حوار على ضوء المباديء والتاريخ

بين الرؤية الوطنية ومدعِّي الموقف الوطني

إصدار جريدة نداء الوطن أوائل عام 2002

الجزء الأول

شبكة البصرة

باقر الصراّف

نهج ثابت ضد الأمة العربية

والرؤية القومية العربية

الحلقة السادسة عشر

   لنقرأ ما قالوه بصدد حزب الإسـتقلال العراقي ، الحزب الوطني العراقي والقومي العربي ، ومما تبقى من قيادته ، ذلك التنظيم الذي ((ظهرت في العام 1946 النواة المركزية لحزب الإستقلال الذي عرَّف  نفسـه بكونه ((تضامنياً)) و ((شمولياً)) و ((شعبياً)) و ((حديثاً)) . وفي كلمات أخرى أعلن الحزب معارضته لـ((وجهة النظر الطبقية)) ولـ((الإقليمية والطائفية والتعصب الديني)) ، دعمه لـ((سيادة الأمة)) ولـ((تبني روح العصر مع التمسك بالخصوصيات القديمة والجليلة المميزة والمثل العليا)) .

    وفي الوقت نفسه ، فقد دعا الحزب الى عراق مستقل تماماً والى توحيد العملات وإدارة الجمارك والمصارف المركزية الموجودة أو المخطط لإقامتها في البلدان العربية ، والى إنشـاء دولة إتحادية عربية في النهاية . وسرعان ما تنامى الحزب ، فأصبح يعد في العام 1947 مالا يقل عن 5450 عضواً كانوا معظمهم ، وإستناداً الى سجلات الشرطة ، ((ضباط الجيش المتقاعدين ومسؤولي الحكومة المتقاعدين ومن أصحاب المهن الحرة)) .

    وكان حوالي مئتين أو ثلاثمائة من أعضاء الحزب قد قضوا سنوات عدّة في المنفى أوالسجون بسبب عضويتهم في نادي المثنى أو إنتمائهم الى حركة 1941 العسكرية ، وهو ما أدى الى الملاحظة نصف المازحة لوزير الداخلية في العام 1946 حول أن حزب الإسـتقلال كان حزب ((مساجين ومعتقلين)) . وكانت مهنة القانون جيدة التمثيل في الحزب ، وكان هناك ستة وعشرون محامياً من خلفية من الطبقة الوسطى أساساً من أصل سبعة وثلاثين عضواً في اللجنة العليا ، وكان هنالك في اللجنة نفسها إثنان من الضباط السـابقين ، وإستاذا كلية سابقان وصحافيان وإثنان من متوسطي ملاك الأراضي وثلاثة من التجار المتوسطين ، وكانت اللجنة تضم مسيحيين إثنين وخمسة عشر شيعياً وعشرين سنياً} . [20] .

    وبحق أحـد مؤسسيه السيد فائق السـامرائي قالوا فيه ما يخجل إيراده من معالم نهجهم السبابي . . . ذلك القائد الذي عمل في الميدان الوطني العراقي والقومي العربي لفترة طويلة ، والخطيب المفوه في المظاهرات الشـعبية العارمة ، ضد الإنكليز وعملائهم ، والداعي للتحرر الفعلي من هيمنتهم والتخلص من سياساتهم ، والذي خرَج توّاً من سجون البريطانيين وعملائهم في السلطة العراقية ، من أمثال عبد الإله ونوري السعيد ، الذي أعتقِلَ هو والمئاتُ غيره ، خلال تلك الفترة النضالية ضد المستعمرين الأجانب ، كي نتبين أحد مظاهر النهج التخويني للآخرين : المخالفين لهم بالرأي الفكري ، والمختلفين عنهم في الرؤية السياسية ، وأحد معالم الإتهامات الباطلة بحق الآخرين وخصوصاً ضد الوطنيين .... ذلك النهج الذي واظبوا ْعلى إعتياد ممارسته منذ تأسيس الحزب الشيوعي العراقي رسمياً ، وتملكَ بقوة تفكيَر أغلب قياداتهم في عموم مسارهم ، وساد أغلب ممارساتهم .

    يقول السيد محمد مهدي كبة ، الشخصية الوطنية العراقية والقومية العربية ، وأول رئيس لحزب الإستقلال الوطني العراقي ، والذي سـتختاره ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 المُباركة ، عضواً لمجلس السيادة في العراق وثالث ثلاثة وطنيين فيه ، نظراً لدوره الكفاحي الشعبي ضد المستعمرين الأجانب ، والذي قيمه البريطانيون ، من موقع درايتهم المباشرة بأوضاع العراق الداخلية ، بالقول : ((ساند الحكومة الإيرانية في محاولتها تأميم شركة النفط الإيرانية ـ الإنكليزية عام 1951 ، وشارك بقسط كبير في الإثارة التي أدت الى إنتفاضة سنة 1952 ، وأدت أخيراً الى إعتقالـه (....وإنه) شـريف وعاقـل ومعارض قوي للإسـتعمار البريطاني)) . [21] . كما يقول في مذكراته الموسومة : ((مذكراتي في صميم الأحداث)) ، الصادر في لبنان التالي :

     ((إتصل بي فريق من الشباب المثقف ، مِمَنْ أسهموا في كثير من الحركات الوطنية ، وتمرسوا في أعمال الكفاح والنضال ، ولم تَشِب ماضيهم شائبة ، وقد خرج قسمٌ منهم تـوّاً من السجون والمعتقلات لمواقفهم الوطنية ، وطلب إليَّ الإشتراك وإيّاهم في تأسيس حزب وطني ، {...فسـاهمتُ معهم} في تأسيس حزب وطني قومي ، يعمل في الحقل الوطني ، {....ويناضل من أجل} إستكمال سيادة البلاد وإستقلالها وتحررها من كل نفوذ أجنبي ، ويدعو إلى الإصلاح في مختلف نواحي الحياة {...} ويعمل على الصعيد القومي في سبيل تحرير البلاد العربية ، التي لا تزال تئُّنُ تحت نير الإستعمار ، ويسعى الى توحيد البلاد العربية ، التي جزأها الإستعمار وشتت شملها)) . [22] .

    هنا يجمل الأسباب التي دعت كبّة للعمل في ((حزب الإستقلال)) وهى :

      1 ـ العمل مع الشباب الواعي ثقافياً وسياسياً ، لجهة طابع المرحلة النضالية التي يمرُ بها العراق والأمة العربية .

     2 ـ  إنَّ أغلبية هؤلاء الشـباب قد عركته التجارب الوطنية ، في الشارع السياسي الناهض ، وصقلت وعيه المؤسسات الوطنية ، وزادته السجون والمعتقلات خبرة حياتية وفكرية كبيرة ، ودفعَ ثمنها من حريته الشخصية بأنفة وحمية كبيرتين .

    3 ـ إنَّ الهاجس الأساس هو الهاجس الوطني الذي يتجلى بالتخلص من الإستعمار البريطاني ، والنفوذ الذي يترتب عليه سـواء في الحياة السياسية اليومية ، أو شؤون البلاد في علاقتها مع بريطاينا الإستعمارية بالإعتماد على أدواتها المحلية .

    4 ـ إدراك طبيعة العلاقة الكفاحية ما بين هو وطني عراقي وقومي عربي ، وترابط الظروف الوطنية والقومية ، أي العراقية وما يجري في الوطن العربي ، جرّاء توحد الرؤية الغربية الإستغلالية للمنطقة الممتدة من المحيط الأطلسي الى الخليج العربي .

    5 ـ الوعي بضرورة الحل الناجز للمشكلات الناجمة عن هذا الإستعمار ، لن يكون ذلك إلاّ بالرد على المستعمرين ، من خلال الوحدة العربية ، أي من خلال تجميع قوى الأمة وإستنفار مجموع قوتها الكامنة .

    وحسب المناضل الوطني العراقي والقومي العربي الكبير المرحوم محمّد صديق شنشل ، أحد مؤسسي حزب الإستقلال ، والعامل النشط  في ميدان الكفاح القومي العربي ، فإن الفكرة الوطنية والقومية لتأسـيس هذا الحزب ترجع إلى السيد فائق السامرائي ، الذي سيغدو أحد مؤسسـي جبهة الإتحاد الوطني ـ قبيل ثورة 14/تموز/1958 ، والساعي الدؤوب لقيام الثورة ، وواضع برامجها منذ منتصف الخمسينات ، أو قبيل ذلك ، في المجال القانوني والزراعي ، والذي سيُبعَد إلى القاهرة بعد ثورة 14/7/1958 مباشرة ، بعد أن ((كان من المقرر أن يدخل في وزارة الثورة الأولي كوزير للداخلية ولكنه أستبعد)) . [23] .

    ((إن فكرة تأسيسه ـ أي فكرة تأسيس حزب الإستقلال ـ قد ترعرت في السجون والمعتقلات ، إثر الإحتلال البريطاني الثاني للعراق ، وجَـلْبها لسلطة الوصي المكروه عبد الإله ، ومساعده الأساس الثعلب الذي تمرس في الحكم العراقي نوري السعيد ، وتنصيبهما على إدارة النظام المرتبط بالنظام الإستعماري)) ، و ((كان صاحب الفكرة والداعي لها السيد فائق السامرائي)) . [24] . 

    ويقيناً إنَّ السيد السامرائي الذي قضّى فترات طويلة في السجون ، قد أدرك إن الإحتلال الإستعماري البريطاني ، وبإستخدامه الوسائل العسكرية للأرض العراقية ، وتمكنه من إعادة صنائعه لحكم النظام العراقي ، قد عاد بالعراق القهقرى ، وحاول تعليب الوعي الوطني العراقي على قياس مصالحه وتطلعاته ، إلى سـنوات إحتلاله العسكري الأولْ ، وهيمنته الكلية والمباشرة على الشؤون السياسية العراقية ، أي إلى سنوات تسلطه الأولى ، وممارسة دوره الإنفرادي في تقرير مصيره والتحكم في تطوراته ، كما هي أيام الإنتداب وشـراء الذمم ، كما كشـفت عنه الوثائق لاحقاً . [25] . فإختار إسم/مفهوم ((الإستقلال)) للتعبير عن ماهية الحزب الفكرية والسياسية ، في تعبير دقيق وصادق مع الذات ومع الآخر الوطني والقومي ، وموفق من الناحية التأصيلية والتواصلية مع التراث الوطني العراقي ، وتسجيل أمين لضرورات ومطالب المرحلة وطابعها الكفاحي .

     وفـوق ذاك ، أدرك أهمية المقاومة الوطنية الجَماعية للوجود والتدخـلات الإسـتعمارية البريطانية بغية إنجاز إستقلال وطني وقومي حقيقيين ، على المستوى السياسي العراقي والعربي ، مثلما لاحظَ ببصيرة واعية درجة التخلف النهضوي ، والفساد الإداري ، وخاصة في مستوياته العُليا ، والإفساد الإقتصادي الفردي والسلطوي ، الذي تعمَدَت السلطات المهيمنة والمتعاونين معها لنشره ، والذي شجعه المسـتعمرون الإنكليز بقوة ، ببصيرة واعية مُستمدة من الواقع الإجتماعي العراقي ، والظرف السياسي العربي .

     والذي أدى ـ من بين ما أدى ـ إلى بروز دور الإقطاع الزراعي ، والطبقة الإقطاعية ، وظهوره سياسياً بشكل ملموس في المجال الداخلي ، وما باتت تعانيه الأمة العربية جرّاء الإحتلال الإستعماري المباشر للعديد من الأجزاء من الأرض العربية ، والإمعان في سياسة التجزئة والتفرقة للأقطار العربية بصنع البدائل العرجاء ، خصوصاً وإنَّ الدور البريطاني ـ الصهيوني في تهويد فلسطين وتشجيع الهجرة والإستيطان ، كان بيناً وجلياً للمجموع الوطني والقومي العربي .

     الأمر الذي جعل مطالب وأهداف الإصلاح الإقتصادي والتقدم الإجتماعي والوحدة العربية في صُلب برنامجه السـياسـي وفكره الوطني العراقي والقومي العربي .

    وكانت الهيئة المؤسِسة تضُّمُ العديد من الأسماء المعروفة آنذاك ، والشخصيات الوطنية اللامعة ، المشهورة بدورها السياسي النشيط في أعوام الأربعينات ، وقد كان كلٌ من السيدين فائق السامرائي وصدّيق شنشل ضمن الأسماء الذين تقدموا بطلب الترخيص الرسمي لحزب الإستقلال الى وزارة الداخلية العراقية ، إلاّ أنّ وزير الداخلية الشخصية الديموقراطية الليبرالية السيد سعد صالح إرتأى ضرورة حذف إسم الشخصيتين الوطنيتين القوميتين من الهيئة التحضيرية ، خوفاً من إثارة السلطات الحكومية العليا ، في حال تضمن إسميهما طلب التأسيس ، كونهما من غير المرغوب فيهما من البلاط والإنكليز ، نظراً لإشتراكهما النشطين ، في حركة مايس 1941 الوطنية القومية التحررية .

    ومعلوم إن البلاط والإنكليز قد نظرا للحزب و قيامه نظرة حقد ، وبقيا يمقتانه ((أشد المقت لإعتقادهم بأنه الخلف الحقيقي لنادي المثنى الذي كانت له اليد الطولى في إثارة حوادث مايس 1491)) ، وفقاًَ لما ذكرته الشخصية الوطنية العراقية المرحوم كامل الجادرجي ، أحد مؤسسي الحزب الوطني الديموقراطي وقائده الفعلي في أوقات نشاطه العملي الوطني الديموقراطي العراقي ، السياسي والإنتخابي والنضالي . [26] .

    ولكن كيف إستقبل  الحزب الشيوعي العراقي عملية التأسيس لهذا الحزب الوطني فكراً وبرنامجاً ، وذي الرؤية القومية ؟ ، وكيف تلقى خبر المشاركين في الإنتفاضة الوطنية والقومية على المستعمرين الأجانب وعملائهم المحليين في عملية التأسيس ؟ ، سيما السيد فائق السامرائي المناضل منذ أواخر العشرينات ، والذي ((طُرِدَ من الدراسة نهائياً في 30/1/1927 ، بسبب إهتمام المستشارين البريطانيين على وجه الخصوص في قضية ضرب  الشرطة)) . [27] . كما يذكر ذلك المرحوم ساطع الحصري الذي كان آنذاك مفتشاً للمعارف ، وفي بعض الأحيان مديراً لدائرة الآثار العراقية .

    والذي تطرق أيضاً الى دوره القومي العربي التحرري المناهض للإستعمارين البريطاني والفرنسي الكاتب الأردني العربي السيد ممدوح الروسان في كتابه الأكاديمي الذي أُعِد للدراسة الجامعية المُسمى : العراق وقضايا الشرق العربي القومية 1941 ـ 1958 ، الذي جاء  فيه ، كان حزب الإستقلال العراقي في مقدمة الأحزاب العراقية التي ساندتْ المشروع الذي طرحه حزب الشعب السوري في مذكرته لشكري القوتلي في 23/11/1948 والتي ((أيدت مشروع الوحدة ووافقت وساهمت في الدعوة له والعمل على تحقيقه)) ، وأرسلت وفداً برئاسة فائق السامرائي وعضوية صديق شنشل الى سوريا ((للإتصال برجالات سوريا وأحزابها وقام الوفد بمهمته خير قيام وقدم السامرائي تقريراً للحزب عن إتصالاته في سوريا)) . [28] .

    إنّ الجواب على ذلك التسـاؤل ، تساؤلنا ، الذي ورد أعلاه ، يكمن بالتالي :

    لقد ثارت ثائرة الحزب الشـيوعي العراقي من عملية طلب الترخيص ، وإعتبر تأسيس حزب الإستقلال ، وتكونه : عملية منافسة له ، لذا فهو جزء ((من أجهزة الإستعمار)) ، بإعتبار إن الحزب الشيوعي هو الحزب الوطني والمكافح الجذري ضد الإستعمار البريطاني (؟!) ، خاصة وإن جوابه قد إقترن ببعض رموز الحزب الشيوعي  ممن يناوؤن حزب الإستقلال لأسباب دينية وقومية.... ممن يسيطرون على قيادته الفعلية كونهم من اليهود الصهاينة ، ويكافحون من أجل قيام كيان الإغتصاب الصهيون.... إنهم ((يكافحون الشيوعية في المدارس وفي الصحف المأجورة والديموقراطية المزيفة وفي الإذاعة وفي المؤسسات الدينية والأفلام الرجعية والدعايات التي يبثونها بين الناس عن طريق بعث الموتى من قبورهم ، عن طريق تكليف أرجاس الإنتهازية المفضوحة المهزومة)) !! .

 ويضيف الحزب الشيوعي مؤكداً : ((إن فايق السامرائي فيلسوف الشعوذة والدجل والرجعية والإستعمار بكل أجهزتها وطاقته على قياس داخلي وعالمي)) ! ! .

    ويصل الحزب الشيوعي في ذروة إنفعاله ، كي لا نستخدم تعبيراً آخر ، إلى التفوه بألفاظ غير مألوفة تستبطن تشكيكاً وطنياً وسياسياً به ، وإستخدام لغة شارعية لا تليق بأية هيئةٍ قيادية في حزب سياسي ، ناهيك عن كونها مفكِّرة ومسؤولة ، من خلال القول التالي :

     لقد ((إستطاع هذا التنظيم الذي ظهرَ بشكل عصابات متوحشة شرِِّسة مصَّاصة الدماء متكونة من أُناس هُم حثالة المجتمع ، من الشرطة السريين ، والمتأخرين سياسياً من الجماهير ، والمأجورين السَّفلة المنحطين ، عصابات بريطانيا التي هدّتها للسفك والقتل))!!.

    أما لماذا هذا الهجوم الدعائي البدائي غير المتحضر ، أي البعيد عن لغة الحوار السياسي الراقية ، كون السياسة هي التجسيد الأعلى للوعي الثقافي ، والتخرص الإستثنائي على التنظيم الوطني العراقي والقومي العربي : حزب الإستقلال العراقي ، و ما هي المناسبة المُستَّجِدَة التي دعت إليه ، وحرّضت عليه ، وجعلت قيادته تشمِّر عن قلمها لصبَّ جام حقدها المنافي للأخلاق الوطنية والحضارية.... أما لماذا هذا الهجوم وما هي مناسبته كي يُكتب من قِبَل قيادة حزب تدعو أعضائه لتقوية تنظيمات الحركة الوطنية ؟! .

    لأن حزب الإستقلال طالب بالعمل السياسي الشرعي المُعارِض ، أي أنه قدَّم وجهة نظر فكرية وسياسية مكتوبة ، ومن خلال برنامج سياسي محدد ، وعبر البرلمان الذي جاء معبِّراً قدر الإمكان عن الإرادة الشعبية ، مُرفِّقاً طلبه بحيثيات فكرية ووطنية وقومية ، نظرية وعملية ، تدعو لضرورة قيامِّه التنظيمي ، مُعبِّرا عن الطبقة الوسطى التي طحنتها الحرب العالمية الثانية بمطحنة حروبها وإستغلالها ، والإجراءات الملكية المختلفة التي أُتخذَت ضدها ، تلك الطبقة العراقية العريضة العدد والتكون والطموحات ، التي تؤيد العمل القومي العربي المنظَم .

    يقول الحزب الشيوعي بهذا الصدد : ((إن حزب الإستقلال يحتَّج ويغضب على الطبقات الحاكمة ، إنْ لم تمَكِّن الأحزاب القومية من مزاولة أعمالها ونشاطها السياسي ، وهو القيام بالنيابة عن ، مع الشرطة  : القوَّة الظاهرة بأعمال القمع الوحشـية والإرهاب البربري ضد الشيوعية أي ضد الحركة الوطنية الجبّارَة التحررية ، ومحاولة تفريق القوى ، وإرهاب قواها الإحتياطية)) . 

    وما هي جريرته السياسية ، وماهي أخطاؤه الإجتماعية ، وما هي الذنوب التي إرتكبها ، كي يصُب هذا الحزب ((الطبقي)) كل سعّار غضبه وغلِه على الحزب لم يرَ النور رسمياً مرةً أخرى ! ؟ .

     إن الجواب عن تلك الأســئلة نجــده عـنــد الذين أعــدُّوا التعــميم الحزبــي الذي يقول : ((إنَّ حزب الإسـتقلال يريد أنْ يعاود نشاطه السياسي وأعماله ، ولا يعتبر الشهادات التي قدَمها أعضاؤه في المحاكمات العُرفية ضد الوطنيين المناضلين المُخلصين ، ولا يعتبر أعمال الجاسوسية والخيانة المنظـمة ، والتخريب ، والإرهاب ضد الحركة الوطنية وأعضائها ، في كل مكان ، في المدارس وفي المظـاهرات ، لا يعتبر كل ذلك كافياً ، فهو يريد تنظيمات رسمية مُحترمة ! لها إجازة في العمل والنشاط القوي ، يعمل بصورة منتظمة ودائمة ، ولها تسليح وتدريب مستمران دائماً)) . [29] .

     إنَّ السؤال الذي يفرض نفسه على أي باحث هو التالي  :

    هل إن هذا التنظيم ((الطبقي الخالص والأممي القُح)) قد إستبقى شيئاً سلبياً لم يقله بحق هذا التنظيم الذي أثبتت الأيام إخلاصه الوطني والقومي ، وإيثار قياداته الأساسية ، المادي والمعنوي ؟ .

    إذا أجبنا على السؤال ذاك ، بشكلِ موضوعي وصادق مع الذات ومع الآخر ، فإننا نستطيع إدراك : لماذا حرّك أدواته راهناً ضد وجهة النظر الوطنية التي أطلقها التحالف الوطني في العراق ، بناءً على دراسـة معمقة للوضع العراقي ، في أبعاده الوطنية والقومية والإقليمية والعالمية ، بضرورة المصالحة الوطنية ! ! ؟ .

ــــــــــــ

الهوامش والملاحظات

[20] ـ راجع الجزء الأول من كتاب السيد حنّا بطاطو ، مصدر سبق ذكره ، ص 336 .

    [21] ـ راجع كتاب السيد خليل إبراهيم حسين المعنون موسوعة 14 تموز ، الجزء السادس ، الصادر ببغداد عام 1989 ، ص 397 .

    [22] ـ راجع كتاب السيد محمد مهدي كبة ، مذكراتي في صميم الأحداث ، إصدار دار الطليعة ، بيروت/لبنان ، عام 1965 ، ص 112  .

    [23] ـ راجع كتاب المؤرخ الدكتور فاضل حسين المعنون سقوط النظام الملكي ، الصادر عن    1974 ، ص 97 و 98 .

    [24] ـ ذكر ذلك السيد صدِّيق شنشل في تاريخ 15/1/1976 للسيد ليث الزبيدي ، والإستشهاد المذكور مقتطَع من كتاب عبد الله الجيزاني المعنون : حزب الإستقلال العراقي 1946 ـ 1958 ، التجربة الفكرية والممارسة السياسية ، الطبعة الأولى سنة 1994 ، دون ذكر لمكان الصدور ، ص 63  .

    [25] ـ راجع ، مثلاً ، التقرير السري لدائرة الإستخبارات البريطانية عن العشائر والسياسة الي ضمه الكتاب الصادر بنفس الإسم ، وهو كتاب يبين الأحوال الإجتماعية والسياسية للعشائر العراقية وعلاقتها بالإدارة البريطانية ، وقد نقله إلى اللغة العربية الدكتور عبد الجليل الطاهر ، الذي أصدرته ، مرة أخرى ، إنتشارات الشريف الرضي سنة 1413 هجرية ، الطبعة الأولى ، قـم ـ أيران . والذي يؤكد المؤلف إنَّ الكتاب ((أعدته دائرة الإستخبارات البريطانية في العراق ليكون دليلاً ومُرشـداً لقواتها المسلَّحة وحكَّامها السياسيين في إدارة المناطق العشائرية ، بالإعتماد على الموالين لسياستها ، تلك السياسة التي أعلنت خرافتها المشهورة ، وإسطورتها الكاذبة في سنة 1923 بأَنَّ أصلح طبقة لحكم العراق هم شيوخ العشائر ورؤسـائها ، وإنَّ المثقفين في المدن لا يصلحون لحكم البلاد وإدارتها . وهكذا تواطئت الركائز الثلاث : الإستعمار والإقطاع والملكية الفاسدة ، ووضعت الأسس الواهية لكيانه الفاسد)) ، ص 11 ـ 12 وذلك من المقدمة التي كتبها المؤلِّف في 25/تشرين الأول/1958 .

    كما يمكن مراجعة الرؤية البريطانية التي ضمَّها كتاب السيد فريق مزهر الفرعون حول ثورة العشرين ، الواردة أَعلاه . 

    [26] ـ راجع مذكراته الموسومة بإسم مذكرات كامل الجادرجي ، من إصدار دار الطليعة ، بيروت/لبنان ، عام 1970 ، ص 212 ، نقلاً عن كتاب السيد عبد الله جيزاني ، المعنون يإسم : حزب الإستقلال العراقي 1946 ـ 1958 ، التجربة الفكرية والممارسات السياسية ، الطبعة الأولى ، في عام 1994 ، من إصدار المؤلف الخاص ، ص 65 .

    [27] ـ راجع كتاب المؤلف الموسـوم : مذكرتي في العراق ، الجزء الأول ، إصدار دار الطليعة ، بيروت/لبنان ، الطبعة الأولى في 1968 ، ص 571 .

    [28] ـ راجع كتاب الدكتور ممدوع الروسان ، العراق وقضايا الشرق القومية 1941 ـ 1958 ، إصدار المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت/لبنان ، الطبعة الأولى ، ص 172 .

    [29] ـ راجع التعميم السياسـي الصادر عن الحزب المذكور ، والمعنون بسؤال يقول محتواه : ((ما هو المغزى للجلسة البرامانية المشتركة !؟)) ، والمؤرخة في 2/12/1948 والمنقولة حرفياً عن الكتاب الوثائقي : موسوعة سـرِّية خاصة بالحزب الشيوعي العراقي السري ، الجزء الثالث ، طباعة عام 1949 ، إصدار الشرطة العامة ، شعبة التحقيقات الجنائية ببغداد ، ص 397 ـ 398  .

شبكة البصرة

 الثلاثاء 15 ربيع الثاني 1426 / 24 آيار 2005

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس