حوار على ضوء المباديء والتاريخ

بين الرؤية الوطنية ومدعِّي الموقف الوطني

إصدار جريدة نداء الوطن أوائل عام 2002

الجزء الأول

شبكة البصرة

باقر الصراّف

نحن وطنيون قبل أن نصبح حزبيين

الحلقة العاشرة

    فنحن ، إذاً ، وطنيون قبل أن نصبح حزبيين ، وإخترنا أحزابنا في سبيل الوطن ، مثلما إختار البعض ((صنمه)) الطائفي أو الطبقي ، وجلس القرفصاء ببلادة إستثنائية في محرابه يتعبده ، دون ملاحظة التغييرات السياسية العالمية والإقليمية والعربية والتفاوتات الزمنية ، مكتفياً بقناعاته الأبدية التي شبَّ عليها ، ودون الإيمان بأنَّ هذا الوطن العراقي ، هو  مُلك للأجيال الحالية والمستقبلية ، والذي خلَّفتها لنا الأجيال السابقة ، وهي أجيال وُلدت في زمنٍ حتى  أقدم من الأديان السماوية الحالية ، وأبعد من مرحلة تأسيس الطوائف ، وأكثر عُمقاً وإصالة من تكوُّن الطبقات الإجتماعية ، وخلال كُلِّ العصورالزمنية والعهود الإجتماعية المعروفتين ، التي تعاقبت على تاريخ العـراق ، منذ فجر التاريخ وظهور الحضارات البشرية الأُولى .

    ولكن ما هو الخبر الذي أطار صواب السيد الكاتب وجعله يصرخ بكلِّ صُوته : وجدتها... وجدتها... وجدتها ، منافسَّاً مكتشف قانون الجاذبية ! ؟ .

   أهو توصيف النشرة لأحد العاملين في إذاعة ما يُسمى بـ((العراق الحُرْ)) بأنه إيراني ، ولا ينتمي لقبيلة ((طي)) العربية ! ؟ .

   أي أنّها أوردت الصفة الواقعية لذلك الشخص ، ربما بروح حيادية جداً ، فلم يستخدم محرر الخبر الصفة القومية للشخص المعني بالخبر ، والذي يعمل بإذاعة ما يُسـمى بـ((العراق الحُر)) ، كالقول إنه فارسي ، أو بلوشي ، أو كردي ، أو عربي ، أو أذري ، وهُم وقومياتهم ، ممن يعيشون في الدولة الإيرانية ، ويكونون المجتمع الإيراني راهناً ، وينضـوون تحت راية الدولة الإيرانية ، عن إقتناع أو إضطرار ، إنمـا ذكرَ إنه مواطن إيراني ، في إشـارة واضحة لإحدى سمات العمل السياسي الذي يَدَّعي زوراً العمل لصالح العراق ! .

    وبـمـقـدار ما يتعلـق  بالإشــخـاص الآخـريـن الذين وردت أســماؤهم في صحيفة ((نداء الوطن)) ، فلم يَضِف المحرر أيَّ  توصيف أكثر مما هو ينطبق على واقع حالهم ، وبطاقات أعمالهم السابقة ، وهُمْ بطبيعة الحال لا يخجلون من أعمالهم ، لأنهم يعلمون ـ هكذا أفترض ـ إنّ عار الفعل أكبر بكثير من  عار القول .

    لـم نجـرؤ، مثلاً ، على إتهامهم الشــنـيـع بـصـفــات موبوءة لـم نتيقن مـن أدلـتـهـا المـاديـة الملموسـة ، كما فعل السيد الكاتب ، عندما وصمَ الشخص الموما إليه بإتهامات مختلفة ، كقوله/مطالبتنا بضرورة قيامنا ((بفضح هذا الشـخص كعميل وجاسـوس سـبق له العمل في إعلام مؤتمر الجلبي)) .

    لأننا لو إســتخدمنا مثل هذه اللـغـة الإتهامية التخوينية لرجمنا كلَّ مَنْ عـمِـل ـ ويعمل ـ في ذلك ((الإعلام)) بالتجسس والعمالة ، كالسيد محمد عبد الجبار ، رئيس مجموعة حزب كوادر الدعوة الإسـلامية ، رئيس صحيفة المؤتمر الدعائية ، والسيد عواد ناصر ، الشاعر والحزبي في تنظيم جماعة حميد البياتي ، والسيد عبد المنعم الأعسم ، رئيس تحرير مطبوعة ((رسالة العراق)) ، فضلاً عن أعضاء اللجنة التنفيذية لمؤتمر الجلبي ، ومن بينهم الدكتور عبد الحسين شعبان ، القيادي الشيوعي السابق ، رئيس إحدى ((منظمات حقوق الإنسان)) العراقية ، والسـيد عامر عبد الله ، عضو اللجنة المركزية المخضرم في الحزب الشـيوعي العراقي ..... لرجمناهم كلهم ، وغيرهم ممن يعملون بإعلام الجلبي أيضاً ، بالعمالة والتجسس وفقاً لمقاييس السيد الكاتب !! .

    ويربأ القائمون على جريدة ((نـداء الوطن)) بأنفسهم الإنحـدار إلى دِرَك مثل هذه اللغة الإتهامية المنحَطَّة ، التي عفي عليها الزمن !! ، ويوجهون مثل هذه الصفات الخيانية على أحد ، طالما لا يمتلكون الأدلة المادية المـلموسة ، حتى  هذه اللحظة ، لإثبات تلك الصفات ! ! .

    إنَّ محرر الخبر ، في جوهر الأمر ، لم يَدُرْ بخَلَدِه أن البعض ممَنْ يساجل ويناقش ويكتب بشكل يكاد إسبوعياً ، بطيء الفهم وعديم الفطنة إلى هذه الدرجة ، فإعتبر أنَّ صياغتة للخبر موحية بما فيها الكفاية ، وذلك في إشارة الى ظاهرة طفت على سطح العمل السياسي العراقي ، تتمثل بظاهرة السطو والإحتيال وإنتحال الصفات والأسماء ، وحمل الألقاب المزورة .

    لم يكن الشخص الموما إليه هو الوحيد في هذا الميدان ، مثلما لم يكن له قصب السبق في ((إرتياد)) ظاهرة الإدعاء والكذب ، وركوب سنام همروجتها ، فمثلاً ، إنتحل المدعو تقي بور زادة صفة أو لقب مدرّسي ، وأسس منظمته التي تعمل في العراق ، وبإسم الدين الإسلامي الحنيف ، وإتخذ منها ((منبراً)) لترويج الفكر والموقف السياسـي الطائفي المقيتين ، في أعقاب لفظ ساحة المعارضة الإسلامية  في البحرين له ، بعد أنْ عاثَ في تجربتها الوطنية المناوءة للغرب السياسي الكافر وفق المعايير الدينية الإسلامية ، وللأسرة ((الخليفية)) الحاكمة والمدعومة من أولياء الشيطان الأكبر  . . . عاثَ فيها تطرفاً سياسياً وفق التعليمات الإيرانية ، وفكراً طائفياً ، فيمم شطر نشاطه نحو الساحة العراقية ، متخذاً من دمشق ، العاصمة السورية مقراً للإقامة فيها ، بغية ترويج سمومه الطائفية السياسية عبرها ، والذي تلقى دروساً قاسية من إحدى أجهزة مخابراتها ، عندما طلب منه أحد كبار ضباطها الرأفة بالمأساة العراقية ، ومراعاة أوضاع العراقيين في ذلك الظرف العصيب ، وبالتالي وضع حَد لتصريحاته النارية ، وأحاديث الإفك الرخيص والمتواصل ، خلال نهايات العدوان الأمريكي الأطلسي/الخليجي الرسمي عام 1991 ، العسكري المباشر ، وفي أعقابه أيضاً ، وقد إبتلع ((هذا القائد)) ذلك التقريع الكريه ، وبأَعلى الأصوات والزعيق الذي إستمر نصف ساعة ، وبحضور كل قيادته المقيمة بالعاصمة الأموية العربية الخالدة ((دمشق)) ، بروح ((رياضية)) مدهشة ، ولم ينبس ببنت شـفة إحتجاجية ، أثارت حتى هلع ((قيادة أركان)) منظمته ، وفجيعتهم ((بشـجاعة))  قائدهم أيضاً ! ! ؟ . [10] .

    وإنتحل المدعو أحمد الجلبي موقع الزعامة في الحركة الوطـنية العراقية ((المعارضـة)) ، وأيده في ذلك العشرات مع الأسف ، ممن يمتلكون التاريخ ((النضالي السياسي العريق)) ، وهو الذي لم يتوانَ عن ترسيم تقدميته وديمقراطيته الليبرالية ، بالأحاديث التلفزيونية من الشاشات المرئية العربية المختلفة ، والتي تبّث قنواتها على ((القمر)) الخليجي الغني ، عن إستشهاده بتجربة القائد الأممي فلادمير ألج أوليانوف (لينين) الذي تعاون مع الألمان ، في أواخر سنوات الحرب العالمية الأولى ، أولاً . وثانياً بإنضواء الحزب الشيوعي ذي العلم الأحمر الذي زُينَتْ رفرفته بالمطرقة والمنجل ، تحت لواء تنظيمه الأصفر المُموَل دولارياً من {السي آي أي} ، و((إستشهاد)) عشرات كوادر ومناضلي ذلك الحزب في صفوف تنظيمه/مؤتمره ، وذلك عندما هدم الجيش العراقي الباسل معبد الجواسيس في أربيل ، خلال المنتصف الثاني من عام 1996 على رؤوس الأمريكان وأتباعهم ، ولاذ العملاء في أقاصي الأرض طلباً للتواري من الفضيحة ، من جهة ، ودون أن يصدر ذلك الحزب أي توضيح سياسي ، أو تكذيب علني ، في أعقاب صدور تلك التصريحات الجلبية ، ومؤتمراته الصحفية التلفزيونية أو ندواته الدعائية .

     ولم يكن صاحب الملكية ((الدسـتورية)) الذي لم يرَ العراق أبداً ، ناهيك عن الإســهام في خدمة شعبه بأي مجال كان ، سليل الوصي عبد الاله الذي نفخ في والد الجلبي الصغير مادياً وإقتصادياً ، في أعقاب قصة قضـية القمار المعروفـة ، والتي تطـرق إليها الكاتب والبحاثَّـة حنّا بطاطو بالتوثيق والتحليل . [11] .... لم يكن آخر النصَّابين المنتحلين صفة الحِرص والإنقاذ ، من الذين يتحدثون بإسم العراق ، وشعبه الجريح المُحاصَر أمريكياً بالغذاء والدواء ، ذارفاً دموع التماسيح على مآسـييه ، والذي كان سلفه {عبد الإله على وجه الخصـوص ، وبطانته من أزلام نوري السعيد} أحد أسـباب تخلف العراق وتأخره ... لم يدُرْ بخَلَدِ محرر الخبر ، أن يفتقد أحـد ((المثقفين)) مَلَكة الإنتباه الى هذا الحَّد ، ويلجأ إلى التفاسير السطحية السقيمة .

    كما أنَّ محرري ((نـداء الـوطــن)) ، والذين يصدرونها ، لا يشـطبون على عروبة أبناء المحمرة والأحـواز قطعاً ، مثلما يحاول السيد المنـتقِد الإيحاء المبطَّـن عن ذلك ، ولكنهم يَدْعُون ، ومن موقع الإيمان والتضامن مع أشقائهم أبناء هذا الإقليم العربي {وكذلك مع كرد كردستان الشرقية ، بحكم قناعاتهم الفكرية ومواقفهم الوطنية القومية ، وروحيتهم الإنسانية} الحكومة الإيرانية الى منحهم الحقوق القومية الكاملة ومنح الأكراد أيضاً ، وبقية القوميات التي تعيش في إيران  والإقلاع عن إضطهادهم السياسي ، والتوقف عن محاولات تغييب الهوية العربية الإسلامية ، المعَّبِرة عن كينونتهم القومية وذاتهم البشرية ، وذلك إنسجاماً مع روح الرسالة العربية الإسلامية السامية ، طالما يحدد الحُكّام الإيرانيون ، والمنظرُّون المفكرون الموالون لهم ، أفكار الدين الإسلامي معايير أساسية لحكمهم ، وناظماً لقوانين جمهورتهم التي ترفع شعار الدين الإسلامي .

    ومن الطبيعي أنْ يختار بعض الأفـراد ، ممن ينتمون الى تلـك الدولة ، ومهما إزداد عددهم ، خدمة الآخر من تلك القومية ، بروحية الإخلاص لتلك الدولة التي يعيشون في كنفها ، والإلتزام بالمعايير الوطنية الإيرانية التي يحددها الوطن الإيراني الذي يقيمون فيه ، كما هو حال السيد علي شمخاني وزير الدفاع الإيراني ، وأحوال العشرات والمئات غيره من أبناء العروبة ، مثلما هو كذلك ، أحوال مئات وألوف الأكراد والأذريين وغيرهم ، أولاً .

     أو إنطلاقاً من دواعي المصلحة الشـخصية ، أو الإرتباط بمصلحة سـياسـات الأجنبي عنهم الحاكم لهم ، كما هو شأن المرتزقة في مؤسسات الدولة الأمنية ـ إنْ وُجدوا فرصة توظيفهم في المناصب الحيوية المفصلية ـ  ممن يقطنون إيران من غير الفُرْس ، ثانياً .

    والمرتزقة الأتـراك من غير الطورانيين ممن يسكنون تركيا ويناوؤون أشقاءهم في الأُرومة القومية ، ثالثاً .

    وكذلـك من قبيل بعض العراقيين واللبنانيين والفلسطينيين ، وأتباع آل الصباح وآل سعود ، من الذين يقفون ضد أبناء جلدتهم الوطنية والقومية ، على سبيل المثال وليس الحصر، ويؤدون أدوار خدم الأمريكان ، وكيان الإغتصاب الصهيوني ، ومنفذي مخططاتهم ، ومروجي وجهة نظر دعاياتهم ، رابعاً وأخيراً .

ـــــــــــالهوامش والملاحظات

[10] ـ نقلَ ذلك إلينا هذه الواقعة السيد جواد مالك {الشيخ مُفَتَّح} ، أحـد قيادات ما يُسـمى بمنظمة العمل ((الإسلامي)) قبل تمرده على ((القائد المدرَسي)) ، وممن حضروا ذلك الإجتماع .

    [11] ـ راجع كتاب البحاثة حنّا بطاطو الموسوم العراق : الطبقات الإجتماعية والحركات الثـورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية ، ترجمـة عفيف الرزاز ، إصدار مؤسسة الأبحاث العربية ، بيروت 1990 ، الطبعة العربية الثانية 1995 ، الكتاب الأول ، ص 352 ، ويقول البحاثة بهذا الصدد : ((أما حفيده عبد الهادي فقد حظي في العام 1938 بعطف عبد الإله الذي كان سيصبح وصيّاً على العرش لأنه ساعده بالقروض ؛ وأبداً لم يسدد الأمير ، الذي كان مغرماً بالرهان في سباقات الخيل ، دينه لعبد الهادي ، ولكنه جعله في الوقت المناسب وزيراً للأشغال العامـة ثم نائباً لرئيس مجلس الأعيان)) . . . و((وفي الوقت نفسـه كان عبد الهادي قد أصبح الوكيل الرسمي لشركة {أندرو وير أنـد كومباني} ، وهي شركة بريطانية شغلت في الفترة 1939 ـ1952 الموقع الأول في تجارة الشعير [مع العراق] ، وإذ أصبح أَوفر مالاً ، إقتحم أعمال المضاربة بالأراضي على مستوى كبير جداً ، ووسع في الوقت نفسه مصالحه في إتجاهات كثيرة ، مستَخدِّما إلى أقصى حد المعرفة والإتصالات التي أمَّنها له منصبه الرسمي)) .

شبكة البصرة

 الاربعاء 9 ربيع الثاني 1426 / 18 آيار 2005

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس