حوار على ضوء المباديء والتاريخ

بين الرؤية الوطنية ومدعِّي الموقف الوطني

إصدار جريدة نداء الوطن أوائل عام 2002

الجزء الأول

شبكة البصرة

باقر الصراّف

شهادة أحد رموز منتفضي مايس

الحلقة الخامسة عشر

    فلا غرابة ، إذاً ، أن يصدِرَ أحد الضباط العسـكريين ، ممن شاركوا في تلك الحركة الثورية ، العسكرية والشعبية ، الوطنية العراقية والقومية العربية ، الباسلة في تصديها للظلم الإستعماري البريطاني المهيمن على أوضاع العراق السياسية ، والمسيطر على أغلبية نُظم المنطقة ... أنْ يصدرَ كتاباً ضخماً في محتواه وعدد صفحاته ، يروي ويرصد ويحلل ويستخلص صفحات تاريخية من سجِل تلك الحركة ، في سياق ظروفها الموضوعية والذاتية ، وفي إطار مكانها الجغرافي العراقي ، وطابع مرحلتها التاريخي : الحرب العالمية الثانية ، والعربي الذي تتلمم مقدمات حركة التحرير الوطنية و العربية ، من جهة ، والهجوم الإستيطاني الصهيوني المدعوم من قبل بريطانيا ، من جهة أخرى .

    والكتاب المُشار إليه هو : الحرب العراقية ـ البريطانية ، من تأليف الضابط العراقي ، القومي العربي ، محمود الدُّرة ، الذي راكمَ به معرفته الغنية ، وجمع خلاله معلومات تلك الحركة الكثيرة ، إثباتاً ، وتثبيتاً أيضاً ، للحقائق العيانية ، على مستوى الذات المشـاركة الرئيسـة بها ما أمكن ، وتوثيقاً للأحدات والوقائع التي إنتظمت فعلها العظيم .

    وهنا ، ونحن نحاول دحض إفتراءات مَـنْ يقفون خلف الكتَّاب المنتقدين لـ((نداء الوطن)) ، سواء بالتثقيف أو التعليمات الحزبية ، سنتطرق إليه بشيء من الإستفاضة ، بهدف الإلمام بالموضوع إلماماً واضحاً بالقدر الذي نستطيع ، وبغية وضع إستخلاصات فهد السابق ذكرها ، ودعايات وتخرصات وإشـاعات وسائل دعايته و((إعلامه)) في إطارها المكاني ، وسياقها الزماني ، كما تفترضه، وتفرض الإلتزام به ، شروط الكتابة التاريخية الوثائقية ، وإشتراطات النزعة العلمية الملموسة ، في الكتابة السياسية والمنهجية .

    ومحمود الدّرة الذي يؤكد على إلتزامه العقائدي ، ويشدد على محتوى هويته الفكرية الحقيقية {وأحسب كشخص وطني متابع ، إنّ أغلب الإلتزامات الفكرية والتشديدات المبدئية لأبطال تلك الإنتفاضة البطولية ، الذين تصدوا للإستعمار البريطاني بصـدورهم العارية وإيمانهم بوطـنهم وأمتهم وشـعبهم الذي لا يَنضب} .... إنَّ محمود الدّرة يؤكد على ما يلي :

    لقد كانت ((تملأ نفوسنا مفاخر تاريخ أمتنا وأمجادها ، فتدفع بنا الأماني لتحقيق المعجزات لوطننا ، وإستهوتنا أحلام يقظتنا لترى في الجيش العراقي جيش (بروسيا العرب) القوة القادِرة على تحقيق أحلامنا بتأسيس الدولة العربية الكبرى التي تعيد الى الأمة العربية مجدها الغابر وحضارتها المندثرة)) .

    إنه ضابط عسكري حالم ، ويعمل دائباً على ترجمة حلمه الوطني والقومي في عمل يومي ، وبالتالي تحويله مع رفاقه من إمكانية موضوعية إلى واقع ملموس وقائم ، على ضوء ماضي أمته الحضاري العربي الإسلامي المشرِق ، بعد أن توفرت له عناصر القوَّة المتمثلة في الجيش العراقي وإرادة الشعب العراقي ، ووجد في الظروف العالمية {ظروف الحرب} الشروط المؤاتية لطرح مطالبه العادلة في الإستقلال ونيل الحرية الحقيقية والتوحد العربي ، أي تحقيق أهداف الثورة العربية الكبرى كلها .

    لقد دخل الشاب محمود الدُرَّة الكلية العسكرية للجيش العراقي ، وتخرج منها ضابطاً بعد حياة حافلة بالجد والإجتهاد والتحصيل الدراسي ، وتسلَّم إثر تكشف نبوغه وتفتح مواهبه وظيفة هامّـة مباشرة بعد تخرجه من كلية الأركان العسكرية عام 1938 ((وظيفة ضابط ركن النفير في رئاسة الأركان ، إضافة الى سكرتارية مجلس الدفاع الأعلى الى جانب وظيفته الأصلية ، فأتاح له ذلك فرصة العمل المشترك مع الشهيد العقيد صلاح الدين الصَّباغ ، والتعرف عن كثب بدخائل السياسة العراقية ، والعيش في خِضَّم الصراع ، وفي أعلى حلَقة من حلقات إدارته)) .

     ويقول الضابط الدُرة فـي معرض تقويمه لتلك الفترة النضالية من فترات كفاح شـعبنا ضد الهجمة الغربية الصليبية على يد أوربا الغربية التي خاطب بها الجنرال غورو ، العسكري الفرنسي الذي إحتلَّ لبنان وسوريا ودمَّر تجربة الدولة العربية الأولى في الشام ، وجزّار معركة ميسلون ضد الغزو الفرنسي .... التي خاطب قبر الشهيد الخالد صلاح الدين الأيوبي الشامخ بكل إيثار وإفتخار في حضرة التاريخ الحي بالنفوس العربية ، والراقد بزهُّـوٍ وكبرياء في سجِّل التاريخ المجيد للأمة العربية بقوله الإستعماري الصليبي الشائن: ((ها عُدنا يا صلاح الدين)) ... يقول الدُرة :

    ((وخسر العراق الحرب من غير أن يخسر معركة عاصمته التي لم يدخلها العدو فاتحاً ، وعاد الوصي المخلوع إلى ممارسة سـلطاته بحراب ونفوذ البريطانيين ، وكان الرجل نصف متعلِم ، وكان بطبعه حاقداً لئيماً ، ولم يكن يحب العراق والعراقيين ، ولم يحبوه بدورهم ، ولم يحبه ذلك النفر القليل الذي إلتقت سياستهم معه . . .

    و ((بدأ عبد الإله حكمه الجديد الذي إستمر سبعة عشر عاماً بداية سيئة ، فأمر بإعتقال أكثر من ألف من رجال العراق الذين يؤلفون خميرة شعب كان في بداية يقظته ، وإضطهد غالبية مثقفي البلاد ، وسـلّط كثيراً من الجهلاء على حكم الشعب ، وطارد قادة حركة 1941 حتى أقاصي جنوب أفريقيا ، حيث إعتقلتهم السلطات العسكرية البريطانية بعد إحتلال جيشها إيران ، وأتت بهم الى خرم شهر قريباً من البصرة ، على أمل تسليمهم لحكومة العراق ، إلاّ أنَّ رئيس الوزراء جميل المدفعي رفض تسلّمهم حفاظاً على حياتهم من إنتقام الوصي ،  فأضطر الإنكليز على نقلهم إلى روديسيا في جنوبي أفريقيا كأسرى حرب الى أنْ ألَّـفَ نوري السعيد الوزارة خلفاً لجميل المدفعي فجيء بهم إلى العراق ... وحوكموا ، وصدرت أحكام الإعدام بحق بعضهم، والسجن بحق الآخر)) .  {ص417} .

     ولحقت الإهانة بالسـوريين وكذلك العرب الآخرين الذين أسـيئت معاملتهم ، وجُـرِّد البعض الذي كان يحمل الجنسية العراقية من جنسيته ، وعلى رأس هؤلاء العلاّمة ساطع الحصري ودرويش المقدادي والمقدمان محمود الهندي وصبحي العمري وآخرين غيرهم .

    وظهر في الميدان السياسي عنصر جديد معادٍ للقوميين الذين نُكبوا ، فلقد كان اليساريون والشيوعيون يتعاونون مع القوميين حتى آخر يوم من أيام الحرب ، وما إنْ غزت ألمانيا أراضي الاِتحاد السوفياتي في آخر شهر حزيران  1941 ، ووقفت إنكلترا وأمريكا الى جانب الإتحاد السوفياتي .... حتى ظهر اليساريون والشيوعيون العراقيون بمظهر العملاء للإنكليز ، يعينونهم على سحق القوى القومية بشتى الميادين .

    وكتب أحد قادتهم بجريدته الحزبية تحت عنوان ((أبيدوا كلاب النازية)) ! حرَّض فيه المحتلين الإنكليز على مزيد من التنكيل بالقوميين ، مستكثرين عليهم الحياة في السجون والمعتقلات ! ، وإسـتغلَ الشـباب اليهودي العراقي هذا الموقف ، فإنضمَ كتّابهم الى الصحف اليسـارية ، يدُّسـون على القوميين ما شـاءَ لـهم الدَّس اللئيم !)) . [19] .

     من هذا نرى إنَّ الحزب الشـيوعي العراقي لم يكتفِ في هذه المرة بأدواته التي هي قيد طلب سكرتيره العام ، بل ساهم السكرتير العام فهد مسـاهمة مباشرة بالحملة الدعائية الغربية ، عبر الهجوم الدعائي على حركة مناوئة للمستعمرين البريطانيين ، والمحتلين توَّاً بجزمات جنودهم وطياريهم القتلة للأرض العراقية ـ والذي ستقرأه تالياً ـ وكذلك إستعانوا بحلفائهم المتصهينين ، وفتحوا صحفهم الحزبية أمام قنّاصي الفُرص لكي يعبُّروا عن حقدهم على المناهضين للإنكليز والثائرين لأجل وطنهم وأمتهم ، ولم يتورعوا عن تشبيههم ((بالكلاب النازية)) .

    وغابت الرجعية العربية المحلية العميلة ، كما تتشخصن في عبد الإله/نوري السعيد ، وحلفائهما الأسياد والعبيد ، عن الإعلام الحزبي لتنظيم ((وطنٌ حُـرٌ وشعبٌ سـعيدْ)) ، لصالح إستخدام مصطلح الجبهة الديمقراطية العالمية ، والتحالف مع المحررين البريطانيين ، مثلما غاب التحليل الطبقي عن كتاباتهم لطبيعة السلطة ، وسياستها إتجاه العمال والفلاحين ، ومختلف فئات الشعب العراقي الإجتماعية ، ولم يلتفت الحزب الى مفهوم حركة التحرر الوطني العراقي والقومي العربي ، في إطار مفاهيم حركة شعوب الشرق التحررية ـ التي نوهَ عنها لينين ـ الذي سـتطبع لاحقاً بطابعها العام كل التطورات المحلية والعربية في تلك السنوات وما تلاهـا .

    هذا مثال من فترة الأربعينات من القرن العشرين ، التي كان العراق فيها ، وكذلك الأُمة العربية بمختلف أقطارها ، شعباً وجماهيرَ وأحزاباً وطنية وقومية ، تكافح كلها من أجل إحراز الإستقلال الوطني والقومي الناجزين ، في ظِّلِ الظروف العالمية والعربية المتغيرة ... ظـروف الحرب العالمية والتورط الأوروبي بالحرب الطاحنة ، وعلى كل الصُعُد ، إذ كان التخلُّص والتحرر من قبضة السيطرة الإستعمارية والإستغلالية البريطانية/الفرنسية هو الخط السياسي و النضالي المشترك الذي يحدد مضامين وأشكال الشعارات السياسية في الشوارع القطرية والقومية للعراق وأقطار الوطن العربي : أي حركة التحرر الوطنية والعربية ، في حين كان أصحاب هذه المواقف السياسية المشينة ، وأبطال هذه الأساليب الإفترائية السقيمة ، يرسخون طرقاً غريبة على الممارسات العملية والطُرق الحوارية لدى غالبية الأطراف السياسية الوطنية العراقية والقومية العربية ... طُرق الشتائم والتهديد والتشهير القائم على الكذب والدجل والإتهام بالعمالة في محاولة موتورة لقلب المفاهيم الفكرية والمعاني السياسية الحقيقية المطابقة لحال الواقع القائم آنذاك .

ـــــــــــــ

الهوامش والملاحظات

[19] ـ راجع كتاب السيد محمود الدُرّة المعنون الحرب العراقية البريطانية .

شبكة البصرة

 الاثنين 14 ربيع الثاني 1426 / 23 آيار 2005

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس