بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

لسنا أشباحا.. نحن أبناء الأمة العربية (1) الحرب على العروبة.. ماذا وراءها؟

شبكة البصرة

بقلم السيد زهره

* هم يعلمون أكثر منا أن قوميتنا العربية قوة ضاربة

* حتى بمنطق هؤلاء.. العروبة عصية على الموت

* كل الدول المعادية للعرب تحاربنا بسلاح قومياتها العنصرية

* العالم كله يشهد احياء للقوميات ويريدون منا الكفر بقوميتنا

السبب المباشر الذي دفعني لكتابة هذه المقالات هو مقال سخيف ومستفز نشرته قبل فترة صحيفة بريطانية شهيرة هي "جارديان". المقال كتبته صحفية استرالية من أصل لبناني تزعم فيه انه لاوجود لشيء اسمه العالم العربي او الهوية العربية ـ، وتطالب بالتوقف عن استخدام مثل هذه التعبيرات.

ما كنت لوقف عند هذا المقال المتهافت لولا انه ليس معزولا. هو يأتي في سياق حملة كبرى، او بالأحرى حرب شرسة يتم شنها في الغرب منذ سنوات طويلة على العرب والعروبة والقومية العربية. هي حرب يتم شنها على الأصعدة الأكاديمية والإعلامية والسياسية.

ما هي ابعاد هذه الحرب؟ وما هي أهدافها؟

ما هي مسئولتنا نحن العرب عن هذا الهجوم الشرس على العروبة؟ وما الذي يجب علينا ان نفعله؟

هذا ما سنناقشه في هذه المقالات.

***

 

"هوية شبحية"؟!

قبل فترة، نشرت صحيفة "جارديان" البريطانية مقالا طويلا لصحفية استرالية من أصل لبناني سبق لها ان عملت في قناة الجزيرة الإنجليزية، وليس معروفا لها أي انجاز فكري محدد. عنوان المقال "دعونا نمحو مصطلح العالم العربي".

كما هو واضح من العنوان، ما تذهب اليه هذه الصحفية في مقالها هو القول بأنه لا يوجد شيء اسمه العالم العربي، ولا يوجد شيء اسمه هوية عربية او قومية عربية.

تقول إن أغلب التغطيات الدولية في وسائل الإعلام حين تتناول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فهي تظن أن المنطقة كلها عبارة عن مجموعة عرقية واحدة، بسبب أن الفكرة السائدة هي أنهم جميعاً يتحدثون اللغة العربية، لكن هذه الفكرة تتجاهل في رايها إحصائية مهمة حديثة تظهر أن هناك 35 لهجة مستمدة من اللغة العربية يتم التحدث بها هناك.

وتقول أن مجرد تشارك 22 دولة يبلغ عدد سكانها 381 مليون نسمة باللغة العربية لا يكفي لجعلهم جميعاً "عالم عربي" متجانس ومتشابه

وتضيف أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تتكون من العديد من الدول، ويتحدث كل منها لهجة عامية مختلفة، وتلك اللهجة تُعدّ مؤشراً واضحاً يظهر جنسية الشخص، فاللغة العربية في شمال أفريقيا غير مفهومة تقريباً للمتحدث باللغة العربية في بعض بلاد الشام مثل لبنان.

ويذكر المقال انه قبل "غزو" مناطق عدة من قبل "العرب" لنشر الإسلام، كانت هناك حضارات قائمة بالفعل. نشأت العربية من قبائل بدوية في المناطق الصحراوية في شبه الجزيرة العربية،.وبحلول القرن الثامن الميلادي، بدأت اللغة العربية تنتشر في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط، حيث اعتنق الكثير من الناس الإسلام، وكانوا مضطرين للصلاة باللغة العربية وهو الأمر الذي ساهم في انتشارها.

وتضيف أن مصطلح "العرب"، استُخدم بقوة في القرن التاسع عشر، في محاولة للابتعاد عن الإمبراطورية العثمانية، بعد ذلك، تم تضمين هذا المصطلح مع بدء إنشاء جامعة الدول العربية، وكان للمملكة العربية السعودية مجهوداً كبيراً في دعم هذا المصطلح الذي يخدم فكرتها باعتبارها مهد الإسلام و "العربية"، وفي الخمسينيات والستينيات ساهم الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر في انتشار المصطلح ضمن مشروعه القومية العربية.

ويعتبر المقال ان مصطلح "عرب" صار أقل شعبية في الشرق الأوسط، لأن القومية العربية صارت حركة "رجعيّة"، على حدّ تعبيره.

وتعتبر هذه الصحفية ان اللغة العربية لا تفعل شيئًا سوى تكريس "هوية شبحية للعرب" و"العالم العربي". أي انها تعبر ان العالم العربي شبح لا وجود له، والعرب انفسهم اشباح، وهكذا الأمر بالنسبة لتعبيرات مثل الوطن العربي او القومية العربية أو الأمة العربية.

ولهذا، تدعو كل أجهزة الاعلام والسياسة الى عدم استخدام تعبيرات العالم العربي، والعرب، والعروبة.. وهكذا. وهي تستغرب وتستهجن مثلا أن هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" لديها وظيفة "محرر شؤون عربية". أي انها تدعو الى عدم استخدام أي تعبيرات مثل "كاتب عربي" او "مثقف عربي" او قضية عربية او وطن عربي.. وهكذا.

***

 

ما بعد العروبة؟

ما ذكرته هذه الصحفية ونشرته صحيفة "جارديان" لا يستحق ان نجهد انفسنا في الرد عليه او تفنيده. لكن القضية كما ذكرت في البداية انه جزء من ظاهرة عامة في الغرب يجب ان نتوقف عندها.

هذه الصحفية لم تأت بأي جديد على الاطلاق. اعني ان القول بأن العروبة لا وجود لها، ولا وجود لقومية عربية، ليس امرا جديدا في التفكير الغربي وفي الكتابات الغربية.

أحتفظ في ملفاتي بعشرات الدراسات والتقارير والتحليلات التي تحمل عناوين مثل "موت العرب" و"نهاية العروبة" و"سقوط القومية العربية" و"موت أوهام الوحدة العربية".. وهكذا.

هذه التحليلات والتقارير يمتد تاريخ نشرها منذ عام 1967 حتى يومنا هذا.

الذي حدث انه في اعقاب هزيمة 67 مباشرة انطلقت هذه الأفكار.

وقد سبق لي ان تطرقت الى هذه الحملة عن "ما بعد العروبة" في محاضرة القيتها قبل سنوات عنوانها "حياة الأمة بين العروبة والطائفية".

واسمح لي عزيزي القاريء ان أورد ما ذكرته فيا لمحاضرة بهذا الخصوص.

قلت ان المشروع الطائفي المطروح لمستقبل الامة هو في نفس الوقت مشروع عداء للعروبة وحرب عليها.

لهذا، ليس من قبيل المصادفة ان دورة الحياة الطائفية هذه التي يراد لها ان تحكم مستقبل الامة وتحدده، اطلق عليها الكثيرون ممن يتبنون المشروع في امريكا وفي الغرب "عصر ما بعد العرب وما بعد العروبة".

والمعنى المباشر هنا بالطبع هو ان العروبة، وتعبيرات مثل الوطن العربي او العالم العربي او حتى العرب، لم تعد لها أي وزن او قيمة او تأثير في تقرير مستقبل هذه المنطقة.

اما اسباب وتبريرات ذلك بالنسبة الى هؤلاء، فهي كثيرة.

بالنسبة الى البعض، فانه ليس هناك شئ اسمه عروبة او قومية عربية او امة عربية.

وبالنسبة الى الكثيرين، فان العروبة كانت موجودة، لكنها ماتت وانتهت وتم نعيها.

سنجد فكرة "موت العروبة" هذه تتردد في الكثير من الكتابات ليس الاجنبية فقط ولكن العربية ايضا.

هنا سوف نلاحظ امورا غريبة تستعصي على الفهم.

حين سقطت بغداد تحت اقدام الاحتلال الامريكي، قرانا تحليلات كثيرة جدا في الغرب وفي ايران، وايضا للاسف باقلام بعض المثقفين والكتاب العرب.. تحليلات ملخصها ان سقوط بغداد كان معناه في نفس الوقت سقوط العروبة وموتها.

الغريب هنا ان نفس هذه الاراء التي اعلنت موت العروبة وشيعتها، سبق لنا ان قرأناها وسمعناها اكثر من مرة من قبل.

نعرف جميعا انه حين وقعت هزيمة يونيو1967، اعتبر الكثيرون ان الهزيمة تعني في نفس الوقت موت العروبة وموت المشروع القومى لثورة يوليو وجمال عبد الناصر.

وحين برزت ظاهرة ما اسمي ب"الاسلام السياسي" وتنامت قوة الجماعات الاسلامية منذ مطلع الثمانينات من القرن الماضي، قيل ايضا ان هذه الظاهرة هي اعلان موت للعروبة او ايذان بموتها، على اعتبار ان جماعات الاسلام السياسي تطرح مشروعا نقيضا للعروبة وللمشروع القومي.

وحين احتلت العراق الكويت، ايضا قيل ان العروبة ماتت.

الغريب هنا هو: اذا كانت العروبة قد ماتت مرة، فكيف يمكن ان تموت مرة ومرات بعد ذلك؟

اللهم الا اذا كانت العروبة حتى بمنطق هؤلاء الذين يتحدثون عن موتها، هي في حقيقة الامر لا تموت.. هي في حقيقة الامر عصية على الموت. وهذا واقع الحال فعلا.

الامر الغريب الآخر هنا هو ان هذه الفكرة، فكرة موت العروبة، لا يتم تطبيقها الا على الامة العربية فقط. فهي تقوم على افتراض ان العروبة ما هي الا مرادف للنظام الرسمي العربي والحكومات العربية، بل هي حتى مرادف لهذا الزعيم العربي او ذاك.

وبحسب هذا المفهوم، فانه اذا انتصرت الدول العربية في معركة، فمعنى هذا ان العروبة حية ترزق. واذا هزمت دولة عربية، فمعني هذا ان العروبة ماتت ودفنت.

هذا منطق غريب بلاشك. هوية الامم وروحها القومية لا تموت ولا تحيا بتطور طارئ ايا كان. وعندما هزمت المانيا او اليابان مثلا في الحرب العالمية الثانية، لم نسمع من يقول ان القومية الالمانية او اليابانية ماتت.

***

 

مفارقات عجيبة

بالإضافة الى ما ذكرته، يجب ان نسجل ان هذه الأحاديث التي لا تنتهي في الغرب عن موت العرب والعروبة ونهاية القومية العربية.. الخ، تنطوي على مفارقات كثيرة جدا تجعل منها احاديث تفتقر الى ادنى مقومات الموضوعية او حتى والعقلانية.

نستطيع ان نرصد هذه المفارقات على النحو التالي:

المفارقة الأولى: اذا كانت العروبة لا وجود لها، او انها ماتت، والقومية العربية وهم من الأوهام، والعرب ما هم الا اشباح، والهوية العربية ما هي الا "هوية شبحية".. اذا كان الأمر هكذا، فلماذا اذن يتعبون أنفسهم في الغرب ويستنزفون طاقاتهم الفكرية والبحثية والسياسية في شن هذا الهجوم الشرس على العرب والعروبة والقومية العربية عاما بعد عام، وعقدا بعد عقد؟.

ما الذي يزعجهم اذن؟ هل يفزع أحد او ينزعج ويخاف من اشباح لا وجود لها؟

حقيقة الأمر أنهم يفعلون هذا ويشنون هذه الحرب الشرسة لأنهم يعلمون، أكثر منا نحن للأسف، ان العروبة والرابطة القومية العربية هي قوة ضاربة لو ان العرب عرفوا كيف يحولوها الى مرتكزات قوة. يعرفون لانها الركيزة الأساسية للتكامل والتوحيد العربي الذي لو حدث فسيكون العرب قوة عالمية كبرى.

هم يعرفون ان أي مخطط يستهدف اضعاف الدول العربية او حتى القضاء عليها، ويستهدف تمزيق وتقسيم الدول العربية واغراقها في الفوضى، لا يمكن ان ينجح الا اذا بدأ بمحاربة العروبة والرابطة القومية العربية.

 

المفارقة الثانية: واذا كانوا يشنون هذه الحرب على القومية العربية واي رابطة قومية تجمع العرب، لماذا يتجاهلون حقيقة ان كل الدول التي لديها مشاريع ومخططات توسعية وطائفية واستعمارية في الوطن العربي هي بالذات التي تبذل جهدا هائلا في محاربة القومية العربية، وفي نفس الوقت تستنهض قومياتها العنصرية وتعتصم بها وتؤججها؟

النظام الايراني يشن منذ سنوات طويلة حربا مفتوحة على القوية العربية. وحين اجتاح العراق مثلا بعد الاحتلال الأمريكي كانت احد أسلحته الكبرى محاربة الانتماء القومي العربي للشعب العراقي.

أمريكا والدول الأوروبية تفعل نفس الشيء من شن حرب على العروبة والقومية العربية. وهذه الدول هي التي تخرج منها هذه التحليلات والتقارير التي نتحدث عنها والتي تتحدث عن موت العروب والعروبة.

وتركيا تفعل نفس الشيء.

في نفس الوقت الذي يحاربون فيه القومية العربية على هذا النحو، فان استنهاض قومياتهم العنصرية كما ذكرت هو احد أسلحتهم الكبرى لتنفيذ اطماعهم ومخططاتهم في الوطن العربي.

النظام الإيراني يستند الى القومية الفارسية العنصرية ويعتبرها سلاحا لمشروعه الطائفي التوسعي.

النظام التركي يستند الى ارثه العثماني القومي ويعتبره أيضا اكبر أسلحته.

العدو الصهيوني يستند الى قومية صهيونية عنصرية إرهابية.

اذن، في الوقت الذي تحاربنا هذه الدول المعادية والطامعة في اوطاننا بسلاح القومية، يريدون ان ينزعوا منا سلاح قوميتنا وعروبتنا.

 

المفارقة الثالثة: وفي الوقت الذي يستكثرون فيه علينا ان نتمسك بقوميتنا وعروبتنا، ويشنون هذه الحرب على العروبة، يتجاهلون حقيقة الصعود القومي في العالم كله في العقود القليلة الماضية.

كل دول العالم لجأت في العقود الماضية الى احياء قومياتها ونزعاتها القومية سواء في خطابها السياسي او الإعلامي والفكري، او على مستوى السياسات الفعلية، اذ سعت بشكل حثيث الى رسم سياسات وخطط تهدف الى تعزيز الانتماءات القومية خصوصا لدى الأجيال الجديدة.

وراء هذا الصعود القومي في العالم أسباب كثيرة، بعضها يتعلق بالأوضاع العالمية عامة، وبعضها يتعلق أوضاع وتحديات وأخطار خاصة تواجه كثيرا من دول العالم.

على الصعيد العالمي العام، ارتبط هذا الصعود مع انطلاق قطار العولمة وسقوط الحواجز بين الدول الثقافات والمجتمعات. هذه الظاهرة فجرت مخاوف في العالم كله من تأثيراتها السلبية على الهوية الوطنية وخاصة في أوساط الأجيال الجديدة، وتراجع الانتماءات الوطنية نتاجا لهذا بكل ما يترتب عليه من أخطار ونتائج سلبية.

لهذا وجدنا ان دول العالم تضع خططا وبرامج وسياسات تهدف الى احياء الانتماءات القومية واستعادة التراث القومي الخاص، والسعي الى تعزيز الهويات والانتماءات الوطنية وخصوصا في أوساط الأجيال الجديدة.

حدث هذا في اغلب دول العالم، شرقا وغربا وشمالا وجنوبا.

الأمر الآخر ان كثيرا من دول العالم في مواجهة ما تعتبره اخطارا تهددها، لجأت الى استنهاض القومية وتعزيزها.

خذ الدول الأوروبية مثلا. في الدول الوروبية، كثير من القوى والجماعات السياسية والثقافية والفكرية، تعتبر ان تزايد اعداد المسلمين في هذه الدول تهديد لهويتها، وتعتبر ان الهجرة تمثل أيضا تهديدا للهوية. ولهذا، شهدت الدول الأوروبية في العقود الماضية صعودا كبيرا جدا للجماعات والقوى القومية اليمينية المتطرفة.

هذا مع العلم كما هو معروف ان هذا الصعود القومي في أوروبا يأخذ طابعا عنصريا متطرفا عنيفا سافرا.

اذن، في العالم كله، يعيدون احياء القومية دفاعا عن الهويات الوطنية، او في مواجهة ما يعتبرونها أخطارا تهدد هوياتهم، لكنهم في الغرب يريدون منا ان نكفر بقويمتنا العربية وان نعتبر انها وهم لا وجود له.

***

 

اذن، هذا هو الأمر بالنسبة لهذه الحرب الشرسة في الغرب على العروبة والقومية العربية وما وراءها.

لكن الصورة لا تكتمل الا بالتطرق عن مسئوليتنا نحن. بعبارة ادق، لا بد ان نطرح السؤال: وماذا فعلنا نحن بعروبتنا وقوميتنا العربية؟

هذا ما سنناقشه في المقال القادم باذن الله.

شبكة البصرة

الثلاثاء 24 ربيع الثاني 1440 / 1 كانون الثاني 2019

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط