الدور الدنيء لال الصباح (مغتصبي قصبة كاظمة) في المؤامرة على العراق

تتمة الجزء الأول

شبكة البصرة
د. صباح محمد سعيد الراوي

المقدمة عن تاريخ الكويت وكيف كانت ومن هم ال الصباح

إذا، أسلفنا في الجزء الاول أنه بدأ الاقتطاع وسرقة الاراضي من العراق، وبدأت تظهر إلى النور ملامح دويلة مقتطعة من ترابه محمية من الانجليز. وربما يتذكر القاريء ان الانجليز اقترحوا على شيخ الكويت اتخاذ علما يختلف عن العلم العثماني ترفعه السفن التابعة له وهو ما يعتبر بداية الانسلاخ الفعلي عن البصرة وتمهيدا لما يسمى استقلال. وقتها، كتب المقيم البريطاني بيرسي كوكس بتاريخ 16/7/1905 تقريرا الى سكرتير حكومة الهند جاء فيه:

بالاشارة الى برقية وزارة الخارجية رقم 943 والحاقا ببرقيتي يوم 14/7/1905 اتشرف بابلاغكم بالاجراء الذي قمت به بصدد تقديم المشورة لشيخ الكويت باتخاذ علم مميز لاستخدامه في السفن التي تعود اليه او إلى مواطنيه... لم يحبذ الفكرة في النهاية لان الشعب لن يعرف الفرق في التغيير الحاصل وهذا العمل سيضاعف عدواة الاتراك نحوه... وقلت له انه بالامكان اضافة شيء او تغيير تصميم العلم الحالي الذي يرفعه وطلبت منه ان يسمح لي بوضع بعض التصاميم للعلم... وقمت بمقابلة طويلة مع الشيخ حول هذا الموضوع ومواضع أخرى بتاريخ 12 من هذا الشهر وعرضت عليه نماذج من الاعلام المرفقة طيه... شاهد الاعلام ومنها علم مشابه لعلم خديوي مصر، اردت الشيخ ان يشاهده لعله يرغب به على الرغم من انه يحوي الهلال والنجمة... ثم اخيرا قرر ان يكون العلم التركي هو علم الدولة على ان تكتب عليه كلمة كويت بالعربية...

 

بالواقع، ان ممثلو الحكومة البريطانية هم راسمي الخرائط في الخليج، وهم حكم المنازعات وهم اصحاب الكلمة التي لا ترد، وكان المرجع من قبل هو مصالح التجارة ومواقع السيطرة. ومع اكتشاف البترول في العراق وايران اضيفت مرجعية احتمالات ظهوره الى ما سبقها من مرجعيات واعدت خرائط وترتيبات ما بعد الحرب العالمية الاولى على أساسها. وبعد ان ترفع منصب بيرسي كوكس ليكون مفوضا لحكومة الهند ومندوبها السامي في الخليج، فإنه اتخذ من بغداد مقرا له.

 

تروي محفوظات الوثائق البريطانية مشهدا غريبا من المشاهد التي تم بها رسم الخطوط بين الكويت ونجد، كان السلطان عبد العزيز ال سعود سلطانا على نجد فقط، وطلب اليه السير بيرسي كوكس ان يلقاه في منطقة تدعى ((العقير)) لحل مشكلة المنازعات على الحدود بينه وبين الكويت، وعندما جيء بالشيخ والسلطان قام بيرسي كوكس وأمسك قلما ورسم خطا على خريطة، واصبح هذا الخط حدودا دولية بين ما يعرف بالكويت وبين نجد، وقد اعتبره السلطان عبدالعزيز يومها مجحفا وحزن لذلك وكاد ان ينهار حين رأى الخط، ومما زاد في حزنه انه لم يكن باستطاعته فعل شيء!!! أما خط الحدود مع العراق فقد كان أصعب، ذلك أن العراق كان كيانا أظهر وأكبر مما يسمى الكويت. كان وضع العراق على الخريطة -ولا زال- بالنسبة للجزء المسلوخ منه مثل الجبل، بينما قطعة الارض التي انسلخت منه تبدو تحته حجر صغير مقتطع منه.

 

كذلك، لعل القاريء يتذكر انه مر معنا في الجزء الأول ان دولة ال عثمان كانت تواجه المشاكل والمؤامرات من كل حدب وصوب، وأن شمس العثمانيين التي كانت يوما ما تضي في سماء أوربا، قد بدأت بالمغيب، وبدأ هذا الكيان الضخم والمترامي الاطراف يواجه العلل والامراض والتقسيم والمؤامرات من كل جوانبه. ناهيك عن التذمر الداخلي في كل الاقطار التي كانت تحت امرة السلطان العثماني.

 

إحدى هذه المؤامرات التي كانت تواجهها الدولة العثمانية هي مؤامرة بريطانية بأيدي عربية، وبالتحديد بواسطة الشريف حسين عون، الذي يقول احفاده الان انهم من العائلة الهاشمية التي تفخر وتتزين بانتماء سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم اليها.

 

فقد أوعزت بريطانيا للشريف حسين بن عون وأوغرت صدره بالخيانة العربية الكبرى (وأنا بالواقع لا اسميها ثورة كما يقولون عنها... او كما يطلقون عليها النهضة العربية الكبرى) ضد دولة الخلافة الاسلامية العثمانية، وحرضته عليها، ووعدت بجعله ملكا للبلاد العربية على ان يكون مقر حكمه في الحجاز، وبدأت هنا شمس ال عثمان بالمغيب فعليا عن الوطن العربي بعد عام 1916، وقتها، كان المقيم البريطاني بيرسي كوكس قد اصبح السير بيرسي كوكس (كما أسلفنا) مفوض حكومة الهند ومندوبها السامي في الخليج وأتخذ من بغداد مقرا له.

 

وبالواقع انه بعد ان غابت شمس العثمانيين عن الوطن العربي، وجهت بريطانية صفعة قوية للشريف حسين، بأن نكثت معه كل وعد قطعته له، وادارت له ظهرها، وهذا بالواقع ما سبب الما في نفسه، فيقال انه مات مقهورا، وبدلا من ذلك، قطعت وعدها الشهير لليهود عام 1917 باقامة دولة لهم في فلسطين وكان هذا ما عرف وقتها باسم وعد بلفور المشؤوم...

 

وعلى أي حال فقد كان السير بيرسي كوكس ومساعدوه هم الذين اختاروا بمساعدة المكتب البريطاني في القاهرة ملكا هو فيصل بن الحسين، الذي تولى عرش العراق باسم فيصل الاول، وذلك بعد أن طرده الفرنسيون من سوريا عقب غزوهم لها في عام 1920 اثر معركة ميسلون الشهيرة.

 

اذ، بعد نكث الوعد مع الشريف حسين، وبعد عدم تلبية رغبته بجعله ملكا للبلاد العربية يحكم من الحجاز كما كان يتمنى، قام الانجليز بترضيته، بأن جعلوا ابنه فيصلا حاكما على سورية أولا، لكن هذا الحكم لم يستمر طويلا، اذ كان هناك بالخفاء تنفيذ اتفاقية ما يعرف بسايكس بيكو التي قسمت بعض الدول العربية بين فرنسا وبريطانيا، فقامت فرنسا بغزو سوريا اثر معركة ميسلون الشهيرة، وابعدت فيصلا عن سوريا، فتلقاه الانجليز، واجروا استفتاء في العراق لاختياره ملكا عليه، ففاز فيصل بنسبة فاقت التسعين بالمائة من اصوات العراقيين الذين آثروا ان يكون حاكمهم عربي الهوى واللسان ومن نسل بني هاشم، فهو افضل على اي حال من حاكما انجليزيا لا يعرفون له اما ولا أبا.

 

أقول، ربما يتفلسف البعض (الغوغاء والخونة والجواسيس) أن الرئيس صدام حسين حين كان يحوز على نفس النسبة تقريبا في الانتخابات التي كانت تجري في عهده، فإنها كانت نسبة مزورة وغير صحيحة لا ليست مزورة بل لقد كانت تلك نسب حقيقية، والدليل، ها هم العراقيين في تلك الفترة (عام 1921) اعطوا نسبة تقرب من أكثر من 90 بالمائة لفيصل الذي لم يكن من العراق اصلا، فكيف بمن هو عراقي الهوى واللسان، ولد في العراق وعاش في العراق وشرب من دجلة وحارب لاجل العراق وبنى العراق واشرف على جيشه وعلمائه وصناعته؟ الشعب العراقي في ذلك الوقت انما اعطى صوته ليس لشخص فيصل نفسه فحسب، (مع الاحترام له)، وانما اعطى صوته للعروبة والاسلام ممثلين في فيصل، وفضل فيصلا القادم من الحجاز على حاكم انجليزي اصله نجاسة ومنبته نجاسة وبيئته قذارة ونجاسة معا... هل وضحت الصورة؟ لذلك اقول، لا يتفلسفن احد من العملاء والخونة الذين ينعقون في الفضائيات على ان نسب الانتخابات التي كانت تجري في عهد صدام كانت مزورة.. اصلا لم نكن بحاجة الى مراقبين علينا ليقرروا ما اذا كانت النسب صحيحة ام لا؟ ولسنا بحاجة للخرف كارتر وغيره، فهل اذا جاء كارتر ومن على شكله ليراقبوا الانتخابات في العراق وليقولوا بعدها انها صحيحة او مزورة سيكون كلامهم مقدسا ولا ينقض؟ ايضا هناك دليل علـى هذا الكلام ايضا، إذ، حين اوقف العلوج الليث الاسير وحاكموه، اجرت فضائية الجزيرة استفتاءا يقول، هل تعتقد ان محاكمة صدام كانت عادلة؟ كانت النسبة على هذا الاستفتاء اكثر من 84% قالوا انها غير عادلة، وقبل ذلك كانت قد اجرت استفتاءا عن الاوضاع في العراق وايها افضل هل كانت افضل في عهد صدام ام في عهد الاحتلال؟ فكانت النسبة اكثر من 75% انها كانت افضل في عهد صدام وكان معظم المصوتين لكلا الاستفتائين هم من داخل العراق. ولو ان الظروف اتيحت للشعب العراقي ليستفتى هل يصوت لليثه الاسير ام لواحد من هؤلاء الخونة المرتزقة، لفاز الليث الاسير بنسبة مائة بالمائة من الاصوات وانا متيقن من ذلك.

 

نعود الى موضوع الحدود الذي حاول بيرسي كوكس رسمه، إذ، حتى فيصل الذي تولى حكم العراق بإرادة بريطانية لم يستطع أن يقبل خط الحدود الذي وضعته السلطات البريطانية فاصلا بين العراق والكويت، واعتبره مجحفا بحق العراق، وغير مقبول أبدا، ويروى انه قال: انه سيكون خائنا لهذا الشعب الذي اختاره ملكا عليه فيما لو قبل هذا الخط المجحف والغير عادل أبدا... كذلك، حتى هؤلاء الرجال الذين كانوا محسوبين على بريطانيا في بغداد وأولهم نوري السعيد باشا لم يقبلوا بهذا الوضع ابدا، بل اضمروا في أنفسهم شيئا ما حيال هذا الأمر، وراح الهمز واللمز يدور بينهم على ان بريطانيا مصممة بلا شك على خلق مشاكل مستقبلية للعراق من خلال هذا الكيان المسلوخ منه والمزروع في جنوبه، وهو ما لم يقبل به اي عراقي سواء من كان متعاونا مع الانجليز ام من كان ضدهم.

 

ومات الملك فيصل في عام 1933، ويروى ان ممرضة يهودية كانت من ضمن الحاشية التي رافقته في رحلة العلاج الى سويسرا هي التي دست له السم في المصل الطبي الذي كان يأخذه، وأغلب الظن، حسب ما جاء في الكتب التي تحدثت عن هذا الامر، وحسب ما روى بعض المقربين منه فيما بعد ان هذا كان صحيحا، والظاهر ان بريطانيا هي التي قتلت فيصلا وأغلب الظن أيضا أن موضوع الكويت كان من الاسباب التي أدت الى مقتله إن لم يكن هذا هو السبب الرئيسي.

 

(أرجو أن يتذكر القراء ما حدث في ايامنا هذه.. قتل الصهاينة ياسر عرفات، وذلك بدس السم في طعامه لانه رفض التنازل عن القدس ورفض اسقاط حق عودة اللاجئين... لاحظوا ايها الاخوة كيف ان الموضوع غاب عن واجهة الاعلام كليا ولم يعد أحد يتحدث عن هذه الجريمة النكراء).

 

وجاء بعد فيصل ابنه غازي، واذ به يأخذ موضوع تبعية الكويت للعراق بمنتهى الجدية، واذ به ايضا يجعل هذا موضوعه الرئيسي، واذ به يجعله شغله الشاغل، واذ بغازي ينام ويصحو وليس له من بعض حديثه الا تبعية الكويت للبصرة بالذات، كان غازي في معظم أحاديثه ومع اي كان، لا بد أن يدرج في سياقها جملة أن (الكويت قطعة ارض مسلوخة من جنوب العراق ومن البصرة بالذات ولابد أن تعود يوما ما). ووصل الأمر بالملك غازي أن أمر بإنشاء إذاعة خاصة في قصر الزهور راح يذيع منها بنفسه بيانات تنادي بعودة الكويت إلى الوطن الأم العراق، وتنادي بتبعية الكويت للبصرة، وتذكر بأن اهلها عراقيون، وتقول بأن شيوخها كانوا يتلقون مساعدات من والي البصرة، وان العراقيين لا يجب ان يسكتوا على هذا الوضع، وان هذه الارض عراقية، وانه من العار اغتصاب جزء من الوطن... وهكذا...

 

ويكشف تقرير يحمل رقم (23180/371) بعث به السير موريس بيترسون (المندوب السامي البريطاني في العراق) أنه (بيترسون) احتج على نوري السعيد بسبب هذه الاذاعة الموجهة من قصر الزهور وجاء في التقرير ما يلي:

((أخبرني الجنرال نوري السعيد الذي كان مع الملك طيلة هذا الصباح بأن البث من إذاعة القصر سببه تسلم الملك برقيات معنونة إليه شخصيا عن هذا الموضوع. وقد عبرت الحكومة الموالية لنا عن أسفها لاستمرار هذا البث، وأعربت عن أملها أن ذلك سوف يتوقف.

 

وقلت إن الصحف العراقية ما زالت تنشر المقالات تلو المقالات التي تنادي بعودة الفرع إلى الأصل والتي يقول كاتبوها إن هذه أرض عراقية مائة بالمائة وأن أهلها هم عراقيون ويجب إعادتها الى الوطن الأم بأي شكل، وبأن طلبة كلية الحقوق في بغداد قد طالبوا السماح لهم بالقيام بتظاهرات تنادي بعودة الفرع للأصل، وأن هذا الذي يحصل من محاولات السلخ وإقامة كيان منفصل عن الكيان العراقي يجب أن يتوقف. ثم أظهرت استغرابي من أن الصحف العراقية كلها تطلب من الحكومة العراقية تسليح الجيش العراقي بشكل جيد كي يتمكن من استعادة الكويت وضمها الى الوطن الأم)).

 

ويأخذ هذ الموضوع حيزا واسعا في تقارير المندوب السامي التي كان يرسلها بشكل شبه يومي، ولم يتوانى المندوب السامي البريطاني عن توجيه إنذار مباشر للملك غازي بأن التفكير بموضوع الكويت يجب أن يتوقف.

 

وعشية اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939 قتل الملك غازي في حادث سيارة مريب في قصر الزهور نفسه، وراجت اقوال وشائعات على أن الملك لقي مصرعه بسبب مشكلة الكويت نفسها وإلى حد كبير كانت هذه الشائعات صحيحة، فقد تبين أن مقتل الملك لم يكن بسبب اصطدام سيارته بعمود داخل القصر كما قالوا، وانما بسبب ضربة مفاجئة من فأس تلقاها على مؤخرة رأسه، وقد أكد هذا الأمر العديد من الضباط والاطباء العراقيين الذين حاولوا فعل شيء لانقاذ حياة الملك.

 

وعاشت بغداد اياما حزينة لمقتل الملك الشاب غازي الذي صنع قبل موته ما ادخل محبته على كل قلب وجعله صديقا لكل عربي في ذلك الوقت، وليسمح لي القاريء هنا أن أدون ما احتفظ به في أرشيفي، وكان هذا مقالا نشر في سنة 1939 بعد نشر خبر مقتل الملك غازي... ((بالواقع هو من المكتبة التي يحتفظ بها الوالد))

...... كان الناس يتدافعون ويستبقون البلاط باكين مفجوعين، مشهد للحزن ما احسب انه اروع منه يكون، فخالفت الجماهير وقصدت شارع الرشيد فلم ابلغ الصابونية حتى رأيت مئات النساء تحكي ثيابهن ومظاهرهن الغنى والحشمة وهن ينشدن شعرا عاميا او شبه شعر وكلما قلن بيتا لطمن وجوههن وبكين بحرقة والم فما رآهن أحد الا بكى اشد بكاء، ورأيت من بعد الافا من الناس قد حملوا شاعرا عاميا فهو يقرأ لهم شعرا كله تفجع والم وهم يلطمون ويضربون صدروهم... وكان يوما عاصفا ومخيفا والنهر مضطربا مرعبا، كأن الطبيعة قد روعها النبأ كما روعنا، ففقدت هي الاخرى اتزانها وهدوءها... واذ بالكرخ قد نشرت فيه الاعلام السوداء ودقت طبول المآتم وخرج اهلوها عن بكرة ابيهم، النساء يلطمن والرجال يضربون الصدور وقد تعروا وتكشفوا.... حتى صارت الصدور محمرة من كثرة الضرب... وكثرت المواكب وكان كل موكب يحمل صورة سيد شباب العرب وكان القوم يقولون:

الله أكبر يا عرب غازي انفقد من داره

واهتزت اركان السما، من صدمة سيارة

قولوا لفيصل في القبر يستقبل وليده

 

فلما تم الدفن واودع الثرى الملك الشاب الذي كان يفيض قوة وحياة وحومت الطيارات الوطنية تحمل شارت الحزن السوداء الطوال، وانطلقت المدافع تعلن انتهاء الدفن، وايقن الناس ان المصيبة قد تمت وان الرجاء قد امحى... فأسلموا امرهم لله وصمتت الالسنة التي طالما انشدت ورثت وتفجعت وجفت الدموع التي طالما ذرفت.. وانفضت الجموع واجمة ما فيها من يتكلم او ينبس وفي القلوب نيران.. ولم تسكت آخر طلقة من طلقا المدفع التسعة والتسعين حتى عم المدينة صمت عميق وغدت كأنها قبر واحد هو قبر غازي...

 

من كان يظن ان الملك الشاب ابن الخمس والعشرين يموت؟

من كان يظن ان هذه الهبة الكبرى انما هي استعجال للقدر؟

يا غازي... لقد كمل الجسر العظيم الذي لم ينشأ مثله في عهد الرشيد والمأمون فأين انت لتفحه بيدك وتخطو فيه اول خطوة بقدمك؟

لقد وصل الخط الحديدي الى الموصل افلا تفضلت فرعيته وافتتحته؟

لقد تهيأ العرب ليمشوا تحت لوائك الى قمم المجد وذرى العظمة فتقدم يا مليك العرب يا قائد العرب

اين قائد العرب؟ اين المليك.. لقد مشى الى رحمة الله... فإنا لله وإنا إليه راجعون...

لقد كان لنا مناط الامل.. لقد كان لنا كل شيء... فيا أهل بغداد كلنا في المصيبة سواء...

 

ظلت القضية معلقة تظهر وتختفي حتى جائت سنة 1958 وفي وقائعها ذلك الفوران الشديد الذي عاشته المنطقة العربية بقيام الوحدة بين مصر وسوريا، ثم محاولة الملوك في بغداد وعمان اعلان قيام اتحاد هاشمي ليجمع بين البلدين في وحدة اعتبرها البعض ردا على هذه الوحدة، وتكشف الوثائق البريطانية ان البلدين طالبا الحكومة البريطانية بحل مشكلة العلاقات بين العراق والكويت. وفي شهر يونيو عام 1958 كتب السفير البريطاني في بغداد الى حكومته ما يلي: ((أنه سمع أن هناك تفكيرا بأنه اذا لم توافق الحكومة البريطانية على الطلب الهاشمي، فإن الاتحاد الجديد يستطيع أن يتدخل ويضم الكويت إليه، عارفا أن بريطانيا لن تستطيع عمل شيء لمقاومة ذلك، وإلا كان معناه أنها ستحارب الطرف العربي الوحيد الذي يساندها في عدائها وحربها لجمال عبد الناصر الذي يطارد بقايا نفوذها في المنطقة بعد معركة السويس، والذي سيجد له أنصارا كثيرين بين العناصر القومية والثورية في الدويلات الناشئة على شواطيء الخليج)).

 

لم تمض أسابيع على هذا الكلام حتى قامت ثورة 14 يوليو 1958 في العراق وانتهى الحكم الملكي بالنهاية المأساوية إياها التي لم يوافق عليها الكثير من العراقيين بالحقيقة. وأنا هنا لا أعني ان بعض العراقيين لم يوافقوا على الثورة، بل لم يوافقوا على تلك النهاية للاسرة المالكة، التي كانت فعلا نهاية دموية، والتي لا اريد تكرار بعض فصولها هنا في هذا البحث، فهي بالفعل مأساوية وتفاصيلها مقززة بعض الشيء.

 

وبدأ حكم اللواء عبد الكريم قاسم، وبدوره قام اللواء عبد الكريم بفتح موضوع تبعية الكويت للعراق، فاثاره في مناسبة اتفاق تم التوصل إليه بين بريطانيا وشيخ الكويت سنة 1961 يقضي بإعلان إمارة الكويت دولة مستقلة، وتقدمت الدولة الجديدة لعضوية الأمم المتحدة ولعضوية جامعة الدول العربية، لكن عبد الكريم قاسم ما لبث أن حشد رجال الجيش العراقي حول البصرة مهددا بالتدخل العسكري لإعادة الكويت إلى العراق، مؤكدا أن هذه دويلة مسلوخة من البصرة نفسها، وان العراق لن يوافق عليها كدولة مستقلة، حينها، حاول الانجليز تأخير انسحاب قواتهم من الكويت وأعادوا بعض القوات التي انسحبت عائدة الى لندن. هنا، تصدت مصر للازمة، فقد وجد جمال عبد الناصر ان مصر يتعين عليها ان تحافظ على استقلال الكويت لعدة اسباب رأها تتعلق بالحقائق العربية والدولية السائدة في ذلك الوقت.

 

أقول، لعل جمال عبد الناصر كانت رؤيته ان العرب لا زالوا حديثي العهد بالاستقلال، وان مصر كانت لا زالت تلعق جراح عدوان 1956 الثلاثي، وكان يظن ان موضوع التصدي لاسرائيل في ذلك الوقت اهم من موضوع الكويت، وربما ايضا خشي ان يتعرض العراق لنفس العدوان الثلاثي الذي تعرضت له مصر في عام 1956، لذلك ارتأى على الحكومة العراقية في ذلك الوقت تهدئة الموضوع قليلا...

 

تكشف وثائق وزارة الخارجية العراقية أنه في شهر يوليو 1961 وقف عدنان ‏الباجه جي ((الذي كان يعتبر من خيرة الدبلوماسيين العراقيين والعرب وابن أحد ‏رؤساء الوزارة البارزين وهو أحمد حمدي الباجه جي والذي لوث ولطخ سمعته ‏في أواخر سني حياته عندما ارتمى بين أحضان التحالف الصهيوصليبي الذي اعتدى على العراق واحتله)) وقف أمام مجلس الأمن بادئا بطلب رفض شكوى ‏حكومة الكويت من التهديدات العراقية قائلا:

 ((إن الكويت ليست الآن، ولم تكن ‏في أي وقت في الماضي دولة مستقلة، وقانونيا وتاريخيا فإن الكويت كانت ‏باستمرار جزءا لا يتجزأ من ولاية البصرة العراقية)) ثم يمضي حسب الوثائق ‏في شرح الحجج التاريخية والقانونية التي يعزز بها هذا الرأي كاشفا ان ال ‏الصباح كانوا مجرد حرس لأهالي السكان الذين كانوا يجوبون البحار في سفنهم ‏إما لصيد السمك او استخراج اللؤلؤ أو للتجارة.‏

 

نجح العراق في تعطيل انضمام الكويت الى عضوية الأمم المتحدة لمدة سنتين، ‏رغم ان العرب ارسلوا قوات لحماية الكويت من الجيش العراقي، وكانت تلك ‏القوات مصرية بالدرجة الأولى، ولم ينفتح الطريق أمام الكويت لدخول الأمم ‏المتحدة إلا بحملة علاقات عامة (وخاصة) ودفع رشاوي هنا وهناك تكلفت قرابة ‏مليون دولار في ذلك الوقت، تضمنت فيما تضمنته تأمين الحصول على أصوات ‏بعض الدول الافريقية والاسيوية الصغيرة والفقيرة في الجمعية العامة، وتحقق ‏ذلك سنة 1963 (أعاد التاريخ نفسه عام ‏‏1990 عندما قاموا بنفس الدور وراحوا يدفعون المليارات هنا وهناك لأجل ‏شراء المواقف والذمم والضمائر إبان الأزمة التي نحن بصدد الحديث عنها).‏

وكانت الظروف في العراق على وشك أن تتغير. وكانت ‏الأزمة وموضوع الكويت مؤجلا أكثر منه منتهيا.

 

اللقاء مع جمال عبد الناصر

سقط نظام اللواء عبد الكريم قاسم عام 1963 وانتهى الحكم الانفصالي في دمشق ‏بعده بشهر واحد، وطلب البلدان (سوريا والعراق) وحزب البعث إقامة وحدة ‏تجمعهما مع مصر.

وعندما جاء الوفد العراقي برئاسة علي صالح السعدي نائب ‏رئيس وزراء العراق الى القاهرة للتباحث حول موضوع الوحدة مع جمال عبد ‏الناصر، فإن أول موضوع فتحه العراقيون هو موضوع الكويت، وحق العراق ‏الذي لاينازع فيه ولا يمكن التخلي عنه مهما حصل، وكان الوفد العراقي يحفظ ‏عن ظهر قلب كل الحجج والوقائع التاريخية والوثائق والخرائط التي تعزز ‏دعاويه.

 

لكن جمال عبد الناصر كان له رأي آخر في الموضوع تلخص في ((أن ‏ما يطلبه العراقيون حق مشروع ولكن يعتقد أنه الآن قد فات أوانه بعض الشيء ‏بسبب أن الانجليز لم يعودوا وحدهم يريدون السيطرة على بترول الخليج، وانما ‏هذه السيطرة انتقلت أكثر إلى أيدي الأمريكان، ولذلك فإن أي أحد يريد أن يضم ‏دولة من دويلات الخليج فإن أول من سيواجهه هو أمريكا القوة العظمى ‏المتنامية، على ان الاتحاد السوفييتي نفسه يسلم بأهمية بترول الخليج لأمريكا ‏والغرب عامة، إنكم لا تعرفون مدى حساسية الغرب تجاه موضوع الكويت، أننا ‏حين أعدنا العلاقات مع بريطانيا، طلبوا فتح خمس قنصليات في كل من: القاهرة ‏والاسكندرية وبورسعيد ودمشق وحلب، فطالبنا نحن ايضا بخمس قنصليات في ‏بريطانيا وتوابعها، وطلبنا أن تكون هذه القنصليات في كل من: لندن وليفربول ‏ودار السلام وعدن والكويت، فوافقوا على كل المدن الا الكويت.. وقال لنا السير ‏كولين كرو، أبدا إلا الكويت..فهذه المنطقة بالنسبة لهم ليس فيها هزار....ثم ‏مضى عبد الناصر بشرح الكثير من الوقائع والمخاطر وخطط الغرب وأمريكا)) ‏والتي تبين فيما بعد أنها كلها صحيحة صادرة من رجل لديه بعد نظر ‏استراتيجي.‏

 

اقول، لقد كانت مساحة ما يعرف اليوم بالكويت عندما كانت محمية بريطانية صغيرة جدا وتكاد تكون غير مرئية، وهذه حقيقة وليست افتراء، لكنهم استغلوا فترة حكم الاخوان الضعيفان عبد السلام وعبد الرحمن عارف ليسرقوا المزيد من اراضي العراق وليتوسعوا من نقطة ما يعرف بالمطلاع الى اكثر من حدودهم الحالية اليوم واعتقد انهم سرقوا المزيد من الاراضي اليوم مع اجتياح الاتحاد المغولي الصهيوصليبي للعراق) ‏‏(أتمنى من القراء الكرام عدم نسيان هذا الاسم) لقد كان جواز سفر المرحوم ياسر ‏عرفات مختوما في هذا المركز الحدودي. ثم في فترة العدوان المجوسي الفارسي الحاقد على عراقنا، استغل افراخ النفط واللصوصية انشغال رجال الجيش العراقي بصد العدوان المجوسي، فقاموا بما يقوم به اللصوص والمجرمين في الليل حين ينام العسس، فتقدموا كيلو مترات اضافية وراحوا يستغلون حقول نفط معروفة منذ البداية ‏انها ضمن الاراضي العراقية... وسرقوا المليارات من العراق كما يسرقون الان تحت حراب المحتل المغولي الصهيوصليبي....

بقيت قضية الجزء المسلوخ من العراق شبه نائمة في الدروج على الاقل، لكنها لم تنم في نفوس العراقيين ابدا، وحين قامت ثورة 17 تموز عام 1968 والتي جاءت بحزب البعث العربي الى السلطة ‏في العراق، فإن هذا الموضوع لم ينساه الحكام الجدد ايضا، وإن علقوه لفترة ‏معينة، فقد كان العراق في تلك الفترة يمر من مرحلة حكم إلى مرحلة أخرى، وكان عليه ترتيب الكثير من الاوضاع الداخلية وتأميم النفط والنهوض بالبلاد في مختلف النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية، وكذلك تسليح الجيش جيدا وتدريبه وشراء الاسلحة من مختلف مصادرها، ناهيك عن حرب تشرين عام 1973، والتي شارك فيها الجيش العراقي بفاعلية واستطاع رجاله صد الصهاينة عن دمشق وارغامهم على التراجع عنها، وكل هذا يضاف إليه التمرد ‏الكردي ضد الحكومة العراقية الحديثة آنذاك، والذي كان يقوده عميل وغد اسمه البرزاني (والذي اكمل دوره الخياني ابنه من بعده) والذي كان مدعوما من اسرائيل وايران (من المفارقة ان بعض الاكراد المغرورين يطلقون على مصطفى البرزاني لقب ملا، كناية عن كونه عالم دين، بينما هو بالواقع ابعد الناس عن الدين الاسلامي الحنيف، فليس عالما من يضع يده بيد الصهاينة ويخون الوطن الذي احتواه ورعاه، وقد اثبتت الايام والاحداث انه وابنه ما هم الا نتاج نطفة حقيرة نبتت من معشر حرام).

 

إذا، ارتأى الحكام الجدد للعراق، تعليق هذا الموضوع قليلا، ‏لكنهم في قرارة أنفسهم لم ينسوه أبدا، وكان بعضهم يغلي الدم في عروقه وهو يرى كيف سلخت هذه الدولة من البصرة وقامت مثل الزائدة الدودية في جنوب العراق، وبدا كل واحد من المسؤولين العراقيين ‏منهمكا ومنشغلا بمراجعة ما وقع تحت يديه من وثائق تتعلق بالكويت وكيف ‏نشأتها ومتى حصل ذلك، ملقيا باللوم على بريطانيا التي أوجدتها كما أوجدت ‏الكيانين الصهيوني والاردني.

 

وعلق أحد المسؤولين العراقيين البارزين يومها ‏أمام الرئيس أحمد حسن البكر -يرحمه الله- ان بريطانيا دقت في جسد العرب ‏ثلاثة مسامير قاتلة كفيلة بجعل المارد العربي مريضا لا يقوى على النهوض ما ‏لم يتخلص من هذه المسامير وهي: الاردن والكويت واسرائيل، وأن المارد ‏العربي اذا ما أراد العودة إلى أيام المجد القديمة وإقامة الوحدة العربية الكبرى ‏تمهيدا لقيادة العالم الإسلامي بأسره فإن عليه أولا التخلص من هذه المسامير ‏وإخراجها من جسده وإعادة الاراضي المسلوخة إلى أصولها.‏

كان لابد من هذه المقدمة عن تاريخ الكويت وكيف انسلخت هذه الدويلة عن ‏العراق وصار لها كيان مستقل، وأسرة آل الصباح ومن هم واين كانوا وكيف ‏كانوا.‏ على انه سيكون لي عودة لاحقة ومفضلة للخليج عندما يحين دور الحديث عما يسمى مجلس التعاون الخليجي.

يتبع....

د. صباح محمد سعيد الراوي

كييف أوكرانيا

الأحد 16/1/2005

شبكة البصرة

الاحد 5 ذي الحجة 1425 / 16 كانون الثاني 2005