فكان يصل الليل بالنهار، تارة في مكتبه الرئاسي، وتارة بين ابناء شعبه، في المزارع والحقول، والمعامل والمصانع، والمدارس ودور العلم، وفي الاسواق ومساكن المواطنين.

في عهد صدام حسين، كان العراقيون شعباً واحداً موحداً، متآلفاً، متماسكاً، وليس شُتاتاً مبعثراً، كما هو حاله اليوم، في عهده كان الناس في أمنٍ وأمان، في دولة يحكمها القانون والنظام، والحق والعدل، كانت كرامة الناس محفوظة، مُصانة، لم يكن في العراق ملايين العاطلين، كما هو حالهم اليوم،.فالكل يَجِّد فيما يشتغل به ويملأ عليه حياته، فلا وقت للفراغ، ولا وقت للهو واللعب. كانت دولة صدام حسين، مُلزَمة ومُلتَزمة بتهيئة فرص العمل الكثيرة والمتعددة، في كل الصنوف والاختصاصات، لحملة الشهادات وسواهم، من العراقيين وأخوتهم العرب أيضاً ففي عهده كان العراق قد فتح ابوابه مُشرعة لأشقائه العرب للعمل في بلدهم العراق. وهنا تستوقفنا كلمة أحد الأشقاء العرب في مجلس النواب الأردني قبل أيام وفي مقارنة بين حال الأردن الشقيق بالأمس في عهد الشهيد صَدَّام وحاله اليوم فيقول: بالأمس عندما مرَّ الأردن في ضيق لم يُقرِض صَدَّام الأردن مالاً كما يفعل العرب اليوم، بل قال لأشقائه في الأردن: نحن في العراق نقتسم معكم (القدر)، هكذا هو موقف صَدَّام من أمته العربية.

في ذكرى استشهاد صدام حسين نستذكر قصة رجل أحبّ شعبه وأمته أكثر من حبه لنفسه وولده، قصة رجل افتدى وطنه وأمته بعمره. كان الشهيد مؤمناً باننا خُلِقنا من تُراب، وسنعود اليه، فنقابل وجه ربنا العزيز، بقلبٍ خاشعٍ، وروح نقية طاهرة، وطريقنا الى ذلك اليوم قصيرة، وزمنها ضئيل جداً، وأنّ مسافتنا بين المَهد واللَحد قريبة، هذا ما وَقِر في قلب الفقيد، كان رحمه الله من القادة الذين يَتَعَزّون عن النَعيم المُقيم، والمَلَذّة المُلِحّة، بالمُجاهدة والعَمل الدؤوب، ومَن كان مشغولاً بشعبه وأمته، في عقله وقلبه ومشاعره وسلوكه، مِن أين له أن ينعم بالترف أو الملذات؟ وهو ليس مِن أولئك الذين يَتَعزّون عن الشعور بآلام الناس، بالنَسَمات الخُفاف، وبالمَلذّات والمُتَع.

أقول،أنا لا أعرف الرَّجَل أيَّ رَجُل الاّ بخصلة واحدة، هي الشجاعة مُغلَّفة بالايمان والحق، والحب للأهل والقوم الذين يَنتمي اليهم، فهو منهم وهم منه، وأنّ الرجل الحق، هو مَن يستحي من ضميره، حين يجنّ عليه الليل، قبل أن يستحي من الناس، وهذا كان شأن صدام حسين.

قالت العرب: (اِذا أقبَلَت جُرَّت بِشَعرةٍ، واِن أدبَرَت تَجُرّ السلاسِلَ)، هكذا هي الدنيا عندما يتوغل الشر، ويستشري الحقد والبغض والكراهية العمياء، فالمؤامرة الصهيونية الفارسية، كانت جسيمة قاهرة. أنّ الحوادث والخطوب، تعبث بالقلوب والعقول، مهما كانت صلبة، متماسكة، رصينة، ومهما كانت متينة الأقفال، وأنّ ساعة من الدهر تأتي على هذه القلوب، فتذيبها أو تحيلها هباءاً منثوراً تذروه الرياح، فقد سبقت الشهيد صدام قلوب محكمة الاقفال، احتبست من المرارة ومن الألم والحسرة الكثير، الكثير، ومن الحزن والقهر الكثير، كما حصل مع القائد العربي الراحل عبدالناصر رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، صدام حسين، كان يستوعب كل محن الدنيا وخطوبها، وهموم العراقيين والعرب وآلامهم، وقضايا امته، وارهاصاتها الكثيرة. لم يحدث في قلب الشهيد صدعاً أو شرخاً أو ثقباً، لينفذ اليه اليأس والضعف،أو الخوف، في أقسى وأهول الظروف المفروضة، بل كان ينفذ اليه ضوء ساطع، يبدد الظلمة التي كانت تراود وتحاكي النفس عند اشتداد التآمر والعدوان، ضوءٌ يبدد هذه الظُّلْمَة ويحيلها الى بريق أمل منظور بالتغيير فَيَسْلك الشهيد خطاباً هو الأقرب والأمثل لردع هموم الأمة ومشكلاتها المستعصية، فالامة فوق كل اعتبار في منظور صدام حسين.

الفقيد الخالد صَدام لم يكن في شخصه جُموحُ أو جُنوح، ولا أعوجاجٌ أو إلتواء، لا في الفكر ولا في التطبيق والممارسة، لا في الغاية ولا في الوسيلة، لم يؤشر على صدام، انحراف عن جادة الصواب، أو يسجل عليه طموح نحو الشر، ولم يكن متسلطاً على رقاب الناس، أو يعتقد أنه وحده الماهر الماكر، وما عداه دون ذلك.

لم يكن صدام ليعتقد أنه الرجل الأوحد، وأنّ غيره هم أغرار مُحمَقون، لا يفقهون، كان دائماً يكرر مقولته التي يؤمن بها، وهي أنه رجل بين الرجال وفارس بين الفرسان، كانت نفسه سمحة، يسيرة، وما ينطق به لسانه انما يصدر من اعماقه، من قلبه، لذا كان يجد طريقه مباشراً الى قلوب سامعيه، وما كان يتحدث به، لا يجد الأخرون مشقة في فهمه وادراك ما يريد. وليس هناك جهد أو عناء في تقبل خطابه، كان يتحدث دون إلتواء، أو تعقيد، ولم يكن ليتحدث بالألغاز، أو الرموز، بل كان واضحاً، جريئاً، صريحاً. لم تحّط من قدره الاحداث، ولم يهبط الى الدرك الأسفل كما هوى وهبط الكثيرون.

لم يعتبر صدام نفسه سيداً، والناس عبيداً، ولم تثنِ الاحداث الجسام والخطوب القائد صدام عن مشروعه الحضاري القومي والانساني النبيل، رغم ما تعرّض له من ايذاء وضرر من أعداء هذا المشروع الحضاري، هان صدامٌ على نفسه ولم يهن على اهله، وكان رحمه الله يعتبر الموت فرجاً من حرج، وسعة من ضيق، ولم يكن ليخشى الموت أو يهابه.

لقد رأى العالم كله جلسات المحكمة اللاشرعية للفقيد ورجال نظامه الوطني والقومي، التي استمرت لأكثر من ثلاث سنوات، والشهيد يصول ويجول كالأسد الشرس في قفص الأسر، فلم يظهر عليه أنه كان مستكيناً، أو خائفاً، يخشى الموت. وعندما كان موعده مع حبال مشنقة الصهاينة والفرس، وأمام مرأى ومسمع الملايين في العالم، كان هو مّن يتقدم الى مشنقته، هو مَن يمسك ويشدّ بسَجَّانيه ويسحب بهم الى المشنقة، رفض أن يُغطوا وجهه الكريم بالقناع المعهود، فليس صدام حسين بحاجة لما يحتاجه غيره، كان صلباً، شامخاً، أبياً، قانعاً، أعلن الشهادتين، وقبلهما أطلق عبارته المشهورة (عاشت الامة العربية المجيدة وعاشت فلسطين حرة عربية وعاش العراق).

لله درك يا عزّ العرب، وعنوان فخرهم، وتباً لأعداءك من صهاينة وفرس صفويين.

كان الشهيد، يريد بالأمة العز والمجد والفخر، كان يريدها أمة يهابها الأقوياء، ويستظل بها الضعفاء، أمة خصبة، راقية، تنشر النعمة والخير من حولها لكل الدنيا، تمد البشرية بأسباب الحضارة، لا كما حالها اليوم، أمة منزوية، متهالكة، متضاءلة، تحيا في هامش الامم، لا تستطيع النهوض بأهون اعباءها، وأيسر شؤونها، هيّنة الشأن، تنظر اليها الأمم نظرة اشفاق وترَّحم.

5/1/2019م

شبكة البصرة

السبت 28 ربيع الثاني 1440 / 5 كانون الثاني 2019

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط