بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

لسنا اشباحا.. نحن أبناء الأمة العربية (2)

رد الاعتبار للعروبة.. مسألة حياة او موت

شبكة البصرة

بقلم السيد زهره

* كفرنا بعروبتنا فاستفرد بنا الأعداء دولة بعد دولة

* غياب الخطاب القومي أحد أكبر الأسباب لصعود الطائفية

* الانعزالية حالت دون بناء قوة عربية موحدة

* مثقفون عرب جهلة يتفاخرون بكراهية العروبة ومحاربتها

* تمسك الشعوب العربية بعروبتها قاعدة كبرى لصحوة عربية جديدة

* خطابنا السياسي والاعلامي جب ان يرد الاعتبار لتعبيرات "الوطن العربي" و"الأمة العربية" و"العروبة"

* العروبة ليست أيديولوجية سياسية.. هي جوهر هويتنا وانتمائنا

 

من السهل ان نقول، ويجب علينا ان نقول، اننا نحن العرب "لسنا أشباحا.. نحن ابناء الأمة العربية" كما هو عنوان هذا المقال.

ومن السهل، ويجب ان نفعل هذا، ان ننتقد بعنف هذه الكتابات في الغرب التي تتحدث عن "موت العروبة" و"نهاية العرب" و"سقوط الأمة العربية"، وان نكشف مخططاتهم الاجرامية وراء ذلك كما فعلنا في المقال السابق.

لكن لا بد ان نصارح انفسنا ونطرح هذا السؤال: وماذا فعلنا نحن بعروبتنا؟.. ماذا فعلنا بهويتنا القومية العربية وبآمال التكامل والوحدة؟.

الإجابة ستكون مريرة بلا شك.. فنحن الذين كفرنا ابتداء بعروبتنا، والبعض منا هم الذين بادروا بشن الحرب عليها وتفاخروا بهذا، وقد دفعنا ثمنا فادحا جدا بسبب هذا.

هذا ما سننناقشه في هذا المقال، كي نصل الى نتيجة وحيدة هي.. رد الاعتبار لعروبتنا أصبحت مسألة حياة او موت.

***

 

ماذا فعلنا بعروبتنا؟!

هذه الحملة الضارية التي يشنونها في الغرب منذ عقود على العرب والعروبة والانتماء القومي العربي، نحن نتحمل مسئولية اساسية عنها.

نعني انه بغض النظر عن أهدافهم ومخططاتهم التي تكمن وراء هذه الحملة، نحن الذين شجعناهم على ذلك. لولا أننا نحن الذين فرطنا في عروبتنا ابتداء بكل ما يعنيه ذلك نظريا وعمليا، ما كان الأمر ليصل بهم الى هذه الحد.

حين نقول نحن، نعني اننا جميعا بلا استثناء في الوطن العربي مسئولون عن ذلك، سواء على المستوى الرسمي العربي، او على مستوى المفكرين والباحثين والكتاب والمحللين، وأيضا قوى المجتمع المدني المختلفة.

نحن جميعا في الوطن العربي على كل هذه المستويات، لم ندرك يوما قدر أنفسنا.. لم نعرف قيمة عروبتنا ورابطتنا القومية العربية، وكيف انها اكبر مصادر قوتنا التي نمتلكها ان عرفنا قدرها وعرفنا كيف نحولها في الواقع العملي الى قوة فعلية للدولة الوطنية وللأمة العربية.

قرأت مؤخرا دراسة غربية تستغرب بشدة لماذا وكيف عجز العرب عن استغلال فترة الصعود القومي في الخمسينيات والستينيات في تحقيق ليس بالضرورة الوحدة السياسية، ولكن على الأقل التكامل الاقتصادي العربي. وتستغرب الدراسة كيف يعجز العرب حتى يومنا هذا في استغلال عوامل التوحيد القومي لدولهم وشعوبهم. هذه الدراسة تقول ان هذا وضع غريب وشاذ، فالحد الأدنى لترجمة ما يجمع الدول والشعوب العربية من روابط هو على الأقل تحقيق التكامل الاقتصادي، وهو ما لم يحدث.

السؤال هنا: لماذا انتهى الأمر بنا الى هذا الحال؟.. لماذا عجزنا عن تحويل هذه القوة الهائلة التي نتملكها بروابطنا القومية الى قوة فعلية؟.

الجواب بساطة: لأننا كفرنا بعروبتنا أصلا؟.. لأننا نحن الذين بدأنا، قبل الغرب شن الحرب على القومية العربية؟

الحادث ان الدول العربية بدلا من التمسك بالعروبة وما يقتضيه ذلك من سعي عربي للتوحد والتكامل، اختارت الانعزال، على مستوى الخطاب العام وعلى مستوى السياسات الفعلية.. اختارت ان تمضي كل دولة في طريقها منفردة بعيدا عن أي جبهة عربية او أي تكتل عربي.

الحادث انه منذ عقود، أصبحت النزعات الانعزالية هي السائدة في الدول العربية على المستويات الرسمية العربية، وأيضا على مستوى الخطاب الثقافي والفكري والإعلامي العربي.

كان وراء هذه النزعات الانعزالية أسباب وعوامل كثيرة.

من هذه الأسباب مثلا الموارد المالية التي توفرت لدول الخليج العربية بسبب النفط.

هذه الموارد المالية جعلت بعض النخب الحاكمة في بعض دول الخليج تتصور أنها توفر لها ما تريد من قدرة ومن مكانة ونفوذ منفردة من دون ان تكون بحاجة الى الدول العربية الأخرى، او الى اي شكل من اشكال التوحيد او التكامل العربي.

وهذه الموارد المالية النفطية جعلت البعض لا يريد ان يتنازل عن أي جزء منها باعتبارها حقا سياديا حصريا لهم في سبيل أي هدف آخر كالتكامل العربي.

في ظل هذه النزعة الانعزالية، كان من الطبيعي ان يتراجع الاهتمام الرسمي العربي بالعروبة وكل ما يرتبط بها من سياسات ومواقف.

وترافق مع هذا تغييب النخب الفكرية والثقافية والبحثية والإعلامية في الوطن العربي للخطاب القومي، وتجاهل قضايا مرتبطة بهذا مثل التكامل والتوحيد العربي.

ليس هذا فحسب، بل اننا وجدنا في خضم سطوة النزعات الانعزالية وتغييب الخطاب القومي، صعودا لخطاب سياسي واعلامي عربي جاهل، كي لا نقول غبيا، يتفاخر علنا بكفره بالعروبة والقومية العربية.. وجدنا ساسة ومثقفين وكتاب عرب يسخرون علنا في تصريحات وأحاديث ومقالات، من القومية العربية، ومن دعوات التكامل او الوحدة العربية.

هؤلاء رددوا ما يقولونه في الغرب بالضبط من دون تفكير، وشاركوا في الحرب على العروبة. بالطبع، كان هذا خطابا كارثيا مضللا للرأي العام العربي.

ومن أكبر والأسباب على الاطلاق ان الدول العربية عجزت بشكل عام عن بناء الدولة المدنية الحديثة. هذا العجز افسح المجال واسعا امام صعود قوى وجماعات سياسية وفكرية واجتماعية كارهة للعروبة ومن مصلحتها محاربتها.

على سبيل المثال، كان من نتائج هذا العجز ما شهدناه في العقود الماضية من صعود مخيف للقوى والجماعات الإسلامية التي تكن كراهية وعداء شديدين للقومية العربية ولأي توحد عربي.

كما نعلم، هذه القوى والجماعات الاسلامية تكره العروبة وتحاربها ليس من اجل أي مصلحة عربية عامة تتصورها، وانما في سبيل أمة إسلامية يعتقدون ان ولاءنا الأول والأخير يجب ان يكون لها قبل أي ولاء لأمتنا العربية، وفي سبيل خلافة إسلامية وهمية يتصورون انها يمكن، او يجب في رايهم ان تكون بديلا لأي تكامل او توحد عربي.

ايضا، نتيجة للعجز العربي عن بناء مقومات الدولة المدنية، شهدنا في العقود الماضية صعودا كبيرا للقوى والجماعات الطائفية.

هذه القوى والجماعات الطائفية ليس لها ولاء أصلا لدولها، فما بالك ان يكون لها ولاء لعروبة. وهذه القوى والجماعات ترتبط في اغلبها بأجندات لدول أجنبية هي بالذات اجندات الدول التي تسعى الى تدمير الدول العربية وا ي تكامل عربي.

وهذه القوى والجماعات تحارب العروبة لأنها تدرك انها في ظل سيادة خطاب وثقافة قومية عربية جامعة ووطنية، لن يكون لها مكان.

هذا اذن باختصار شديد جدا هو ما فعلناه نحن بعروبتنا.. كفرنا بها وحاربناها كما يحاربونها في الغرب بالضبط.

***

 

الثمن الفادح

لسنا بحاجة الى القول اننا دفعنا ثمنا فادحا جدا في الوطن العربي لما فعلناه بعروبتنا على هذا النحو.

دفعنا ثمنا فادحا سواء على مستوى الدول العربية منفردة، او على المستوى العربي العام.

على مستوى الدول العربية منفردة، كان ما حل بالعروبة أحد الأسباب الكبرى لبعض من الأزمات الخطيرة التي عانت منها الدول العربية، واعاقت عملية بناء الدولة المدنية.

يكفي هنا ان هذا الغياب للعروبة والخطاب القومي في العقود الماضية كان احد الأسباب الكبرى لصعود الطائفية كما ذكرنا بكل ما ارتبط بذلك من نتائج خطيرة.

في غياب حضور العروبة كأحد أكبر اركان الهوية العربية، كان من الطبيعي ان يفسح هذا المجال امام الهويات الفرعية الطائفية والقبلية كي تستفحل في مجتمعاتنا.

واستفحال هذه الهويات الفرعية كان على حساب الهوية الوطنية المدنية الجامعة، وعلى حساب الولاءات الوطنية، واعلى من شأن الولاءات الطائفية والقبلية الضيقة.

وفي خضم هذا، ظهرت جماعات وقوى سياسية طائفية، وإسلامية عامة، كرست الخطاب الطائفي المتطرف والعنيف، وبعضها تحول الى الإرهاب المباشر الذي عانت و مازالت تعاني منه دولنا.

وكما نعلم، كان غياب المشروع العروبي واستفحال المشروع الطائفي ثغرة رهيبة استغلتها الدول والقوى المعادية للأمة العربية، واستخدمتها أداة لتمرير مخططاتها التدميرية.

وغياب المشروع التكاملي العربي حرم دولا عربية كثيرة من المنافع الاستراتيجية للدعم العربي العام في اطار مشاريع للتكامل او التوحيد، كان من الممكن ان تحل الكثير من ازماتها وتسهم في عملية بناء الدولة.

اما على الصعيد العربي العام، أي على صعيد الدول العربية مجتمعة، فلقد كان الثمن الذي دفعناه اكثر فداحة.

الأمر هنا ببساطة ان هذه الانعزالية، وهذا الكفر بالعروبة والتضحية بها، حال دون وجود قوة عربية موحدة باي شكل، تكون قادرة على الدفاع عن الأمة، ومواجهة الأخطار والتهديدات الداهمة التي هددت الدول العربية.

غياب هذه القوة العربية الموحدة، ترتبت عليه نتائج كارثية خطيرة في مقدمتها امران:

الأول: انه كان على كل دولة عربية ان تواجه وحدها منفردة ما توجهه من أخطار وتهديدات، معزولة عن أي ظهير عربي عام يدعمها. هذا مع العلم ان هذه الأخطار كانت جسيمة جدا وتقف وراءها قوى كبرى، ولم يكن بمقدور الدول العربية ان تتصدى لها منفردة.

والثاني: ان غياب هذه القوة العربية ترك الساحة العربية خالية.. ترك فراغ قوة مهول. وكان من الطبيعي ان تتقدم دول اقليمية وعالمية لتملأ هي هذا الفراغ وتفرض وجودها وأجنداتها المعادية للأمة العربية والساعية الى خراب الدول العربية.

ونتيجة كل هذا نعرفها جميعا ولسنا بحاجة الى اي تفاصيل.. دول عربية ضاعت، وأخرى غرقت في الفوضى والدمار، وشعوب عربية بأسرها تشردت.. وأصبحت دول اجنبية هي التي تتحكم بمقدرات كثير من دولنا.

الذي حدث باختصار شديد اننا تركنا هذه الدول الأجنبية تستفرد بدولنا العربية دولة بعد دولة وتفعل بها ما تشاء من تدمير وتخريب.

***

 

رد الاعتبار

كل ما ذكطرناه في المقال السابق ومقال اليوم اردنا ان نصل منه الى نتيجة واحدة محددة.. آن الأوان لرد الاعتبار لعروبتنا.. آن الأوان لرد الاعتبار لقوميتنا العربية.. آن ألأوان لرد الاعتبار للتكامل العربي وآمال الوحدة العربية.

لسن نبالغ حين نقول ان رد الاعتبار هذا هو بالنسبة لدولنا مسألة حياة او موت.

.. رد الاعتبار للعروبة هو ضرورة أساسية لبناء الدولة العربية على أسس مدنية حديثة بعيدا عن الطائفية وخطاب التطرف والعنف الديني والانعزالي.

.. هو ضرورة أساسية حاسمة لترسيخ هويتنا العربية الجامعة، وتحجيم الهويات الفرعية التدميرية.

.. هي ضرورة حاسمة ان كان لنا ان نواجه بفعالية وكفاءة الأخطار والتهديدات الوجودية التي تواجه دولنا العربية فرادى ومجتمعة.

والسؤال المطروح بداهة : وكيف نرد الاعتبار لعروبتنا؟.. ما هو المطلوب بالضبط؟

نحن جميعا في الوطن العربي نتحمل المسئولية.

قبل كل شيء، المسئولية الأساسية والأكبر يتحملها قادتنا وحكوماتنا العربية.

القادة العرب والحكومات العربية هي التي يجب ان تتحلى بالوعي والإدراك للأهمية الحاسمة لرد الاعتبار للعروبة ولخطاب التوحيد العربي. يجب ان يتجسد هذا في خطابها الرسمي السياسي والإعلامي. هذا امر له أهمية حاسمة، لأنه كما نعلم ان الكثيرين او بالأصح الأغلبية الساحقة في دولنا يسيرون في ركاب الخطاب الرسمي. واذا قررت حكوماتنا رد الاعتبار للعروبة فسوف يصبح خطابا سائدا في المجتمع.

الأمر المهم الحاسم الآخر ان الحكومات العربية يجب ان تتجرد من انعزاليتها ورؤاها الضيقة الأفق، وان تدرك ان التكامل العربي، وبناء القوة العربية الموحدة هي ضرورة مصيرية لكل دولنا بلا استثناء.

وبغض النظر عنم مواقف الحكومات العربية، يتحمل الباحثون والمثقفون والمفكرون والاعلاميون العرب مسئولية كبرى.

هؤلاء جميعا يجب ان يبادروا برد الاعتبار للعروبة ولخطاب التكامل والتوحيد العربي، في ابحاثهم وفي كتاباتهم.

الباحثون في مراكز الأبحاث العربية يجب ان يطرحوا مجددا في دراساتهم وابحاثهم الأهمية المصيرية الحاسمة لاعادة احياء الخطاب القومي، ويجب ان يطرحوا مجددا بشكل علمي مدروس أهمية التكامل العربي والتوحيد العربي، على كل المستويات الاقتصادية والسياسية.

والكتاب والصحفيون العرب يجب ان يفعلوا نفس الشيء في كتاباتهم.

يجدب ان يجعل المثقفون العرب عامة الخطاب القومي مطروحا بإلحاح على الساحة العربية.

ان فعل المثقفون العرب هذا ـ فسيكون بحد ذاته عامل ضغط على الحكومات العربية كي تعيد النظر في مواقفها وسياساتها.

ونحن بحاجة في دولنا العربية ال برامج ثقافية مدروسة تعيد الاعتبار لعروبتنا.. برامج تتوجه الى تلاميذ المدارس، والى الأسر العربية، وال كل قوى المجتمع المدني.

***

 

ثلاث ملاحظات نظنها مهم نحب ان ننهي بها هذا الحديث:

1- اننا جميعا في الوطن العرب يجب ان ندرك، وقد نبهت الى هذا مرارا في كتاباتي، ان عروبتنا وقوميتنا العربية ليست ايدولوجية سياسية، كي نتفق او نختلف حولها كما نفعل مثلا مع الاشتراكية او الراسمالية.. هي جوهر هويتنا العربية.

 

2- ادعو كل النخب الفكرية والثقافية والإعلامية العربية في كل كتاباتها وأحاديثها ان تعود الى استخدام تعبيرات مثل "القومية العربية" و"الأمة العربية و"الوطن العربي" و"العروبة". هذه ليست مسألة شكلية. هي ضرورة لتكريس الوعي العام بعروبتنا والاعتزاز بأمتنا العربية.

 

3- أن من الأكبر الأمور التي تدعو للتفاؤل رغم كل شيء، انه في الوقت الذي كفرت فيه النخب السياسية والفكرية في دولنا بعروبتنا، فان الشعوب العربية لم تفعل ذلك.

شعوبنا العربية العظيمة لا تترك أي مناسبة الا وتؤكد فيها تمسكها بعروبتها وفخرها بانتمائها الى الأمة العربية. شعوبنا العربية كلها في كل دولة عربية وفي كل مكان في العالم تتشارك الهموم والآلام والآمال.. تعتبر ان كل ما يجري في دولة عربية، خيرا او سوءا يخصها ويعنيها.

موقف شعوبنا العربية على هذا النحو هي قاعدة كبرى لصحوة عربية جديدة نرد فيها الاعتبار لعروبتنا وآمال التكامل والتوحيد العربي.

شبكة البصرة

الاثنين 1 جماد الاول 1440 / 7 كانون الثاني 2019

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط