حوار على ضوء المباديء والتاريخ

بين الرؤية الوطنية ومدعِّي الموقف الوطني

إصدار جريدة نداء الوطن أوائل عام 2002

الجزء الأول

شبكة البصرة

باقر الصراّف

إعترافات وحقائق ودور جديده قديم

فهل هو ثابت ومترسخ؟

الحلقة الرابعة عشر

    منذ أنْ شدَّ ممثل الحزب الشيوعي العراقي الرسمي ، والرئيس الفعلي والعملي للحزب ، رحاله الذليلة الى العاصمة الأمريكية ، واشنطن ، المعتدية على الدولة العراقية ، طلباً للعون المادي والمعنوي ، وفي أعقاب ذلك الإعتداء السياسي الغاشم والواسع الذي جرت حلقاته اليومية في  منذ 2/آب/ 1990 ، للإلتقاء بممثلي المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) بناءً على قرار من  اللجنة المركزية للحزب ، كما إعترف بذلك علناً السـيد عبد الرزاق الصافي ، ممثل الحزب المذكور ، في مقابلة تلفزيونية بثّها البرنامج الشهير المُسمى ((أكثر من رأي)) ،الذي يعُّده السيد سامي حدّاد ويشهره إسبوعياً من على قناة ((الجزيرة)) التي تأتي وقائع ذلك البرنامج من قطر ، وذلك يوم 28/11/1998 ، ومروراً برحلاته وإخوانه الى مملكة عائلة آل سعود التي هيأت الأرض والأجواء والمياه والنقود اللازمة لشن العدان العسكري المباشر على العراق في بداية العام  1991 ، والذي ما يزال هذا الحزب وقيادته ((الداوودية)) سـادراً في غيه اللاوطني ، الممارَس حتى اللحظة التاريخية الراهنة ، بصورة واضحة وجلية أو بشكلٍ خجول وموارب .

    فهل جاء إستخدام هذا ((التكتيك)) ضد هذا الصوت الإعلامي الوطني الذي إتخذ من ((نداء الوطن)) مِنْبَراً له ، عبر مهاجمته دعائياً من خلال أطراف ثالثة ... جاء إستخدامه عابراً أملته الظروف الطارئة ، أم متأصلاً عميقاً وثابتاً في سلوكه وممارساته ، ومعششاً لفترة طويلة ، ربما تـمتد الى سنواته التأسيسية الأَوَلْ ، للدرجة التي صار بمثابة ((جيكل وهايد)) عنـده ، أي بلغ درجة المرض المستعصي الذي يعجز أمهر النطاسين عن معالجة هذا الداء الذي يستشري يوماً بعد يوم في كل  أعماله اليومية ! ! ؟ .

    لنرَ ذلك ، إذاً ، هذا التقليدَ وتلك الممارســات ، على ضــوء تاريـخ هـذا الحزب الذي بلغ من العمر عتِّياً ، وعلى ضوء دراسـة تجاربه التاريخية السـابقة على هذا الصعيد ، بغية البرهنة الحسِّية على ما نفترضه ونحدسـه !!.

    لم تمضِ مدة من الزمن على إنتفاضـة مايس عام  1941 ، التي قام بها الجيش والشـعب ضــد المستعمرين الأجانب ، حتى غدت هذه المعركة الوطنية والقومية ضد الإستعمار البريطاني ، وأذنابه في حكومة عبد الإله ـ نوري السعيد ، وتقديم الشعب العراقي ، وطلائعه السياسية خصوصاً ، عشرات الضحايا الخالدين ، شهداء الوطن الذي ينشد إستقلالة الناجز وتحرره الخالص ،  صرعى الغدر/الاِحتلال البريطاني العسكري ، فضلاً عن مئات المطارَدين وألوف المُعتقلين ... حتى غدت هذه الإنتفاضة الشعبية ، الوطنية والقومية الباسلة ، والمشهود لها من المجموع الوطني والقومي المخلصيَن ، على المستويين الوطني العراقي والقومي العربي التحرري ، فريسة الدعاية السياسية لهذا الحزب ، وحججه الباطلة المضَلِلة ، وأكاذيبه الفجة والسقيمة ، وأساليبه الديماكوكية التهريجية ، وبهذا الصدد يقول الكاتب السيد حنّا بطاطو في كتابه المؤرِّخ لعراق تلك الفترة التالي :

     ((بعد إنهيارالحركـة ،  كـان الـقــومـيـون قبل ذلــك الـحـدث في صعود ، والواقع إنَّ الميدان السياسي كان حكراً عليهم في الفترة بين 1937 و 1941 ، ثم وقعت سلطة الدولة تحت نفوذهم ، وتحركت مواكب الجماهير بإتجاههم ، ولكن طموحاتهم تجاوزت قدراتهم ودفعتهم الى الإصطدام مع الإنكليز {البريطانيون هم الذين شنوا الحرب على العراق ، كما تقول الوقائع وتؤكده الوثائق} ، وكما كان متوقعـاً ، فإن شيئاً لم يسِر على ما يُرام بالنسبة إليهم بعد ذلك .

   وفــي أعقاب الإحتلال البريطاني للعراق ، الذي تـبـعَ ذلك ، شُــنَّـت عـلـيهم حملة قمع شاملة ، وسرعان ما تحطمت نواتهم الرئيسية ، نادي المُثنى ، ومنظمتا الشباب اللتان أقاموهما ، ((الجوالة)) و ((الفتوة)) ، وأُغلِّقتْ صحفهم ، وبدأت مطاردة أتباعهم وطردهم من الجيش والإدارة والمدارس ، وجُمع حوالي حوالي ثلاث مائة منهم في معسكرات إعتقال الفاو والعمارة ونقرة السلمان . [14] .

    بمجرد الإنهيار العسكري لتلك الحركة ، والهزيمة السياسية التي ترتبت عليها ، حتى كانت هذه الإنتفاضة الوطنية العراقية والقومية العربية ، ذات المضمون التحرري والشعبي ، والمطالبة بالإسـتقلال التام ، من وجهة نظر ذلك الحزب ، حَرِية بالإزدراء كونها ((مغامرة متهورة)) و ((فاشية)) و((مجرمة)) . [15] .

    وصـار الإســتعمار البريطاني المُحتل للـعـراق عســكرياً تواً ، منقذاً محرراً : ((فإنَّ حزبنا ينظر الى الجيش البريطاني ، الذي يحارب النازية الآن ، كجيش تحرير ، وبكلمات أخرى ، فإن دعمنا للجبهة الديموقراطية العالمية الموحدة يعني أن نكون الى جانب الإنكليز ... ولذلك فإنّ علينا أن نساعد الجيش البريطاني في العراق ، بكل طريقة ممكنة ، وأن نسهّل خصوصاً نقل المواد المواد العسكرية بواسطة السكك الحديدية ، وأن نراقب المتآمرين والمخربين ونحترِس من حوادث مماثلة لما حصل مؤخراً من نسفٍ لقطار الحلة ....)) .

    الماضي يقول بلسان فهد ـ سكرتير الحزب الشيوعي ـ إنَّ الإحتلال البريطاني للعراق يُسمى تحريرالبلاد ، وحماية السكك الحديدية {الذي جرى توظيفها لصالح بريطانيا طوال فترة الحرب ، وفقاً لما يقوله مديرها العام الإنكليزي المولِّد والنشأة والولاء } تعَّد من مهام أعضاء الحزب الشيوعي ، الذين ينبغي لهم محاربة ((المخربين)) ، وهي نفس مضمون المواقف السياسية التي يجري إتخاذها اليوم من المعتدي الأمريكي على الدولة العراقية ، ويُنفذ برنامجها بهمةٍ ونشاط وحمية ، فهل ترتضي القاعدة الوطنية العراقية بتكرار قيادته لأخطاء الماضي في حاضر اليوم بذرائع الدكتاتورية ، أم إنَّ حُجُب التضليل أسمك من الرؤية الماركسية اللينينية للمفاهيم الوطنية والتقدمية ! ؟ .

    وبهذا الصدد أيضاًَ يكتب مؤلِّـف غير صـاحب الكتاب الموسوعي ((العراق)) ، المطبوع عربياً بأجزائه الثلاث أي غير السيد حنّا بطاطو . . . يكتب التالي :

     ((موقف آخر سجَّله الحزب الشيوعي على نفسه في هذا السياق ، فقد أيد حركة رشيد عالي الكيلاني في مايس 1941 م ، وبعد إنتهاء الحركة ، راح الحزب يؤيد الإنكليز الذين قمعوا الحركة ، وأخذ الشيوعيون يعملون بجهد لتأييد جبهة الحلفاء بإعتبارهم تضم الإتحاد السوفياتي وتحارب النازية ، وإعتبروها جبهة ديموقراطية ضد الفاشية ، وراحت صحافتهم تدعوا لتأييد هذه الجبهة .

    وأتذكر بهذا الخصوص ، إنّ عبد الله مسعود القريني كتب مقالاً في تلك الفترة بعنوان (تشرتشل العظيم) {وزير المستعمرات سابقاً ، والذي إقترح ضرب الفلاحين العراقيين بالغازات السّامة ، أيام ثورة العشرين التحررية ، بإعتبارهم أُناساً متخلفين ، ورئيس الحكومة البريطانية إبّان الحرب العالمية الثانية} وهو تبنٍ كبير للسياسة الإنكليزية ، وقد أثارت  هذه المواقف المتناقضة جعفر أبو التمَّن الذي إنتقد بشِّدة مواقف الشيوعيين في حديث له مع عبد الله مسعود حيث قال : ((من موقفكم ذلك الأهوج ـ يقصد تأييد الشيوعيين لحركة مايس 1941 م بدون تحفظ ـ إلى موقفكم هذا الأعوج ـ يقصد تأييدهم للحلفاء ـ كتبتُ لكم في نفسـي صحيفة سوداء ، وخاصّة أنت يا عبد الله)) . [17] . 

    ويقول المؤلِف شـبَّر الذي يشغل موقعاً قيادياً في حزب الدعوة العراقي ، وما يزال ، قبل توزع هذا الحزب على أحزاب وشظايا تنظيمية عدة . . . يقول : ((أنَّ مسعود قد روى لي هذه الحادثة)) . [18] .

ــــــــــــــ

الهوامش والملاحظات

[14] ـ راجع كتاب السيد حنّا بطاطو المعنون الحزب الشيوعي ، الكتاب الثاني ، مصدر سبق ذكره ، الطبعة العربية الأولى 1992 ، ص 133 .

    [15] ـ المصدر السابق ، ص 115 .

    [16] ـ المرجع السابق ، ص 183 ، {كل الإستشهادات الواردة أعلاه مقتبَسة من كتاب السيد بطاطو ، وقد إسـتَلَّ نصوصها التوثيقية من التقرير السياسي المقدم من قبل يوسف سلمان يوسف (فهد) ، السكرتير العام للحزب الشيوعي العراقي ، لإجتماع اللجنة المركزية المنعقد في 17 آيار 1942 ، والمنشور في جريد الشرارة التي كان يصدرها الحزب ، العدد 10 لشهر آيار (مايو) 1942 ،  ص  2 ـ 3} .

    [17] ـ راجع كتاب عبد الرزاق الدراجي المعنون جعفر أبو التمن ودوره في تطور الحركة الوطنية في العراق ، ص 378 ، نقلاً عن السيد حسن شُـبَّر في دراسته عن تاريخ العراق السياسي المعاصر ، الجزء الأول : العمل الحزبي في العراق 1908 ـ 1958 ، إصدار دار التراث العربي ، بيروت/لبنان ، الطبعة الأولى 1989 ، ص 172 .

    [18] ـ المصدر السابق ، ص 184 .

شبكة البصرة

 السبت 12 ربيع الثاني 1426 / 21 آيار 2005

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس