حوار على ضوء المباديء والتاريخ

بين الرؤية الوطنية ومدعِّي الموقف الوطني

إصدار جريدة نداء الوطن أوائل عام 2002

الجزء الأول

شبكة البصرة

باقر الصراّف

وذكِّر عسى أنْ تنفع الذكرى

الحلقة الثالثة عشر

    في رسالة السيد جلال الطالباني ـ الأمين العام للأتحاد الوطني الكردستاني ـ المؤرخة في 25/ حزيران/ 1987 ، والمُوجهة إلى السيد عزيز محمد سكرتير المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي ، وبمناسبة تحريض الأخير أحد أتباعه ممن أسس حزباً ((مستقلاً)) وعقد مؤتمره ((التأسيسي)) في ألمانيا ((الديموقراطية)) السابقة ، ذلك الجزء الألماني السائر في فلك موسكو قبل توحده مع ألمانيا الرأسمالية ، وبحضور العديد من ممثلي المنظمات التي إرتضت أنْ تسير وفق تعليمات السيد فخري كريم ، أو التي كانت سـذاجتهم تسـيَّرهم وراء ذلك الشـخص ((القيادي)) في الحزب المذكور . [12] . فشَنَّ حملة/دعائية شعواء على خصم الحزب الشيوعي آنذاك : الإتحاد الوطني الكردستاني وقيادته الحزبية ، مُبعِداً الحزب نفسه ، مرة أخرى وجديدة ، عن تكرار تجربة سابقة وقاسية ، وحشر تنظيمه في خلاف حزبي مباشر مع الإتحاد ...  إثر نشوب الصراع الفكري والمسّلح بين الأخير ، من جهة ، وخصمه التقليدي : الحزب الديموقراطي الكردستاني ، بقيادة مسعود البارزاني ، من جهة أخرى ، مستفيداً من دروس معركة ((بشت آشان)) العسـكرية ، في هذه المرة ، بعد أن رأى أعضاءَ ه وأتباعـه ، الأحياء والأموات من الرفاق والرفيقات ، وسمعَ عن الإعترافات المخزية التي أدلى بها العديد من قياداته ممن وقعوا بالأسر..... في هذه الرسـالة يقول السيد جلال الطالباني ما يلي :

     ((تمعَّنتُ في أجوبتكم التبريرية فلم أجد فيها ما يُقنع أو يُرضي (...) فـي مجال التبرير للحملة الظالمة شنّها رفيقكم صالح دكلة ، وليس بدون علم الرفيق زنكنة ( يقصد فخري ...) ، {و} تذكرتُ ما كان يحلو لكم ترديده في بعض المناسبات ، في قول الأستاذ عمر دبابة أبلغكم به في كركوك ، وفي موقف مشابه قبل حوالي الثلاثين عاماً تقريباً ، فلم أجـد أبلغ منه وأنصـح للرد على تبريركم ، وإنْ كان القول المأثور بلغة شـعبية ، وبمثل شعبي متداول .

    نعم أيها الأخ العزيز ، كيف فاتكم هذا المثل الشعبي ! ؟ .

    إننا كلنا حافظـون له ، وإننا كُـلنا ((وُلْدِّ الكرَيَة وكل واحـد يعرف أخيَّة)) !! يعني السيد جلال ومن خلال إستشهاده بالمثل الشعبي هذا : {إننا يعرف الواحد منّا الآخرَ جيداً ، كيف يفكر بالأمر ، وكيف يتصرف على ضوء ذلك التفكير ، وكيف سيخطو في المرة القادمة ، وذلك بحكم الولادة المجايلة للبعض ، والترعرع في قرية واحدة ، كناية واضحة عن النشأة في المنطقة الصغيرة ، والإهتمامات المشتركة في العام والخاص تقريباً ، وبالتالي المعرفة التَّامة والمشتركة لجميع الحيل المرسومة ، والمكائد المنصوبة للطرف الآخر}، فقد كان يسيراً لكم ، ومتوقعاً منكم ، أنْ تشجبوا الشتائم وإجترار الإفتراءات والإتهامات الواردة في صحيفة دُكلة ، لا محاولة تبريرها بالرضى عنها والسكوت (....) ، ولم أكن غبياً الى حدٍّ يمنعني من التعلم والإستفادة من التجارب القاسية والمريرة ، ومن الإخفاقات والنجاحات العديدة ، من الخبر والدروس العديدة (...) فكيف إذن يمكنكم خداعتا كالأطفال والصبيان وبمثل هذه التبريرات ؟ (....) أرجو أنْ لا تفهم بإننا نرفض أونخشى الإنتقاد ، أو نمنع أحداً من الحوار والنقد ضد موقفنا وسياستنا وآرائنا ، لا المنسوبة إلينا ، وبالأسلوب الموضوعي والعلمي البنَّاء .

    فالـ((أوك)) {تلخيص  عن طـريق إختيار وإيراد الـحـروف الأوائـل لإســم الإتـحـاد الوطـني الكردستاني} عانى كثيراً من تشويه الحقائق عن مبادئه ونضالاته وقوته وقدراته النضالية والفاعلة ، إذا كان سوء التقدير والتوهم في تقدير القوى والقدرات من أسباب إندفاع البعض ضد الـ((أوك)) واهمين بأنه يسـهُل إخـراجه وطرده مـن الســاحة بجرة إذن ، وبالتآلب عليه (....) فإنما نرجوه هو أن لا يتوهم أحدٌ ، بأنَّ أسلوب الإبتزاز والإستفزاز والتشهير ، يخيف الـ((أوك)) ويجبره على الرضوخ والخضوع والتراجع عن مبادئه وآرائه ومواقفه  (...)  ...

    أدعوكم للتمعـن والتدقيق في مواقفنا وآرائنا وسياستنا ، ومـن ثم إنتقاد ما ترونه خاطئاً منها (...) دعوني أتوقع وآمل أن لا يكون هناك صيف وشتاء على سطحٍ واحد (...) أطالب بالجدِّية والإستقامة والصراحة والوضوح لإرساء العلاقات {بيننا} على أسس متينة ومبدئية ودون لف أو دوران أو خـداع وتحايـل (. . . ) . 

    وختاماً أكرر طلبي البسـيط والعادل بشـجب الشـتائم والإهانات والإفتراءات الواردة في صحيفة دكلة....)) . [13] .

    هو ، إذاً ، موقف سياسي راسخ تجاه ظاهرة حزبية ملموسـة ، ونهج دعائي متواصـل ، وأسلوب تضليلي معتاد تشربته القيادة جرعةً جرعة ، ومُتَّبع عند ذلك التنظيم منذ ثلاثين عاماً ، وربما ما هو أبعد من ذلك كما سنرى لاحقاً ، أتبعَـهُ ضد قوة تنظيمية كبيرة ومسلحة أيضاً ، وتعيش في بيئتها البشرية الطبيعية ، ولم يتوانَ هذا التنظيم {أي الحزب الشيوعي العراقي} اليوم من إِسـتخدامه ضد وجهة نظر وطنية ملموسة ، أراد بعض المناضلين من الوطنيين العراقيين فعلاً ، التعبير عنها عبر ((نداء الوطن)) الأنيقة {وفق تعبير السيد الكاتب} وهي الأنيقة/النظيفة موقفاً ومظهراً .... أرادوا التعبير عنها تعبيراً سـياسـياً مبدئياً وفكرياً واضحاً ، في إطار الخاصية الوطنية العراقية ، وليس تعبيراً مناوراً ومخاتلاً ، نتائجه تنسف مقدماته ، ومنطلقاته تناقض إستخلاصاته ، على طريقة ذلك المتدين ((المحتال المشعوذ)) الذي يدَّعـي كرهه للحرام ومقته له ، ولكنه لا يمانع من التمتع بعطاءاته ، وما أكثر إدعاءات ذلك المتدين/المشعوذ في سوق معارضة اليوم ، التي ((تكره)) أمريكا في جلساتها التثقيفية ، وتردد مقولاتها في دعايتها التضليلية اليومية ، وتتبع خطواتها في عملها اليومي : التكتيكي والإستراتيجي ، إتباع الظل للشكل المادي الذي يعكسـه ويتركه على الأرض .

    ورسالة جلال الجوابية على غريمه عزيز محمد تمثل ، في الجوهر والأساس ، تجربة حسِّية ملموسة جرت وقائعها الحدثية على أرض كردستان ، ووثِّقت كتابةً من قِبَلْ الطرفين اللذين إشتركا بها مباشرة ، وخاضا غمار عملهما العسكري حتى أسْر القيادات الحزبية في معركة بشت إيشان ، وعلينا إستخلاص الدروس النظرية والفكرية والميدانية  اللائي تنطوي عليها ، بصدد الأساليب السقيمة والوسائل المخاتلة ، الخائفة من الحقيقة العيانية التي تحققت في التاريخ الحي ، والمذعورة حَّد إصطكاك الرُكب من المكاشفة بسبب الأخطاء السياسية القاتلة ، وجرّاء مواقفها/بيتها الزجاحي الواهن الراهن .

ــــــــــ

الهوامش والملاحظات

12 ـ حول هذا الموضوع يمكن مراجعة كتاب السيد شاكر السماوي المعنون : ((اللا ديموقراطية عربياً : آراء ومواقف وتجارب ، إصدار فكر للطباعة والكتاب ، كانون الأول 1993 ، كوبنهاكن/الدنمارك ، الجزء الأول ، ص 77 ـ 99 ، للإطلاع على وقائع تأسيس التجربة وعلاقتها بالسيد فخري كريم ، وإصدار جريدته ((الغد العراقي)) ، ومن المعلوم أنَّ السيد السماوي : الكاتب والشاعر كان أحد المؤسسين لذلك التنظيم .

    13 ـ راجع نص الرسالة كاملة في كتاب السـيد صلاح الخرسـان المعنون صفحات من تاريخالحركة الشيوعية العراقية ، إصدار دار الفرات ، الطبعة الأولى ، سنة 1993 ميلادية ـ 1414 هجرية ، ص   312 ـ 317 .

شبكة البصرة

 السبت 12 ربيع الثاني 1426 / 21 آيار 2005

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس