حوار على ضوء المباديء والتاريخ

بين الرؤية الوطنية ومدعِّي الموقف الوطني

إصدار جريدة نداء الوطن أوائل عام 2002

الجزء الأول

شبكة البصرة

باقر الصراّف

الأنا الحزبية هي المعيار

وليذهب التقييم الموضوعي إلى الجحيم

الحلقة الثامنة عشر

    وســيعلن المؤتمر الثالث للحزب الشــيوعي العراقي ، الذي دخل الجبهة الوطنية التقدمية ، وعمل جنباً الى جنب تحت راية حزب البعث العربي الإشتراكي ، وميثاقه الوطني ، لمدة خمس الى ست سنوات ، والذي إنعقد في عام 1976 حربه الشعواء ، الفكرية والسياسية والعملية والمسلحَّة ، على الحليف السابق الذي آواه في سنوات المحنة والتشرد والرُعب ، وأسكنه وأطعمه في أوقات بعد تفرقه أيدي سبأ ومعاناة الجوع والمسغبة ، ومولَـه بالسلاح وآمنه من خوف ، وذلك قبل تحالفه مع الحزب الذي يقود السـلطة في النظام والحكومة في الجبهة الوطنية التي إنبثقت رسمياً عام 1973 ، نعني به الحزب الديموقراطي الكردستاني بقيادة الملاّ مصطفى البارزاني ، ويصنِّف حركته المسّلَحة ويصفها بمختلف النعوت ، وذلك في إطار تقييمه للوضع السياسي القائم آنذاك بالقول :

    ((ويقف في مقدمة منجزات الجبهة الوطنية وضع قانون الحكم الذاتي لمنطقة كردستان وتصفية التمرد الرجعي اليميني فيها)) و((إنَّ إنهيار التمرد الرجعي المسلح خلق إمكانية موضوعية أفضل لتطبيق الحل السلمي ـ الديموقراطي)) . [37] .

    ناهيك عن المقالات المتتابعة ، والمقابلات المتواترة للسيد كريم أحمد ، عضو المكتب السياسي للحزب المذكور آنفاً ، والأمين العام للحزب الشيوعي الكردستاني راهنا ، في مجلة ((البلاغ)) التي كانت تصدر في بيروت في أعوام السبعينات من القرن الماضي .

    وعندما حدثت مظاهرة عفوية ، قادها عددٌ من أبناء النجف وهم في طريقهم الى كربلاء ، في مواكبة العزاءات الحسـينية الراجلـة الى زيارة مرقـد الإمام الحسين (ع) ، وكان غالبيتهم نصف متعلمين سياسياً ، كما تقول ذلك مجلة ((ألف باء)) ،  وسوقت {كذلك} المقابلة الصحفية ، لرئس تحريرها آنذاك : السيد حسن العلوي ، وبالتالي حرّض على إعدامهم ، رأى الحزب الشيوعي العراق ذلك التظاهر العفوي يشـكِّل :

    ((تفاقماً في النشاطات التآمرية الموحى بها من قِبَل الأوساط الإمبريالية والرجعية والإحتكارات البترولية ، المعادية للسلطة الوطنية ولمسيرة قطرنا الثورية (...و) إن هذا النشاط ((الديني الطائفي)) المعادي للسلطة الوطنية ما هو إلاّ ستار لمؤامرة رجعية إمبريالية تستهدف المسيرة الثورية لبلادنا ، ومكتسبات شعبنا ، وكل منجزات ثورة 17 ـ 30/ تمـوز 1968 التقدمية)) .

    إنّ مظاهرة عفوية تُشَــكِل في نظرهم ستار لمؤامرة تسـتهدف كل المنجزات والســلطة ، لذا فالأمر الطبيعي الى أنْ يعتبر هذه النشاطات ،  هي المقدمة لما يمكن أن تبرز في المستقبل ، على سبيل الرجم في ((الغيب)) ـ أو تواصلاً مع تاريخ مديد من الإتهامات المجانية للآخرين ـ وإكتشاف التطورات المجهولة التي قد تفرزها الإحتكارات البترولية ، ((ويعتبر هذه النشاطات التآمرية المعادية ، تحت أية صورة ظهرت ، وبأي شعار تسترت موجهة لجموع الشعب العراقي)) .

    وإنطلاقاً من التحالف الوطني والتقدمي في إطار ((الجبهة الوطنية التقدمية)) ، ومن أجل تمتين هذا التحالف ، وتقوية الأواصر مع هذا الحزب الحليف والحاكم ، كان من الواجب الحزبي أنْ يدعو المكتب السياسي للحزب الشيوعي أعضاءه للتطوع في مطاردة الخصوم و ملاحقة ((الدينيين الطائفيين)) ، داعياً أعضاءه الى الإستجابة للضرورة القصوى التي تفرض العمل المشترك ((ضد التآمر وأعمال التخريب والإستفزاز ، وفضح (...) هذه التحركات وأهدافها وإرتباطاتها بالإمبريالية والرجعية)) .

    ويؤكد الحزب على أنّ هذا العمل المشترك ، ومواظبته ستجعل هذه المؤامرة العالمية التي تناغمت فيها أعمال الرجعية والجهات الإمبريالية الإحتكارات البترولية نهايتها محتومة ، ومصيرها الفشـل والخيبة والإندحار .

    إنَّ هـذه المســيرة الظـافِــرة ســتلحق حتماً ((هزيمة أخرى بقوى الظلام والرجعية والإمبريالية)) لأنَّ الحزب ومكتب اللجنة المركزية السياسي ((على ثقة من أنّ شعبنا وسلطته الوطنية وقواه التقدمية المؤتلفة في الجبهة الوطنية والقومية التقدمية ستواصل بثبات مسيرتها الظافرة)) . [38]  .

        ورأت اللجنة المركزية للـحـزب المذكــور في تنفيذ أحكام الإعدام بالذين تظاهروا نوع من ((إجراءات الحزم ضد النشاط التآمري وحق من حقوق الثورة ، ومبدأ يحدد واجبات القوى الثورية في صيانة منجزاتها)) . [39] . .

    وعندما حصـل خلاف ميداني بين هذا الحزب المُســلَّح بالأيديولوجية الماركســية ــ اللينينية التي تنير له الطريق ، وبين الإتحاد الوطني الكردستاني {أوك} ، التنظيم القومي الكردي ، والذي كان يمكن حله بقليل من الصبر والمرونة والإبتعاد عن قيادة الحزب الديموقراطي الكردستاني ، والنأي عن خطط ذلك الحزب الرامية للإستحواذ على قرار الحركة الكردية المسلحة ، وتوظيفه في الحرب العراقية ـ الإيرانية ، الناشبة أوارها آنذاك ، والذي تطور فيه هذا الصراع الى مرحلة الصراع العنيف والقتال المُسلح ، أصدر الحزب الشيوعي العراقي بياناً جاء فيه :

    ((أقدمت قيادة {أوك} في الأول من آيار الجاري على إرتكاب جريمة بشعة لم يسـبق لها مثيل (...) ودلَّت وقائع الهجوم الوحشـي الغادر على إنحطاط خُلُقي كبير ، وحقد دفين يتملك قادة {أوك})) ..... 

    إنَّ ((إمعانهم في هذا الســلوك الإجـرامـي ، وتصعيده الى هذه الـدرجـة البشــعة ، يثبت إنهم بعيدون كل البعد عن البرنامج الذي يدّعون العمل من أجل تحقيقه ، ويشير الى ضلوعهم في تنفيذ مخطط تآمري رجعي إمبريالي في المنطقة كلها ، وليس في  العراق وحده)) . . .

    وبعد كل هذه الصـفات ((المقرفة)) لتنظيم {أوك} بمختلف تنظيماته التكوينية ، وإنغماره الواعي في المخطط المعادي ، يؤكد الحزب الشيوعي على غائية هذا العمل المبرمج ، إذ يقول الحزب ((فلا يمكن أن يكون محض صدفة إعلان قادة {أوك} الحرب ضد الجبهة الوطنية الديموقراطية ، وإرتكاب هذه الجرائم البشعة ضد مناضلي حزبنا وأنصاره ، في نفس الوقت الذي يشتّدُ فيه التآمر الإمبريالي على سوريا الصامدة وتهديدها بعدوان جديد ، وإشتداد حِدة الهجوم ضد القوى التقدمية في المنطقة ، والحملة ضد الشيوعية ، والسعي لنسف الثورة الإيرانية كلياً من الداخل بدسائس من دوائر التجسس الإمبريالية)) ، {وماذا نقول عن الظرف الراهن : ظروف العولمة ، والقوة العسـكرية الواحدة المهيمنة والتي تتطـلع إلى فرض المزيد من الهيمنة ! ؟}.....

    إنها ، إذاً ، الحرب الشـاملة ضد الجبهة التي يؤدي الحزب فيها جهداً متواضـعاً ـ رغم إنَّ طرفاً واحداً من مكوناتها لم يتدخل فيها ـ  وهي جزء من المؤامرة العالمية على سوريا التقدمية ، والدسائس الداخلية على إيران الثورة ، وليس قيادتها ونهجها فقط ، ومحاربة القوى التقدمية في المنطقة ، علاوة على الشيوعية العالمية ، تنفذها دوائر التجسس الإمبريالية ، لذا فالأمر الطبيعي أن تغدو ((دماء الشهداء الأبرار الذين سقطوا صرعى عدوان {أوك...} لطخة عار في جبين القتلة المجرمين مُفرقي الصفوف ، الضالعين في المخططات الرجعية الإمبريالية)) . [40]  .

    وكان الحزب قد أكد على الطبيعة التحالفية مع الـ{أوك} قبل  أقل من ثلاثة شهور بقوله  إننا : ((في علاقة تعاون معكم ثبتناها في البيان المشترك في تموز 1982 والمحضر المشترك في شباط/1983 ، كما إننا جميعاً قد وقعنا إتفاق طرابلس من أجل تحقيق هدف قيام الجبهة الوطنية العريضة)) . [41] .

     فكيف أصبحت هذه الجماعة التي تأتمر بدوائر التجسس للإمبريالية بعد أشهر قليلة فقط حليفة اليوم ! ؟ ـ

    إن قراءة مفردات الإدانات المتتالية والتوصيفات المتشابهة المتتابعة ، التي إستندت الى {التحليل العلمي العميق !} وإلى {النظر المدقق !} لكل الظروف العالمية والإقليمية والقومية العربية والوطنية العراقية ، كما يروج عن ((رؤيته الشيوعية الدائمة)) ، والتي صدرت عن هذا الحزب ذي المصلحة ((الطبقية البروليتارية)) ، وبكل التوصيفات التي ألصقها بأغلبية الأحزاب العراقية وتنظيماتها وشخصياتها ، كما تقدم رصدها وإيرادها عبر الإستشهادات المكثفة ، ولكنها الموجزة جداً ، التي ذكرها الكتّاب المعايشون لها ، والتي أثبتت التطورات التاريخية صدق روايتها وصحة وقائعهاالتاريخية ، أو الوثائق والبيانات التي أصدرها الحزب على أعلى مستوياته القيادية ، وغيرها الكثير الكثير مما نحتفظ به ، تفسح لنا المجال الموضوعي والسياق التاريخي والإستنتاج المنطقي ، وبكل الطمأنينة الكاملة ، وبضمير وطني عراقي وقومي عربي وحضاري ديني تاريخي ، هاديء البال وموفور الثقة ، للقول :

    إنَّ السـيد الكاتب المنتقِد من سويسرا ، وأتـرابه وزملائه وأقرانه مِمَنْ يعيشـون أويصــدرون أويشــرفــون أو يوجهون أصحاب تلك المقالات والتعليقات والتوصيفات الواردة في تلك النشرات ، والصحف أيضاً ، من الذين شنُّوا حملات الإفتراء والتشويه ضد ((نداء الوطن)) ، وألحقوا بها كل الإتهامات الظالمة ، والحجج الزائفة ، والمقولات المحفوظة درخاً دون تبصر بمضامينها وكنه غايتها ، يمتحون ألفاظهم النابية وشتائمهم السـقيمة وتوصيفاتهم المنحطة ، مثلما يغرفون أفكارهم المكرورة المُصابة بمرض التورم الذاتي ، والإعتقاد بأن العالم الفكري والموقف الوطني يدور حول ذاتهم السياسية وتنظيمهم الحزبي .... يمتحون ويغرفون من ذلك المستنقع الآسن المتقيح ، ومن الممارسات القميئة القبيحة المليئة بتوصيفات الصـلافة المتمحورة على العمالة ، وكلمات الكذب والنميمة على الآخر اُلمخْتَلَف معه ، ومراكمة الإفك وتكراره إسـتجابة للمقولة الغوبلزية : إكذب...إكذب ...إكذب حتى يصدّقك الناس ، وإقران كل ذلك بالسُباب الكريـه الذي يدُّل على النوعية الرديئة لحامليه وقائليه  .

ـــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش والتوضيحات

[37] ـ راجع الكتاب الذي صدر عن الحزب الشيوعي ـ القاعدة المعنون وثائق : في تقييم سياسة الحزب الشيوعي العراقي لسني 1958 ـ 1983 ، وملاحق ، الطبعة الثالثة في كانون الأول 1988 ، دون ذكر لإسم المؤلف أو لمكان الصدور ، ص 69 . والكتاب يتحدث عن سياسة الحزب الشيوعي في كل المجالات السياسية من وجهة نظر سياسية يسارية متطرفة ، مع إبداء الولاء السياسي لأحد الأطراف الكردية .

   [38] ـ من التوجيه الداخلي للمكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي الصادر في 8/ شباط /1977 ، نقلاً عن النص الكامل الذي تضمنه كتاب السـيد صلاح الخرسان ، مصدر سبق ذكره ، ص 158 ـ 159 .

   [39] ـ راجع محتوى بيانه السياسي عن تلك المناسبة المنشور على الصفحة 160 من كتاب السيد الخرسـان ، الصادر بتاريخ 18/ شباط / 1977 ، وعلى ضوئه كُتِبَت إفتتاحية ((طريق الشعب)) بتاريخ 27/ شباط / 1977  ، الجريدة المركزية الناطقة بإسم الحزب ، مصدر سبق ذكره .

   [40] ـ راجع البيان السياسي الصادر عن المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي بتاريخ 8/5/1983 ، الذي نُشِـرَ ضمن باب الوثائق في كتاب السيد الخرسان ، مصدر سبق ذكره ، وعلى الصفحة 289 ـ 296  .

  [41] ـ راجع المصدر السابق ، ص 283 ـ 288 ، وخصوصاً الصفحة 287 .  

شبكة البصرة

الخميس 17 ربيع الثاني 1426 / 26 آيار 2005

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس