حوار على ضوء المباديء والتاريخ

بين الرؤية الوطنية ومدعِّي الموقف الوطني

إصدار جريدة نداء الوطن أوائل عام 2002

الجزء الأول

شبكة البصرة

باقر الصراّف

المُقَدَّمَةُ

لماذا هذا الكتاب؟

الحلقة الأولى

    يتعرض العراق إلى حرب عدوانية مديدة ، تسـتهدف تجزئة وحدة الوطن وتفتيت تكوينه المجتمعي ، وإنهاء دور دولته الوطني والقومي العربي ، وذلك في سياق مخطط أمريكي ترافق مع نظام قطبيتها المتفردة ، ووجـوب طاعة سياسة عولمتها المفروضة على الجميع ، كما يشـاء الإسـتكبار الأمريكي ، هـذا هـو جـوهـر الموضوع السـياسـي ، وطابـع الصراع الذي يدور رحاه في المنطقة ـ وبرمته ـ ولم نكن من السـذاجة بمكان لكي نخدع أنفسـنا تحت أيَ حجةٍ كانت ، لكي تنحرف رؤيتنا نحو سرابات متعددة : كحقوق الإنسان العراقي ، أو إنقاذ أُسـرة آل صباح بذريعة تحرير الكويت ، أو بسبب عدوانية النظـام العراقي ... وغيرها من مبررات وذرائع تسـتهدف : ((التوســل بما هو مصلحة تؤدي إلى مفسـدةٍ)) ، أي تحطيم دولة العراق بتجزئتها حسـب سـاكنيها من أثنيات وطـوائف ، وتفتيت مكوناتها الإجتماعية ، وحيث أن ((دفع الضـرر مُقَدَّم على جلب المنفعة)) ، الفكرة المـركزية في رؤيتنا السـياسـية راهناً ، أي سـياسـة الدفاع عن الوطن المعروفة تاريخياً ، فقد كـان جهدنا الفكري ينطلق من تلك الحيثيات ، وكذلك ينطلق من المعايير التي تتعلق بأولوية الرؤية الوطنية العراقية على ما عداها من رؤى سـياسـية وفكرية وإجتماعية .

    لقد كان الصراع أو النزاع بين أمتنا العربية ؛ ووطننـا العراقـي ؛ بضمنها ، مـن ناحية ، وأعدائهمـا الإستعماريين والإمبرياليين ، على تعدد مسـمياتهم وتنوع غزواتهم وإختلاف سياساتهم ، من ناحية ثانية ، منذ قرون عدة ، وهُم في كل فعلهم السياسي يستهدفون تحقيق مراميهم الخاصة على مختلف الصُعُد . ذلك هو الناظم الأساسي لمكونات فكرهم الإستراتيجي ، ومناهجهم العملية المختلفة ، وممارساتهم التي قد تكون متباينة في حِّـدة إجرامه

    ومَـنْ يراجع صفحات التاريخ البشـري على مدى السنوات التي تلت الحرب الأوربية الغربية : الحرب الفرنسية ـ البريطانية ضد الوطن العربي ، في شمال أفريقيا والمشرق العربي ، خصوصاً الحرب البريطانية ضد نهضة مصر الحديثة في القرن التاسع عشر ، بالرغم من أن قادتها خاضوا غمار الحرب ضد عدوتها : الإمبراطورية العثمانية ، وتجزئة المشرق العربي إلى دول ودويلات ، والتخطيط لإقامة كيان الإغتصاب الصهيوني ، وسـط الوطن العربي ، أي منذ الصعود الأوروبي الرأسمالي ، في الصناعة والزراعة ، والتوسع الإستعماري بحثاً عن الأسواق والمواد الأولية والمناطق الإستراتيجية العسكرية ، يكتشف ذلك بالملموس بيسر وسهولة .     إنَّ قـراءة الأستاذ محمد حسنين هيكل للتاريخ ، مثلاً ، كما تجلت بكتبه الخمسة ، ذات الثمانية أجزاء ، والمسمَّى بعضها : {حرب الثلاثين عاماً ، ( ملفات السويس ، سنوات الغليان ، الإنفجار ، الحرب والسياسة الخاص بحرب تشرين أول 1973 ، حرب الخليج : (( أوهام القوة والنصر)) إضافة إلى كتب المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل بأجزائه الثلاثة ، وهي مصادر مكتوبة ومطبوعة ومعروضة في مكتبات السوق ، وباللغة العربية ، ومتاحة بيسر وسهولة أمام المجموع الذي يريد المتابعة والقراءة الهادفة} ، وما تحتويه تلك الأجزاء من وثائق غزيرة ، وما تنطوي عليه من وقائع عملية ملموسة ، تبرهن على إستمرارية فعل وعمل ذلك الناظم ، بلـهَ ما يفيض عن الحاجة للإقتناع بصحة ذلك الإستنتاج لجميع الوطنيين المخلصين لأقطارهم ، ولجميع القوميين العرب المؤمنين بأمتهم العربية المجيدة ، وللمنتمين للحضارة التاريخية الإسلامية .

    ناهيك طبعاً عن آلاف الوقائع التي رأينا أو سمعنا أو لمسنا مفرداتها المأساوية خلال الصراع الأفريقي العربي مع الإستعمار الفرنسي ، خصوصاً الملحمة البطولية الجزائرية التي تصاعدت في الخمسينات من القرن المنصرم ، وكذلك الصراع البريطاني والفرنسي مع المشرق العربي الأسيوي ، وأيضاً سنوات إحتلال وإغتصاب فلسطين العربية التي ما تزال مستمرة ، ومفردات الحرب العدوانية الأمريكية الأخيرة والراهنة ضد الدولة العراقية . . . وغيرهـا الكثير من الأحداث والوفير من الصفحات .

    إن تلك الوقائع العدوانية : السـياسية والعسكرية الحربية ، ومجمل السياسة الغربية ، في مراحلها الأوربية ، والأوروبية/الصهيونية ، والأمريكية /الصهيونية ، أي منذ الحروب الصليبية والصعود الرأسمالي الأوروبي ، تجاه الوطن العربي ، بأقطاره المتنوعة ، وتجاه العالم الإسلامي ببلدانه الكثيرة ، وشعوب بلدان العالم غير الأوروبي (الغربي خصوصاً) ، قد جعلتنا نحدد رؤيتنا الفكرية وموقفنا السياسي ، منذ عشية العدوان العسـكري الهمجي المباشـر على الدولة العراقية في العام 1991 ، أي منذ الدخول العراقي للكويت في 2/8/1990 ، بوضوح مبدئي واضح وصريح وسياسي حازم وبَيْنْ ، ولم نقل ما قاله الذين إعترضوا على تاريخ نشوب كومونة باريس ، بذريعة عدم توقيتها الملائم ، لأننا لمسنا مَنْ تَحكَّم بتوقيتها الأساس ، وإندلاع أحداثها الرئيسة : أي الولايات المتحدة الأمريكية ، ناهيك عن معرفتنا الدقيقة بالأهداف السياسية الغربية والصهيونية بصدد منطقتنا العربية وعالمنا الإسلامي ، وعموم العالم الجنوبي .

شبكة البصرة

الاثنين 30 ربيع الاول 1426 / 9 آيار 2005

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس