بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

في ذِكْرى اسْتِشهاد القَائِد الخَالِد صَدَّام حسين (2)؛

شبكة البصرة

الدكتور عباس العزاوي

قِيَادَة صَدَّام حُسَين (العَمِيقَة).. قُوَّةٌ وهَيْبَةٌ ومَكانَة فِي أُمَّةٍ عَمِيقَة

انَّ في حياة الشعوب والأمم رجال لن ينساهم التاريخ، ولا تُمحى صورتهم من ذاكرة شعوبهم، فهؤلاء الرجال كانوا السبب في نهضة وازدهار بلدانهم التي منحوها هيبة وقدرة وقوة وكانوا يتقدمون الصفوف في أوقات الشدائد والمحن. وهناك رجال يُرهبون عدوهم بالقول قبل الفعل، لأنَّ قولهم هذا كالسيف في وقعه عليهم، فترتعش له نفوس أعداءهم وترتجف منه قلوبهم، فلننظر الى وقع كلمة خالد بن الوليد، القائد العربي المسلم حينما أرسل الى كسرى ملك الفرس قبيل معركة القادسية الأولى، في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وجاء فيها:(أسلِم تسلم، والًّا جئتك برجال يُحبون الموت كما تُحبون أنتم الحياة)، فإرتعدت فرائص كِسرى فزعاً وخوفاً، وطقطقت عظامه رهبة ورعباً. فلما قرأ كسرى الرسالة أرسل الى ملك الصين يطلب المدد والنجدة! فردَّ عليه ملك الصين قائلاً: يا كسرى ليس لي قوة بقومٍ لو أرادوا خلع الجبال لخلعوها!. فأي عِزٍّ كنا فيه نحن العرب، وأي رجال كانوا في مقدمة معشر العرب المسلمين في مواقفهم وأفعالهم. فالرجولة هي أخلاق ومبادئ وقيَم يتحلى بها الرجال تصاحبهم طوال رحلة عمرهم، مثل هؤلاء الرجال قلَّة في زمن كثر فيه الرجال عدداً لا قِيَماً ةقدَراً ومواقف. وهنا نذكر كيف أنَّ الفرس الصفويين لم يتجرأوا على العراق والأمة في عهد القائد الشهيد صَدَّام وبالتحديد في تسعينات القرن الماضي وما تلاها، رغم انخفاض قوة العراق العسكرية في التسليح والعتاد، بسبب الحصار الجائر، لكنَّهم يعلمون علم اليقين أنَّ أي محاولة منهم في ذلك ستفشل بفضل وجود القائد صَدَّام حسين ومن ورائه جيشه الباسل وشعبه الأبيّ.

عندما نعيد قراءة تاريخ العراق فإننا سنجد في هذا التاريخ من فجر التكوين ثم العصور الآشورية والبابلية في بلاد الرافدين، والعصور الإسلامية وما تلاها، سنجد الكثير والكثير مما نفخر به ونعتَّز، فالتاريخ يشهد لهذا البلد العريق والأمة التي ينتمي اليها، أنَّهما قدما رجالاً وخبرات بشرية غالية لا تقدر بثمن، ليس في خدمة العراق والأمة حسب، بل في خدمة الانسانية جمعاء، وإن كان الكثيرون في عالم اليوم يعاملون العراق والأمة بالغُبن وعدم الاعتراف بالفضل العظيم لهما في تاريخ الانسانية، هذا العالم الذي يَدَّعي التحضر والتمدن، وهو أقرب في حقيقته للتخلف والجاهلية.

في تاريخ الأمة رجالٌ لهم مواقف كثيرة نتذكرها وصورها محفورة في ذاكرتنا نحن العراقيون والعرب وليس بالإمكان نسيانها، وهل الحياة الَّا مواقف؟ بالأمس كان العراق قوياً شامخاً يتقدم الجمع المؤمن من شعبه وأمته العربية في سبيل الحرية والكرامة والسيادة والتنمية النهضوية، أمَّا اليوم فلم يَعُد العراق كما عهدناه، وكما عرفه العالم في القرن الماضي. فقد استقوت على الشعب العراق ثلة من الجماعات الطائفية المجرمة التي تسبح في مستنقع الخيانة، تلك الجماعات المتأسلمة من الحثالات والسفليين والفاسدين التي جاء بها المحتل الأمريكي من براثن العهر والقذارة ومعسكرات تأهيل الخونة والعملاء ونوادي العري والخلاعة من أي مكان في العالم، وبإسناد مباشر من دولة السوء والرذيلة، دولة الفرس الصفوية الخمينية الشريرة، وللأسف فالأقوياء من أمثال الحاكمين بأمر الولي الفقيه في طهران، وإن كانوا على باطل، يزدادون قوة والضعفاء والمهمشين وإن كان الحق معهم ينحدرون في الضعف أكثر، هكذا هو قانون الوجود على هذه الأرض، ودائماً البقاء للأقوى حتى وإن كان ظالماً متجبراً متغولاً مستكبراً.

ويبدو أنَّ حال أمتنا العربية لا يسير بإتجاه هذه القاعدة الآنفة، حيث نستغرب لأمة كالأمة العربية كيف تكون موجودة وتمتلك من أسباب الوجود والبقاء والقوة ومع ذلك فهي تزداد ضعفاً وهواناً وفي انهيار متواصل منذ رحيل الشهيد صَدَّام حسين، وكأنَّها تتدحرج كالكرة الى المنحدر!

ومن البديهي فإنَّ البلدان والشعوب لا تتقدم فجأة بين ليلة وضحاها، فطريق النهضة والتقدم يحتاج الى جهد وجهاد يسابق الزمن حتى يتم التغيير والبناء والوصول الى ما هو أفضل وأرقى لما يحقق لأي شعب كان يلتمس الحياة المرفهة والعيشة الرغداء، وكان هذا حال العراق والعراقيين في ظل قيادة صَدَّام حسين الحكيمة لهم، فقد شهد العراق مرحلة زاهرة من التقدم الحضاري والثقافي والاجتماعي والعمراني، لم يرَ العراق من قبلها مثيلاً في تاريخه الزاخر بالمجد والبطولة. لكنَّ المتربصون بالعراق وشعبه وقيادته من الذئاب والضباع والثعالب الذين شعروا بخطورة العراق عليهم، وبضعفهم أمام العراق القوي الشامخ، ففعلوا كل ما في وسعهم لإيقاف مسيرته الظافرة في البناء والنهضة، فإفتعلوا الأزمات لهذا البلد العربي الأصيل ولقيادته الوطنية، في الوقت الذي كانت هذه القيادة متمثلة بالشهيد النبيل صَدَّام حسين تعمل ليل نهار لإنجاز المشاريع التنموية النهضوية في جميع المجالات، وعندما يئس الأشرار من قدرتهم على وقف مسيرة هذا البلد العريق، كانت المؤامرة والجريمة التاريخية الكبرى بغزوهم العراق واحتلاله.

انَّ قراءة تاريخ الرجال والقادة العظام الذين أنجبتهم الأمة، وكان لهم الدور الفاعل في وجودها ونهضتها وفي الحفاظ على كرامتها وسيادتها، هذه القراءة كما نراها لا تكون من الأعلى، من فوق قمة الهرم، بل من الأسفل من قاعدة الهرم، بمعنى أن نستقي المعلومة والموقف والرواية لأي قائد ورمز من قادة ورموز الأمة من عامة الناس ومن البسطاء منهم والمُهمَّشين، فهم شهودُ عيان و(اخباريُّون) عن مآثر ومكارم ومواقف هؤلاء الرجال الأفذاذ. ذلك لأنَّ روايتهم سنَدٌ موثوق به، خالٍ من المصالح والدوافع التي تشوِّه الحقائق أو تحرفها فتبتعد بها عن الصواب.

ولا يغيب عن بالنا أنَّ المواقف والشواهد الانسانية هي أعمق في أثرها بكثير من الشواهد على الأرض رغم شموخ هذه الشواهد ووضوحها المباشر للعين، غير أنَّ المواقف الإنسانية تكون في المقدمة منها، لماذا؟ لأنَّ الشواهد المادية والصروح العمرانية على الأرض، وان كانت نتاج وانجاز ذلك القائد والرمز، لكنَّها في ذات الوقت لا تعني فعلاً وموقفاً مباشراً للقائد ذاك، فهي تمثِّل خلاصة جهود وأفعال جمعية من المتخصصين والمبدعين والفاعلين في هذه الشواهد الحضارية، والقائد جزء من هذه العملية الجمعية المشتركة، ويضاف له أيضاً أنَّه هو الموجِّه والمحرِّض لهذه الانجازات. لكنَّ المواقف الانسانية للقائد بصفته وشخصه هي فعل مباشر له وأثر انساني يجدان مكانهما في الضمير والوجدان ويكونان محفورين في العقول والنفوس، ولن يُمسحا من ذاكرة الناس البسطاء والمهمَّشين والذين يعيشون في أسفل الهرم، في قاع المجتمع. وهنا نتساءل كم هي مواقف الشهيد النبيل صَدَّام حسين مع أبناء شعبه البسطاء؟ في الريف والهور والجبل والبادية والسهل وفي المعامل والمصانع والمدارس والجامعات ومعسكرات الجيش وفي كل شبر من أرض العراق العظيم، كم هي مواقفه وأفعاله الانسانية الراقية التي يستذكرها الشيوخ من الرجال والعجائز من النساء؟ لا أظن أننا يمكن أن نَعد ونُحصي هذه المواقف الانسانية الرائعة التي تُضاف لمكارم الشهيد ومآثره التاريخية. صحيح أننا حين نتجول في بغداد العروبة، بغداد الرشيد، بغداد صَدَّام حسين فإنَّ كل الشواهد العمرانية والحضارية في كل مكان من بغداد تؤشر لنا بصمات واضحة للقائد الشهيد، لكن تبقى شواهده الانسانية شاخصة في القلوب والعقول والوجدان الى ما شاء الله تعالى.

قد يسأل سائل كريم : عن سِرّ الحب المتبادل بين صَدَّام والشعب العربي في كل مكان من جغرافية الأمة، وفي هذا وللإجابة على هذا التساؤل وللكشف عن هذا السِرّ نقول، انَّ العلاقة الرصينة التي جمعت بين الشهيد صَدَّام وأبناء أمته الأصلاء، جوهرها يكمن في ذلك العمق التاريخي الذي يشترك فيه العراق والأمة العربية من جهة وصَدَّام حسين من جهة أخرى، فالعراق دولة عميقة جداً بمعنى قِدَم جذوره التي تمتد لأكثر من أربعة آلاف سنة قبل الميلاد، ولو أخذنا قطراً عربياً آخر يوازي تاريخه الموغل في القِدَم تاريخ العراق على سبيل المثال وليس الحصر، كدولة مِصر العربية بإعتبار أنَّهما أي العراق عقل الأمة وذراعها الطولى ومصر رئتها وقلبها النابض، فمصر بلد عميق منذ فجر التاريخ مروراً بالعصور الفرعونية والرومانية والهيلينستية، ثم العصور الإسلامية، فلاشك أنَّ مصر والعراق يمثلان الأمة بلا منازع، فهما دولتان عميقتان في الوجود والتاريخ والحضارة، لذلك فالتجاذب بين شعبيهما أزلي لا ينفصم، وكما جاء في الأثر : فإنَّ شبيه الشئ منجذب اليه، وهكذا هو العراق والأمة فهل رأينا صقراً ينجذب ويطير مع الغربان مثلاً! أو أنَّ غراباً يطير مع الصقور! وتصح هذه القاعدة أن نقيس عليها في ظاهرة حُب صَدَّام للأمة، وحُب أبناء هذه الأمة لمستوى العُشق لصَدَّام حسين، فقد امتاز صَدَّام بقيادة عميقة، هذه القيادة مستمدة من عمق التاريخ العراقي والعربي، وهي كما قَدَّمنا تتناسب وتتفق مع عمق التاريخ العراقي والعربي، قيادته هذه تأتي متوافقة مع عمق الأمة في وجودها وتاريخها ودورها الانساني على مَرّ الدهور، انَّ هذا الحب الراقي الذي يكنّه أبناء العروبة لصَدَّام حسين وحُب صَدَّام لهم، مرجعه شخصية الشهيد النبيل صَدَّام وقيادته الرائعة للعراق والأمة.

مما لا شكَّ فيه أنَّ شخصية صَدَّام حسين، هي ليست شخصية عادية وبسيطة، انَّما شخصيته مركبة ومستقاة من عمق تاريخ بلاد الرافدين، ومستوحاة من نماذج الملوك والقادة الذين أسَّسوا وبنوا صروح الحضارات في بابل وسومر وأكد، ومِن نماذج الخلفاء الراشدين وخلفاء الدولة العربية في بغداد الرشيد، كل هذه النماذج كانت تتمثل في بعضٍ من سماتها وميزاتها وسجاياها في شخصية صَدَّام حسين، وهذا الإستقاء كان في الروح والمعنى والجوهر وليس في الشكل أو الهيكل والمظهر، لقد جمعت شخصية القائد النبيل صَدَّام بين كل أولئك الرجال الأفذاذ، الذين سنمر عليهم سريعاً لنتعرف على أبرز سجاياهم ودورهم الوطني والعربي والانساني، وما كان الشهيد صَدَّام قد استوحاه منهم، ابتداءاً من الملك حمورابي الذي كانت مِسَلَّته أعجوبة زمانه، فهي أول شريعة انسانية متكاملة تحمي المواطن وتحفظ له حقوقه وكرامته، وتفرض على الملك حماية الدولة والشعب من عدوان الغزاة، وكذلك دوره الكبير في توطيد وحدة البلاد، وللشهيد النبيل صَدَّام دوره الفاعل في حماية العراق والأمة من الغزاة وفي توطيد الوحدة الوطنية، وفي حفظ حقوق الناس وكرامتهم. واستقى صَدَّام من نبوخذ نِصَّر ذلك القائد العالمي عبر التاريخ، بطولته وشجاعته وشراسته في الحقّ والعدل، واحترام حقوق الشعب وفي روعة قيادته للدولة، بالإضافة لميزتين أُخريين أولهما:براعة التخطيط في السياسة ووضع الخطط الستراتيجية في الحرب، وثانيهما: أنَّه كان داحِر اليهود في فلسطين والفرس في عقر دارهم، وهكذا كان صَدَّام العرب هو مصدر قلق وخوف دائم للصهاينة في فلسطين المحتلة، حتى كان رحمه الله يقُضُّ مضاجعهم، وصَدَّام هو مِن دَحَر الفرس المجوس وانتصر عليهم نصراً مؤزراً في قادسية العرب الثانية، قادسية صَدَّام المجيدة، يقول الحقُّ سبحانه وتعالى:(يُقذَفون من كلِّ جانبٍ دُحُوراً ولَهم عَذابٌ واصِب) الصافات آية9، وكان لسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أثرٌ كبير في شخصية صَدَّام حسين لما تميَّز به الفاروق من عدلٍ وحرص شديد على الأمة وسيادتها وكرامتها، فصَدَّام لم يكن يستثني أحداً من القانون حتى نفسه، ولجرأة وشجاعة واقدام سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومبدأيته وحرصه على القيَم والمبادئ،أثره في شخصية الشهيد النبيل صَدَّام، والذي كان سيفه يحِزّ رقاب الكفار والمشركين، وهو مَن كان داحِر اليهود في خيبر، أمَّا سيدنا الحسين بن علي رضي الله عنه سِبْطِ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وريحانته، فقد كان أسوته الحسنة في الصلابة والبأس وعدم التراجع عن الحقّ أو الاستسلام، وقول كلمة الحقّ وإن كان ثمنها الروح والنفس. ولِصَدَّام في هرون الرشيد قدوة حسنة في الشجاعة والذكاء الحاد والعاطفة الجيَّاشة الصادقة وفيض الإحساس، وفي نزوله الى عامة الشعب. ومِن المأمون استوحى صَدَّام حبِّه للعلم والعلماء والمبدعين والمبتكرين، حتى كانت الحضارة العربية الإسلامية في أوج ازدهارها في عصره، ومِن يقرأ تاريخ الشهيد صَدَّام تستوقفه تلك الحفاوة والإهتمام المفرط بالعلم والعلماء، وليس أكثر من تلك الصروح العلمية والبحثية في كافة المجالات وخاصة الطاقة والذرة شاهداً على ذلك والتي كان الشهيد يشرف عليها بشكل شخصي مباشر. وكان للمعتصم بالله أثره في ثلاثٍ من سجاياه وخصائله النبيلة، في شهامته ونخوته وغيرته على الأمة، فهل وجدنا مثل شهامة ونخوة صَدَّام حسين وغيرته على شعبه وأمته العربية؟

هكذا اجتمع كل هؤلاء الرجال والقادة التاريخيون العظام في شخصية صَدَّام حسين، أفلا يحق لنا أن نصفها بالشخصية المركبة والـ(العميقة)؟

نقول، لا أحد يستطيع أن ينكر العلاقة الوثيقة الإرتباطية بين الهَيبَة والمصلحة الوطنية والقومية، فالهيبة بالنسبة للدولة تعني مزيجاً فريداً من القوة والمكانة القومية والانسانية، والمكانة هذه بدون قوة تبقى معنوية ومحدودة التأثير خاصة في الصراعات الدولية السياسية والاقتصادية والمخابراتية، والقوة بدون المكانة هي طيش انفعالي محكوم عليه بالفشل والزوال، لذلك فإنَّ الربط بين الهَيبَة والقوة هو الذي يحفظ المكانة العالية التي تحمي المصلحة الوطنية والقومية، والتي تحظى بإحترام الدول والشعوب والأمم. وهذا يتوقف على مدى الموازنة التي تقوم بها الدولة، دعماً للمكانة وتحقيقاً للهَيبَة وحِفظاً للمصلحة القومية، وكانت قيادة صَدَّام حسين تعمل بكل ما أوتيَت من قوة وهَيبَة التي تعزز مكانتها القومية والدولية وبالتالي تحفظ وتحمي مصالح العراق والأمة العربية في أمنها وسيادتها وكرامتها ونهضتها. من هنا كان العراق هو صاحب الأدوار المشهودة في المنطقة والعالم، من خلال الربط بين الدفاع عن المصلحة العراقية الوطنية التي تتلاقى مع الدفاع عن مصلحة الأمة ككل، وهو بالتأكيد لا يتقاطع معها حسب مفهوم حزب البعث العربي الإشتراكي، والتجسيد العملي لقيادة صَدَّام حسين للعراق والأمة، وقد ثبت بالدليل القاطع بعد استشهاد القائد الخالد صَدَّام حسين، أنَّه لا يمكن لأي طرف عربي أن يملأ فراغ أو غياب دور العراق القومي والإقليمي، القادر على حماية مصالح الأمة، وتحقيق أهدافها في وحدتها وحريتها وازدهارها ورفاهيتها، وفي استعادة هيبتها ومكانتها التي تليق بأمة عريقة في وجودها وتاريخها وحضارتها، كان العراق بقيادة الشهيد النبيل صَدَّام يحمل هموم الأمة كلها، ويستجيب لأي ظرف طارئ يمر به العرب، فنراه في جاهزية وجوهزية دائمة للذود عن العروبة، ودفاعاً عن مصالح الأمة أينما كان الخطر وفي أي وقت.

هذه اذن قيادة صَدَّام حسين التي تتمثَّل فيها مكانة الأمة وقوتها وهيبتها من خلال المواقف والأفعال التي انتهجها الشهيد الخالد صَدَّام حسين...

ونحن نحتفي اليوم في ذكرى الشهيد البطل صدام، فإننا نعلم أنّ الحياة لا تستقيم لأحد من الناس، ولو كانت تستقيم لمخلوق، فالأولى أن تستقيم للأنبياء والرسل والصالحين، والحكماء والعلماء، لذلك يكرهها أولي العزم من الناس على أن تستقيم، ويرتفعون مما يعترض فيها من دواعي المحن والفتن والفساد، كان الشهيد ليّن القلب، تفيض عيناه بالدموع حينما يستذكر سيدنا المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام وآله وصحبه، ويذرف دمعاً عندما يترَحَّم على شهداء العراق والأمة، لم يكن فظّاً غليظ القلب، قال تعالى(لو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك)آل عمران 159، لم يَنفَضّ العراقيون من حوله في أحلك الظروف وأصعبها، بل كانوا يحيطونه بالمودة والحب والولاء المطلق والثقة التامة، كان رحمه الله عادلاً حتى مع اقرب الناس اليه كان يقيم الحدّ، بل كان يقيم الحدّ ولو على صدام حسين نفسه.

مضى صدام حسين في الطريق السويّة ما استقامت له، فلما انحرفت الطريق، انحرفت عنه الدنيا كلها الَّا قلوب محبيه، فنثر أعداء الله والأمة الاشواك والألغام وكل المعوّقات في طريق مسيرته، لتعيقها، وتوقف مشروعه العظيم، فاشتدّت الأهوال عليه لكنه لم يبتئس، أو ينثنِ بل استمر يَحُثّ الخُطى للوصول الى غاياته النبيلة في سبيل تحقيق مشروعه النهضوي العظيم. ولم يلتفت الى المعوقات والأفخاخ، ولم يستجِب للمغريات كبيرها وأتفهها، فكثيرٌ غيره يفرُّ من الفزع، ويُقبِل على الطَمَع، لكنَّه مَضى في عزمه، مُؤمِّناً لنفسه بالحكمة، لا يلوي لضعفٍ أو استكانة، فهو الانسان المؤمن، التقيّ، النقيّ، الرَّضيّ، السمح.

كان صدامٌ حلو المَعشرة، عذب المَنطق، حسَن المَظهر والمَدخَل، يروق مظهره، فينشغل به القريب منه، والبعيد عنه، ليّن القول وفي ذات الوقت كان صعب المراس، شديد البأس، شرساً جسوراً في الحقّ، حازماً، عازماً. كان قلبه سليماً، في وئامٍ وصلحٍ دائم مع عقله ونفسه، ونفسه هذه كانت منسجمة مع شخصه، ولم تكن يوماً في خصامٍ مع صدام الانسان، أحسَن السعيّ في قيادة شعبه، وأمته. صدام حسين، انسان متفانٍ، محترم، مترفع عن الصغائر، منذ شبابه، كريماً، سخياً، سلك منهجاً وحياةً لا يجود بمثلها سوى قلة من الرجال في التعاطي بهدوء واتزان مع المواقف والأحداث الصعبة، شخصيته كانت تعكس اتزاناً وتناسقاً واتساقاً مع النفس، شعرنا في عهده، بقيمة وقامة العراق والأمة، وكانت احاديثه تزرع فينا القوة والثقة بالنفس التي لا تعرف الانحناء لأحدٍ سوى الله تعالى.

كان العراقُ في عهده حضارة ومنارة للعلم والمعرفة، منارة لا ينطفيء وهجها، قدّم صدام حسين للفكر العربي والانساني، تجربته الغنية في النضال والجهاد، واسلوب القيادة في الظروف الصعبة، وترك خلفه انجازات عظيمة شهدت على قدرته وقوة شخصيته، وبصيرته النافذة، وعقليته الفذّة، ترك وراءه تاريخ ثرٍ، من طراز القادة العظام، وغادرنا الفقيد بعد أن ترك محبةً تغمر قلوب العراقيين الشرفاء والعرب الأصلاء، صدام الانسان الذي لن يتكرر، ولن يجود الزمان بمثله، قال تعالى:(يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) المجادلة آية 10.

لم يكن في عهد صدام حسين، مَن ينبش في القمامة والفضلات، يبحث عن كسرة خبز، صالحة، ليضعها في جوفه ويمضغها! أو لعلّه يُمَنّي نفسه بالعثور على ما يمكن أن يبيعه ليستبدله برغيف خبز يقيه تضوره ووجعه من فراغ البطن! كما يجري اليوم في العراق. في عهد الفقيد، كان العراقيون مُهابين، يُحسَب لهم حسابهم في كل الدنيا، فماذا أصبح حالهم بعد صدام حسين ونظامه الوطني والقومي؟

هو صدام حسين، رجلٌ وليس كالرجال، فارسٌ وليس كالفرسان، نجح بامتياز في قيادة العراق والأمة، لولا أن اصطفّ المبغضون والحاقدون والناقمون، من صهاينة وفرس ومَن تبعهم ووالاهم من الخونة والعملاء، للايقاع بالشهيد، والنيل منه، ومن العراق والعراقيين. فكان الحصار الشامل الجائر والظالم، وانتهاءاً بالغزو الأمريكي الغاشم. مَثَّلت قيادة صدام حسين للعراق، سنوات فارقة في تاريخ العراق والأمة، قهر المستحيل، انتصر وتعدّى وعبر مؤامرات داخلية وخارجية بنجاح، فلما تجاوز الخطوط الحمر التي وضعتها الصهيونية العالمية، وحليفها الأزلي الفرس، واعوانهم وتوابعهم، كان الغزو والاحتلال الاجرامي للعراق والقضاء على نظامه الوطني وتدميره وتحويله الى خراب.

لقد تميز الرئيس صدام حسين، بحنكته، وذكاءه الحاد وخبرته، فقد كان عقله المعرفي يتجاوز الحدود، وله حدس واستقراء للاحداث لافت ليس له مثيل، كان أبياً، كريماً، سَمِحاً، صارماً في المواقف الوطنية والقومية ولم يكن ليتردد أو يتأخر في اتخاذ القرارات الصائبة التي تخدم الشعب والأمة في الوقت والظرف المناسبين. كان الفقيد رحمه الله، في حالة صلح دائم مع نفسه، جعلته متصالحاً طول مسيرته النضالية مع شعبه، هي حالة نادرة من الانسانية، وحب الخير، والرحمة لا تفارقه، الهدوء والصبر، والتسامح، والصراحة، والشجاعة كانت سمات مميزة له، مع سمات كثيرة وهبه اياها الله وأنعم بها عليه. فكانت هي الضمانة الأكيدة لنجاحه في قيادة العراق، فالشهامة والجرأة والشجاعة والإقدام التي كان يتحلَّى بها صدام حسين هي مفاتيح النصر سياسياً وعسكرياً وإقتصادياً في السلم والحرب، قائد عظيم، وفارس نبيل، عاش في الدنيا بطلاً شجاعاً، شرساً، وغادرها مؤمناً، جريئاً، صلباً، قانعاً، قوياً متماسكاً، ولم يكن خائفاً، ضعيفاً، خائر القوى. صدام حسين كان صاحب قرار، يمتلك الجرأة والشجاعة في أصعب الظروف والمحن، وتميز رحمه الله بقدرة غير عادية في الحوار والاقناع، وكان نقده سهلاً سلساً، يمزجه غالباً بالدُعابة والطُرفة، كانت شخصيته جذابة، والفقيد موسوعة شاملة، من المعارف والأمثال والحِكَم، كان بحق يمتلك ثروة معلوماتية قلّ نظيرها، كان صادقاً قولاً وفعلاً، قد عرفناه صلباً، شجاعاً، هُمَاماً، محافظاً على قيم العروبة والاسلام الاصيلة، وقيم الفروسية والرجولة. كانت الرجولة تفيض في معناها عند صدام، فالرجولة تعني عند الشهيد الإعتماد على النفس في الوصول الى الغايات والأهداف النبيلة وليس التبعية للآخرين، وتعني أيضاً قوة الشخصية والعزيمة، ولطالما يكرر حكمته المشهورة:(اذا غابت عنك قيم المبادئ فتذكَّر قيم الرجولة).

أقول، صدام حسين لم يكن رئيساً وقائداً متسلطاً، ناقماً، قاسياً، متجبراً، بل كان الفقيد قائداً متواضعاً ليِّناً، سمِحاً لا تفارقه الابتسامة حتى في ظروف الألم والقهر والحزن العربي، عطوفاً، يمازح الكبير والصغير، ويكرم الضيف ويسليه بحديثه العذب، يعتزّ بشعبه وبعروبته أيّما اعتزاز، لم تشغله هموم الوطن والأمة عن متابعة أحوال الناس، وحلّ مشاكلهم، فكان شديد الاهتمام بعذابات ومعاناة العراقيين، أينما كانوا في السهل أو الجبل، في البراري والوديان، في الريف والأهوار، في القرى والمدن، فكانت شعبيته وتواضعه مثالاً يُحتذى به. صدام حسين، كان يبّث ويبعث في نفوس الناس قيمة الايمان بالله، وروح التفاؤل، والعزيمة والثبات في أصعب الظروف. لم يكن الشهيد يوماً من القادة الذين يحيطون أنفسهم بهالة من السلطنة، والعظَمَة أو يحملُ تاجاً مُرّصَعاً فوق رأسه!، ولم تصحبه أجواق الصخب والدعاية، بل كان يقود سيارته بنفسه، ويتجول منفرداً بين أهله من العراقيين في كل مكان.

ومن البديهيات والمُسَلَّمات التي يؤمن بها صدام حسين، هي أنَّ القيادة لا تعني عنده أكثر من كونها واجب وطني وقومي قبل كل شئ! وهي ليست موقعاً أو عنواناً أو وظيفة يتشرف بها الانسان، من هنا كانت أفعاله ومواقفه وانجازاته تتناسب مع هذا الواجب الذي يراه مُلزِماً له أمام شعبه وأمته العربية. لذلك فقد نذر نفسه لهذا الواجب المقدس النبيل، وهو على يقين تام أنَّ إلتزامه بهذا الواجب سيقوده الى التضحية بالنفس في أي وقت، دفاعاً عن كرامة الأمة وشرفها ووجودها، وكانت مرجعيته التي تبناها رحمه الله في القيادة هي رسالة الأمة العربية الخالدة في وحدتها وحريتها ونهضتها واستقلاليتها، هذا هو الطريق الذي سلكه صدام حسين. وهنا أقولها وبكل وضوح أنَّ صداماً لم يكن في عقله وفكره ومشاعره وسلوكه مساحة غامضة أو معتمة، يخفيها عن شعبه وأمته ولا يراها الناس أو يعرفونها، فهو واضح وصريح جداً وشفَّاف في منهجه وسلوكه، ولم يكن له وجوه متعددة.

كان عامراً بالقيم النبيلة، ولم يكن يوماً يُغالي في استخدام ما بيده من صلاحيات بحكم مسؤوليته في القيادة، لذلك ورغم أناقته ومظهره الوسيم ووقاره، لكنَّه في المقابل كان شخصية متواضعة، جذَّابة، وهو سَهل وليِّن مع أبناء شعبه، والتواضع هو شيمة من شِيَم الإيمان بالله تعالى. لذلك كان صدام ابن الريف والبادية والجبل والسهل، ابن الأحياء الشعبية في بغداد العروبة، هو كذلك صدام حسين،كان ايمانه في العروبة والإسلام وتجسيده لهما في فكره وسلوكه هو المِقوَد الضابط لهذا الفكر والسلوك، فكان العدل والإعتدال هو المنهج الذي اختطه في حياته، حتى هذا الاعتدال كانت تميل كفته لصالح الشعب والأمة.

كان يرى أنَّ الثقافة ليست في الكتاب والصحيفة وفي القراءة والمعرفة حسب، بل كان له وجهة نظر أخرى في الثقافة فهي تعني لصدام الذوق العام، والسلوك السويّ، وأنَّ الثقافة ليست مجموعة من النظريات والقواعد المكتوبة، إنَّما الثقافة عمل وتطبيق قبل كل شئ، وهي تعني أيضاً الإبتكار والإبداع والبحث المعرفي، لذلك كان يربط بين الدور التاريخي للأمة وبناء الانسان الواعي والمتحضر في سلوكه وذوقه العام.

مما يؤشر لصدام حسين أنه كان يمتلك رؤية مبدئية ثابتة لا تتزحزح، من قضية فلسطين العربية، مبنية على اساس تحرير كامل التراب العربي والفلسطيني، واقامة دولة فلسطين على أرضها العربية، وكان رحمه الله يعد العدة ويهيء الأسباب لتنفيذ هذا الهدف العظيم، ولم يكن صدام حسين، يعمل في الخفاء في غرف مظلمة أو خلف الكواليس، في كل شؤون العراق والأمة. وما كان صدام حسين يعمل بمبدأ الغاية تبرر الوسيلة، فكانت وسائله نبيلة شريفة كأهدافه. لم يعرف الكذب في السياسة، أو النفاق السياسي، بل كانت سياسته ثابتة صلبة، ولم تكن متذبذبة أو متمايلة. لم يعانِ صدام حسين من هستيريا الزعامة، أو الخَبَل السياسي، بل كان قائداً قومياً وشعبياً من طراز خاص.

تميَّز الشهيد النبيل صَدَّام بعدم وجود جانب معتم في عقله السياسي، ولم يتذبذب في سياسته بين تحالفات أو اتفاقات مع جماعات دينية أو سياسية ثم يقوم بنكالها، لأنه لايعرف النفاق السياسي. صدام حسين قدَّم الدليل العملي على مصداقيته في ايمانه بوحدة المصير العربي، وعدم الولاء والتبعية للأجنبي، وهو كان فقير الثروة والمال! نعم لم يكن الفقيد يملك شبراً واحداً في أرض العراق، ولا في غيره، لم يملك حتى منزلاً بسيطاً مسجلاً بأسمه، وأذكر أنّ نقابة الاعلاميين أو الصحفيين العراقية، كانت قد أهدت له قطعة أرض خالية مساحتها 350 م مربعاً، هي من أصل قطع أراضي واسعة للدولة، كان الرئيس صدام قد خصصها للصحفيين ملكاً صرفاً لمناسبة عيد الصحافة في أواخر تسعينات القرن الماضي، سُميَت حي الإعلام، ولم تُسَجل هذه القطعة السكنية المهداة للفقيد بذمة أحد حتى الاحتلال الغاشم، ولو سألنا أعدى أعداء صدام حسين، انْ كان يملك شيئاً، فسنجد الاجابة، أنّ صدام حسين لم يترك متراً واحداً بأسمه، ولم يودِع ديناراً واحداً في أحد البنوك في العراق، ولا خارجه، وليس للفقيد أملاك، أو أصول مالية.

الفقيد الغالي، كان مَنْجَماً لا يَنفَد أبداً، من الخير والعطاء والحكمة والمحبة، يحترم الجميع، ويشجع الشباب على التفوق والعمل، والانجاز والمبادرة، ويمدهم بخبراته النظرية والعملية، نعم كان الشهيد الخالد، انساناً قبل كل شيء.

في عهده اصبح العراقُ منبراً ومزاراً مقدساً لكل العرب، لقد نجح القائد صدام، بفضل حكمته وفطنته، وحرفيته السياسية وخبراته النضالية، منذ نعومة أظفاره، في توظيف كل امكانات العراق، لخدمة العرب وقضيتهم الكبرى فلسطين، وكانت جميع مواقفه وقراراته، تعبيراً عملياً صادقاً، عن انتماءه القومي الأصيل. وفي عهده كان العراقيو ن قد نجحوا في تجاوز وتخطي الصعاب، وألغَوا نظرية المستحيل، فشيّدوا، وعمّروا وعَلَوا البنيان، واخترعوا، واكتشفوا الجديد، وزرعوا الصحاري، وحوّلوها الى واحات خضراء في ظِّل القائد صدام حسين رحمه الله وأدخله فسيح جناته.

5/1/2019م

شبكة البصرة

الاثنين 1 جماد الاول 1440 / 7 كانون الثاني 2019

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط